الحياة لحظة*
رواية سلام إبراهيم الرواية الوثيقة
كاظم الزيدي* (ملف/148)

إشارة:
مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي “سلام ابراهيم” نصوصه بدم التجربة الذاتية ولهيبها. وفي اتفاق مع إشارة خطيرة للباحث الأناسي العراقي البارع د. علاء جواد كاظم الذي اعتبر روايات وقصص سلام إبراهيم من مصادر الدراسة الأنثروبولوجية الناجعة في العراق نرى أن نصوص سلام يمكن أن تكون مفاتيح لدراسة الشخصية الوطنية مثلما استُخدمت نصوص ياسانوري كاواباتا لدراسة الشخصية اليابانية ونجيب محفوظ لدراسة الشخصية المصرية مثلا. الفن السردي لسلام ابراهيم هو من عيون السرد العربي الذي يجب الاحتفاء به من خلال الدراسة الأكاديمية والنقدية العميقة. تحية للروائي المبدع سلام ابراهيم.
أسرة موقع الناقد العراقي

على مدى ينفتح بالذكريات المنسوجة بألم الرغبة وموت الحلم ينطلق بنا الروائي العراقي سلام إبراهيم في بحر خمسمائة صفحة ليفتح لنا عالما ًاعتقد من دخله إنه سيبقى سرا ًوهو كاد ان يكون كذلك لولا التصدي الجريء والشجاع للروائي في كشف ما إن وقفنا عليه تساءلنا فورا كيف لمثل هؤلاء ان يحلموا بالمدينة الفاضلة وهم عندما اتيح لهم ان يكونوا سلطة لجاوا الى نفس الاساليب التي يستخدمها الطاغية في الحفاظ على عرشه. اعني اؤلئك المناضلين المعارضين لسياسة الطاغية .انها رواية تحكي عن تاريخهم النضالي في الجبل وعن حياتهم في المنافي المختلفة عن ذكرياتهم الانسانية وحاجاتهم الأجتماعية .إنها سيرة حياة بطل الرواية وما يدور في فلكه من أقمار. جزء الروائي روايته الى خمسة عشر جزءاً أعطى لكل جزء عنوانا ًقصصيا ًوكل جزء يختلف بالطول عن الآخر حسب الحاجة الأدبية والفنية للجزء. في الجزء الأول والمعنون(ضيف أصابه الشلل) نرى إبراهيم في شقته المتواضعة في موسكو وهو يستعد لتوديع زوجته وطفليه ليلة مغادرتها الى الدنمارك وهو يحلم بإعادة تلك الليلة التي تجلت بها زوجته كأنثى ومنحته كلها في طعم مضاجعة من ذلك النمط النادر الذي يتسرب الى خلده انها ربما تكون المضاجعة الاخيرة ، ولكن للأسف يحل عليهما ليلة السفر ضيف ثقيل هو ـ محمود ـ وهو من رفاق القتال في الجبل في شمال العراق . تغادر زوجته فجرا ًدون ان يحقق رغبته الاخيرة وتتركه مع ـ محمود ـ في المطار الأمر الذي جعله يتمنى أن يقتله وهو متأكد بأنه لن يندم على ذلك أبدا ً.الآن هو وحيد في مدينة غريبة يزحف عليها الثلج حتى يصل الى شبابيك بيوتها من غير زوجة أو أولاد، فماذا يفعل في أنتظار حصوله على اللجوء السياسي أو حتى الإنساني. في الفصول اللاحقة نتعرف على أبراهيم ورفاقه في كل فصل من الفصول ابتداءا من الصعلوك التكريتي ثم المتشردة الروسية ثم الشاعر وبقية الفصول المعنونة؛ فليرمها بحجر، لا لا تتركني وحدي، مجد الغرف، اليهودية الجميلة، صالح والأرملة، مريم الاؤكرانية، أخي الزنجي، شاعر الأيدولوجيا، الحالمون الثلاثة، جندي أمريكي وعدس عراقي ثم بم. اتبع الروائي سلام إبراهيم تقنية خاصة وذلك لكي يمكن القارئ من استيعاب حجم الرواية الكبير. فإن من المعروف إن الروايات الحديثة لا تميل الى الإطالة، وأكبرها حجما ًلا يتجاوز المئتين من الصفحات، بينما تعدت رواية ـ الحياة لحظة ـ الخمسمائة صفحة. لذلك جزء الكاتب روايته الى فصول وأعطى لكل فصل عنوانا ًمستقلا واتبع طريقة كتابة القصة القصيرة في الفصل الواحد فالقاري يشعر بوجود تمهيد ومقدمة تقوده للحدث الرئيسي في الفصل ثم تتفتت العقدة بنهاية الفصل، بحيث يستطيع القارئ غير الصبور أن يتمتع بقراءة أي فصل بمعزل عن الفصول الأخرى. وهذا يحسب للرواية وليس عليها، لأن الفصل الواحد مثل ماهو بنية واحدة قائمة بذاتها فإنه بنفس الوقت حلقة متصلة في سلسلة فصول الرواية لايمكن الإستغناء عنها مطلقاً. أنك تشعر مع الإبحار في قراءة الفصول بأنك ترتقي سلما ًحتى تتلاشى في نهاية الرواية مدركا إنها الحياة بغرابتها وتداخلها وصعوبتها وقسوتها وخيانتها تغزل جمالها وروعتها وهي تقودنا راضين الى نهايتنا الحتمية. الروائي ذو الحرفية العالية هو القادر على إمساك القاريء من تلابيبه ليدخله مستمتعا ًعنوة ًالى عالمه الغريب. واستطاع الروائي الرائع إبراهيم سلام أن يبحر بنا عبر الحياة الواسعة من خلال فصوله الخمسة عشر فصلا عارضا ًلنا من خلال الأحداث والسرد الفني الحياة المتسرعة وفشل شرائح كبيرة من المجتمع في تحقيق أهدافها سواء داخل الوطن او على مستوى النضال في الجبل او على مستوى الحياة في الأتحاد السوفيتي الذي أنهكته الشيوعية حتى أحالته الى رماد فنجده يرصد بعين الشاعر الكردي العراقي المتعاطف مع المسحوقين في قاع الحياة في موسكو وخاصة من النساء فهو يكن الأحترام لهن حتى وإن كن من بائعات الهوى بإنسانية ٍشفافة تصل الى حد الهوس وعبادة الشرائح التي سحقها المجتمع وتخلى عنها. كان رسم هذه الشخصية فيه الكثير من الإبداع والأبتكار وأعتقد إنها ستظل عالقة بأذهان الكثير من القراء لما تميزت به من تصدع وتشظي ومع ذلك بقت متماسكة متوازنة على الرغم من إدمانها كحال الكثير من شخصيات الرواية على الخمر والجنس كتعويض عن الأخفاقات المتكررة على الكثير من المستويات.
إن رواية سلام إبراهيم وثيقة مهمة تكاد تقترب من السيرة الذاتية أرخت لفئة معارضة للنظام الدكتاتوري وقيمت تجربتها على المستوى الحزبي والنضالي بجرأة وصراحة عالية مع الحفاظ على لغة قص ٍعالية تميزت بسلاسة اللغة وقدرتها على التعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات الموثقة التي أوصلها الى القاريء بعيدا جدا عن الاسفاف والتقريرية، بل جعلنا نعيش الحدث ونمتص المعلومة التي يريد إيصالها من خلال فعل الاشخاص وصراعهم الدرامي حتى أيقنا إن النضال بهذه الطريقة لم يكن يجدي نفعا ، فهاهم الرفاق يقعون في براثن الثنائي الشهير البديل عن الفشل الخمرة والنساء. ومن خلال هذا الثنائي يسرد لنا الراوي الكثير من المغامرات مع النساء سواء الاجنبيات منهن او الوطنيات بلغة إيروتيكية يبدو فيها الجنس غير مقحم في العمل الروائي وجزءا لا يتجزء منه. بل هو بديل وخلفية لفشل النظرية وعدم قدرتها على تحقيق ما كان يحلم به بطل الرواية أو ما يدور في فلكه من الرفاق والاصدقاء. أما مدينة – الديوانية – وهي الحاضنة الجغرافية الأولى لبطل الرواية ظلت ذلك النداء الغريب المعطر بذكرى الأمومة وغبار الذكريات في أزقتها الضيقة والذي يشده دوما كلما ضاقت عليه سلاسل الغربة وفواجعها الأليمة وهو ينشد في بلاد الثلوج اللجوء السياسي او الانساني فتطفح الذكريات ويعلو الى السطح شخصيات مثل قاسم لفتة وسعاده المطهرجي وغيرهم من نجوم المجتمع الديواني وأماكن عزيزة مثل الحي العصري والحي الجمهوري والگرفت والاسكان القديم ببنوراما واسعة ستحفظ للأجيال القادمة الحياة الجهنمية التي عاشها أسلافهم فيتصورون إن ذلك من وحي أخيلة الكتاب وليس له نصيب من الحقيقة. إن الروائي سلام إبراهيم في هذه الرواية جعلنا نقف على مسافة قلقلة بين الواقع والخيال ، فهل هو يسرد واقعا ومن خلال إسلوبه الفني ولغة قصه إرتفع به إلى مستوى الخيال. أم إنه خيال ومن خلال أدواته الفنية جعلنا نراه حقيقة وواقعا معاشا، وهذا سر نجاح هذه الرواية.وفي مقالة للكاتبة عالية ممدوح منشور في الملحق الثقافي لجريدة – الرياض – السعودية بتاريخ 4 أذار 2010 وبعد إن أبدت إعجابها الكبير بالرواية قالت إنها تفاجأت من النهاية التي بدت حسب رأيها إنها غير متلائمة مع روعة الرواية وعمق طرحها للقضية العراقية بأبعادها السياسية والإجتماعية ولا سيما حياة المغتربين العراقيين في الخارج. وأخذت على الكاتب إقحام بطل روايته إبراهيم وصديقه أحمد للدخول الى العراق عن طريق سورية ومدى خطورة هذا الطريق بعد فترة من تغيير النظام، ونست الكاتبة أن هذا الطريق هو الطريق الوحيد الذي عن طريقه يتصل العراق بالعالم وان تسعين بالمائة من العراقيين يستخدمون هذا الطريق وخاصة العائدين منهم . وشيء طبيعي ان يدخل بطل رواية سلام إبراهيم الى العراق عن هذا الطريق. ويبدو إنها عابت هذه النهاية لما فيها من جرأة وصراحة عالية وثقت ما عانت منه طائفة من الشعب العراقي لما يحملونه من إعتقادات دينية لا تعجب طائفة المجاهدين التكفيريين. إن الآلاف من العراقيين حزت رؤوسهم دون رحمة لأسباب سياسية غذت الطائفية المقيتة في العراق والتي لم يعرف العراقيون سابقة لها حيث تعايشوا وتصاهروا على مدى مئات السنين فما الذي حصل خلال السنوات الأخيرة؟ إنه بالتأكيد المحرض السياسي وراء كل هذا الدم العراقي الذي أرخت له الرواية بكل جراة وصراحة وأدانت الاحزاب في فشلها من توفير الحياة الحرة الكريمة للشعب العراقي.
ــــــــــــــــــــــ
*صدرت عن الدار المصرية اللبنانية 2010
* قاص وناقد عراقي

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *