فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

 

احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات التي كانت تروى داخل الدار حيث كانت بحق مشغللآ حكائيآ يتنافس فيه افراد الاسرة ويتزاحمون في قص حكاياتهم ومروياتهم الا انه شغف بعالم الشعر واستهام بروايته وانشاده , وصحيح انه ادمن قراءة الروايات ايضآ وما زال يدمن غوايتها وتشرب عصاراتها الا انه مشى خلف الشعر كانه عثر على ضالته او وجد المفاتيح التي يستطيع بها ان يفك كل مستغلق ويقرأ عجائب طلاسمه . خارج الدار كان ينصت الى كل كلام يحمل نكهة الشعر في البدء طاب له الكلام الموزون ثم الكلام المسجوع فالكلام المجنس , ومال الى الغناء الذي يحمل شجنآ عراقيآ واحزانآ خافتة لا يعرف مصدرها ولا يعرف كنهها حيث عده شقاءآ ناعمآ وحكمآ حِياتية لا بد ان يتعلم المرء من ورائها , هناك شيء غامض في الحياة يحمل في طياته اسراره اراد ان يستبطنها كله حتى يستطيع ان يفهم هذا الحزن الشفيف الذي كان يسربل التلول الجرداء التي كانت تحيط بمدينته ومع قدوم الليل كانت تتزين بتلك الصبغة الحمراء التي تمنحها نيران بابا كركر وهي تشتعل مضيئة ما حولها ومغرية السائرين في جوف الظلام فلا عجب من وجود امل في هذه الطرقات التي يمشي فوقها الانسان فهو يتسلى بهذه الاضواء وفي نفس الوقت تسعفه وتؤنس وحدته .

ومع دخوله مرحلة المتوسطة تلقى من اساتذته نصوصآ شعرية في غاية الروعة والجمال ومازال يتذكر بعضآ منها ويرددها مع نفسه كلما غشيه الاسى وداهمته الاحزان ومع قراءته لها يحس بغيمة من السلوان تظلل روحه كأنه وجد فيها ترياقآ لادوائه , يذكر من هذه النصوص : ” النهر المتجمد ” لميخائيل نعيمة حيث يصف النهر الذي وجده دفاقآ في مياهه ابان الصيف وعندما التقى به شتاءآ وجده تجمد مطوقآ بالسكينة ونص ” ارادة الحياة ” لابي القاسم الشابي هذه القصيدة التي غدت انشودة الطامحين والباحثين عن الامل والظفر وانتصار الحياة , ونص ” المقصورة ” لمحمد مهدي الجواهري والقصيدة ملحمة تغني امجاد العراق سهوله وجباله , نخيله ورافديه وغيرها من النصوص التي ما فتئت تسحره وتجذبه الى عوالمها وفضاءاتها الفساح .

ومع تردده الى المكتبة العامة التقى بشخصين يحبان الشعر فصادقهما وفي فترات الاستراحة خارج قاعات المطالعة يتناشدون ما استظهروا من اشعار احدهما في قادمات الايام تعاطى كتابته وكان اسمه ( شكر نوري عبد الواحد ) وظهرت له مقاطع ومقتطفات شعرية على صفحات جريدة الاخبار البغدادية واما الثاني فهو الصديق ( خليل ) الذي كان ذواقة في الادب ومقتدرآ في اللغة التركية وبقي يلتقيه على ندرة في طرقات ومقاهي كركوك الى ان انتقل الى جوار ربه .

وفي بساتين ( كاوور باغي ) لفت نظره رجل شعبي يتزيى زيآ تركمانيآ بزبونه وغطاء رأسه يقتعد سور البستان المتآكل ويتلو رباعياته الجميلة وتلاميذ المتوسطة والثانوية الذين يطالعون دروسهم تحت اشجار الزيتون يتجمعون امامه يصغون الى اشعاره الحزينة التي تقطر اسى وكلها في البكاء على زمن جميل مضى لن يعود وحبيبة غدرت به وتركته لمرارة الزمان والايام التي تزرع ساحات الانسان ضيمآ وجورآ وفراقآ , الا انه يأسف ويتألم لانه لم يدون شيئآ من تلك الرباعيات التي ذهبت وتلاشت بأختفاء ذياك الشاعر من بساتين ( كاوور باغي ) .

وفي وقت لاحق تعرف على صحبه في مجموعة كركوك الادبية , رُحًب به ووجد نفسه بينهم يتذوق الشعر العالمي ويتعرف على اشهر نصوصه كان معظمهم يتقن الانكليزية وبواسطتها انفتحت امامهم نوافذ وكوى للاداب الاجنبية ومن جانبه كان يتخصص في العربية وادابها ويهضم تراثها ويجيد القاء النصوص الشعرية فكانوا يدفعون اليه قصائدهم فيلقيها بصوته في الاماسي التي يتجمعون فيها وفي عين الوقت حفظ قصائد ديوان ( اغاني المدينة الميتة ) لبلند الحيدري وقد انشدهم اياها نصآ اثر نص فاحبوا تلك القصائد كما احبها هو الا ان ايفاده الى القطر الجزائري جعله يفارقهم وفي نفسه غصة على تركهم وفي قلبه حسرة الى جميلات الايام التي عاشها معهم .

لم يستطع ان يصدر اية مجموعة شعرية الا مع عام 2002 بعد ان احيل الى المعاش فتفرغ الى عالم القراءة والكتابة وقد جاءت مجموعته تحت عنوان ( قمصان الغيوم المتدلية ) ضمها مختارات من نصوصه التي قالها من العقد الستيني ووصولآ الى اواخر العقد التسعيني ثم اردفها بثلاث مجموعات اخرى ولكنه بعد ذلك زهد في كتابة الشعر وجعل مشروعه الثقافي منصبآ على امكنة الذاكرة الكركوكية وكذلك احب ان يؤرخ لصحبه في جماعة كركوك الادبية ولكن الشعر ظل يتردد في داخله ويتسكع بين تلافيف راسه ويردد مع نفسه كل تلك الابيات والسطور التي استظهرها كلما احس بدفقات الحزن تنثال على نفسه دخل غرفته واعاد قراءة تلك النصوص الملتصقة بالقلب لا يستطيع الفكاك عنها , ومن جانب اخر الشعر وكركوك صنوان لا يفترقان , يتامل القلعة فيتخيل ان الوصيفات السبع هبطن منها ليتريضن على جوانب نهر ( الخاصة ) هذا النهر الاسطوري الذي الهم شعراء المدينة بمئات الرباعيات , ومازال يذهب الى مصطبته الوحيدة امام القلعة يقتعدها في انتظار شاعر كركوك القديم الذي ابدع تلك الاغنية التي خلدت المدينة وقلعتها وغدت ايقونتها الاشهر بل انتقلت الى العديد من ارجاء المعمورة يُجدد تلحينها ويُعاد غناؤها وهو لم ييأس في ملاقاة هذا الشاعر واستكناه تلك التجربة التي الهمته فصب تلك المعاني الخوالد حيث لن يستطيع الزمان محوها و فالشعر واحجار القلعة باقيان وماذا يملك هو غير الشعر فهو يحفر وينحفر اعمق فأعمق في الذاكرته المتعبة المضنكة .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *