العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة عن دار الصواف للطباعة والنشر الطبعة الاولى لسنة 2019
تحتوي المجموعة على ستين نص بمائة وثلاثين صفحة . تضع بين ايدينا عصارة فكرها ومشاعرها فكان لزاما علينا ان نتفحصه محاولا استخراج ما غاب في أعماق وجدانها
المجموعة بغلافها الجميل الذي زين بلوحة فنية تجريدية
( لوحة الغلاف) للفنان المرحوم كامل حسين، الذي أعتمد هذا الفن ببساطة الاشكال والالوان وأدوات الايماء، واعادة تشكيل الواقع بالأشكال الهندسية، طريقة اعتمدها رواد المدرسة التجريدية في الفن التشكيلي، حيث يبتعد هذا النوع من الفنون عن الوصف الدقيق لواقعية الاشياء أو طبيعتها ،حيث لاتصف اللوحة او المنحوتة كائنا معينا أو مكانا ما فما يراه الناظر ما هو الا لون العمل الفني وحجمه والاشكال المستخدمة لرسمه، وما يحتويه من آثار ضربات الفرشاة. يعبر الفنان عن حالته النفسية من خلال المساحات والاشكال بالألوان ،يعطي للمشاهد فرصة تفسير العمل كما يراه بنظرته الخاصة ،
وكما يعرف التجريد : تخليص الشكل الطبيعي من تفاصيله الجزئية ، والاكتفاء بالأشكال المعبرة عن الفكرة الجوهرية للشيء المراد رسمه او كما يعرفه (عفيف بهنسي ) في (كتابه الفن في أوربا من عصر النهضة حتى اليوم) استخلاص الجوهر من الشكل الحقيقي ، وكما يعرفها آخرون (الابتعاد عن المحاكاة الساذجة ومحاولة استخراج أو البحث عن حقيقة الشيء الجوهرية المتخفية وراء مظاهره الحسية المادية.
جاء العنوان (ثمة عزف في السماء) عنوان يستحق التأمل والتحليل وتعدد القراءات ومن أهم عتبات النص الموازي ومن العناصر المهمة التي يستند عليها النص الموازي (paratexte) وهو بمثابة عتبة تحيط بالنص ومدخل موحيا ومفتاحا إجرائيا في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي للولوج الى أغوار النص العميقة ، ويقصد بالعتبة مدخل يجعل المتلقي يمسك بالخيوط الاولية والاساسية للعمل المعروض,
وقد ظهرت بحوث ودراسات لسانية وسيميائية عديدة بغية دراسة العنوان وتحليله من نواحيه التركيبية والدلالية
(ثمة عزف في السماء) نصا شعريا فيه من البعد الفلسفي الوجودي والارادة الالهية وما تقدره السماء وما تشاء للعباد ، عزف الالهي او كما يقال (أنا اريد وانت تريد والله يفعل ما يريد)
ومن المناصات المهمة الاخرى والتي من خلالها التعرف على البعد السايكولوجي للشاعرة ومصدرا مهما في ارهاصاتها الشعرية
الاهداء ( الى… كامل) وهو زوج الشاعرة الفنان المرحوم (كامل حسين ) رافدا مهما في حياتها الثقافية حيث تطلق عليه (الفنان المثقف ) وما تكن له من الحب والوفاء وكيف كان الفكر والثقافة أساس حبهم . ارى ذلك جليا في نص (سأراقص كل منا في الروح )
شكا لي بعضا مما به
وسكت
غفا كالأطفال
أرجوك … أرجوك
كامل
لا تجلدني باليتم مرتين
كامل
أتذكر حين أخرتني
يوم ما ستوخز
القدر الطاعن بالغدر
بنظرة من روحك
سيفر خجلا
أمام جبروت
الصدق والحقيقة
رفقا بي فنصفك
الآخر يبحث عني
فأنا لا أقوى الفراغ

ومن خلال إطلاعي على مجموعتها الشعرية (ثمة عزف في السماء ) ذات الطابع الحزين ارى ذلك جليا من خلال المفردات المتشظية في نصوصها ، العشاء الاخير/ غربة وطن/ مثواه الاخير/ المسح يصلب من جديد / سمفونية القدر / والتي تحاول أن تعبر عنه بإرهاصات شعرية وجدانية وما تحمله من خلفية ثقافية وأحاطتها بالفنون كالرسم والموسيقى ويظهر ذلك من خلال التناص الظاهر في مفردات نصوصها الشعرية معتقة بعبق التاريخ؛ تاريخ الأشخاص، و تاريخ الأمكنة
وإعطائها صبغة عرفانية او العشق الالهي تجذبني نحو عوالم الصوفية (الموسيقى) حيث ترى ان الموسيقى وسيلة لتدريب النفس على الكمال الروحاني والتناغم مع الذات ومن خلالها يمكن لروح المتصوف ان تصل الى الأصل السماوي ، وهي بتعبير الرومي (هي جاذبة لكل صوت ونغم وهمسة وحسرة ونفس متقطع لم تتوقف لحظة واحدة فلكل حقيقة إيقاعها الوجودي ونغماتها الكونية في هذا الكون اللامتناهي وهي تحولات الحياة عليه وتطورها ونضوجها وفنائها ، ليس الا عبارة عن معزوفات كونية هائلة وصوت واحد وفي حالة توقف الموسيقى الكونية عن العزف وأطلاق أصواتها يحل العدم والظلام فكل معزوفات الموسيقى تتجسد في كل الاحياء كحقائق وجودية وقيمية)
استخدمت الشاعرة عنونة لنصوصها على شكل عبارات لافتة تستدرج القارئ الى فحوى النص عناوين انشائية وفلسفية ، مثلا : وأكون آخر عبارة في الرواية / هكذا تتطاير أرقام العمر/ للتاريخ وقع وحكاية / قارتي بلا أسم / حاجات للبيع / ولادة لم تكتمل بعد / قلب أثقله وزن الحب / لم يعد رأسي صالحا للاستعمال / إيماءة تطفو فوق الماء/ رحيل عند مفترق الطرق/ ما زالت يدي تعانق الهواء / لا تصدقوا المسيح لأنه سيصلب من جديد/ ثمة عزف في السماء/ كنت هناك أرتق الزمن /…
تذهب بنا الشاعرة الى الأجواء الكنسية والقداسات والتراتيل ، يظهر ذلك من خلال التناص فلم يكن إستخدامها للتناص وظيفة ديكورية بقدر ماهي وظيفة فاعلة مشاركة في إنتاج دلالية ذات معني تثري النص ففي نصها (العشاء الاخير) عنوان لوحة ليوناردو دافينشي :
أنا عالم أخشاه
كائنات بيضاء
بطعم الثلج في بقاع التيمم
الامواج تلوذ في الاعماق
وتقيم حفلة التطهير العالمي
وتخبر المدعوين للعشاء الاخير
فعلاقتي بالمكان لا بالزمان
علاقتي في المجيء لا بالذهاب
لشدة الخجل ِ
فقدت هويتي في الصحراء
وكل مستمسكات الميلاد
وكذلك نص (المسيح يصلب من جديد) وهو تناص لعنوان رواية من قبل نيكوس كازانتزاكيس وهي رواية من نوع القصص السيكولوجية الاجتماعية وهي عمل فذ ، سطرها قلم راسخ متمكن ، فيها رقة فنية ، ولمسة شعرية في صوغها وتصويرها المرهف لألآم المسيح وهي صورة ملحمية لصراع الانسان على طول التأريخ من أجل حياة أسمى، و نصها (سمفونية القدر) او ما تسمى (ضربات القدر) وهو تناص لعنوان سمفونية الخامسة لبيتهوفن والتي عرضت على مسرح فينا عام 1808 …
سمفونية القدر
سأتلو المعوذتين
أفتح طلاسم العصر الحجري
أصوغ حروف الهداية من بركان اللغات
سأقيم قداسي
وأنثر فساتين العرس نتفاً
ليتذوقها المارة على رؤوس الاشهاد
سيتلون الحب على شكل لآلئ من جليد
والسماء منشغلة في ترميم الكون
تقيم قداس الاعراس
ستقترن النجوم بالكواكب
وتهيم جنونا
اعتمدت الشاعرة اللغة الايحائية الشعرية مبتعدة عن اللغة المعيارية المباشرة بجمل بلاغية ورمزية ، تعالق النصوص بالسياق الاجتماعي والتاريخي واحيان بشخصية الشاعرة بوصفها منتجا للنص
التحليل يحيلنا إلى رؤيا الشاعرة الوجودي التي عبرت عن اغترابها وإحساسها بسر المصير، وعدم اطمئنانها للمستقبل.
/ القداسات / الرقص / سمفونية القدر / العزف /أوتار/ فلامنكو / قداسات الوجود/ رقصات الأغصان /الموسيقى / الترتيل ، مفردات ومفاتيح تدغدغ المشاعر وأنا كقارئ للنص استذكر ما قيل في العشق الكوني والالهي المتمثلة في الموسيقى ، الغناء والتراتيل الكنسية ،الرقص (وهو طقس رمزي وكوني كبير) ، نغمات الناي الذي يأسر القلوب استذكرت عمالقة الموسيقى باخ، هاندل ، فيفالدي ، والفلوت السحري لموزارت.
حاولت أن تضع بصمتها كشاعرة تجديدية من خلال الإيقاع الداخلي للنصوص المتمثلة بسيكولوجية النص الكامنة التي تحدد الحالة الشعورية لكاتب لنص عبر ادراكه واحساسه وفلسفة النّاص الشخصية في الحياة والتي تؤدي وظيفتها التأثير في النفس سيظل محفورا في الذاكرة، كما يقول الدكتور سعد الساعدي في كتابه نظرية التحليل والارتقاء (ان الذات المبدعة هو الفاعل الاول ، والمحرك التوليدي الاساس بامتلاك الموهبة وقدرة البعث والاشتقاق ، وتشكيل ألوان الابداع بوجود المؤثرات أو لا ، اضافة لخلق بؤر نصية جانبية أو عامة كجزء متمم لفكرة الموضوع من خلال لغة النص .) ولا سيما ما ترسخ منه في القلب والوجدان ذات عمق كونيّ مبنيّا على آلجَّمال لمعرفة ألحُبّ الذي هو السبب لخلق الكون لخلود الأنسان… كما في نص :
(لا تستوحشوا غدر الطغاة )
عبثا تبحث عني
كنا براعم غضة
نكتب رسائلنا
من أجل سهم يخترق البراءة
يتفجّر خزان الحبِّ
فتسقط قطرات ماء
عذب فرات
سائغٌ دمنا
لتباركنا آلهة الجمال
سأمنحكم ناصيتي ان أتيت
وأقيم قداسا
للملوك المحنطة
علّها تمنحني روحها المؤجلة

بالتوفيق والسداد للشاعرة لليلى عبد الامير وعسى أن أكون قد وفقت في قرائتي الأنطباعية الذوقية

المصادر
باتريشا وُوه/ الميتافكشن : المتخيل السردي الواعي بذاته : النظرية والممارسة، ترجمة السيد إمام .ط1 دار الرافدين –بيروت،2018.
سوزانا أونيجا/ السرديات من البنيوية الى ما بعد البنيوية ، ترجمة السيد إمام .ط1 دار الرافدين –بيروت،2020 .
الساعدي ، سعد /نظرية التحليل والارتقاء النقدية التجديدية، ط 1، دار المتن للطباعة والنشر،2020.
حمداوي ، جميل / مدخل الى المنهج السيميائي. مجلة ندوة الالكترونية للشعر والترجمة.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سامية البحري : في الرد على صرخة وليد الزبيدي الشاعر العراقي وقد أعلنها مدوية ..شعرت بالقهر …قهر القهر .. .

وقد أعلنها مدوية ..شعرت بالقهر …قهر القهر .. وتمنيت _لأول مرة _أن أحمل السلاح في …

| أسامة غانم : بنية الوعي الطبقي في الصورتين الواقعية والحلم .

    الحلم الشفاف يتداخل بالـواقع المرعب فـي المجموعة القصصية لــ أحمد محمد اميــن ” طائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *