سعد الساعدي: ما هي نظرية التحليل والارتقاء، مدرسة النقد التجديدية؟ (تعريف موجز)

بعد أن رأت الضوء الآن نظرية التحليل والارتقاء النقدية، وصدور الكتاب الذي يتضمنها عن دار المتن للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد؛ نرى من الضروري الوقوف ولو جزئياً على تبيين أهم ما تدعو له أمام المتلقي: الناقد والباحث والقارئ المتابع لكل جديد.
المقصد الرئيس هنا ما يلزم الناقد من اشتغالات جديدة بخطوات متتالية تعريفية بعد تحديدها عند الوقوف أمام نص أدبي مثلاً أو لوحة تشكيلية، أو استعراض كتابٍ ودراسةٍ في أي مجال من مجالات الثقافة والحياة، لأنه متفاعل مع واقع يختلف عن واقع مضى منذ عشرات أو مئات السنين؛ بمعنى أن الناقد التجديدي يجب عليه معرفة أن الزمن الحالي قد فارق الزمن الذي كان يسمى الحداثة وما بعدها حين صرنا في زمن لاحق اسمه التجديدية القائمة بذاتها كمفهوم حضاري
قد يحتاج الناقد لطرح مجموعة من الأسئلة المباشرة، هي خطة عمله في النقد أول أمره؛ بالضبط كالباحث العلمي بوجود الكثير من المتغيرات الواضحة التي يضعها في حسابه؛ تطبَّق عليها نظريته أو وجهة نظره في التحليل النقدي استناداً لما سيقدمه هذا البحث التجديدي، ومن ثَمَّ يصل الى الحل الذي يوقن بأنه الأمثل؛ أي الوصول الى الخلاصة النهائية في تقديم طروحاته النقدية للعمل الذي يشتغل عليه بأدواته الجديدة المغايرة الى حدٍّ كبير على ما تعارف عليه النقاد وفق قوالبهم القديمة حتى وإن استعان بها كداعم فرعي، وليس الأساس الأول أو الابتكاري الأصيل في التحليل.
الهدف المهم من (نظرية التحليل والارتقاء) هو اظهار شيء لم يكن موجوداً سابقاً، للعلن؛ للمساعدة في خلق الحالات الإبداعية التي يمكننا تسميتها الارتقاء بالمبدعين الجدد (الشباب أو من هم أكبر) عند التعرض لأعمالهم ونقدها بالصورة التجديدية. ومما لا شكّ فيه تعد وظيفة الناقد التجديدي هنا هي وظيفة بحثية خالصة استناداً للمنهجية العلمية التي يسير عليها طالما كانت مشكلة البحث (الانتاج الجديد) ذات قيمة يراها الناقد، والتي هي ضمن مجال اختصاصه، لا هو هجين عليها، ولا هي غريبة عنه. في مثل هذه الحالات سنجد ولادة نقد تجديدي في غاية الرفعة يكاد يصل الى حدّ التكامل البنائي الفني اذا تعرَّض هو الآخر لنقد يشاكله ويشابهه، وإفراز منظومة نقدية تستحق العناية والاهتمام من المتلقين والباحثين والمنتجين كأدباء وشعراء مثلاً.
لذا على الناقد الالتزام مع نفسه أنَّ كل ما يقوم به ينطلق من الواقع وليس من الافتراضات الظنية، حتى لو خالفه ناقد آخر، وعَدَّ هذا النقد بقلِّة شموليته البحثية، لأن الناقد الجديد لابد أن يضيف ولو بعض الأجزاء الأخرى التي يراها جديدة، وبذا تكون العملية تكاملية اذا تعرض للعمل أكثر من ناقد. فما يحتاجه المتلقي اليوم هو الرسالة القصيرة بالدلالات العميقة الواضحة، وليس إغراقه في يمٍّ من الظلمات التي هو في غنى عنها، اضافة الى ما يحتاجه أيضاً الكاتب ليستمر بمعرفة من أين بدأ، والى أين وصل، وكيف يزيد من إبداعه ويطوره للوصول الى رسالة سامية هي في الحقيقة ثمرة؛ أحد رعاتها الناقد الناجح
تنطلق منابع التحليل النقدي في النظرية استناداً لعلم الاتصال الذي يحدد مسير الرسالة الاعلامية من مرسل الى متلقي عبر وسيلة، ومن ثَمَّ رجع الصدى لمعرفة تأثير الرسالة كون النّاص أو أي مشتغل ابداعي هو صاحب رسالة اعلامية؛ كل ذلك من خلال مرتكزات التحليل عبر اللغة والمعنى والجمال، ومعرفة فلسفة العمل الحركية (للنص أو أي انتاج منبعث) للوصول الى الفكرة العامة عبر القصدية الانشائية التي اشتغل عليها باعث ذلك الانتاج. وترى نظرية التحليل والارتقاء: أنَّ الفكرة أسبق من الكتابة، واللغة أسبق من الدلالة، والدلالة الجزئية تتشكل من اتساق عام يعطي المعنى الكلي على اعتبار تحليل مضمون الرسالة الاتصالية لدلالة كلية ماهيتها جوهر النص حين تحليله، وليس حصيلة ناتجة عن لغات وثقافات أخرى كما يرى البعض. بينما نرى في نظرية التحليل: أنَّ الذات المبدعة هي الفاعل الأول، والمحرك التوليدي الاساس بامتلاك الموهبة وقدرة البعث والاشتقاق، وتشكيل ألوان الابداع بوجود المؤثرات أو لا، اضافة لخلق بؤر نصية جانبية أو عامة كجزء متمم لفكرة الموضوع من خلال لغة النص؛ تساعد بإحالة المتلقي لجوانب عديدة في النص. كما ترى النظرية أنَّ عنصرين مهمين غفلتها أغلب المناهج النقدية عن النص كمعيار مهم من معاييره وهما:
فلسفة النص الحركية: التي تعني الفكرة الأصلية التي يتبناها الناصّ، وطرح قضية تصورية نابعة من ذات الناص للعلن، وبمعنى أدق هي فلسفة الناص الشخصية في الحياة، والتي منها تتحدد مفاهيمه ومقاصده ودوافع كتابته. والمعيار الثاني سيكولوجية النص الكامنة: التي تحدد الحالة الشعورية للكاتب عبر ادراكه واحساسه بما موجود كحالة انعكاسية لما يعانيه ويعيشه هو والمجتمع الذي ينتمي اليه، أي ولادة حالة انبعاث جديدة متأثرة بدوافع كثيرة، وارهاصات أضفت صبغتها على النص. وتكشف النظرية أيضاً أنَّ: دلالات النص ومعانيه لا تنبثق من الداخل فقط دون رجعة كما تشير لذلك بعض المناهج النقدية، إنما تعود اليه وفق شكل العلاقات العام. علماً أن الاشتغال النقدي للنظرية رغم أنه انطلق من ساحة الأدب كتطبيق؛ لكن يمكن إحالته واسقاطه على أي اشتغال ابداعي انساني آخر.
مع اللغة التي كُتب بها النص، والمعنى العام الذي غلف بناءه؛ تبقى الصور الكلية من مجموعة أجزاء متجمعة؛ على الناقد إما جمعها كليّة بهيكل واحد، أو تفصيلها بشكل جديد يضفي على النص جماليته التامة، وهذا الذي يمكن تسميته مرتكز الجمال في النص.
وترى النظرية أيضاً أنه لم تعد اليوم النظرة لجمالية النص – عبر صورها المتعددة- وحدها الكاشف الحقيقي في التحليل كما هو العهد سابقاً حين كان ينظر للجمال بأنه العامل المهم الاساسي في بناء التشكيل النصي الذي على ضوئه يدرس النص أو أي عمل مُنتج، ومن ثمة استخراج بواطن خفية يعدّها النقاد أنها الجوهر التام لما جاء به منشئ العمل؛ بل أصبح الجمال أحد أطراف العملية النقدية استناداً للغة مُختارة وفق سياقات وانساق تحمل سيميائية غزيرة المعاني تتحد جميعها بإعطاء صورة واضحة نقدية يشتغل عليها الناقد التجديدي عبر تطويق النتاج بأطر معدة ومحددة مسبقاً لفهم فلسفة العمل والسيكولوجية الكائنة من أجل توليد ابستمولوجيا عامة تظهر إما بالتدريج، أو كدفق تصاعدي يكتمل بكتلة تعريفية كاشفة حقيقة العمل ودوافع انبعاثه. وتثب النظرية جديداً وهو إنَّ مساحة النص الجمالية – أمام الناقد- بظهورها العام بعنصري اللغة ودلالة الاشارة اللاحقة تعطي توسعة في دلالة المعنى تقبل التأويل والتعدد الفهمي، لأنها تضيف للنص الوضوح الحقيقي.
كل ذلك من أجل عدم فشل رسالة الناقد الاتصالية، لأنها إنْ اشتغلت بعيداً عن الواقع؛ سيتحقق ذلك (أي الفشل) ولا تعطي الغرض المطلوب، ويمكن تسمية النقد بلا نقد أصلاً، ويختلط الابداع مع اللاابداع، وتحل فوضى اللغو بدلاً عن وجود جمال تبغيه اللغة وتشعب معاني مفرداتها.
ملاحظة: تم توثيق النظرية في أكاديمية العلوم التربوية الأمريكية ونشرت أغلب مباحثها باللغة الانكليزية عام2020 في مجلتها المحكمة، وصدرت بكتاب عربي مؤخراً عن دار المتن في بغداد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صدر عن دار الورشة الثقافية في بغداد 2021 كتاب النقد الأدبي الموسوم ( البطل الإشكالي في مسرودات احمد خلف) للناقد احمد عواد الخزاعي

  صدر عن دار الورشة الثقافية في بغداد 2021  كتاب النقد الأدبي الموسوم ( البطل …

” الاغتراب الصوفي الأندلسي”، كتاب جديد للباحث المغربي علي كرزازي موسوم

وهو مشروع دراسة وصفية موضوعاتية لظاهرة الاغتراب عند متصوفة الأندلس ، مع التركيز على ابن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *