سيدي قنصل بابل.. مأساة الرواية ورواية المأساة
عبد الكريم السامر
قاص ومترجم عراقي (ملف/3)

رواية (سيدي قنصل بابل) للكاتب العراقي الشاب نبيل نوري لكَزاز موحان من الروايات القليلة التي عالجت موضوعا مهما من مواضيع الغربة العربية كما يحلو لي أن أُطلق عليها.
وربّما وحسب ما أرى شخصيا ، هي الأولى من نوعها التي عالجت موضوعا مهما عانى ولم يزل يُعانِ منه وسيُعاني منه الكثيرين من ابناء الوطن العربي نتيجة للنظرة الدونية الضيّقة التي تنتهجها الكثير من الحكومات العربية تجاه العرب الآخرين الذين لا ينتمون إلى دولهم.
من بداية الرواية في الصفحة العاشرة يشعر القارئ أنها رواية ذات مضامين إنسانية كثيرا ما تحدث في مجتمعاتنا العربية ، وأن كاتبها عاش أحداثها شيئا فشيئا ، حيث الفقر ، ونظرة التعالي من الأغنياء تجاه الفقراء وما إلى ذلك. وهذا بحدّ ذاته يمنح القارئ فرصة للتواصل مع الأحداث الواردة في تسلسل الرواية.
إنها تجربة كاتب قادته الظروف لأن يُولد من أبوين مُتباعدين في مكان ولادتهما وسكنهما وانتماءهما.
لكن هذه الظروف جعلت من حياته جحيما لا يُطاق بدءا من العمل الدؤوب للحصول على الجنسية ، مرورا بالفقر وهكذا.
من خلال أحداث الرواية تشعر بالعلاقة الحميمة والترابط الواضح ما بين الأم بطلة الرواية وولدها المملوء خوفا وامتعاضا من كلّ ما يدور حوله ، بين أم تعمل جاهدة من خلال خدمتها في البيوت لكي توفّر معيشتها ومعيشة عائلتها الفقيرة. بين أم تخاف على ابنها من أن تتركه وحيدا عند ذهابها لتأدية عملها فتعمل على إقفال الباب خلفها تاركته خلف ذلك القفل يعيش غربته الثانية.
ونتيجة لذلك يعمل ذلك الطفل على التعايش مع واقعه الجديد ، مُحاولا خلق بيئة خاصة به للعب والتواصل مع حياته الجديدة.
وكأنه بذلك يُريد أن يعطينا درسا في كيفية أن تكون قويا في عالم الوحدة التي تعيشها طول النهار.
لقد عمل الكاتب في هذه الروايا على الانتقال بنا من موضوع إلى آخر بسلاسة وحبكة جميلة ومتواصلة.
فهو تارة يعمد على تشجيعنا للاستفادة من الوحدة وكيف يُمكنك أن تكون قويا فيها كما في الفصل الثاني من الرواية.
وتارة يسحبنا نحو حلم يحمل همّا ثقيلا وشديد يتمثّل في على الهوية في وطن لا يُريد أن يعترف بك ابنا من ابناءه كما في الفصل الثالث.
واخرى يتسابق فيها مع همومه ومآسيه ومتاعبه لكي يلعب ويلهو ويضحك ناسيا كل تلك الأمور بالرغم من ثُقلها كما في الفصل الرابع.
وفي الفصل الخامس يعمل الكاتب على تعليمنا كيف نكون مختلفين ولا يتكرّر معنا ما عشناه سابقا عندما ننتقل من مرحلة إلى أخرى. فهو يُريد القول هنا ان ما كان عليه أن يعتمده في المرحلة الابتدائية من الدراسة يجب أن يختلف عنه في المرحلة الاعدادية حيث واجه الكاتب أسلوبا جديدا في الدراسة والعلاقات والإدارات.
من هذا يُمكننا القول أن رواية سيدي قنصل بابل يمكن أن تُعد روايات داخل رواية ، فهي من جانب تحمل مأساة مرحلية ومن جانب آخر تحمل مآسي دائمة لا تُريد أن تنتهي أو تتوقف.
إنها حقا رواية تسحب القارئ نحو تُرّهات وارهاصات الأفكار والقوانين العربية البالية والتي ما عادت تصلح في وقتنا هذا.
هي رواية حقائق في ثوبٍ جديد.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *