الإبـــــداع الشعــــري والطـاقــة المحـبوسـة
د. خـيرالله سـعـيد*

قـراءة في القصيدة الملحميّـة ” باطـن منـكب التيـس” للشاعرة الهـولندية أنّــامــاري إســتر . ترجـمة المسرحي د. حازم كمال الـدين. منشـورات دار فضاءات الأردنية ، عمـّان 2020 .

* * *
تتــفاجئ ، بحسّـك الشرقي، حين تصدمك إمرأة شـاعرة ، من بلاد الغرب الأوربي، وهـي تُـعــرّي جسـد الأنثى أمام الطبيعـة الدافئة في المغرب العربي، كمعادل موضوعي للشرق بأكمله. فـتنزعُ عـنك بقـايا خجـلٍ، كنت تخفيه منذ طفولتك المراهـقة للدوافع الجنسيّة ” اللّـبيدو” للتعبير عن أفراح الـروح ” الغربية” لإمرأةٍ شبقة، أغـوتها إسقاطات شرقية، كانت قد رافقت خيالهـا أحـلامُ رواياتٍ قـد قرأتها في ” ألفِ ليلةٍ وليلـة” بكامـل طقوسـها السحريّة وأسرار حكاياتهـا الجنسية، والتي حذفتهـا الطبعات العربية الأخيرة للكتاب المذكور .

تلك الإسقـاقطات الجنسية يُظهـرها نصٌّ شعري قـد كسرَ تقاليد الحيـاء الـزائف، ليرسم شبقٍ مُغـلق، لا تراه أعيـن الحرّاس.
* تنطلق تلك الصور الشعرية من إحساسٍ عـالٍ بالحُـب لإمرأةٍ واعيـة، مُـدركة، تتجاوز الحالة النمطية العالقة بذهنية التصوّر الغربي للشرق وإسقاطاتهِ الصحراوية و ” جلافتهِ” عند الأبناء وخشونـة طباعهم، لكنها تغـور الى عالم السِـحر النفسي، المشحون بالشَـبقِ الحـار اللاّهب، الأمر الذي يولِّـد في روحها ( الشاعرة) حالة الإنصهار الجسدي في لحظة اشتعال الوجد الروحي عند لحظة الإيلاج، والتي تكشفها تلك الشاعرة من خلال بطلتهـا الأسطورية ” مـينانا” .

المتـأمّل في نصِّ القصيدة ( الديوان) بقراءة تحتـيّة، يكشف عن حالة من التوحّـد والتـآلف مع الشاعرة نفسها، حيث ان القـارئ بتلك القراءة، يلاحظ هذا التماهي والتوحّـد، من خلال التصوير الحسّي الخـارق للشعور في تلك اللّـذة الجسدية، التي تنتاب الشاعرة، وتعبّـر بها عن إحساس داخلي مبـدعٌ اخـّـاذ وساحرٌ، الأمر الذي جعـل من هذه القصيدة الملحمية، بكامل نصوصها الثـمان، أن تنال إعـجـاب وتقـدير النُقـّـاد الهـولنديّين، ويعتـبروا هـــذا النص الشـعـــــري كـأفضل كتابٍ شعري لعام 2013 ، وأن يُـكافئ هـذا النص بجـائـــزة ” هـرمان ده كــونـك” الهـولندية، حيث عبّـرت لجنة الجائزة عنها بالقول: ” نـادراً مـا يظهـر مثـل هـذا الوصف، لعـلاقة حُـبٍّ شـيطانيّـة في كـتابٍ هـولندي” .

* إن تمـاهي الشاعرة مع بطلتها ” ميـنانـا” إنما هـو ذاتيّـة جنسية، تخبئـهـا الشاعرة، ولكـنّ النص الشعري فضـّـاح لهذا الإختباء، لا سيما عند لقائها الأول مع ” عـــزّام ” بطل الرواية الشعرية في هذه الملحمة، إن صحَّ التعبير، وذلك في القصيدة الأولى من الديوان، حينما تقول :
” ضعيفـة كانت مقـاومتي إزاء شَـعـْـره،
فـفي داخلـي كُـنتُ أتيـــــه …
إشتهـيتُ فقــــدان الإتجــاهـات، في قلبِ تـلك التعـــاريج
تجعـيداتُ شَعـْـرهِ، جعلتهُ يبـدو شُـجيرة ملتـاعـة ،
وأنا أُمـسِّـدُ الغَـرسَ المُـخمّر بـأنامـلي
حـافّـاتُ أضافـري الحـالكــة ،، زمجـرت
أنـشَــبت نفســــهـا في العَـفـــن ” ص12

* هـذه الإستهــلالية الشعتريـة، فيهـا حـالة من التأمّـل في شَـعْـر البطـل عـزّام، ذلك الشَـعـْـر المُجعّـد، حيث يبـرز هــذا التوصيف ” علاقـة حسّـية ملموسة” وليست مُـتخيَّـلة، حيث نلاحـظ فعـلٌ يتبعـها، يتجسّـد فيه ذلك اللّـمس ” حافات أضافري الحالكة .. الخ”
* * *
* يُـحيلك عـنوان القصيدة ” بـاطـن مـنكب التيس ” الى حـالة التـوهّـج الجنسي العارمة بمضمونها، حيث يشير تعريف المنكـب الى : ” منكب الإنسان، هـو مجتمع رأس الكتف ورأس العضد” كما يقول أبو حـاتم الرازي. فيما يشير سِـيبويه الى أن ” المنكب إسمٌ للعضو وليس للمصدر، ولا فيها الرواهش، وهي العصب في باطن الذراع” . يراجع في ذلك إبن سيده ” المُخصّص” مادة منكب .

فيما عـنوان القصيدة أو الديوان، منكب التيس، إشارة واضحة للدلالة الجنسية عند ” التيس” وهـو فحل الماعِـز والمعروف بقـوّة قرعـهِ وشِـدّة إخصابه للإناث، الأمر الذي يعكس الدلالة الجنسية الواضحة في تلك التسمية. بمعنى آخر أن الشاعـرة أرادت إستفـزاز المتلقي في أوّل مفردة من مفردات الديـوان ، كي تضعـهُ في مواجهـة أحاسيسـه الداخلية للكَـبت التاريخي الكامن في جَـسده، حيث تُـفـاجئك القصيدة الأولى، والتي تحمل عـنوان ” في مـرتع القَـشِّ أتخـمّـر” حيث تجـذبكَ عبارة شعرية أخّـاذة :

” مـا بين ارتعــاشات ضوءِ الـربيـع، مـدَّ لي يـداً
أذرع الأشـجـار تَـدلّت عليّ
حــرارته التـهَـمتـني، كشعـلةٍ تلتـِهـمُ تفّـاحـةً ” ص12

ففـي هـذا النص، إشارة للربيع، حيث التواصل الجنسي للمخلوقاتِ كـافـة، لكـنّ الإيحـاء يُـشير الى حرارة الجسد الملتهـب، من شـبق النار الكامنة فيه .

* قـلق الإيحاء المُـتأتّـي من هاجسٍ داخلي، مبعثهُ رغبة في الظهـور والتقـارب من شخصٍ كـان قـد استقر في روح الشاعـرة، وبـدأت تهجُـس بِـهِ : صـ11

” ذاتَ ظهـيرةٍ ، رأيتـُـه كيف يـومئ للطـيـور
إشـاراتـه ضخمـة، مُـهيـبة، ولكنّـها مُـهذّبــة
فـوق السطحِ المتصـدّع، رسمت الطيور حلقاتٍ عـن الهـواء ”

تلك الأبيـات الشعرية، كانت الومضة الأولى لجلب انتبـاه ونظر تلك الشاعرة، والمتقمصة شخصية البطلة ” مينـانـا” حينما رأته للمرة الأولى، بين طيوره التي تسبحُ في السماء، وحينما أمعنت النظر إليه قالت :

” حـرارتـهُ التـَـهَـمتــني، كشعلةٍ تلتـهِـمُ تفّـاحة ” ص12

* شـرارات الوجـد، بـدأت تتسرّب الى أحـاسيس الجسـد والشعـور، ثمّـة طـارئٍ يخترق المشاعر، ويشعلُ لحظـة الإشتهـاء المُـتخيّـل:

” بحضرة شَـعـْـرهِ… انهــارت دفـاعـاتي
مِـن شَـــــعرهِ تفـوح رائحة دبسٍ وأربعـون يوماً من الكرى
تجنبتُ ملامحـهِ العابسـة وتنشـقـْـتُ تَـبغـهِ ”

هـذه إشارات الأحاسـيس تفرضُ على النفسِ القلقة قانونها، والتعاطي معهـا بإحساسٍ آخر، إذ أنّ ملامح المحبـوب بـدأت تستقـر في سـويداء القـلب ، لذلك بـدأت الإستجابة الفورية :

” ضعيفة كانت مقاومتي إزاء شَـعره
ففـي داخِـله كُـنتُ أتيــه،
إشتهـيتُ، فقـدتُ الإتجـاهـات في قلبِ تلك التعـاريج
تجعـيدات شَـعرهِ جعلتهُ يبدو كشجيرةٍ مـلتـاعـة
حـافـّات اظافري الحـالكة زمجرت
وأنشـبت نفسهتا في العَـفَـن ” ص13

هـذه التلقائية النازعـة نحـو العبث، وجـدت صدىً لهـا في شَـعـرِ ذلك المهـووس، العبثي الآخر، والذي يثير الإشمئزاز في تسريحةِ شـعره، وهـو البديل المشترك بينه وبين تلك العابثة، التي استهـوت شَعره قبلَ أيّ شئ في جَـسَـده، فـتناثرت غـرائزهـا نحو كُلّهِ الكُـلّي :

” الـذنبُ كُلّـه ذنبَ شَـعـرِهِ
الإجبار كُـلّه أجبرني عليــه بـاطن المنكـبين
ثمّـة ما يُـمضغ،،، ما يُـخمّـر في صندوق القَـش
هـكـذا وجـدتُ نفسي في عالمٍ خـارج جَسَدي ” ص14

وفي تضاريس الجسَـد للفـتى الصحراوي، كانت اشتعالات الغـريزة لإمرأةٍ كانت تبحث عن ارتـواءٍ جنسي، بعـد أن فقدت مع شريكٍ لهـا ، إسمـهُ ” الصـموت” والذي كات صامتُ الأحاسيس مُـتَبَـلّد، لا يفقـه لُغـة الجسـد ولا تعـابيره .
* * *

* في القصيدة السـابعـة ” VII ” والمعـنونـة بـ ” سـاقيّ المقـوّسـة” تنكشفُ أسـارير الروح والجسـد، والشبق المتدفّـق من جَـسَـدي العاشقين، والتي أثارت شجونها وتجلياتها سـِـتُ قصائـد سـابقــة كانت تكشف تفاصيل عـلاقـة غـرائزيـة، أثــارتهـا شجـون الأرواح المتمـرّدة والباحثـةِ عـن اللّـذة والإشتهـاء .
في هـذه القصيدة السابعـة، تتعـرّض كل الحواس الى تصوير شعـريٍّ أخّـاذ، لحـالة وصلت ذروتهـا في الإنتشاء :

” جَـسدي، مـازال يستـذكّـر مـذاقَ جَـسده
عـزيـزاً وحُـلواً كـالتمـرِ كـان
لكنّـه انتــزع الأغصـان من رئتي، وجعـل لساني يرتجـف
هَـلْ أولـجَ الشعلـة في عظام قفصي الصدري؟
وهَـل أُصيبت بالعــدوى عظـامُ صدري خليّـةً خليّـة؟
أم تـراني مصَـصْـتَـهُ في عـروقي!
أولــــج مـن جَـديـد ………….. صـ89

تستـطردُ تلك الشاعرة المتمـرِّدة بفضـحِ الأحاسيس التي تنتـابهـا لحظـةَ العِـناق ولحظـة التشـابك الجسـدي :

” مثـانتي ضربتـهـا الأبخـرة
ضَـبابُ عـزّام اخـتَرَقَ إرادتي
أم إرادتي هي التي أرادت دخولَ عـالمـهِ
إستــدارة إثـرَ اسـتدارة
عنـدهـا أدركت أنَّ هـذا مـا عـاد محـتمـلاً ” ص90

* تـرنو عيـون الشاعرة الى سحر الشـرق وفحـولـتهِ في نظر نسـاء الغـرب، وهـي تتـمثّـل بالوضع البـايولوجي، عـند نشوء حـالة الإرتقـاء الجسدي، وفي لحظـة الإرتعـاش، تصرخ كل الأحاسيس :

” بقـوّةٍ هـائلة انقــذفت الصَـرَخـات
عـندما انغـسلت الغـيوم مـرّة أخرى
وتـرنّـحـت العاصفة… ظهـرت آثـارٌ على فُـخـذيّ
هـذا الوحـشُ يغـــرزُ حـوافره عــميقـاً في اللّـحـمِ ”
…………………………………….
النقـوشُ أصبحت ظاهرة للعيان في الحلقات حـول عُـنقي
دَبِقـةٌ تتــــثـآب فجـواتٌ في كـاحلي ” صـ98

تشـبيـه حـالة الشبق عـند ” عـزّام ” كحيوان ” التيس” في حالة النـزوِ، ممّـا يترك آثارهُ ظاهرة كالنقوش، ومفضوحـةً للعيـان. هـذه الإسقاطات لحـالة الإنتشاء الجسدي، تتعمّـق في الروح، فترسمُ مفرداتهـا على وعي الشاعرة ، وحتى في لاوعيها، فتتـركهـا مأسـورةً لحـالات العشق ونشوء الإرتقاء الجسدي، حتى أنها أصبحت لُـغـــة الخطـاب في نصّـهـا الشعري :

” لـن أتـمـكّـن من بلوغِ خــط الإستواء
حـيث يفقـد الخـوفُ سـطوتـه
أمـّا أثرهُ المتروك،
فقـد بقي على قـيد الحياة في الآثار” ص99
* * *

* في القصيدة الثـامنـة والأخيرة، والتي تحملُ عـنوان “ألبـسني مـلابسي” تتحـدّث فيهـا الشاعرة عـن موت ” عـــزّام” ذلك العشيق الذي أفقـدهـا كلّ شـئ إلاّ ذِكـرهُ، وتجـاعيد شَعـرهِ الصحراوي، وبقـايا آثارٌ من طعنـاتٍ طائشـة، تـركت إزرِراقـــاً على بقايا ارجـلٍ مقـوّسـة، وخصلاتُ شِـعرٍ بقت عـالقـة بين أنـامِـلِـهِ :

” ضجّـت أجفـاني بسـوائل معـدنيّـة
عضّـت أعـمِـدة متـآكِلـة
مـن ذا الذي رآني في مـدينة الشِتاء !!
نفضتُ يَـديَّ،،، ومـاذا حَـلَّ بـي !
حـتّى أني لم أعـُـد أرى ” الصموت”

حـالة الفـراغ الروحي هـذه أفقـدتهـا الصواب بعـد مـوت عـزّام، حـتّى أنهـا لم تعُـد تعـرف أعـادَ الصموتُ أم لا. والصموتُ زوجـها، إسمٌ على مُـسمّى، فهـو مجرّد شخص مقترنة بهِ على الـورق.

* لا أعـرف إن كانت الشاعـرة قـد اطّـلعـت على مقولات ” التصوّف الإسـلامي” من قُـبيل ” الوجـدُ مـن الفقـــد ” إذ أنّ هـذه العـدوى الروحية تنسابُ الى روحـها بعـد فقـدِ عــزّام، ورحيل زوجهـا الصموت، فبقـت عــلائم الوجـد تتـرآى لهـا في بقية الأشياء، في الجدران، وفي الأزقّـة، وحتى عِـند فتحـة الباب :

” هـكـــذا تـرك الصموتُ الغُـرفة وغــادر ….
على حـين غـرّة، مكـالمـة هـاتفية :
الشمسُ جميلةٌ جداً في ” كالمتهـاوت ”
طبقاتٌ من الثـلجِ على الأغـصان، هشّـةٌ كطبقةِ الملح
بين حـاجبيكِ ورموشـك
قُـلتُ: أنـا زوجـتك ،،، أنا شتاءاتك ” ص105

* الفـراغ الروحي يسجب أذيـال بقـاياه الى ذُبُـول الجسـد وانحـلال الرغبة، فـفـقـد الشريك، وموت الحبيب، جعل من نـوازع الوحـدة النفسية ألَـمـاً لا يُـطــاق :

” لم أذبُـل بعـــــد، ولا بُـدّ أن أنـزف ولو بيدين مهـصورتين
أنـا نفسي أبـدو مثلَ طـيرٍ، وأيضاً بـلا جـدران داخلية
مَـنْ هـو ذالك الشحرور بين قضبان القفص!؟ ص110

الرؤيا التراجيدية، تـأخذ مداهـا بين الصور الشعرية، للتعبيرِ عـن الفـراغ الروحي، وليس هُـناك مـنْ يَـسُـدًّ هذا الفراغ :

” في وقـتٍ لاحِـقٍ،،، في الطريقِ عثرتُ على ما أخـفاهُ عـني
في ظَــلامِ جُحــره
مـلابسُ أطفـالٍ على المشـنـقـةِ
درّاجةُ أطفالٍ صدئـة
بـانيـو أطفالٍ غــــدا حُـطـامـاً
هُــــناك ثَـمـّةَ عَـــفَـنٍ جـديـــد، أينما وليّتَ وجهـك ” ص111

* إنهـدام الروح بعـد مـوتِ عَـزّام، يسحب ظلال عـلاماتهِ على مفردات الشعور الظاهرِ بالقصيدة الأخيرة، فالنصوص الشعرية، ينتابهـا طوق الحـزن، ولم تَعُــد مفرداتها تحاكي السماء والطيور، فـالإنكسـار النفسي أخـذ يُـهـدّم بقـايا الـروح ”

” مشاعِـلٌ اضطرمت وراء نـافِذتـهِ
وفي لظى الومضات، خلفَ الأرواح المتفخِّـمة ، كـانت نصوص غامضة تلعنُ من يمُرَّ بـهِ عطشٌ
في تلك الأثناء، حـلّ علينا الشتاء
عـلقَ الجليدُ بين زجـاج وإطـارات النـوافـذ
أحيانـاً كانت الكلمات مفضوحـةً
آثـارُ خطــواتـنا، مسـاراتُ طُـرُقِـنا، جـرفتها المـزاريب
صـوبَ الأعـمــاق ” ص113

* حـالات اليـأس، وانكسارات الروح، تُـذبِلُ حتى النص الشعري :

” أحيانـاً كنتُ أهـرع الى الخـارجِ هـلعَ الشحرور
الموتُ على درّاجة، يقتربُ منّي بفـارقٍ ضئيل
ذات مـرّةٍ التقيـتُهُ، قــــال :
” تعـالي سـأعطيكِ طماطم كُـلّ يوم ”
فـأطلق عليَّ الصموتُ إسم ” سجّـاني”
بقيتُ أنـزف حتى أصابني الذُبُــول
” أحيـانـاً، كـانت أعقـابُ سجائره مرميّةً أما بابي ” *1
أحياناً كانت تنبعِـثُ من جـراحي رائحـةُ تبغِـهِ
لكـنَّ جـسدي تخلّى عـنه رويداً رويـدا” ص116

* بقـايا الأثـر من الشخوص التي نحبّـهـا، لهـا وقعٌ كبيرٌ في الذاكرة، وهذه الحالة الشعورية، قـويّـة الحضور في مختلف الثقافات، وعـند غالبية الإثـنيات والأعـراق. والشاعـرة هـنا تلتقـط بعض هـذه الإسقاطات الدافئة في الشعور وفي النفس، ونحـنُ قـد لاحظنا عباراتها الشعرية من قٌـبيل ” كانت أعقابُ سجائره مرمية أمام الباب” الخ ، وتكاد هذه العبارة الشعرية تتطابق في أبعـاد معانيها مع شعرنا الشعبي في العراق ، ومحمول بيتٍ من ” الـدارمي” يقول فيه صاحبه :
” سُـوله الله حـط بالـروح ،،،، تطـــــــــرﮒ بالابــــــواب
بلـﭼـــن تشــــــوف الشاف ،،،، من شـاف الاحــباب”
أو هـي أكثر تـماثلاً وبيت نـزار قـبّـاني :
” على المقـاعِـد بعضٌ من سجـائرهِ
وفي الـزوايا بقــايا من بقـــاياهُ”
فيما تتـمادى الشـاعرة في التعـبير عـن انكساراتها في نهاية قصيدتها حين تقـول :

” وكفّـت الأشجار عـن التنفّـسِ، نحنُ نعرفُ ذلك
الأشجار عـارية كما نحـنُ،، يا له ُ من عُـريٍّ ” ص118
* * *

* القصـــيدة والمـتــرجـم :
إن المطّلع على بنود القصيدة وتعرُّجاتها، ينـذهِـلُ حقّـاً من هذا العالم الجمالي الذي يتجاوز المـألوف، ويدخل في عُـمق المستور والمحضور المُدنّس بخصوصيّةٍ لافـتة، تكمـن هذه الخصوصيّة في أن القـائل شــاعرة، وليس شـاعر، هـذا أولاً، وثانيـاً في أن النص الشعري يتجـاوز عـالم المحظورات الذكورية، بكل قوّة وعـنف سايكولوجي ليُـداعب غـرائز مكبوتـة بشكلٍ حسّـي ملموس،، الأمر الذي يخلق صدمـة عنـد المتلقي العربي، بشكل خـاص، ومن هُـنا نلاحظ تـأخّر ترجمة هذا النص الشعري الى العربية، بعـد أن كان صدوره في عام 2013 ، ولم يجرؤ أيّ كاتبٍ أو مترجمٍ عربي لنقله الى اللغة العربية، نتيجة هذه ” المخاوف الزائفة” والتي تنظر الى مثلِ هذه الأعمال نظرة المُدنّـس والمحظور على أنها ” رجسٌ من عـمل الشيطان” .
والملاحـظ أيضاً أن هـذه القصيدة تـأخّر ترجمتها الى بقية لغات العالم، من ذات المنظور، ممّـا أسدل الستار مؤقّـتاً على بقية الترجمات العالمية، وهـذه الإشكالية زادت الطين بـلّـةً على بقاء هـذا النص الشعري ” الأجنبي” خلف أبوابٍ موصدة، منعت وصولهِ الى رحـاب اللغة العربية وآدابها .
ولولا وجود صلة تعارف بين الشاعرة والمترجم، فربما بقي النص في لغـتهِ الهـولندية ( De oksels Vande bok ) حتى اللحظـة، ولكن القـلق الإبـداعي الذي يتحـلّى بهِ الزميـل د. حازم كمال الدين، وتـأثـرهِ بالروح الملحميّـة داخل النص، وهـو من عشـاق تلك الأعـمال التي فيها روح لا تعـالج الجماليات السائدة فقـط، بـل تتعــامل بثـيمات الجانب المعـتم في الذات، وتتـعامل مع القُـبح باعـتباره معـطىً جـمالياً، تتـماوج في محمولاتها ومعـانيها مع طبيعة وروح الإشتغـالات والأعمـال المسرحية والإبـداعية التي يقوم بها المبدع حازم كمال الدين النازعـةِ نحـو عـوالم ” أنتـونين آرتـو وبـودلير، وفـنون العرض اليابانية – البـوتو” .
ومن جهـةٍ أخرى، وفق ما أخبرني بهِ المترجم، أن الدافع الحقيقي لترجمتهِ هـذا النص هـو اخـتلافهِ عـن بقية النصوص التي اعـتدنا على قـراءتها مترجمة عن اللغـات الأخرى، حيث يجـد فيه مسـتوىً ناضجاً من التجريب، ومن تماهي حـدود الأجناس الأدبية، ووضعـها في بوتقـةٍ الشـعر .
* وفق معرفتي بالمترجم وصداقتي الدائمة معه منذ أكثر من 40 سنة متواصلة، كانت نـوازع التمرّد لدى حـازم كمال الدين، صفة ظاهرة في سلوكهِ الثقافي، فهـو يقدم على اتخـاذ الموقف بقناعةٍ ودون تردّد، حتى وإن أدّى ذلك الى نشوز البعض منه، إلاّ أنه يفعل ما يرى، ومن هـنا مال لترجمة هـذا النص كـونه يعرف خلفياته الفعلية وتطوراته الفنية من الشاعرةِ نفسها، بحكم الزمالة والتعايش في هــولــندا .
حـازم كمـال الدين في هـذا العمل، يُقـدّمُ نصّـاً سـاحراً من الشعر العالمي الى الثقافة العربية، بوثوقٍ ومعرفـة، ليكسر نمطيّـة التفكير المؤطّـر بإسقاطاتٍ دينية أو اجتماعية تمنـع تـذوّق النص الجمالي بكافة أبعاده، بـل هـو ينطلق من رؤية جمالية تستطيع ان تجـد في المُـدنّـس مايوازي المقتدّس، ويضعهما في كفّـة متعادلة في ميزان الجمال. لقـد كانت مغـامرة ناجحة حقّـاً تلك التي أقـدم عليها حازم كمال الدين، وبصـمـة منفـردة وأخّـاذة في هذه الترجـمة .
* * *

…………………….
* د. خيرالله سعيد ، باحث وشاعر وأنثروبولوجي، عضو اتحاد الأدباء والكتّاب العرب ، يقيم في كــندا .

1- جاءت العبارة الشعرية أعلاه بصيغة المفرد ” أحياناً كان عقب سيجارته مرميّاً أمام الباب” ونحن نرى أن صيغة الجمع في العبارة أرشق، من الناحية الموسيقية، وأبلغ من ناحية التعبير اللّـغوي، لذلك فضلنا صيغة الجمع .

* * *

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *