فاروق مصطفى: (في حضرة عطرك) الكلمات هي الاخرى تتعطر وتضوع

كتاب ( في حضرة عطرك ) الصادر عن دار رؤى عام 2019 للشاعرة ذكريات عبدالله ضم بين طياته نصوصآ شعرية , عندما يتصفح المرء الاوراق التي احتوتها تغرقه رذاذات العطور وضوعات الطيوب , فقد اقامت الشاعرة معمار كتابها على مفردات تترذذ بروائح النرجس واسبلت عليها غلالات الشوق الشفيفة وظللتها بمخمل العشق المموسق على انغام من نهاوند الصبا , ونذرت نفسها لولادة قصائدها العِذاب فلا عجب ان تستهل كتابها الشعري بقولها :

” حتى وان كان مخاض حرفي عسيرآ
ستولد القصيدة . ”

وهذا ما يتناص مع قول الشاعر الجيكي ( يارو سلاف )

” لتنبثقي اذن يا شعلة الكلام
ولتضطرمي ماهم ان احرقت اصابعي ” .

اذا كان الهوى هو المهيمن على اجواء هذه النصوص فإن من مستلزمات هذا الهوى هو الوفاء وهذا ما يحمد عند الشاعرة لاننا نجد تمسكها بمن تحب وشجاعتها العالية في تضاريس وفائها في هذا الزمان الماحل الذي تلاشت فيه ارزاق الوفاء , تقول ذكريات :

” انا يا سيد بوحي
انسانة حين تعشق لا يضاهيها بالوفاء
انس ولا جان ”

فهي الوفية لمن تحب والوفاء هذا المعدن النادر الذي غدونا في امس الحاجة اليه في الوقت الذي شاعت اقنعة الزيف وكثرت اباطيله وحرنا كيف نعثر على الشمس الوضيئة التي هي رونق الدفء ومانحة نماء الصدق .

يقول الشاعر المصري ( صلاح عبد الصبور ) صاحب ( احلام الفارس القديم ) قبل ان اكتب نصآ جديدآ لا بد من قراءتي لعشرات النصوص لشعراء اخرين فالنص الذي يولد تحت اصابعي يتشرب انفاس اولئك الشعراء الذين قرأتهم . ويقول ( محمود درويش ) من جانب اخر ان النصوص التي اكتبها لا انسبها لنفسي فقط فهي تعود ايضآ الى كل اولئك الشعراء الذين تلقيت نصوصهم بشغف وحميمية كذلك نجد عند شاعرتنا انفاس الشعراء الذين قرأتهم ومرت على نصوصهم وتركوا تأثيراتهم في وعيها الظاهري ووعيها الجواني فانعجنت نصوصها بظلالهم وتهويماتهم وهذا ما نلحظه لاحِبآ تأثرها ب ( نزار قباني ) فالاخير مدرسة بحد ذاته فقصائده العاطفية الغنائية ما فتئت محط اعجاب المتلقين بل غدت كتبه الشعرية معاجم للهوى واسفارآ للهيام تقول ذكريات :

” بين هذه الصفحات ستجدونني
انا امراة تحيا للحب
تغمس فرشاتها بحبر الصدق
وترسم على جدران الشوق
لوحات الحب الافلاطوني ”

نلحظ ما يقوله نزار :

” انا شاعر حب جوال
تعرفني كل الشرفات
تعرفني كل الحلوات
للحب عندي تعابير
ما مرت في بال دواة ”

وحتى اننا نجد عند الشاعرة نصآ وسمته ب ( الرسم بالكلمات ) ص 111 وقد وزعته على ثماني لوحات كذلك نجد عند نزار مجموعة شعرية حملت اسم ( الرسم بالكلمات )

توزعت نصوص الكتاب بين مدخل في صفحة 7 وهمس الروح ص 95 وهمسات ص 115 وجاءت القصائد مطولات بعض الشي وقصائد اقل طولآ وباب ( همسات ) اشتمل على ومضات شعرية صبتها على شكل برقيات دافقة في كثافتها وسرعتها وهي تصرح في احدى هذه الومضات :

” هناك من نحبهم لاسباب
اما من نعشقهم
فهنا تتجلى الروعة
لاننا نعشقهم بلا اسباب ” .

وقبل ان اختم هذه العجالة لا بد من الاشارة الى امرين رئيسين :
1 ـ هذا الوفاء الذي يتجسد عند الشاعرة متبوئآ قمة مدلولات قيمها وينعكس جليآ في قولها :
” لتكن لي ازلي الهوى
واكن لك سرمدية العشق ”
2ـ اخلاصها لكلماتها وهي تشيد قباب عشقها من حروفها التي تشع في حياتها وهي تعلن :
” حين تعانقت حروفنا
ابتهج الورق ”

وتضيف ذكريات :

” قصائدي تتنفس حرفك
تشهق بك وحدك ” .

ووجيز القول ( في حضرة عطرك ) كتاب شعري انيق يضوع بمفرداته الصادقة , ورحلة ماتعة بين كلمات الشوق التي تستظل معارج العشق والوفاء وصاحبته ( ذكريات عبدالله ) تنضم الى مجموعة شواعر كركوك اللواتي ببوحهن الامين واحساسهن الصادق يجملن ويموسقن ويخضبن ايقاعات الحياة بحناء شغفهن وهن يلقين كل هذا الهيام الذي اكتنز بامالهن والامهن واحلامهن وهن يحلمن بالسير نحو حدائق الوجد والحكمة لقطف الوردة التي لم تتبرعم ولم تتفتح بعد .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *