د. عبد الله ابراهيم : أمّة الكتب الأولى

1. مخاريق محشوة.‏
‏ في سياق حديثه عن الهياكل المقدسة عند الأمم المختلفة نقل ابن فضل الله العمري ‏‏(749هـ=1348م) في كتابه”مسالك الأبصار في ممالك الأمصار”عن أبي عبيد البكري ‏‏(487=1094)خبراً قصيراً عن”الصابئة”وهو الخبر الذي أورده المسعودي(346=975)من ‏قبل في”مروج الذهب”، وذكره آخرون، وبذلك جرى تداول الخبر طوال أكثر من أربعة قرون، ‏وتعرض لتخريب كبير، فقد حُذف منه وأضيف إليه، لكنه حافظ على تماسكه البنيوي والدلالي، ‏آخذين في الحسبان أن المسعودي، فيما نعلم، أول من دوّن روايته الشفوية التي تعود إلى زمن ‏أسبق بكثير من ذلك، وبخاصة الجزء الأخير منه، وهو عن مخزن الكتب الأولى في العالم. ‏وسنُدرج الخبر بعد تهذيبه من شروحات جانبية لا تؤثر في بنيته السردية ولا في بنيته ‏الدلالية، لنتمكن من تحليله بصورة وافية.‏
‏”وأما ما كان للصابئة، فكان لهم هياكل تسمى بأسماء، وهي: هيكل العلة الأولى، وهيكل ‏العقل، وهيكل الصورة، وهيكل النفس. مستديرات الأشكال. وهياكل الكواكب والنيرين على ‏أشكال مختلفة من التسديس والتثليث والتربيع. وكانت لهم فيها دُخَن وقرابين..والذي بقي من ‏هياكلهم، بيت بحرّان، في باب الرقّة، يُعرف بمعلميشا(=مغليتيا، عند المسعودي)وهو هيكل ‏آزر أبي إبراهيم(=الخليل)..ولهم في هياكلهم مخاريق قد وصلت: تقف السَّدَنَة من وراء ‏الجُدُر، وتتكلّم بأنواع الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافخ والمخاريق إلى تلك الصور ‏المجوّفة، فيظهر لها نُطق على حسب ما دُبِّر على هيئة هندسية..والصابئة حشويّة اليونان، ‏وإنما يضافون إلى الفلسفة، إضافة نسب لا إضافة كلمة، لأنهم يونانيون، وليس كلّ يونانيّ ‏بحكيم..والصابئة تُقرّب في بعض الأوقات ثورا أسود، تُشَدُّ عيناه، ويُضرب وجهه بالملح، ثم ‏يُذبح ويُنظر في أعضائه، وما يظهر منه في الجراحات والاختلاج، فيُستدلّ به على أحوال ‏السَنة. ولهم في قرابينهم أسرارٌ ومُخبّآت، وهيكل في أقاصي الصين، وهو بيت مدوّر له ستورٌ ‏وأبواب. في داخله قبةٌ مسبَّعةٌ عظيمة البنيان. وبه بئر مسبّعة الرأس، متى أكبّ إنسانٌ على ‏رأسها تهوَّر على رأسه فيها، وعلى رأس البئر شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم، قلم السند ‏هند(=قلم المسند، عند المسعودي)”هذه البئر تؤدّي إلى مخزن الكتب الأولى، وتاريخ الدنيا، ‏وعلوم السماء لِما كان ويكون، وتؤدّي إلى خزائن رغائب هذا العالم، لا يصل إلى الدخول ‏إليها والاقتباس مما فيها إلا مَنْ وازتْ قدرته قدرتنا، وعلمه علمنا”(1)‏
‏ تكشف بنية خبر”الصابئة”مجملَ عيوب التأليف الإخباري الشفوي القديم، إذ تتضارب ‏المعلومات عن”الآخر”المختلف في معتقداته، وعباداته، وطقوسه، ثم يجري النقل دونما تثبّت، ‏فيقع التغيير، والتكرار، والتصحيف، وعدم مراعاة التناسب، وتسريب أحكام انتقاصية، فلكي ‏نتعرّف إلى الصابئة ينبغي لنا نذكر”مخاريقهم”ونتهمهم بأنهم من”حشوية اليونان”، ثم نبعدهم عن ‏أي احتمال تتسرّب منه رائحة الحكمة”فليس كل يوناني بحكيم”لئلا يتوهم أحد بأن فيهم حكماء، ‏وأن نذهب بهم إلى أقصى مشارق الأرض لنجد لهم هيكلا كتب عليه بلغة هندية مجهولة ‏بالنسبة لنا، ثم نلوذ بالتاريخ البعيد لنعرف أن لهم هيكلا آخر في حرّان خصّ بآزر أبي النبي ‏إبراهيم، وننتقل إلى أضاحيهم العجيبة، إذ ينحرون الثيران السود يستدلون بخلجات أشلائها ‏على صروف الدهر، وتقلبات الأحوال، ناهيك عن المخبآت والأسرار التي ترافق ذلك. فماذا ‏يرتسم في مخيلتنا ونحن ننتقل من الصين إلى اليونان؟ ومن الكتب إلى الثيران؟ ومن الهياكل ‏إلى المخاريق؟. ‏
‏ يتوهم كثيرون أن هذا التمزيق الدلالي، والمكاني، والزماني، لمحمول الخبر وصيغته ‏السردية سيفضي إلى تصدّع الفكرة القابعة تحته، فيتناثر كل ما له صلة بالصابئة، ويُدرج طيّ ‏النسيان، فيما نرى أن تلك النبذ المتناثرة تمثل القيمة الدلالية لمحمول الخبر؛ إذا جرى ترميمه ‏في ضوء المظان الأصلية التي حملت إلينا أخبار الصابئة، فخلف الرغبة المضمرة لطمس ‏المحمول الدلالي تلوح قضية متماسكة ينقصها السياق الحاضن الذي يمنحها المعنى الخاص ‏بها. فما يعدّ تشتيتاً نجده تأكيداً على عالمية عقيدة الصابئة، فلابد أن تكون الصابئية ديانة ‏كونية شملت العالم قبل اليهودية والنصرانية والإسلام لتغطي هذه المساحة من الأرض، فقد ‏أخذت عن اليونان حكمتها، وخلّدتْ في الشرق الأدنى هياكلها، ثم استعارت لغة الهند، وانتهت ‏بأن عبّرت عن نفسها في أقاصي الصين باعتبارها ضامنة للمعرفة الأولى. وبدل الانتقاص ‏والذم يفضل الحديث عن عقيدة فُنيتْ في العقائد الأخرى، وتلاشت فيها، وكانت جذورا لها ‏ومنابع، وذابت كثير من عناصرها في تلك العقائد التي ورثتها، كما ترث الأديان بعضها ‏بعضا في كل زمان ومكان. لم تكن الصابئية عقيدة مغلقة تنتهي صلاحيتها بانقضاء عصرها، ‏إنما أعادت تشكيل نفسها في قلب العقائد الكبرى التي ظهرت في إثرها، ووجدت لها تجليات ‏في سائر تلك العقائد التي تسعى جاهدة للتخلص من أصول مزعجة. واستنطاق النص سيظهر ‏التنوعات الخفية للصابئية التي أراد العمري أن يدفع بها إلى هوّة النسيان. يضع خبر الصابئة ‏بين أيدينا الطريقة المشوبة بالاحتقار للعقائد القديمة، فكل ما لا نرغب فيه يجب طمره إلى ‏الأبد. فما وصلنا إنما جاء بـ”مخاريق”. وطبقا للعمري فذمّ الحامل يُقصد منه إبطال قيمة ‏المحمول. ‏
‏ يلزمنا الوقوف على الوسيلة التي بلغتنا بها المعتقدات الصابئية، لنقف على قيمتها ‏وأهميتها، لقد وصلت بـ”المخاريق”. تقطر كلمة”المخاريق”بدلالات الانتقاص، ففي المعجم ‏العربي تقترن غالبا بالكذب، والاختلاق، والتزييف، فالمُمخرق هو المُموّه، والخرق هو الكذب، ‏والحمق، والجهل، والتخريق هو المبالغة في الكذب، والتخرّق خلق الكذب واشتقاقه. ‏والمخاريق خِرقٌ مفتولة يلهو الصبيان بها، ولا قيمة لها. وإذا غادرنا المعاجم إلى المصادر ‏وجدنا دعما مباشرا للمعنى المذكور، فالمرزوقي يرى أن المخراق خشبة في رأسها سنان ‏عريض كان القوم إذا انصرفوا من حرب ظافرين قدموا بشيرا معه مخراق ليعلم الحال، فيلوح ‏به لاجتماع ولدان الحي(2). وفي”الأغاني”ترد مرادفة للريبة والشك”إن مخاريق الأمور ‏تُريب”(3). لكن الجاحظ في إحدى رسائله يدفع بالمعنى إلى مستوى أكثر دقة، وله صلة ‏مباشرة بموضوعنا، فالمخاريق هي أكاذيب العرافين، وهي أشبه بتزاويق الكهّان، وتهويلات ‏الحواة(4). ويربط الثعالبي التخريق بالشعوذة، فهو تصوير الباطل في صورة الحق(5). ولكل ‏هذا سنفهم، بصورة لا تقبل اللبس، لماذا ذهب القاضي التنوخي إلى وصف الحلاج، ‏بأنه”صاحب مخاريق يظهرها كالمعجزات، ويستغوي بها جهلة الناس”(6). ينتهي بنا الأمر إلى ‏أن العمري- ومن قبله البكري والمسعودي وطبقة كاملة من المؤرخين والجغرافيين- يريدوننا ‏أن نأخذ بالحسبان أن كل ما للصابئة محمول بمخاريق، وأن طقوسهم الدينية في هياكلهم ‏المقدسة هي سلوك أخرق فيه من الطيش، واستغواء الجهلة، والحمق، والخداع، الشيء الكثير. ‏
‏ لا يُكتفى بالمخاريق، إنما الصابئة من”حشوية اليونان”. تتهم بالحشوية كل الفرق المخالفة ‏التي عدّت ضالة، وتسبّبت في إحداث بدع غريبة في الإسلام، وترتبط في أصلها بفكرة”الحشو”. ‏فحشوة الإنسان: أمعاؤه. وكل ما في البطن فهو حشوة. وحشو الكلام هو الفضل الذي لا يعتمد ‏عليه، وحشوة الناس هم رذّالهم، فما تؤمن به الحشوية يتّصل بالأحشاء وما تحتويه، وبعيدة كلية ‏عن الأفكار السامية التي منبتها الأذهان والعقول. تقبع أفكار الحشوية في الأسافل العفنة. إنها ‏حشو كروش، وكل الأفكار العليا براءٌ منهم، فلا تحصيل لهم غير ما يكون من فساد الأحشاء، ‏وليس من صفاء العقول. وحينما يعقد ابن النديم عن الصابئة فصلا في”الفهرست”يصمهم ‏بـ”الجهالة”(7). أما صاحب”طبقات الشافعية الكبرى”فيلحقهم بالمشبّهة، أي من القائلين بالتشبيه، ‏والتجسيم، وعدّهم أصحاب عقيدة سرية لا يُجهر بها، بل تُدس إلى جهلة العوام، وانتهى إلى ‏أنه”من أنكر المنكرات التجسيم والتشبيه، ومن أفضل المعروف التوحيد والتنزيه”(8). وبالإجمال ‏فصورة الحشوية سيئة جدا في التاريخ الإسلامي، فهم مشبّهة، ومجسّمة، ومن الأراذال ذوي ‏الاعتقادات الفاسدة التي تلحق ضررا بالعقيدة الصحيحة، إنهم من أخطر أصحاب البدع!!.‏
‏ لننظر الآن في عقيدة دينية تحملها لنا”مخاريق محشوّة”. فإذا كان العمري وسواه من ‏الجغرافيين، والمؤرخين، ومؤلفي كتب”الملل والنحل” يريدون تعريفنا بالفرق المختلفة، فإنما ‏يضعون بيننا وبينها كدسا من”المخاريق المحشوة”التي ستحول دون أن نطمئن إلى أهميتها، ‏وذلك لا يلزمنا بمعرفتها، بل التخلّص منها كما تتخلص الأجساد السليمة من حشوها الفاسد. ‏ولا يقتصر الأمر على العمري، فمهما أجَلنا النظر في المرويات والمدونات القديمة التي ‏انتدبت نفسها للتعريف بالجماعات والعقائد غير الإسلامية، خارج دار الإسلام وفي داخلها ، ‏قبل ظهور الإسلام وبعده، فنواجه بستار سميك من التجهيل يحول دون ملامستنا المباشرة ‏لحقيقة تلك الجماعات والأديان، فقد تراكم تراث من الانتقاص والدونية لكل ما يغايرنا، ولا ‏يمتثل لنظام القيم السائد لدينا، ولا يستقيم الأمر بدون نظرة نقدية تفكك ركائز ثقافة الكراهية ‏ليقع قبول الآخر.‏
‏ يوضح المسعودي طبيعة”مخاريق الصابئة”التي تستخدم لإصدار أصوات توهم بأنها ‏خاصة بالآلهة، وذلك في سياق تلخيصه قصيدة لمعاصره القاضي الحرّاني”ابن عيشون”ذكر ‏فيها مذاهب الصابئة، وتطرّق إلى بيت عبادتهم في حرّان، وما فيه”من السراديب الأربعة ‏المختلفة لأنواع صور الأصنام التي جعلت مثالاً للأجسام السماوية، وما ارتفع من ذلك من ‏الأشخاص العلوية، وأسرار هذه الأصنام، وكيفية إيرادهم لأطفالهم إلى هذه السراديب، ‏وعرضهم لهم على هذه الأصنام، وما يُحْدِث ذلك في ألوان صبيانهم من الاستحالة إلى الصُّفْرة ‏وغيرها؛ لما يسمعون من ظهور أنواع الأصوات، وفنون اللغات، من تلك الأصنام ‏والأشخاص، بِحِيل قد اتُخذتْ، ومنافيخ قد عُملتْ: تقف السدَنة من وراء جُمُرٍ فتتكلم بأنواع من ‏الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافيخ والمخاريق والمنافذ إلى تلك الصور المجوفة ‏والأصنام المشخصة، فيظهر منها نُطق على حسب ما قد عُمل في قديم الزمان، فيصطادون به ‏العقول، وتسترقُّ بها الرقاب، ويقام بها الملك والممالك”(9).‏
‏ يخلص المسعودي إلى أن ذلك سلوك مروّع ينتهك الطفولة البريئة، ويخدع به الجميع، ‏فتقام بذلك الممالك على أسس باطلة. ويقرر الشهرستاني بأن ذلك مما يختص به الصابئة دون ‏سواهم، فقد”استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم ‏العجب. وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب، والسحر، والكهانة، والتنجيم، والتعزيم، ‏والخواتيم، والصور..كلها من علومهم.”(10). وتتواتر أخبار متزاحمة في المصادر القديمة ‏تربط الطقوس الدينية للصابئة بأعمال الشعوذة، وكل ذلك لا يستند إلى دليل؛ فالكتاب المقدس ‏للصابئة”الكنزا ربّا”يحذّر صراحة من كل ما ذُكر”لا تستشيروا العرافين، والمنجمين، ‏والساحرين، والكاذبين، في أموركم؛ مخافة أن يرمى بكم أسوة بهؤلاء إلى الظلمات”. ولو خيّل ‏لرواة الأخبار المذكورة أن ذلك ربما يكون من عمل الشيطان، فكتاب الصابئة يحذّر من إبليس ‏كما تحذر منه سائر الكتب السماوية”احذروا أن يستحوذ على قلوبكم الشيطان المملوء بأحابيل ‏السحر والخداع والغواية”. ‏
‏ ربطت اللغة العربية الصابئة بالفعل”صبأ”على نحو يُراد به نوعا من الذم، فدلالة الفعل ‏تذهب إلى معنى الظهور والطلوع والخروج، واختص في سياق التداول بكل مَنْ”خرج من دين ‏إلى دين”. وكانت العرب تسمّي الرسول بـ”الصابيء”لأنه”خرج من دين قريش إلى الإسلام” ‏فالمعنى- في هذا السياق- يحيل على الاهتداء إلى الحق، ونبذ الباطل، ولكن حينما يتصل ‏الأمر بـ”الصابئة” فينبغي تحريف المعنى ليوافق المواقف المسبقة تجاههم، فيفهم أنهم خرجوا ‏على دين، وانحاشوا عنه، وارتدوا، وزعموا أنهم على دين نوح كذبا. وإسقاط دلالة فعل ‏عربي مستحدث للتعبير عن عقيدة قديمة جدا، يؤدي، لا محالة، إلى تزييف القصد، فالصابئة ‏لاعلاقة لها بمعنى الفعل العربي، إنما التسمية مستوحاة من فعل بالآرامية يدل على التعميد ‏والغطس بالماء الحيّ، والانغمار فيه، فالصابئة في سياق الثقافة الآرامية هم”المتعمّدون”بالماء. ‏والتطهر بالجاري منه أمر ملزم في طقوسهم الدينية، ولهذا سكنوا ضفاف الأنهار، والبطائح. ‏وتبوّأ كثير منهم وظائف النسخ والكتابة والترجمة في العهدين الساساني والاسلامي، وكانوا ‏الوسطاء الحقيقيون بين اللغات اليونانية، والفارسية، والآرامية، والعربية. ينبغي تجنّب هذه ‏العثرات التي تُرمى أمامنا كيلا نصل إلى الصابئة بسلام، وإذ امتثلنا لذلك فسوف نُحجز وراء ‏رغبة العمري والمسعودي والشهرستاني وسواهم، ولا نبلغ هدفنا أبدا. ولكي نقترب إلى ‏محمول الخبر، ونلمّ شتات عناصره، ونكتشف حبكته السردية الخاصة بخزائن الكتب الأولى ‏في العالم، فلا بد نزيح هذه الشِباك، لنرى تدفق الحقائق بطريقة مختلفة تماما. ‏
2. إشكالية موقع الصابئة.‏
‏ تقبع تحت خبر”الصابئة”إحدى أكثر القضايا إثارة في علاقة المسلمين بغيرهم من ‏أصحاب العقائد، وكما أن النص يذكر كتب العالم الأولى ولا يعرّف بها، فالثقافة الإسلامية ‏أقرّت بوجود الصابئة ولم تعترف بهم، فقضية الصابئة لم تزل معلّقة في الفضاء اللاهوتي ‏الإسلامي، بطريقة لا تبتعد كثيرا عمّا يستبطنه نص العمري. لنتمعّن، بادئ ذي بدء، في ‏المفارقة الآتية: المسلمون لم يقرّوا تماما بعقيدة الصابئة على أنها من عقائد أهل الكتاب، بدلالة ‏عدم فرض الجزية عليهم كما فُرضت على أولئك، وفي الوقت نفسه لم يفتكوا بهم إن لم ‏ينخرطوا في الإسلام إذ ظلوا على عقائدهم القديمة. وهذا أمر يثير العجب والدهشة والحيرة، ‏وحينما نطوف في المظان القديمة نجد تضاربا منقطع النظير حولهم، لكن آية”الجزية”خصّتْ ‏أهل الكتاب دونهم، أي أولئك الذين اعترف بأن لهم كتبا سماوية”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ‏واليوم الآخر، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب، ‏حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون” وغير أهل الكتاب من الكفار الذين ينبغي سفك ‏دمائهم إن لم يدخلوا الاسلام، أو يدفعوا الجزية، فينطبق عليهم حكم الآيتين”إذا لقيتم الذين ‏كفروا فضرب الرقاب”و”فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم”. ‏
‏ تتنزل قضية الصائبة بين حكمين واضحين، فمن جهة أولى لم تؤخذ الجزية منهم، وهذا ‏ما قُرّر على أهل الكتاب القيام به في دار الإسلام، وقد خصّ بذلك اليهود والنصارى، ومن ‏جهة ثانية لم يقع الاعتراف بدين سماوي لهم، فينطبق عليهم حكم ضرب الرقاب، ولكن لم ‏يفتك بهم بسبب ذلك. ومع كل مظاهر النبذ والاقصاء التي تعرضوا إليها، فقد كان الموقف ‏الديني غامضا تجاههم، ولم يتفق بشأنهم، إذ لم يشملوا بأحكام غير المسلمين، ولم يقبلهم ‏المسلمون كجزء منهم، فعاشوا عالقين، وغير منتمين، لا لأهل الكتاب، ولا لأهل الإسلام. ‏كيف وقع التعارض بين الوجود الفعلي للصابئة في دار الإسلام دون أن يدفعوا جزية، ودون ‏أن يُعترف لهم بدين؟ أي كيف مرّوا بين حكم ديني قال بقتلهم، وحكم دنيوي قرر حمايتهم؟. ‏عند هذه النقطة يجب القول إن القرآن أشار إلى الصابئة في ثلاث سور:المائدة-69، والبقرة-‏‏62، والحج-17. قال تعالى”إن الذينَ آمنوا، وَالذينَ هادوا وَالنصَارَى وَالصابئين مَنْ آمَنَ بِالله ‏وَالْيوم الآخِرِ وَعَملَ صالحاً، فَلهمْ أجْرُهم عنْدَ رَبهِمْ ولاَ خوَف عَليهمْ وَلاَ همْ يَحزْنونَ”. لقد ‏أدرجتهم الآية مع أهل الكتاب ممَنْ آمنوا بالله واليوم والآخر. ثم جاء قوله”إن اْلذين آمَنواَ، ‏وَالذينَ هادُوا وَالصابئينَ وَالنصَارَى وَالْمجوسَ، وَالذينَ أشْرَكُوا، إنَ الله يَفْصِل بينهُمْ يَوْمَ ‏الْقيامَةَ، إن الله عَلى كُل شيءٍ شهَيد”. وفي هذه الآية إقرار بان الله سيفصل يوم القيامة بين ‏ثلاث مِلل: المسلمون، ثم اليهود والصابئة والنصارى والمجوس، ثم المشركون الذين يعبدون ‏الأصنام. ‏
‏ وفي هذا التقسيم جاء الصابئة ضمن”أهل الكتاب”دون إشارة إلى أمر الإيمان بالله واليوم ‏الآخر، ويستدعي ذلك اعترافا بأن لهم كتابا سماويا يحثّهم على الإيمان بالآخرة، مما يوجب أن ‏عقائدم إيمانية. فإذا كان جرى اعتراف صريح باليهود والنصارى كأهل كتاب، فلم لم ينسحب ‏ذلك على الصابئة؟ ثم إن إدراجهم في فئة أهل الكتاب يوجب عليهم الجزية تبعا لما وقع على ‏أقرانهم من اليهود والنصارى والمجوس، ولم يثبت أنها فُرضت عليهم، أو أنهم دفعوها ‏بمقتضى حكم الجزية، ولا تذكر إلا حالة افتداء بالمال في عهد الخليفة العباسي القاهر بالله. ‏ولكن في أثناء الفتح الإسلامي للعراق، وفد زعيمهم الديني”آنوش بن دنقا”إلى الفاتحين، يحمل ‏معه كتاب”الكنزا ربّا” وأخبرهم أنهم من أتباع يحيى بن زكريا، فلم يتعرّض الفاتحون لهم ‏بشيء. ويغلب أن هذه السابقة رفعت عنهم بعض التكاليف التي استقامت في الفقه الإسلامي ‏تجاه الملل الأخرى.‏
‏ جمعَ المفسرون حشدا من الآراء حول الصابئة في سياق تفسيرهم للآية التي ذكرتهم في ‏سورة”البقرة”مع المؤمنين من اليهود والنصارى بالله واليوم الآخر، فقد أورد الطبري اختلاف ‏المتأولين في الملل التي تقع تحت تسمية”الصابئة”وعرض لكل المرويات الشائعة عنهم، وفيها ‏نجد ضروبا من الاتفاق والاختلاف، فالصابىء هو”مَنْ خرج من دين إلى دين”. وينصرف ‏اللفظ إلى”قوم لا دين لهم”وهم”ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم”إنما”بين المجوس واليهود، ‏لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم”وليس لهم”لا كتاب ولا نبى إلا قول لا إله إلا الله”. وقيل ‏إنهم”يعبدون الملائكة، و يصلّون إلى القبلة، ويقرأون الزبور”. وطبقا لابن عباس فإن الله وعد ‏مَنْ عمل صالحا من اليهود والنصارى والصابئين بالجنة، ثم نسخ ذلك بقوله”ومَن يتّبع غير ‏الاسلام دينا فلن يقبل منه”. وإلى هذا يضيف ابن كثير أنهم قوم”يؤمنون بالنبيين ‏كلهم”وهم”موحدون”وباقون على فطرتهم”ولا دين مقرر لهم يتبعونه، ويقتفونه”. وقد ذهب وهب ‏بن منبّه إلى أن”الصابىء”هو الذي”يعرف الله وحده، و ليست له شريعة يعمل بها، ولم يُحدث ‏كفرا”. ‏
‏ وأورد القرطبي أنهم”فرقة خرجوا من دين أهل الكتاب”ثم عاد ووافق بعض المفسرين ‏على أنهم”من أهل الكتاب”. وانتهى إلى القول إنهم”موحدون معتقدون بتأثير النجوم، وإنّها ‏فعّالة”. ويلاحظ أن ثلاثة من كبار المفسرين اكتفوا بعرض المواقف الشائعة عن الصابئة. ‏وبالنظر لعدم الاتفاق في التعريف، فمن الصعب ادعاء الاعتراف بالصابئة. وحالة عدم ‏الاعتراف الشرعي بهم أفضت إلى الحديث عن موقعهم في دار الإسلام، وكيفية التعامل معهم. ‏
‏ عقد ابن قيم الجوزية في كتابه”أحكام أهل الذمة”فصلا بعنوان”حكم الصابئة بالنسبة إلى ‏الجزية”قال فيه”اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة ‏بمذهبهم ودينهم، فقال الشافعي: هم صنف من النصارى. وقال في موضع: يُنظر في أمرهم، ‏فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم ‏الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقرّوا على دينهم ببذل الجزية. واختلف ‏أصحابه، فقال أبو سعيد الإصطخري: ليسوا من النصارى، ولا يجوز إقرارهم على دينهم. ‏قال: لأنهم يقولون: إن الفلك حيٌ ناطق، وإن الكواكب السبعة آلهة، فهم في حكم عَبَدة الأوثان. ‏واستفتى القاهر باللّه العباسي الفقهاء فيهم، فأفتاه أبو سعيد أنهم لا يُقرون، فأمر بقتلهم، فبذلوا ‏مالاً عظيماً فتركهم..وعن مجاهد، قال: هم قوم بين اليهود والمجوس ليس لهم دين..وعن ‏قتادة، قال: الصابئة قوم يعبدون الملائكة..وقال ابن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان كانوا ‏بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: لا إله إلا ‏اللّه. قال: ولم يؤمنوا برسولٍ لله عز وجل..وعن قتادة:هم يعبدون الملائكة، ويصلّون ناحية ‏القبلة، ويقرءون الزبور..وعن السدّي: هم طائفة من أهل الكتاب. وقال ابن جرير: الصابئ ‏المستَحدثُ سوى دينه ديناً، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وكل خارج من دين كان عليه ‏إلىَ آخر غيره تسميه العرب صابئاً..”‏
‏ ثم يتقدّم ابن القيم الجوزية برأيه من أجل زحزحة هذا الالتباس”الصابئة أمة كبيرة، فيهم ‏السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر، فإن الأمم قبل مبعث ‏النبي..نوعان: نوع كفار أشقياء كلهم، ليس فيهم سعيد، كعبدة الأوثان والمجوس، ونوع ‏منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة”. ثم يستطرد مفصلا أمر ‏الصابئة”هذه أمة قديمة قبل اليهود والنصارى، وهم أنواع: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون. ‏قالوا: وطريقنا في التوسّل إلى حضرة القدس ظاهر، وشرعنا معقول، فإن قُدمانا مِن الزمان ‏الأول لمّا أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصاً في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات ‏وأحوال وأوقات مخصوصة، وأوجبوا على من يتقرّب بها إلى ما يقابلهَا من العلويات لباساً ‏وبخوراً وأدعية مخصوصة، وعزائم يقرَبونها إلى رب الأرباب ومسبّب الأسباب..فهذا بعض ‏ما نقله أرباب المقالات عن دين الصابئة، وهو بحسب ما وصل إليهم، وإلا فهذه الأمة فيهم ‏المؤمن باللّه وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر، وفيهم الكافر؛ وفيهم الآخذ من ‏دين الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه فدانوا به لما رضوه لأنفسهم. وعقد أمرهم أنهم ‏يأخذون بمحاسن ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يُوالونَ أهل ملّة ويعادون أخرى، ولا ‏يتعصّبون لملّة على ملّة. والملَلُ عندهم نواميس لمصالح العالم، فلا معنى لمحاربة بعضها ‏بعضاً، بل يؤخذ بمحاسنها وَما تكمل به النفوس وتتهذب به الأخلاق، ولذلك سموا صابئين، ‏كأنهم صبؤوا عن التعبّد بكل ملّة من الملَل والانتساب إليها..وبالجملة: فالصابئة أحسن حالاً ‏من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأوْلى، فإن ‏المجوس من أخبث الأم ديناً ومذهباً، ولا يتمسّكون بكتاب، ولا ينتمون إلى ملّة، ولا يثبت لهم ‏كتاب، ولا شبهة كتاب أصلاً…وكل ما عليه المجوس من الشرك، فشرك الصابئة إن لم يكن ‏أخف منه فليس بأعظم منه”. ‏
‏ وبعد هذه التوطئة التفصيلية التي كشفت أن الصابئة حازوا خير ما في الشرائع، وأفضل ‏ما لدى الملل، انتهي ابن القيم الجوزية إلى القول”فإن قيل: فهل للإمام أن يستسلف منهم ‏الجزية؟ قلنا: ليس له ذلك إلا برضاهم كما ليس له أن يستسلف الزكاة إلا برضا رب المال؛ ‏بل الجزية أولى بالمنع، فإنها تسقط بالإسلام وبالموت”(11). وهذه المساجلة وجدت لها في ‏الممارسة اليومية لحياة الصابئة في دار الإسلام وضعا خاصا. قال ابن الفوطي”الصابئة قوم ‏من عبدة الكواكب يسكنون في البلاد الواسطية(= منطقة واسط، في العراق)لا ذمة لهم، وكان ‏في قديم الزمان لهم ذمة، فاستفتى القاهر بالله أبا سعيد الاصطخري، من أصحاب الشافعي، في ‏حقهم، فأفتاه بأراقة دمائهم، وأن لا تقبل منهم الجزية، فلما سمعوا بذلوا له خمسين ألف دينار، ‏فأمسك عنهم. وهم اليوم لا جزية عليهم، ولا يؤخذ منهم شيء، وهم في حُكم المسلمين”(12). ‏
‏ إشارة ابن القيم الجوزية إلى أن الصابئة أفضل من المجوس تعيد نقاشنا إلى الوراء، فإذا ‏كانوا أفضل منهم فلِمَ لم تؤخذ الجزية منهم؟ ولِمَ لم ينطبق عليهم ما وقع على المجوس؟. تفتح ‏قضية المجوس أفقا آخر للاحتمالات، فقد حسب عامة المسلمين المجوس أصحاب ديانات ‏ثنوية مشركة، ومع ذلك فُرضتْ عليهم الجزية، وعوملوا معاملة أهل الكتاب استنادا إلى حديث ‏منسوب للرسول يقع تضعيفه، جاء فيه: إن الرسول كتب الى مشركي مكة”اسلموا والا نابذتكم ‏بحرب”فكتبوا إليه، وهو في المدينة”أنْ خُذْ منا الجزية، ودعنا على عبادة الأوثان”. فكان ‏ردّه”إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب”. فكتبوا اليه”زعمتَ أنك لا تأخذ الجزية إلا من ‏أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر”. فردّ”إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، وكتاب ‏آحرقوه، أتاهم نبيهم بكتابهم في إثني عشر ألف جلد ثور”. وبذك شُمل المجوس، فيما يخص ‏الجزية، بحكم أهل الكتاب، فقد كان لهم كتاب أتلف، ورسول لا يعرف عنه شيء، إذ طمست ‏النوائبُ الرسولَ وكتابَه الكبير الذي جاء بإثني عشر ألف جلد ثور. وعرف الرسول لاحقا ‏بأنه”زرادشت”. ولكن لم يرد نص بخصوص الصابئة في أحاديث الرسول، وهم أقدم من ‏المجوس، وربما يعود إلى أنه توفي وهم بعد خارج دار الإسلام، فلم يحدّث في أمرهم.‏
3. يا يحيى، خذ الكتب بقوة.‏
‏ تضع سورة الحج الصابئة ضمن أصحاب الديانات، وتأويلها على أنهم أصحاب كتاب ‏سيدرجهم ضمن أهل الجزية، والابقاء عليهم أحياء بدون دخول الإسلام يُفسَّر على أنهم ‏مشركون، وهذا يعني عدم الأخذ بحكم ضرب الرقاب في الآية القائلة بقتل المشركين ممن ‏ضلوا السبيل، وأبوا دخول الإسلام. ومع ذلك فلا بد أن نمضي في التأويل بناء على تغليب ‏الظن بقرائن تضعها الآية المذكورة بين أيدينا. فقد رأينا كيف أنها فَصَلتْ بين فئات ثلاث، ‏وجاء الصابئون ضمن فئة أهل الكتاب، وعدم الاقرار بوجود كتاب لهم ليس دليلا على عدم ‏وجوده بإطلاق، فربما كان لديهم كتاب يجهله المسلمون، وربما كان شأنهم شأن المجوس في ‏ذلك، فلمَ لم يعاملوا معاملة”مَنْ له شبهة كتاب”؟(وقد نفى ذلك عنهم ابن القيّم الجوزية). ولكن ‏أية أخرى في سورة”مريم”ربما تضيء لنا جانبا من هذه العتمة، فقد ورد قوله”يا يحيى، خذ ‏الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا”. ‏
‏ فما الكتاب الذي أمر اللهُ النبيَّ يحيى بن زكريا أن يأخذه بقوة؟(=هو يوحنا المعمدان الذي ‏قام بتعميد المسيح في نهر الأردن). في تفاسير القرآن يشار إلى أن ذلك الكتاب هو التوراة، ‏ولكن من المعروف أن التوراة، والإنجيل، قد خُصّا بنبيين آخرين، أفلا يُرجّح أن يكون ‏المقصود كتابا خصّ به الله يحيى كما خص أنبياءه الآخرين؟. ورد ذكر يحيى خمس مرات ‏في أربع سور. ففي”آل عمران”اعتُرف بأنه جاء”مُصدَّقا بكلمة من الله”وكان”نبيّاً من الصالحين”. ‏وطبقا لتفسير الطبري، فالمقصود أنه كان”رسولا لربه إلى قومه، يُنبئهم عنه بأمره ونهيه، ‏وحلاله وحرامه، ويُبلِّغهم عنه ما أرسله به إليهم”. وفي سورة”الأنبياء”عُدّ يحيى”هبة الله” وأُدرج ‏في “الأنعام”ضمن”الأنبياء الصالحين”. وعُرف بأنه”نبي متألّه”. وهو عند الصابئة الرباني الأكبر ‏بين جميع الأنبياء والرسل، ولهم كتاب مقدس بعنوان”تراتيل يحيى”. وذكرته الأناجيل في سياق ‏التعظيم والتبجيل، ففي”مرقس”جاء أنه”نبي أو كأحد الأنبياء”وفي”متّى”أنه كان”مثل نبي” ‏وفي”لوقا”تختلط صورته بصورة المسيح”كان الشعبُ ينتظرُ، والجميعُ يفكِّرون في قلوبهم عن ‏يوحنّا لعله المسيحُ”. وفي”يوحنا”يُشدّد على أنه ليس المسيح، إنما نبي آخر مرسل. فقال ‏لتلاميذه”لستُ أنا المسيحَ بل إني مٌرسَلٌ”. لقد اعترف القرآن والإنجيل بأنه نبي مرسل. ‏ومجاراة للموروث الديني الذي قرر أن لسائر أنبياء الله صحفا خاصة بهم، وللرسل منهم ‏كتبهم، فينبغي طرح السؤال الآتي: أين كتاب يحيى بن زكريا الذي أُرسل لتبليغه؟.‏
‏ لم يُحدّد السياق القرآني كتابَ يحيى إلا على سبيل الترجيح الذي يمكن استخلاصه من ‏تفسير الآية، إذ لم يُسمّ الكتاب بنص صريح كما وقع للتوراة، والإنجيل، والزبور، ومعلوم أنه ‏باستثناءات نادرة تُنكر العقائد وجود كتب لغيرها، وإنْ اعترفتْ بها فتلحّ على تحريفها، أو ‏عدّها نوعا من الهرطقة. فكل عقيدة تعرض خلاصا مقيّدا بها يقوم على أنقاض خلاص سابق ‏جرى تخطّيه وإهماله. ولما كان القرآن هو خاتمة المسار الصاعد للكتب السماوية، وفيه ‏الصياغة الأخيرة لكل ما سبقه، طبقا لفرضيات لاهوتية مُدعمة بأدلة نصية، فليس مطلوبا منه ‏التصريح التفصيلي بكل التطورات التي سبقته إلا على سبيل التلميح الاعتباري، ولهذا ‏فالأفضل البحث عن أمر وجود الكتب السماوية من داخل العقائد الأخرى نفسها. وقد آن لنا أن ‏نقترب إلى كتب الصابئة التي ألمح القرآن إليها، ولم يصرّح بها، فللصابئة كتاب”كنزا ‏ربّا”(ويكتب أحيانا كنزه ربّه)وهو”مصحف يحيى”الذي يُحتمل أن يكون القرآن قصده في ‏سورة”مريم”. ‏
‏ وتنسب بعضُ فرق الصابئة الكتابَ لـ”شيت”(=شيتل)أو”إدريس”(=هرمس)بل يُنسب أحيانا ‏إلى”آدم”ويسمى”سدرا- آدم”أي”سِفر آدم”. وحتى لو نُسب الكتاب لإدريس، فالأخبار تورد أنه ‏أول من بُعث من بني آدم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة. سُمّي كتاب الصابئة المقدس”بـ ‏الكنز العظيم”أو”الكنز الكبير”أو”كنز الله”أو”كتاب آدم”وتعدّد التسميات جاء نتيجة لتضارب ‏الترجمة من الآرامية، والاختلاف بين رواية وأخرى نجد له نظيراً في تسمية الأناجيل ‏المتعددة، والاختلافات فيما بينها؛ فالروايات الشفوية المختلفة للأصول تفرض اختلافا في ‏المتون، ومعلوم أن جمع القرآن وتدوينه في مصحف موحّد قد حال دون تعدد رواياته في ‏الأمصار.‏
‏ كتاب”الكنزا ربّا”يماثل الكتب السماوية المعروفة، ففيه الرواية الكونية عن الخلق منذ آدم، ‏حيث توالى نزول الصحف على الأنبياء من ذريته بعده، وتتخلل تلك الرواية شذرات من ‏مواعظ اعتبارية، وتضرّعات، وتشفّعات، وأدعية، ووعود، وترغيب، وترهيب. ويتألف ‏الكتاب من قسمين الأول ينحو منحى تاريخيا يتعّقب مسار الأحداث منذ المبتدأ، والثاني عن ‏ارتقاء النفس وخلودها، وكيفية تدبّر أمر سعادتها في الختام. ومذهب الصابئة أن”الكنزا ‏ربّا”أول كتاب سماوي عرفته الخليقة، ففيه صحف أدم، ولا سابق لها في التاريخ، وهذا يتوافق ‏مع مذهب بعض الباحثين في نسب الديانات، إذ يرون الصابئية أول عقيدة توحيد عرفتها ‏البشرية. وللصابئة، فضلا عن “الكنزا ربّا” كتب أخرى، منها”تراتيل يحيى”(=دراشة أد ‏يهيا)وهو مواعظ تنسب ليحيى بن زكريا، ثم كتاب”الديوان”، وكتاب”سفر البروج”وهو في الفلك ‏والتنجيم، وهم يعظّمون الكواكب ويرونها مواطن الملائكة، وفي هذا يجارون بعض الأديان ‏السماوية. وعند مؤرخي الملل لا تقترن الصابئية بعدم وجود كتاب سماوي إنما بتعدّد الآلهة، ‏الأمر الذي يفسر انتشارها بين مشارق الأرض ومغاربها، مع الأخذ بالحسبان أن أولئك ‏المؤرخين يخلطون المعلومات في سياق وصفهم للفرق الضالة، فلا يدخروا وسعا في ‏انتقاصها، وذلك تسبب في تشويش المعلومات عن كل تلك الفرق، بما فيها الصابئية. ‏
‏ تعرّض الصابئة للقدح والذم. قال المسعودي بأنهم من”عوّام اليونانيين، وحَشْوِية الفلاسفة ‏المتقدمين”(13). وفرّق ابن القيم الجوزية بين مؤمني الصابئة وكفارهم، فقال عن الأخيرين ‏بأنهم زنادقة، وملاحدة، ومارقون، وبأنهم”لا يؤمنون بالله، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ‏ولا لقائه، ولا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، وليس للعالم عندهم ربّ فعاّل بالاختيار لما يريد، قادر ‏على كل شيء، عالم بكل شيء، آمرٌ، ناهٍ، مرسل الرسل، ومنزل الكتب، ومثيب المحسن، ‏ومعاقب المسيء”(14). وقال المقريزي بأنهم”القائلون بالهياكل، والأرباب السماوية، والأصنام ‏الأرضية، وإنكار النبوّات”(15) ومعظمهم ينضّد صفات الانتقاص بحقهم منطلقين من الرؤية ‏الإسلامية للعقائد السالفة، وهي رؤية تجبّ ما قبلها لدى الفقهاء وعلماء الكلام، لكنها متمّمة ‏لسواها في متن القرآن. ‏
‏ ويرى ابن حزم الأندلسي، في سياق ذكره للأمم المؤمنة، الأمر من منظار مختلف، إذ ‏قال إن اليهود والنصارى أقرّوا بالتوحيد، ثم بالنبوّة، وبآيات الأنبياء، وكذلك أقر”الصابئة ‏والمجوس..ببعض الأنبياء”(16). وقدّم الشهرستاني التفصيل الآتي”وكانت الفرق في زمان ‏إبراهيم الخليل راجعة إلى صنفين إثنين أحدهما: الصابئة، والثاني:الحنفاء. فالصابئة كانت ‏تقول: إنّا نحتاج- في معرفة الله تعالى، ومعرفة طاعته، وأوامره، وأحكامه- إلى متوسّط؛ لكن ‏ذلك المتوسّط يجب أن يكون روحانياً لا جسمانياً؛ وذلك لزكاء الروحانيات، وطهارتها، وقربها ‏من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا، يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب. يماثلنا في ‏المادة والصورة..وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفاء ‏هو التعصب للبشر الجسمانيين. والصابئة تدّعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدّعي أن ‏مذهبها هو الفطرة، فدعوة الصابئة إلى الاكتساب، ودعوة الحنفاء إلى الفطرة”(17). ‏
‏ ينتهي بنا الشهرستاني إلى قضية غاية في الأهمية، وهي: أن الحنفية والصابئية ديانة ‏واحدة، تختلف رموزها، وطبائع رُسلها، ويتماثل محتواها، وقد أقر الإسلام رموز الاحناف، ‏ولم يقر برموز الصابئة، ويفهم من ذلك ضمنا أنه أقرّ بالمحتوى الواحد لهما، ومعلوم بأن ‏الحنفية تمثل المشترك الأعلى للديانات السماوية الكبرى قاطبة. ‏
‏ أما ابن تيمية، فيقدم مسردا بالأمم الكافرة غير المنكرة لله”فالكفار المشركون مقرّون بأن ‏الله خالق السموات والأرض، وليس في جميع الكفار مَنْ جعل لله شريكاً مساوياً له في ذاته ‏وصفاته وأفعاله. هذا لم يقله أحدٌ قط، لا مِن المجوس الثنوية، ولا مِن أهل التثليث، ولا مِن ‏الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة، ولا مِن عبّاد الأنبياء والصالحين، ولا مِن ‏عُبّاد التماثيل والقبور، وغيرهم، فإنّ جميع هؤلاء، وإنْ كانوا كفاراً مشركين متنوعين في ‏الشرك، فهم يقرّون بالربّ الحق الذي ليس له مَثَلٌ في ذاته، وصفاته، وجميع أفعاله، ولكنهم ‏مع هذا مشركون به في ألوهيته، بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتّخذونها شركاء أو شفعاء، أو ‏في ربوبيته، بأن يجعلوا غيره رب الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه ربُ ذلك الرب، وخالق ‏ذلك الخالق”(18). ويضيف بأن الصابئة”يقرّون بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول، ‏والنفوس، والأفلاك، والأرض” (19). أما صاحب”أبجد العلوم” فقرّر أنهم”يقولون بحدود ‏وأحكام عقلية، ربما أخذوا أصولها وقوانينها مِن مؤيَّد بالوحي”(20). وفي”التعاريف”أن ‏الصابئة” قوم يزعمون أنهم على دين نوح”(21). وإلى ذلك تذهب معظم المعاجم العربية. ‏ومنهم مَنْ يزعم أنه من اتباع إبراهيم الخليل الذي ظهر في بلاد سومر، جنوب العراق، في ‏نحو منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وقد احتذى خطاه في هجرته من”أور”إلى”حرّان”. وهذا ‏التضارب مفهوم في سياق ثقافة شفوية تقوم على تجميع نبذ الأخبار دون التحقّق الكامل من ‏أمرها. وكما رأينا في خبر العمري، فسياقه الشفوي يجمع أخبارا وأقاويل، وليس من شأنه ‏التدقيق، وتكاد المؤلفات القديمة تتشارك في هذه الصفات. ‏
‏ دعونا نعود إلى نقطة البدء، بدء العقائد، فالحديث عن الصابئية يقودنا إلى أقدم الديانات، ‏أي إلى أصلها جميعا. يؤكد القلقشندي قدم الصابئية”والسريان أقدم الأمم في الخليقة، وكانوا ‏يدينون بدين الصابئة، وينتسبون إلى صابيء بن إدريس..قال ابن حزم: ودينهم أقدم الأديان ‏على وجه الأرض..وكانت منازلهم أرض بابل من العراق. وقال المسعودي: وهم أول ملوك ‏الأرض بعد الطوفان”(22). ‏
‏ ويؤكد السيوطي أمر القدم التاريخي للصابئية، ولكنه يجعل مصر القديمة موطنها قبل أن ‏تعمّ الأرض بأجمعها”تنبأ إدريس وهو ابن أربعين سنة، وأراده الملك محويل بن أخنوخ بن ‏قابيل بسوءٍ، فعصمه الله، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جدّه، والعلوم التي ‏عنده، ووِلده بمصر، وخرج منها، وطاف الأرض كلها، وكانت ملّته الصابئة، وهي توحيد الله، ‏والطهارة، والصلاة، والصوم، وغير ذلك من رسوم التعبّدات. وكان في رحلته إلى المشرق ‏أطاعه جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرها، ثم عاد إلى مصر فأطاعه ‏ملكها، وآمن به، فنظر في تدبير أمرها، وكان النيل يأتيهم سيحاً، فينحازون من مَسالهِ إلى ‏أعلى الجبل والأرض العالية حتى ينقص، فينزلون فيزرعون حيثما وجدوا الأرض ندية، وكان ‏يأتي في وقت الزراعة، وفي غير وقتها، فلما عاد إدريس جمع أهل مصر، وصعد بهم إلى ‏أول مسيل النيل، ودبّر وزن الأرض، ووزن الماء على الأرض، وأمرهم بإصلاح ما أرادوا ‏من خفض المرتفع ورفع المنخفض وغير ذلك مما رآه في علم النجوم والهندسة والهيئة”(23).‏
‏ طاف إدريس أطراف الأرض، وأطاعته ممالك الشرق، ووصل إلى عمق إفريقيا حيث ‏منابع النيل، وعُرف عنه شغفه بالتعليم والتدريس، ومن ذلك اشتق اسمه، وله صحف مرسلة ‏أسوة بالأنبياء. وقرر ابن العماد الحنبلي ما يأتي”مات إدريس بمصر، والصابئة تزعم أن ‏هرمي مصر أحدهما قبر شيث، والآخر قبر إدريس”(24). وذكر ياقوت الحموي، بخصوص ‏الهرمين، أنه “إليهما تحجّ الصابئة، وكانا أولاً مكسوين بالديباج وعليهما مكتوب”وقد كسوناهما ‏بالديباج فمن استطاع بعدنا فليكسهما بالحصير”(25) وحسب المقريزي، فـ”قد كان يُحجّ ‏اليهما، ويُهدى إليهما من أقطار البلاد”. وكانت الصابئة تعظّم أبي الهول الرابض أمامهما كأنه ‏يحرسهما(26). فإذا صحت كل هذه المعطيات، وأخذ بالاعتبار القدم التاريخي للصابئية، يكون ‏حج الصابئة للأهرام أول حج عرفه أبناء آدم، وقد كُسيتْ بالديباج، وهي شبه مكعبة، وتلك ‏هي القبلة الأولى، وقد مرّ بها أنبياء ورسل كثيرون، منهم إدريس، وإبراهيم، وموسى، وعنها ‏تناسلت سائر ضروب الحج وتقاليده في الديانات الأخرى، بما فيها تعظيم بيوت الله في أكثر ‏من مكان؛ والتوجه إليها، والطواف حول بعضها، فالحج إليها هو التقرّب إلى الخالق بالوصول ‏إلى المكان الذي يعتقد أن له أثراً فيه، فتلك بيوت الله، مهما تعدّدتْ أشكالها، ومواقعها، ‏وطقوس العبادة فيها. ذلك ما يمكن الخلوص إليه في قراءة تتحرّى الدقة للمصادر القديمة التي ‏حملت إلينا أخباراً متناثرة عن الصابئة.‏
‏ وفي ضوء كل هذا يصعب قبول الفكرة الشائعة القائلة بأن الأهرام هي فقط قبور لبعض ‏ملوك مصر القدامى، أو ينبغي- في الأقل- أن يعاد النظر بذلك، فقد تكون خُصِّصتْ أطرافها ‏مقابر لكبارهم، كما يقع في كل زمان ومكان حيث يدفن الملوك، والأمراء، والكهنة، والأولياء، ‏جوار الأماكن المقدسة ليكتسبوا القداسة بالمجاورة، لكن الوظيفية الدينية لهذه الهياكل، ووجود ‏أبي الهول أمامها، ترجّحها الضخامة العمرانية التي اقترنت في الأديان بالسمو والرفعة، ‏وشكل التصميم الهندسي، والمكان، وطبيعة الطقس الديني المرتبط بها، فإذا أخذنا بالحسبان ‏المرويات الموروثة التي عبرت حواجز الطمس والالغاء التي فرضتها العقائد اللاحقة، كما ‏وجدنا ذلك عند السيوطي، وابن العماد الحنبلي، وياقوت، والمقريزي، وغيرهم، فيحتمل أن ‏تكون الأهرام المحجّ الأول حيث كانت الصابئة تطوف، وتتطهر، وتتضرّع، وتتشفّع، كما ‏يلمس ذلك في مناسك الحج لدى سائر المؤمنين بالديانات السماوية المعروفة، فتواري الوظيفة ‏الدينية للأهرام في طيات الأحداث، وخلف تحيزات لاهوت فرضتها العقائد المتوالية، لا يعني ‏عدم وجودها في الأصل، فالنجوع الرمزي للمعتقدات القديمة يعبر عن نفسه دليلا نسقيا في ‏الثقافات والأديان التي تباعد بها الزمن، فاستحالت بسبب بنيتها السحرية إلى مرويات ‏أسطورية شفوية لا سبيل للبرهنة عليها بقرائن الثقافات الكتابية وأدلتها.‏ ‏
4. ترميم النص.‏
‏ عرضنا جانبا من ذخيرة المعلومات التي أمكن الوصول إليها، وترميمها، وانتهت بنا إلى ‏أن الصابئية ديانة قديمة، بل أول الديانات، وهي تقول بتوحيد الله، والطهارة، والصلاة، ‏والصوم، وغيرها من ضروب العبادات، وذلك يتعارض مع شتات المعلومات التي نثرها ‏العمري المتأخر، المنزعج من التجسيم، والمتبرم بالتشبيه، مثله في ذلك مثل كثير من ‏المؤرخين والجغرافيين والفقهاء المتأخرين في العصور الوسطى الإسلامية، ففي هذه الفترة ‏هيمنت الثقافة المتعالمة القائلة بأن غالبية المسلمين لا يقولون بوجود وسيط بين الإنسان والله، ‏فالعلاقة مباشرة، وشفافة، وتجريدية، وسندها الإيمان الصادق، وكل محاولة للعثور على وسيط ‏تعني الهروب من الارتباط المباشر بالخالق، والانشغال بسواه، فالله حالة أثيرية متعالية على ‏التجسيد، وتشخيصها يدفع إلى الشرك، وذلك يخالف الحقائق التاريخية لكل العقائد، وبما أن ‏الصابئة يجعلون لله هيكلا يتعبدون فيه، فينبغي إدراجهم في خانة المشركين. وهذا التناسي ‏المتعمد يصطدم بحقيقة أن المسلمين أوجدوا أيضا لله هيكلا، وهو الكعبة: بيت الله. ‏
‏ هذا أول ما نلاحظه في نص العمري، وأول ما نواجهه، إذا يبلبلنا الخبر، فهم يبنون ‏هياكل لأشياء مختلفة في المكانة والقداسة، فهياكل الله، والعقل، الصورة، والنفس، جاءت ‏مستديرات الأشكال. أما هياكل الكواكب والنيرين فجاءت على أشكال مختلفة من التسديس، ‏والتثليث، والتربيع. فكرة الدائرة وفكرة الأشكال الأخرى المختلفة عنها مهمة، فالدائرة تضعنا ‏في مسار لانهائي، فيما الأشكال الأخرى تحجزنا في نطاق حركة محدودة ومنتهية، بعبارة ‏أخرى فإن الله وتجلياته المترشحة عنه تقودنا إلى الحركة المطلقة، أي إلى التجريد، أما ‏الكواكب فتنتهي بنا إلى طريق مغلق. فإذا ما أخذنا بهياكل الله وتجلياته، وقد اتخذت شكلا ‏مستديرا، فهذا سيفضي بنا إلى ما يقرّه الإسلام حيث الدوران حول الكعبة(=المكعبة). ولكن ‏العمري لا يريد ذلك، فيدفع بنا إلى الأشكال المغلقة، ويربطها بالكواكب التي يراها موضوع ‏عبادة الصابئة. وهم لا يقدسونها إنما يجلّونها اعتقاداً منهم بأنها مساكن الملائكة، وقد حذرت ‏الصابئية من عبادة الكواكب. جاء في “الكنزا ربّا”ما نصه”لا تسبّحوا للشمس والقمر”.‏
‏ ومعروف بأن للكواكب والنجوم والأفلاك مكانة كبرى في الأديان السماوية، وتقسم كثير ‏من الديانات بالكواكب، وهذا ليس دليل عبادة، إنما دليل توقير، يتصل بالتصور”الكسمولوجي” ‏للكون. وللمؤمنين بكل ديانة طقوس في التعبير عن ديانتهم. ويدرج العمري ‏قضية”المخاريق”في سياق القدح، وهو يعلم بأن عامة المؤمنين في كل العقائد تقريبا يريدون ‏تجسيداً يقرّب إليهم فكرة الله، ويكتفي خاصتهم بالتجريد، كما فعل الصابئة في زمن إبراهيم ‏بين قائلين بالتجسيم وقائلين وبالتنزيه، ففكرة الله رفيعة لمن يدركها عقليا، وليس من اللائق ‏تجسيدها، ولهذا يلجأ سدنة الصابئة إلى دغدغة العامة بأصوات بشرية تمرّ عبر”مخاريق” ‏يتوهم العامة بأنها صوت الله، فيخيل لمن يصغي بأن الآلهة هي التي تتكلم، وبما أن العامة ‏يرونها مجسّدة لحقيقية المعاني المعبّرة عنها، فيتوهمون أن الله أو سائر القوى الأخرى، هي ‏التي تخاطبهم. فينغمر العامة في مزيد من العبادة. وتلك الطقوس الكرنفالية شائعة في أديان ‏العامة دون استثناء، وهذا عند العمري أسلوب شنيع في الشرك والخداع. ‏
‏ ينبغي الآن معرفة ما يحتويه مخزن”الكتب الأولى، وتاريخ الدنيا، وعلوم السماء لما كان ‏ويكون”فقد أهمل العمري ذكرها. هذه الكتب، طبقا للصابئة، هي الكتب الأولى، كنوز الله، ففيها ‏تاريخ الدنيا، وكيفية تكوينها، وفيها علوم السماء من فلك وتنجيم، وقد طمرت كلها في بئر ‏تبتلع من ينكبّ عليها، فيندق رأسه هاويا في قعرها؛ لأنها تتضمن علوما سرية يُضن بها على ‏غير أهلها، ومَنْ يفكّ شفراتها له أن يبلغ”خزائن رغائب هذا العالم “وعليه”لا يصل إلى الدخول ‏إليها، والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا، وعلمه علمنا”. إنها معرفة محظورة، ‏جرى التكتّم عليها، وحجبها عن غير أهلها، والصابئية ليست عقيدة تبشير، وتكتفي باتباعها ‏الذين تناقصوا عبر العصور، وليس من أهدافها الدعوة والانتشار، وطقوسها شبه سرية ‏ومقتصرة على أهلها. ‏
‏ يتحدث العمري وأسلافه باسم الجماعة الاسلامية عن عقيدة مجهولة بالنسبة لهم، يلفونها ‏بالمخاريق المحشوة، ويطمرونها في قعر بئر في أقصى شرق الصين. ومن يتجرأ على كشف ‏مستور تلك الكتب فسيدقّ عنقه في القعر العميق للبئر المسبّعة. وقبل أن يجازف عليه أن يقرأ ‏التحذير المكتوب بقلم السند هند(=أو المسند). وينبغي تصور السبب الذي يدعو فضوليا لأن ‏يرتحل إلى أقصى مشارق الأرض بحثا عن كتب مكتوبة بلغة الهند، وقد طمرت في بئر، وهو ‏يعرف أنه سيتهور على رأسه إن انكبّ في محاولته للنزول إليها. وقلم”السند هند”يحيلنا أيضا ‏على أول كتاب في التاريخ حسب اعتقاد الهنود القدامى. فقد ذكر اليعقوبي في سياق حديثه عن ‏ملوك الهند، بأن كتاب”السند هند”عرف في زمن الملك”برهمن”الذي ينسب إليه البراهمة، وهو ‏أول ملوك الأرض، وفي”زمانه كان البدء الأول”وتفسير الكتاب هو”دهر الدهور”(27)وفيه ‏حكمة الهند الأولى ولغتهم. ويعدّ أم الكتب الكبرى التي توارثتها الأمم بعد ذلك حسب ‏اعتقادهم، وهو اعتقاد مناظر لما يذهب إليه الصابئة، فقد تداخلت الصابئية والبرهمية في ‏الشرق أيضا منذ القدم.‏
‏ يريد العمري تخريب عقيدة فيعرضها بتركيب خبر مهلهل، يتقصّد فيه أن يمرّر موقفا من ‏الآخر، إذ لا سبيل، بل لا أهمية، لمعرفة عقيدة وسيلتها المخاريق، وهدفها التجسيم، وغايتها ‏الإشراك بالله، وكتبها مدفونة في بئر تتعالى منه نذر الموت في أقصى الأرض. وهذا ‏الضرب من التعريف اختزل الصابئة إلى ضالين، كأن القرآن لم يشر إليهم في آيات ثلاث، ‏وكأنهم لم يكونوا أهل طهارة يتعمدون بالماء الحي، ويعدونه ركنا حيويا في تطهرهم ليكونوا ‏مستعدين أمام الله، وكأنهم ليسوا من أوائل الموحدين. كل هذا يسكت عنه خبر العمري، وبه ‏يستبدل معلومات مفككة وغير منسجمة. ومهما اعترضتنا عوائق تسعى إلى طمس الفكرة ‏الأصلية المحتدمة تحت نص العمري، فلا تضل العين البصيرة تدفق الحقائق من ثقوبه.‏
‏ ولنختم بما ختم به المسعودي الموضوع قبل العمري بقرون، وفي ذلك نجد تفصيلا أشمل ‏مما يعرضه العمري الذي أهمل كثيرا من ذلك”وقد ذكر جماعة- ممن له تأمل بشأن أمور هذا ‏العالم والبحث عن أخباره- أن بأقصى بلاد الصين هيكلاً مدوراً له سبعة أبواب، في داخله قبة ‏مسبعة عظيمة الشأن عالية السمك، في أعالي القبة شبه الجوهرة يزيد على رأس العجل ‏تضيء منه جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فلم يَدْنُ ‏أحد منها على مقدار عشرة أذرع إلا خَرَّ ميتاً، وإن حاول أحد منهم أخذ هذه الجوهرة بشيء ‏من الآلات الطوال كالرماح وغيرها، وانتهتَ إلى هذا المقدار من الذَّرْع انعكست وعطلت، ‏وإن رُميت بشيء كان كذلك، فليس شيء من الحيل يؤدي إلى تناولها بوجه ولا بسبب، وإن ‏تعرض لشيء من هَدْم هذا الهيكل مات مَنْ يروم ذلك. وهذا عند جماعة من أهل الخبرة لقوةٍ ‏دافعةٍ منفردةٍ قد عُملت من أنواع الأحجار المغناطيسية. وفي هذا الهيكل بئر مسبعة الرأس ‏متى أكَبَّ الإنسان على رأس البئر إكباباً متمكناً تهوّر في البئر فصار في أسفلها على أمّ ‏رأسه، وعلى رأس هذه البئر شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم، أراه بقلم المسند”هذه بئر ‏تؤدّي إلى مخزن الكتب، وتاريخ الدنيا، وعلوم السماء، وما كان فيما مضى من الدهر، وما ‏يكون فيما يأتي منه، وتؤدّي هذه البئر أيضاً إلى خزائن رغائب هذا العالم، لا يعمل إلى ‏الوصول إليها والاقتباس منها إلا من وازت قدرته قدرتنا، واتصل علمه بعلمنا، وصارت ‏حكمته كحكمتنا، فمن قدر على الوصول إلى هذا المخزن فليعلم أنه قد وازانا، ومن عجز عن ‏الوصول إلى ما وصفنا فليعلم أنّا أشد منه بأساً، وأقوى حكمة، وأكثر علماً، وأثقب راية، وأتم ‏عناية”. والأرض التي عليها هذا الهيكل والقبة وفيها البئر أرض حجرية صلبة عالية من ‏الأرض كالجبل الشامخ لا تُرَام قلعته، ولا يتأتى نقب ما تحته، فإذا أدرك البصر ذلك الهيكل ‏والقبة والبئر وقع للرائي عند رؤيته ذلك جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه، وحنين على ‏إفساده، وتأسف على إفساد شيء منه، أو هدمه”(28).‏
‏ فالهيكل الصابئي يمتنع عن الطمس، ويمتنع عن الاكتشاف، فهو يربض في سامق من ‏الأرض، في أقصى شرق العالم، بسبعة أبواب، وعليه منار تعلوها جوهرة مشعة تنير جوانبه، ‏تمتنع عن أن تسرق، مهما احتيل لذلك. وكل من رام تخريب الهيكل مات وهلك، وهنالك بئر ‏عميقة تفضي فتحتها إلى مخزن الكتب الأولى، كتب آدم، وإدريس، ويحيى. ولا سبيل للهبوط ‏إليها إذ يندق رأس كل من يحاول ذلك، والتحذير الذي وضع على فوهتها كفيل بمنع أية ‏محاولة، وهنالك لا توجد كتب الحقائق الأولى فحسب إنما”خزائن رغائب العالم” فلبلوغ ذلك ‏المقام المهيب ينبغي الصعود إلى أعلى والهبوط إلى أسفل في حركة متعارضة، فالهيكل على ‏قمة جبل لا ترام قلعته، وكل من يراه يخالجه أغرب شعور”جَزَع وحزن واجتذاب للقلب إليه، ‏وحنين على إفساده، وتأسف على إفساد شيء منه أو هدمه”.‏
‏ ‏
المصادر :
‏1. ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ص71‏
‏2.المرزوقي، الأزمنة والأمكنة، ص905‏
‏3.أبو الفرج الأصفهاني،الأغاني، ص1377‏
‏4.الجاحظ، رسائل الجاحظ، ص304.‏
‏5. الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ص517‏
‏6.أبو المحسن التنوخي، نشورا المحاضرة وأخبار المذاكرة، ص190‏
‏7.ابن النديم، الفهرست
‏8. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية 8: 227و 223.‏
‏9. المسعودي، مروج الذهب، ص267.‏
‏10. الشهرستاني، الملل والنحل، ص104.‏
‏11.ابن القيم الجوزية، أحكام أهل الذمة، ص32-33‏
‏12. ابن الفوطي، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة، ص 19 .‏
‏13. مروج الذهب ص35‏
‏14. ابن القيم الجوزية، هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ص 6‏
‏15. المقريزي، المواعظ والاعتبار، ص1085‏
‏16. ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ص59‏
‏17. الملل والنحل، ص72و85‏
‏18. ابن تيمية، جامع الرسائل، ص17‏
‏19.م. ن، ص 248 ‏
‏20. صديق بن حسن القنوجي، أبجد العلوم 1: 66‏
‏21. محمد عبد الرحيم المناوي، التعاريف 1: 445 ‏
‏22. القلقشندي، صبح الأعشى، ص920‏
‏23. السيوطي، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، ص9‏
‏24.ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب 2: 108‏
‏25. ياقوت الحموي، معجم البلدان، ص1815‏
‏26. المواعظ والاعتبار، ص154‏
‏27.اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ص49‏
‏28. مروج الذهب، ص 267‏

‏*نشر البحث في مجلة”التسامح”الصادرة في سلطنة عمان، مسقط، عدد 18 لسنة 2007ص252-27

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة : هموم نقدية “الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” .

“الشعر هو الذي يعيد الحياة الى اللغة” الجملة أعلاه قالها الشاعر الفلسطيني محمود درويش، في …

| طالب عمران المعموري : تراسل الحواس  في قصيدة (حنين) للشاعر ناهض فليح الخياط .

ملامح ترسم جماليات القصيدة بصور شعرية مصدرها الخيال الخصب لإنتاج صور شعرية رائعة، يبين الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *