مهند الخيكاني: بين الرواية والفيلم: تحولات الخفّة وهروب الكائن الثقيل

يصدق القول على مثل هذا الفيلم ، والمقصود هنا فيلم “كائن لا تحتمل خفته ” ، إنه نموذج لما ينبغي أن تصبح عليه الروايات حين تدخل عالم السينما ، وذلك يرجع ببساطة لكون الفيلم رشيقًا على الرغم من وقته الذي تجاوز الساعتين ، رصينًا في مشاهده وانتقالاته ، مُحكَمًا كما لو أنه صنع نفسه بنفسه أو هكذا أنوجد . لقد عبّر المخرج عن رؤيا الرواية بما يمنحها سعةً وطلاقةً تحلم بها كل رواية كما وقد منح مشاهدها الجنسية رونقًا فنيًا وفلسفيًا عبر الحركات الجسدية والايماءات والمرايا في شقة سابينا ، وهو ما أخرجها قليلا من المباشرة و الإباحية التي تبدو سطحيةً ومبتذلة من الوهلة الأولى ، فكما هو معلوم لولا حضور المناخ السياسي وتمدده داخل مفاصل السرد بطريقة عبقرية ناجحة لتحولت تلك المشاهد الى رصاصة في قلب هذا العمل ، وذلك بسبب أنه سيخسر تبرير وجودها على اعتبار أن هذا السلوك الجنسي هو نتائج ولذا فالمعطيات / المغذيات في هذا العمل هي المادة الخام والحبال السّرية الممتدة أسفل جدران هذا المعمار السردي وهو ما اهتم الفيلم بالتلويح إليه والتلويح حوله .
تدور قصة الفيلم في عقد الستينيات من القرن العشرين في الفترة التي عانت فيها براغ من ضغط التدخلات السوفيتية ، بين توماس الدكتور الجراح الوسيم ، الذي أدّى دوره البارع دائما دانيال دي لويس ، وتيريزا التي أصبحت زوجته لاحقا ، وأدّت دورها الممثلة الفرنسية جولييت بينوش ، وسابينا العشيقة لتوماس والصديقة لكليهما ، قامت بدورها الممثلة السويدية لينا أولين وهي فنانة تشكيلية .

يتمحور الفيلم بشكل عام حول الخفة والثقل ، ويبزغ معنى كل منهما بحسب ما تمثله ميول الشخصية وما تطمح إليه في حياتها اليومية ، فمثلا توماس كان يمثل تلك الخفة المتجسدة في العلاقات الجنسية العشوائية وتجنب العهود والمواثيق ، الى العيش المؤقت تحت سقف اللحظة الآنية ، وهو ما يُوصف بالشخصية الكازانوفية التي كل علاقاتها جنسية بلا مشاعر ، على عكس علاقات دون جوان العديدة فهي مطعّمة بالعاطفة . على الجانب الأنثوي تظهر شخصية سابينا وهي محمّلةٌ بمثل حمولات شخصية توماس ، وعلى هذا سميت بأنها الشخصية الكازانوفية النسوية ، ذلك إنها تمارس العلاقات الجنسية مجردة من العاطفة ، حتى أنها هربت في أحد المشاهد حينما أُعجب بها أحدهم وقرر ترك زوجته لأجلها ، فهي لا تطيق الالتزام بعلاقة مع أي شخص . ثم على الطرف النقيض تجيء تيريزا ، والحديث عن تيريزا حقيقةً هو الحديث عن رؤية إنسانية وجودية إصلاحية في ذات الوقت ، ولا نبالغ لو نقول إن تيريزا كشخصية متأثرة أكثر من كونها مؤثرة بحركة السرد والأحداث ، جعلها حسب قناعتنا هي الشخصية التي احتلت الأولوية تدريجيا ، وستثبت ملامح تلك الأولوية لاحقا بعد الكشف وتحليل ما تعنيه شخصيتها المركّبة والمربكة . بدايةً كان اختيار الممثلة جولييت لتلعب دور المرأة البريئة والنقية والهشّة اختيارا خبيرا وذكيًّا ، فجولييت تتحلى بتلقائية عجيبة في تمثيل أدوارها ويتمم ذلك تركيبتها الجسدية الملائمة لتطلعات شخصية تيريزا الرقيقة ، مقرونةً بسابينا الخبيرة في الجنس والرجال ، حيث وجد معها توماس كل رغائبه الدفينة حول الجسد . وهو ما يجعلهما ضدًّا نوعيًّا يبرزان بعضهما من خلاله . بمرور الوقت تعود تيريزا لتشعر بحزنٍ داكنٍ إزاء العلاقات الجنسية لزوجها توماس ، الذي حاول اقناعها مرات عديدة بوجود نوعين من العلاقات ، علاقات الحب وعلاقات الجنس ، وعلاقاته مجرد مُتعٍ تشبه متع مشاهدة لعبة رياضية أو مغامرة من نوع ما ، ومن هنا نبدأ باستخراج جذور المقصود بالخفة المرتبطة بشخصية توماس المغرِقة في المادة والجسد واللمس قبالة الثقل المتمثل بتلقائية ونقاوة تيريزا ، ولكننا لابد أن نقف ها هنا عند مفترق المفهومين أو هاتين التسميتين ، كي نوضح المفارقة التي صنعتها كل واحدة منهما ، أي الخفة والثقل ، ففي الوقت الذي كان يجب أن يرتبط مفهوم الخفة بما تتضمنه تيريزا من صفات وخصائص روحية ، أصبح تسميةً ملتصقةً بتوماس المغرِق في اللذائذ الطينية المجردة ، وعلى هذا اخذت تيريزا الصورة المناقضة حيث وصفت نفسها بالثقل والذي يشير هنا الى شعورها بالضعف وقلة الحيلة وعدم قدرتها على مواكبة حركة الحياة والعالم المحيط بها وهو يجري الى كل تلك المغريات بحركة مفرطةٍ في نشاطها . بالتأكيد هذا ليس خللا على سبيل المصادفة ، أو خطأً واردا بالعفوية المحضة ، إنما هي إشارة يبعث بها النص من خلال سلوك شخصياته وحواراته ، الى طبيعة الحياة وتوجهاتها آنذاك وتحولاتها أيضا في ضوء الشيوعية السوفيتية وهي تحاول اختراق أوروبا والتربع فيها ، حيث تظهر بعض المشاهد عن التظاهرات العارمة في براغ ضد الروس ودباباتهم ومنهجهم العسكري الصارم مع المواطنين .
تبدو تيريزا تصميمًا جادًا لذلك الإنسان الذي لا يزال عالقًا في أخلاقيات الحقبة السابقة أو الحقب الأقدم ، حيث ازدهار القيّم الاخلاقية ذات الطابع الديني أو هو أقرب الى ذلك ، شيء من تمثلاتِ البساطة والزهد والخيارات المحدودة والخوف والرؤية الحسنة باتجاه الآخرين ، هذا في جانبها الرمزي المانح لمثل هذه التأويلات ، أما جانبها الآخر ، فيمكننا التعامل مع شخصية تيريزا على أنها نوع من البشر مهما كانت ظروف معيشته وطريقة تنشئته ، فإنه سينوجد في كل العصور والأزمان بغض النظر أيضا عن طبيعة الفلسفة القابضة على ذلك العصر ، سواء أ كانت مادية أو روحية ، أو تتوسط الاثنين . وفي رؤية يقينية يضعها النص أمامنا ، متمثلةً ب الاسم تيريزا وماله من ارتباط عقدي بالمسيحية والرهبنة ، إذ يعود الى الام تيريزا الشهيرة (١٩١٠_ ١٩٩٧) والحائزة على جائزة نوبل للسلام ، وهي من أصول ألبانية _ هندية كما تشير الى ذلك المصادر . ولا نعلم إن كانت تيريزا الراهبة هي الملهمة لتسمية هذه الشخصية ، أو أنها جاءت بمحض المصادفة لا غير . ولكنّها إن لم تكن مصادفةً فليست هناك من حاجة الى كل هذا التأكيد على ما تمثله الشخصية ، إذ لا تؤثر الشخصيات بما تحمله من أسماء بقدر ما يتمظهر عنها في السلوك ، فلو أننا ابدلنا الأسماء والسلوك بين سابينا التي تمثل روح العصر / اللحظة الآنية في تلك الحقبة وبين تيريزا ، لحكمنا عليها في النهاية من سلوكها لا من الاسم الذي تحمله ، بل و الأجمل من الناحية الفنية خلق هذا القلق والتنافر وعدم الانطباق بينهما ليشار من خلاله الى ظاهرة ما ، كأن تكون مثلا : ليس كل اسم هو قالب أو شخصية ترتديها الشخوص ويتصرف وفقا لامتدادات ذلك الاسم العقائدية . إذ يمكن لكل تلك العفة والتعبد والايمان المطلق الذي يتجلى في اسم ما أن يعني شيئا آخر بالاعتماد على ما يفعله حامل الاسم ، وبذلك يشار الى التناقض والتحول الاجتماعي ثم السلوكي للفرد ويشي بطبيعة الحال الى الجذور التي تولَّد عنها واحتمالات ذلك التحول ومديات تأثيره وتأثره بالحياة .

ثم في بداية الربع الاخير تقريبا من الفيلم ، تذهب تيريزا الى شقة المهندس الذي أعطاها العنوان في الحانة التي تعمل فيها ، بعدما شمّت رائحة الجنس في شعر زوجها في الليلة التي تسبق ذهابها ، يبدو هذا التصرف من الوهلة الاولى كما لو أنه ردُّ فعلٍ اعتيادي ، ولكنه ايضا يحمل في جوفه فضولا يلتمع حينًا ويتفجر أحيانا أخرى ، لاكتشاف قدرة النفس على الخوض بمثل ما يخوض به الاخر الشريك ، وأيضا هي إشارة تفضح مآلات هذه الكينونة ونوعها حين تتجرد مما تعنيه داخل ذاتها وتركيبتها الخاصة المغايرة ، لتواكب جريان الحياة ، في الحقيقة هي محاولة عكس ما يحدث عادة في حياتنا ، حينما ينتشل المرء نفسه من عالم المادة والطين الى عالم الروح والضوء ، إذن هو عبور من المعنويّ النادر الى الماديّ السائد ، كمحاولة لسدِّ الثغرة والشعور بالحرج والثقل ، الثقل الذي فرضته تحولات الحياة وامتثل له المجتمع . حيت يتأكد ذلك حينما تمارس تيريزا الجنس مع ذلك المهندس العابر ، ويمكن ملاحظة ترددها وتحفظها في بادئ الأمر ثم استسلامها لاحقا .
على الرغم من اهتمامات كونديرا بما يدور حول الجسد والرغبات البشرية الأشد وضوحا وبروزا في أحلك المواقف والظروف بما فيها من غرائبيات وصور غير معلنة ، الا أننا لو عدنا الى تشريح العنوان بعد اتمام القراءة أو المشاهدة ، فأننا نقرأ بأن كونديرا قد حكم على تلك الحقبة وتمظهراتها عبر تلك النوعية من الأشخاص والمقصود هنا توماس وسابينا ، هما من نوعية الكائن الذي يرى كونديرا أنه كائنٌ لا تُحتمل طريقته الاحتفائية المفرطة في حريتها وتعديها على القواعد والضوابط الانسانية المعهودة ، باستثناء ما تريده وترغبه النفس . وباستطاعتنا القول إن الكاتب تدخل بشكل مباشر في نصه ، حين أسبغ على بطله صفةَ أنه ” لا يُحتمل ” ، وكان يجب أن يُترك هذا المآل الى حيثيات القراءة وخلاصات الأحداث ليقرر المتلقي وحده ذلك ، وهذا يحيلنا إلى تفسير آخر ، وهو أن كونديرا كان يودُّ التشديد على قناعاته الشخصية ويشير إلى رفضه بصرامة بائنة منذ عتبة العنوان ، بدل أن يترك للمتلقي اختيار موجهاته القرائية . وكان على المخرج فيلب كوفمان أو كاتب السيناريو تغيير العنوان وإن كان ساحرا ، كي يحرر العمل من الحكم المسبق الذي وصمه به كونديرا .
ثم هناك الجانب الشخصي والإنساني لتوماس غير الرمزي الذي تحدثنا عنه ، حين خسر توماس وظيفته كواحد من أشهر جراحيّ الدماغ ، لأنه لم يشأ التنازل عن مقالة كتبها كما أنه كان من المتظاهرين ، وبذلك تذكرنا شخصية توماس في هذا الجزء بكل ما يصيب وأصاب المتظاهرين العزّل في بلداننا ، وخصوصا ما حدث بعد ثورة تشرين وخلالها في العراق من اغتيالات وخطف وتهديد ونبذ ، وإذا ما أردنا الإفادة من هذا الحدث الروائي والفلمي بصورة تتوسّع فيها مديات النظر وتتوضح ، فإن التشابه القمعي بين السلطات هو سلوكٌ عضويٌ على ما يبدو في جسد السلطة ، حيث هناك مسافة زمنية وجغرافية هائلة بين ما حدث في براغ في عقد الستينات وما حدث مثلا في العراق مؤخرا وفي بقية الدول العربية وإيران ، أو الذي حصل في أميركا في خمسينيات القرن العشرين ضد الحرب العالمية الثانية ، وما حدث في بريطانيا قبل سنوات ، حينما خرجت التظاهرات الرافضة الحافلة بالبياض ضد قرارت ظالمة ، سنجد برغم اختلاف الأزمنة والنظريات والحداثة وما بعدها وزمن الحداثة الجديدة أو ما بعد بعد الحداثة ، أن جينات السلطة التي تشعر بالتهديد واحدة ، إلا أن درجات القمع والميول الى القتل والخطف وغيره تختلف بحسب اختلاف درجات رقيّ النظام ومدى ترسخه وإمكانيته في التعاطي مع المشكلات وحركات الاحتجاج . ومن الجميل أن نذكر بأن المشاهَد التي تخص الاحتجاجات في براغ ظهرت بالأسود والأبيض على خلاف ما ذهب إليه الفيلم بتصويره الملوّن ، وقد تم تصوير الاحتجاجات وصخبها بذات الطريقة التي تصور فيها كاميرات الإعلام والمصوريّن والصحافيين لا على الطريقة السينمائية ، فلولا ظهور تيريزا وتوماس وسابينا خلال التظاهرات في التصوير ، لما استطاع المشاهد أن يميّز بين إذا ما كانت هذه المشاهد مسّجلة وتعود الى تاريخ الحدث ذاته ، أو أنها من صنع المخرج . وبذلك ومن خلال هذه المشاهد يضيف المخرج فيليب كوفمان سيرة ذاتية تصويرية لتلك الأحداث ويبرع فيها الى حد عدم التفريق ويوقعنا في التصديق اكثر ، بينما في أغلب الأفلام الاخرى هناك ميول باتجاه الاستعانة بالأفلام الوثائقية التي تخص مثل هذه الأحداث ، وليس ببعيد ، حصل ذلك مؤخرا في فيلم the tril of the chicago 7 .

في المشهد الختامي وبعد العودة من حفلٍ راقص صباحا على طريق ترابية مخضرة ، بعد انتقال كل من تيريزا وتوماس الى الريف ، بداعي أن الزوجة شعرت بالضيق والحاجة الى الهروب من براغ أصبحت ملّحة ، تسأل الزوجة زوجها :
فيمَ تفكر ؟ ، ويجيب
أفكّر بمدى سعادتي .

وهذا الختام هو انتصار لتيريزا الانسان وتيريزا الصورة الرمزية وتيريزا التي يختبئ خلفها كل من الكاتب والمخرج وهو ما يؤكد مجددا ما ذهبنا إليه بخصوص العنوان ، فإن كونديرا ينبذ خفة ذلك الكائن / سابينا أو توماس ، الذي أعلن في النهاية أنه سعيد بحياته الجديدة البسيطة . ولعل السفر الى الريف والطبيعة والخضرة والنقاء هو تعبير ثانٍ الى جانب شخصية تيريزا ، بأن المكان / البيئة ، يلعب دورا هامًّا في استيعاب الشخصية في العمل الفني وخارجه ، ويتماهى معه ، فالمكان الذي لا تتماهى معه الشخصية هو مدعاة لشعورها بالاغتراب ، ولذلك وجدت تيريزا راحتها في الريف ، حيث تتخفف من شعورها بالثقل ، ووجد توماس طريقةً للعبور من خفته التي هي في الأصل ثقلٌ كبير ، الى الخفة الحقيقية أو ما يجب أن تتصف به الخفة . الريف واحد من أهم العلامات لهذه الأنماط السردية المتوخاة التي وجدت مصبها وتلاقيها فيه ، فهو دلالة البعد عن التحولات الثقافية والسياسية وظواهرها السلبية والعودة الى تلك البدايات البعيدة عن البهرجة والزخرفة الحياتية حيث الكثرة والوفرة والإباحية والتشتت .
هناك خلل وحيد تجدر الإشارة إليه ، وهو حين غادرت تيريزا الى جنيف ثم قررت العودة الى براغ خلال وقت قصير ، كتبت رسالة لزوجها فيها شيء من التفصيل عن الحياة التي أثقلتها في جنيف ، في حين أننا كمشاهدين لم نرها تقضي وقتا طويلا يسمح لها بتكوين انطباع يساوي ما كتبته في الرسالة .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *