كريم الثوري : من مميزات النص عند الكاتب “فرج ياسين”

1
ربط الواقع الحقيقي بأسلوب نبض الشارع ، وكأن القصة تروى بين المقاهي والأسواق بين أفراد السواد الأعظم من الناس ، دون تكلف أو افتعال وبالأسماء الحقيقية والتواريخ
نرى ذلك في قصة نقطة حيث يقول :
(أرادَ الصبي حارث همام من الصف الثالث (ب) في مدرسة الازدهار الابتدائيّة للبنين أن يعبر الشارع، ذاهباً الى مدرسته القريبة. نحن الآن في الساعة السابعة وتسع وخمسين دقيقة، )
تخيلوا هنا أسم القصة ( نقطة ) والساعة تشير إلى السابعة وتسع وخمسين دقيقة يعني في الثامنة إلا ( نقطة )
وفي قصته كابوي نقرأ التالي :
(خرجَ عامل النظافة محمود قادر وادي من البيت، عند الساعة التاسعة صباحاً، في يوم الجمعة، وفي جيبه ثلاثة آلاف ومائتين وخمسين ديناراً )

هذه التفاصيل قد لا تبدو مهمة قبل التمعن فيها لكنها ذات دلالات غاية في الأهمية لتشير بعد أن تؤرخ لمرحلة بأبعاد تمثل الزمان والمكان والحالة المعاشية والمعرفية لأبطال يمثلون الطبقات المسحوقة من البشر والذين يتوارون إلى الأبد ، تحت ظروف أشد قسوة من الواقع الذي لا يرحم

2
النقطة الثانية وهي تمثل المشترك الرابط في اغلب كتابات فرج ياسين البعد اللامتناهي في خط سير عادي يومي يمكن أن يحصل لأي منا ، فهو ليس أبعد من تفاصيل يومية صغيرة تبدو تافهة وهي تافهة بالفعل ، فلا أضواء تسلط عليها ، ولا فاصلة تميزها ، فحركة الأبطال هو جزء لا يتجزأ من حركة ملايين البشر ، ففي قصة نقطة يمثل البطل الطفل حارث وفي قصة كابوي يمثل دور البطولة عامل النظافة محمود قادر /لاحظوا ذكر الأسم الصنائي والثلاثي / الهدف المنشودة عادة ما يكون خط سير / لنقطة متجهة إلى هدف / (« سمعت الحلاج يقول: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا ُقلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه.»
ما قلنا هنا يحتاج لوقفة ، توقفنا عندها طويلا وبعدما ارهقتنا ، تخلينا عن التفكير فيها
لنرى طفل المدرسة حارث ، نتأمل ما كان يمسك بيدية ، وقد تكور العالم في حدود حقيبته :

وكان حارث يحتفظ في حقيبته بكتب ودفاتر القراءة والرياضيات والعلوم والإسلامّية، مع كيس صغير مُنتفخ بشطيرة البطاطا المقليّة.

للنتقل الآن إلى بطل قصة كابوي ونقارب مع بطل قصة نقطة :

كان سيشتري نصف كيلو بامية وكيلوّي طماطة، قائلاً لنفسه :- إن عندنا القليل من الخبز والزيت من بقايا الحصّة التموينية في البيت .

3
ضربة النص :
ضربات النص عند فرج ياسين في هاتين القصتين تنتهي نهاية مآساوية فيما تبقى الأحداث في طي التكرار اليومي ، سواء كان الموت على طريقة الطفل الذي تدهسه عجلة أو العامل الذي يموت بعيار ناري لكاتم صوت ، على الرغم من تباعد الزمان والمكان في هاتين الواقعتين ، فواقع موت الطفل في ذاكرة الكاتب قبل عقود عدة فيما واقعة عامل البناء تبدو حديثة نسبيا ، فهي في زمن الرئيس بوش
الملاحظة في قصة ( نقطة ) / ظل مقعد الطفل همام شاغرا في مدرسة ( الأزدهار )
الملاحظة في قصة كابوي / ظل الرصيف من دون عامل تنظيف على الأقل لساعات أو يوم
تحياتي وامنياتي بالتوفيق إلى الدكتور فرج ياسين وعذرا من عجالة التعليق وتكالب الأفكار

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.