النسق المهجري والشعور بالغربة في رواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي
بقلم: الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

لاشك أنّ قارئ رواية (رياح القدر) للكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي سيلامس من خلال المنحى الرومنطيقي الكئيب شيئا من الأحزان في مناجاته للطبيعة وهي سمة يتقاسمها كاتبنا المهجري مع كل قدماء كتّاب المهجر “جبران خليل جبران ونعيمة وأبو القاسم الشابي وغيرهم” الذين تداخل لديهم الشعور بالغربة والوحدة والإحساس بالحزن والكآبة واليأس” الذي يخالطه الشعور بعدم الانسجام مع المنفى “فلم يكاد يخلو مؤلف من مؤلفاتهم الشعرية او النثرية التي خلفوها من التعبير عما كان يجتاح انفسهم من حزن وكآبة وعما كان يسيطر عليها من قتامة سوداوية جعلت ادبهم يبدو في معظم الحالات تصويرا للذات البشرية التي تنشد الفرحة فما تدركها ولا تعرف لها طعما وهو ما بدا واضحا في مقدمة الرواية حين يقول: “وما الحنين الجارف إلى الأوطان والأهل والأحباب الذي ما برح ينتابني وأنا اخط هذه الأسطر إلا شيء من ذلك، يجرفني تيار الحنين في طريقه فأتدحرج واسقط في بركه الألم والغم فيخرج من أعماقي أنين معبر عن شيء مما اشعر به نحو بلادي” وهكذا جسد الرؤية الوطنية في قالب رومنطيقي عربي تغالبه العاطفة والوجدان .
ثم إنّ هذا النوع من الإحساس بالغربة والحيرة والقلق ولّد لدى غير المنصهرين مرضا روحيا، يغرفون منه إبداعاتهم الرومنطيقية حين الانفعال، وهو ما شخّصه العالم الفرنسي هنري برجسون الذي عمد إلى الغوص الذاتي، مركزا على الإطار الطبيعي البشري، مؤكّدا على أهمية الانفعال العميق لا السطحي إزاء عملية الإبداع، بمعنى أنّ الانفعال هو الذي يعطي الشرارة للإبداع؛ مصرّحا بصريح العبارة قائلا: “ولسنا نرتاب في ان الانفعال الجديد هو المنبع الذي تصدر عنه عظائم مبدعات الفن والعلم والحضارة، لا باعتباره حافزا يخيب بالعقل أن يعمل ويهيب بالإرادة ان تدأب فحسب؛ فالأمر أبعد من هذا فهناك انفعالات خلاقة للفكر والابتكار وان كان عقليا؛ فإنّ الانفعال جوهره الثاوي في أعماقه”، وما المنحى الرومنطيقي واللغة الشاعرية التي انتهجها سارد “رياح القدر ” إلا تحصيل حاصل يكون قد لجأ إليها تيقُنا منه من أنها أوْلى من غيرها واقدر على التعبير عما يختلج بصدره من حنين إلى وطنه وأيضا للتعبير بصدق وواقعية عن مجموعة العلاقات الإنسانية التي ربطت شخصيات القصة يبعضها البعض، لاسيما تلك العلاقة الغرامية السرمدية المثالية التي ربطت فؤاد بأمل فبرزت هكذا سمة الشاعرية الرومنطيقية مهيمنة على البنية السردية في كل صور عوالمها شخصياتها ونوافذها الإنسانية، من حيث المبنى الحكائي لغة، أحداثا وصورا مبدعة وهذا يعد امتدادًا للاتجاه الرومانسي الذي يُعنى بحياة المجتمع وما فيها من علاقات وأحداث وهو ما عبر عنه فؤاد الفرفوري في كتابه بقوله “الأمانة العلمية تقتضي بان نعترف بوجود بعض النصوص التي دعا فيها الرومنطيقيون العرب صراحة إلى أن يكون الأدب معبرا عما يدور في المجتمع وعما يجد فيه”. دون التغاضي عن البعد التراثي من منطلق تربيتهم الثقافية القومية هذا البعد التراثي الذي تعامل مع واقعه بنظرة فلسفية وجودية لا تخلو من الرومنطيقية.
سيطر هذا المنحى الشاعري بشكل بارز على كثير من المناحي؛ فتجلّت الشاعرية مجسدة بلون الطيف في بلورة كل عناصر الرواية من شخصيات وعلاقات وأحداث ومواقع ؛ فابتعد بذلك عن العقل والمنطق في كثير من المواقف وهو أمر يتميز به؛ ذلك أنّ “الرومانتيكي ذو طابع متطرف منطلق العنان لا يكاد يعرف لفنه حدودا غير حدود مشاعره الإنسانية وعواطفه المشبوبة” وهنا وجب التفريق بين الحرية المطلقة والحرية المتخلقة التي تصدر عن أخلاق السارد كفضيلة عندما يتعلق الأمر بالوظيفة التبليغية؛ على أساس أنّ المجبر على التخلق بخلاق المجتمع هو غير حر فيما يختار، ولا يمكن هنا وصف عمله الأخلاقي كفضيلة، بحكم أنّ المهجري بالمجتمعات الغربية يتمتع بحرية أكبر من المنسلخ، وهو ما يذهب اليه برجسون الذي يقيم مذهبه في الأخلاق على أساس توكيد معنى الحرية الإنسانية “إنّ الكائن الحي لا يشعر أنه ملزم بواجب إلا اذا كان حرا”.
“ان الرومانسية قبل ان تكون مذهبا فهي فلسفة هي في حقيقة الامر تعبير عن أوضاع اجتماعية معينة وطريقة التفكير معينة تنبثق في المجتمع بصورة عفوية، يخضع لها الأدباء والمفكرون والشعراء عفويا كغيرهم من الافراد”. لقد انطوت رسالة الرومانسية في المجتمعات الغربية كثورة اجتماعية فنية على التصدي للكلاسيكية دون اعتبار للمبدأ الأخلاقي، أما في المجتمعات العربية التي انتقلت إليها من خلال أدباء المهجر؛ فإنها اعتنت أكثر بالذاتية، وبالاغتراب، ومعاناة الأوطان من الاستعمار والتخلف، والأديب الجزائري المغترب خاصة لم يتعرض للرومانسية كتجربة غربية؛ لأنّ الأوضاع الاجتماعية لم تكن مناسبة لتنامي رومانسية متكاملة وفي رواية رياح القدر نجد هذه المقتطفات الرومانسية التي تتمظهر في محطات كثيرة، ومنها هاتين الفقرتين .
يدلي ببصره عبر تلك الحقول برهة من الزمن ثم يرسله بعيدا في الأفق، فتتراء له صورة فتاته بازغة خلف تلك الحقول والسنابل فاتنة، ينسدل شعرها الأشقر فيمتزج بلون السنابل الأصفر تتناثر عليه أشعه الشمس الذهبية فتضفي عليه ثراء وسحرا الصفحة
“الدكان من قبل معتما كئيبا وإذا به الآن يشرق وقد بزغت في أجوائه من خلق الغيوم الكثيفة القاتمة عروس النهار تتدفق أشعتها الذهبية الساحرة فتغمر الدنيا نورا ودفئا وحياة ولعل هذه الصور تمثل استحضارا لمشاهد من الطبيعة يراها القارئ كل يوم ولكنه لا يلقي لها بالا غير ان الكاتب هنا حاول من خلال ربطها بمواقف انسانية عاطفية يحاول ملامسة قريحة القارئ للانغماس في الفكرة لان الصورة الادبية تظل العامل الاساس في ابراز المقصود من المسكوت عنه في النص .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *