ناطق خلوصي : عشاق الشمس (2)

تتلبسني الحيرة: لماذا أخذه أبي معه؟ انسحبت الى غرفتي وهذا السؤال يضج في رأسي ويشغلني عن الاستجابة لصوت غادة الذي يلاحقني. رددت الباب واستلقيت على سريري. سمعت وقع قدمين وراء الباب، وما لبثت أن رأيت الباب ينفرج قليلاً ويطل وجهها وقد نشرت عليه ابتسامة ماكرة ربما كانت تريد أن تستفزني بها وحين لم استجب سحبت رأسها وهي تغنغم مداعبة وسحبت اليها ظلفة الباب مغادرةً، فأغمضت عينيّ وبدأت الذاكرة تمارس لعبة الاسترجاع . منذ ان جاء به أبي الى بيتنا شعرت كان قوة جذب غامضة تشدني اليه. قال أبي لي ولغادة: (هذا ابن عمكما سامي سيكون واحداً منا) ومن يومها صار يقترب مني واقترب منه، أوقدت شمعة فبدأ الضوء يملأ روحينا وصرت أخشى أن ينطفئ هذا الضوء وبدأت أخاف عليه وصار يخاف عليّ، ولم تتعانق سوى نظراتنا ولم تلتحم سوى اصابعنا ولم يتداخل سوى نبض قلبينا وظلت مسافة تهيّب خفيّ تفصل جسدينا المتوثبين لبعض الوقت الى أن أخذت هذه المسافة تضيق وتضيق ولكنها لم تتلاش. في اليقظة أتملى صفحة وجهه البهيّ. في الحلم أراه يعلو صهوة مهرة بيضاء، أنظر في المرآة وأتخيل فارسَ ومهرة الحلم وتساورني رغبة مجنونة في أن أتعرى لاتفرّس في تفاصيل جسدي وأتبين إن كانت تشبه تفاصيل جسد مهرة الحلم، واغمض عينيّ وأراه في عين خيالي الجامح يدنو مني بمهرته، ينحني بجسده حتى تصير يده قريبة مني فيرفع جسدي ويطير بي صوب الشمس التي صرت أنتمي اليها منذ اربع سنوات.
باغتّه يوماً: “هل سمعت بعشاق الشمس؟” فانتفض صوته: “عشاق الشمس؟” “اجل عشاق الشمس!” “ومن هؤلاء؟” “بشر في إهاب ملائكة!” “لاتمزحي معي يا هالة.” “”انني لا امزح. سأقودك اليهم”.
ارتعش كل نبض حي في جسدي حين سمعت أمي تقول لأبي يوماً: ” لقد كبرا  يا رجل ولم يعد مناسباً أن يجمعهما بيت واحد.” وشعرت كأن كلماتها دبابيس تخز روحي وكنت انصت وراء حجاب اللهفة لأن أتبين موقف أبي، وكدت أستعير جناحي طائر وأحلق بهما من الفرح حين التقطت أذناي المتيقظتان كلمات أبي: “انه ابن عمها وستكون من نصيبه”. وطارت كلمات أبي من شفتي المرتعشتين وحطّت في سمعه اليقظ، فتمتمت شفتاه بارتعاشة حين باغتته المفاجأة: ” ستكون خلوتنا مشروعة اذاً!”
* * *
هذه هي جنّتي على الارض. على سريري في مملكتي الأثيرة استلقيت: جسدي ينزّ عرقاً وصدري ينزّ قلقاً، والأرق رفيقي. لكأنني محموم وانا لست مصاباً بأية حمى، وحتى الى ما قبل ساعات كنت في كامل قوى بدني الذي اشعر الآن كأن اعضاءه تتفكك وتغادره الى غير رجعة وفي رأسي خليّة نحل. اسئلة حائرة تتآكلني: لماذا يفعل ذلك؟ أيكون قد شم في جلد زوجته رائحة رجل آخر فظن انني ذلك الرجل؟ استسخفت هذا الخاطر وأزلته من ذهني. أتكون أخبار خلوتي الذهبية بهالة قد بلغته؟ أيكون خائفاً من أحد؟ قلقاً من أحد ؟ لماذا يريد أن ينتزعني من هذا الفردوس وهو الذي كان قد جاء بي اليه؟
سبع سنوات وأنا أنعم بحياة لا أظن انه كان في ميسوري أن انعم بها في ظل أبي وأمي هناك في مدينتنا الصغيرة. لكأن هذا الرجل عمي، مسخّر لانتزاعي من أماكن ألفتها وأحببتها. انني لا أنسى ذلك اليوم. أتذكره الآن وكأنه يحدث الساعة وليس قبل سبع سنوات: جاء الينا زائراً في واحدة من المرات النادرة التي يفعل فيها ذلك. لم يكن يزور مدينته إلاّ في أوقات متباعدة وفي مناسبات يراها تستحق الزيارة على حد قناعاته. أبي يعاتبه، وقد يلومه: ” لماذا تريد أن تنقطع عن جذورك؟ ” ” ومن قال ذلك؟ كل ما في الامر انني لا أجد متسعاً من الوقت لأن أقوم بزيارات متكررة. انها طبيعة عملي كما تعلم.” ولعل أبي هو الوحيد الذي يعرف طبيعة عمل أخيه ولكنّه يتكتم على ذلك. ما إن نسأله انا واخوتي: ” ماذا يعمل عمي؟ ” حتى يقذف في وجوهنا جواباً هلامياً غائماً يعتّم الأمر علينا ويجعلنا نلوذ بالصمت، وهو لاينسى أن يكرر لازمته التي صارت مألوفة لدينا: ” انه يعمل لدى الحكومة ” ولانجرؤ على ان نلحف بالسؤال بعد ذلك. ومنذ حللت في مملكتي الأثيرة هذه وأنا أسأل زوجة عمي السؤال الذي يؤرقني. انها زوجته منذ ربع قرن ولابد من انها تعرف الكثير عنه ولا أقول كل شيء، لكن وميضاً غامضاً يلتمع في عينيها وترتبك شفتاها في كل مرة، فأدرك انها تعرف ولكن خوفاً خفياً يمنعها من ان تبوح بشيء. وهالة؟ لماذا لم تبح لي بشيء اذا كانت تعرف حقا؟ انني على يقين أانها لو كانت تعرف طبيعة عمل أبيها لما أخفت ذلك عني، فهي لاتخفي عني شيئا، أي شيء. يساورني الاعتقاد ان عمي يمارس عملاً ذا وجهين: معلن وخفي. لمت نفسي لأنني لم أسمح لسمعي ان يتسقط أخباره خارج نطاق البيت. جعلني اعجابي به أصم اذني إلاّ عما يجمّل صورته في عيني أكثر فأكثر. كل الذين يعرفونه يقولون انه صندوق ينغلق على أسراره وألغازه، مقفل باحكام وعصي على الفتح، فهل كل هؤلاء على خطأ وأنا وحدي الذي على صواب؟ آه يا سامي أي خطأ جسيم ارتكبت؟
* * *
الآن تنثال صور ذلك اليوم في ذاكرته: اليوم الذي جاء فيه عمه زائراً وحلّ في بيتهم محملاً بهدايا سخية وبلسان يقطر عسلاً، قبل سبع سنوات. جلس عمه الى جوار أبيه على الأريكة الخشبية الوحيدة في بيتهم انذاك والتي شحب لونها، وظلت أمه واقفة في انتظار أن تلبي أي طلب يستجد وهي في حضرة ضيفها أما هو وأخوته فقد كانوا يقرفصون على الأرض صامتين وكأن على رؤوسهم الطير، مصغين لما يدور بين أبيهم وعمهم، وكان هو ينظر الى وجه عمه بانبهار لكأنه يرى فيه وجهاً نورانياً من وجوه الملائكة التي طالما سمع بذكرها بتردد على الألسنة. انتبه الى صوت عمه يقول لأبيه:
– أنت تعرف يا أخي نجيب ان الله جاد عليّ ببنتين وشاءت إرادته ان لا أرزق بولد وقد انقطعت زوجتي عن الانجاب لعلّة فيها كما تعلم.
وسكت وزفر بعمق لكأنه ينفث إحساساً بالاسى يتراكم في صدره، وكانت العيون تنث نظرات ترقّب محايدة حتى تلك اللحظة التي ما لبث صوته بعدها أن تهدج بنبرات تثير إحساساً بالتعاطف إذ انه لم يفصح عما في رأسه بعد:
– وقد لا تعلم بأن طبيعة عملي صارت تقتضي ان أغيب عن البيت يوماً أو يومين، وربما ثلاثة أيام في بعض الاحيان.
نظر أبوه متسائلاً وقال بصوت خفيض وكأنه لايريد لمن هم حوله ان يسمعوا ما يقول:
– لقد استجد على طبيعة عملك جديد آخر إذاً يا نسيم!!
– نعم يا اخي. وانا حائر الآن.
– وما وجه حيرتك؟
– كيف أترك هالة وغادة وامهما لوحدهن عندما أغيب عن البيت؟
– وماذا تقترح؟
– أريد ان تكون رائحة رجل في البيت اثناء غيابي عنه لكي اكون مطمئناً مرتاح البال وانا أمارس عملي.
– وما المطلوب مني؟. أعني كيف استطيع مساعدتك؟
وفي تلك اللحظة فجّر عمه قنبلته التي كان يخفيها تحت لسانه:
– أريد أحد اولادك أن يعيش معي لكي يكون رجل البيت في غيابي.
رأى وجوماً يرين على وجه أبيه وهو يحاول ان يتكتم على ارتباكه الداخلي، وأمه تحبس دمعاً في محجري عينيها وتنفلت منسحبة من المكان ربما كي لايفضح نشيجها إحساسها بالصدمة. لقد غرسا هي وزوجها بذرة في حديقة حياتهما المشتركة فهل من اليسير عليهما، وعليها هي على وجه التحديد، ان يأتي من يقتلعها ويزرعها في أرض هي غير الارض التي نمت فيها؟ انه يذكر الآن كيف كان الغضب ممزوجاً بالحزن قد استبد بأبيه حين استيقظ صباح أحد الأيام واكتشف ان يداً دخيلة، يداً اثمة، امتدت ليلاً الى شجيرة كان قد زرعها في فسحة الأرض الصغيرة أمام المنزل واقتلعتها وفرّت بها. كيف سيكون حاله حين ينتزع ابنه منه؟
كان أبوه يردد باستمرار ان الله وهب أخاه نسيم وسامة آسرة ولساناً ذرباً يمتلك القدرة على ان يُخرج الحية من (زاغورها). ودار لسان عمه الذرب في حلقه دوراناً لبقاً وافلح في ان ينتزع موافقة أبيه بعد شيء من التردد.
وأمه؟ ربما تعالى نشيجها. ربما أجهشت بالبكاء. ربما لامت أباه في سرها، او ربما كظمت غيظها لتدعه يفلت من عقاله حين تختلي بأبيه فيما بعد. لكنها لانت في أخر المطاف، ربما على مضض، وابتسمت عن عينين حمراوين عندما قبل حموها رأسها امتناناً.
من بين اخوته وقع اختيار عمه عليه  : ” اريد سامي يا اخي. أرى فيه مخايل رجل شجاع.”
سمع أباه يقول بما يقترب من الهمس:
– ومدرسته؟
وضع عمه يده على صدره:
– سيكملها عندي، بل سيكمل كل مراحل دراسته التالية عندي. خذها كلمة شرف مني!
كان آنذاك قد أنهى مرحلة الدراسة المتوسطة لتوه وقد بانت عليه سيماء رجولة مبكرة واخذه عمه معه وبدأ عندها مثل طائر انتزع من عشه عنوةً. لايساوره الشك في ان أمه ظلت مسهدة ليلة رحل، وربما لم يطبق لأبيه جفن تلك الليلة.
لكن الطائر الذي انتُزع من عشه وجد نفسه في عش بديل: عش هانئ سرعان ما انساه حنينه الى عشه القديم، ولم تعاوده تلك الغصة التي كانت تتلبسه في الساعات الأولى التي حل بها في بيت عمه. طائران اليفان يحومان حول عشه يملآن اذنيه سقسقةً وحياته بهجة. هالة في مثل سنه وغادة تصغرهما بسنتين. عبر وهالة بسلام عتبة مراهقة جامحة وقد امتد خيط إلفة متين بينهما وهما يلوذان بعش صغير. سبع سنوات وهما يشبّان معاً، يتوحدان روحاً وفكراً لكنهما لم يلتحما جسداً تماماً بعد فثمة وازع من ضمير يقف في وجه مثل هذا الالتحام.
* * *
يالذلك اليوم من يوم ! هذا صوت هالة وهذا صوت امها: صوتان اسمعهما يتوتران ويخيّل اليّ انهما يشتبكان. التقط سمعي طرفاً مما كان يدور في الأسفل: ” لماذا لاتأتين معنا لزيارة خالتك يا هالة؟” ” انني مشغولة بدروسي يا أمي وقد لاتدرين كم هي صعبة دروب الطب!” “وهل ان دروسك أكثر أهمية من عيادة خالتك؟ ”  “وهل ستشفع لي خالتي في الامتحان؟” ثم خيّم سكون مطبق ما لبث ان كسره صوت اصطفاق الباب بحركة متوترة، ليعمّ الهدوء البيت. تلك اللحظة بدأ قلبي يخفق.. أحسست كانه يوشك ان يخترق قفصي الصدري ويندفع الى الخارج.أنا وهالة لوحدنا الآن، وعمي غائب ولا أدري ما الذي سيحدث. انتابني إحساس غامض غريب بأن الشمس سوف تشرق هذا المساء: هل ستغيّر الارض على نحوٍ مفاجئ دورتها التي تدورها منذ ملايين السنين؟ لبثت ساكناً فوق سريري. ارهفت السمع فخيّل اليّ انني أسمع حسيس نعل اسفنجي. انها ترتقي السلّم إذاً! ما الذي ستفعله يا الهي؟ أغمضت عينيّ وتناومت. صوت أكرة الباب.. صوت صرير.. حفيف قدمين يقترب، وانا اضغط على نفسي كيلا أدع ضحكة مباغتة تنفجر في غير وقتها. سأكون سخيفاً لو انني فعلت ذلك.
ساد سكون قصير يخترقه صوت لهاثها وانا أحاول ان أكتم صوت لهاثي كي لايفضحني. على حين غرّة شعرت برؤوس أصابع تخز خاصرتي. جفلت. فتحت عينيّ، وتلك اللحظة رأيتها منحنيةً نحوي وقد افترشت وجهها ابتسامة آسرة. لامس صدى رنين ضحكتها شغاف قلبي، وصوتها العذب ينساب من بين شفتين شهيتين: ” هل تظن انك قادر على خداعي؟! ” مدت يديها وسحبتني من حيث أستلقي حتى صرت جالساً وسط السرير. مكثت على هذه الحال هنيهة ما لبثث ان استدرت بجسدي ومددت ساقيّ حتى صارتا تتدليان ولامست قدماي ارض الغرفة. صوّبت سهام بصري نحوها وصرت أتملى وجهها وكأنني اراها لأول مرة بعد غياب دهر. قالت بلسان ماكر: ” نحن لوحدنا الآن، أعني أنا وأنت! “.
تظاهرت بأنني لم اكن قد سمعت السجال الذي دار بينها وبين أمها، فتساءلت:  ” وامك؟ وغادة؟ ” ” ذهبتا الى بيت خالتي ولن تعودا قبل ثلاث ساعات “.وغمزت مبتسمة: ” وانت تعرف ان غادة يحلو لها المكوث في بيت خالتي وتستعذبه، ولاتسأل عن السر في ذلك فأنت أدرى بما يجعلها تفعل ذلك. ” قلت وانا اضحك:  ” تعنين زياد؟ ” هزت رأسها بالايجاب وسكتت لحظة وما لبثت ان قالت: ” ثم ان أبي سوف يغيب عن البيت هذه الليلة. انه خافر وقد رأيته يأخذ معه حقيبته الجلدية الصغيرة وفيها منامته ومنشفته، مثلما اعتاد ان يفعل في المرات السابقة ” .
يا لها من ماكرة. لكأنها تريد ان تنزل بكلماتها ماء الطمأنينة البارد على قلبي. وتمادت اكثر: ” احكمت رتاج باب البيت وسأغلق هذا الباب ايضاً ” والتقطت كلماتها خلال ضحكتها :” زيادة ًفي الأمان ” وتحركت صوب الباب.
زيادةً في الأمان؟ ما هذه اللغة التي تحدثني بها؟ كلمات مبطّنة بما هو خفي وتفتح باباً للتأويل. ما الذي يدور في رأس هالة الآن؟ ظننت انها تريد ان تحدثني عن آخر أخبار عشاق الشمس، ان تلقي عليّ بعض تعاليمهم، ان تناولني احد منشوراتهم السرية، مثلما كانت تفعل في مرات سابقة. هل كانت تقصد ان تفعل ذلك حين اشارت الى انها أحكمت رتاج باب البيت (وها هي قد احكمت رتاج باب الغرفة) او حين قالت ” زيادة في الامان ” ؟ اننا نبدو الآن وكأننا في خلوة يحظرها قانون الطوارئ. لكنها جلست الى جواري حتى لامست بذراعها ذراعي وبفخذها فخذي وقد تدلت ساقاها هي الاخرى ولامست قدماها الأرض. لم أرها تحمل شيئا.. لم أرها تخفي شيئا. انها ترتدي ثوباً طويلاً تلامس اذياله الارض وهو بلا أكمام ولاجيوب، فما سر هذه الزيارة؟ اعرف انها اعتادت ان تسمي غرفتي هذه (عشنا) واكتشفت فيما بعد انها تستخدم مفردة (عش) بمعنيين: معلن وخفي.. العش الذي تركن اليه الطيور وتتناجى مثلما نفعل انا وهي، و(ع.ش) الذي يومئ اختصاراً الى (عشاق الشمس) بدلالة انه يحمل الحرفين الاولين لعشاق الشمس. قالت وهي تمسك يدي: ” ها نحن في العش لوحدنا!” قلت وانا احاول ان استفز دخيلتها:  “عش” ام (ع.ش) ؟ ردّت على عجل : “عش هذه المرة! ”  فأدركت اننا نقترب من منطقة الخطر وانتابتني نوبة خوف مفاجئ.
لم اكن سيئ الظن بها في يوم من الأيام. ها هي تجلس الى جواري تحت سقف واحد ووراء باب موصد وكأنها تمنح جسدينا فرصة الالتحام بعد ان التحمت روحانا وفكرانا. استفزت رائحة جسدها الممتلئ الشهي كل أحاسيسي الحبيسة في داخلي وشعرت كأنها أحدثت تجويفاً بدأت هذه الاحاسيس تنبجس من خلاله. نظرت الى عينيها الشهلاوين وخيّل اليّ ان حبات ضوء بلورية تتساقط منها فكوّرت راحتي يديّ ووضعتهما تحت مساقط حبات الضوء فضحكت من دون ان تدرك مغزى ما أفعل. شعرت كأن راحتي يديّ قد امتلأتا بحبات الضوء، رفعتهما الى الأعلى وأفردت أصابعي وكأنني انثر بها شيئاً فتراءت لي حبات الضوء السابحة في فضاء الغرفة تستحيل الى نجوم تملأ فضاء العش. قالت، ولعلها ظنت ان نزوة طائشة تملكتني او ان نوبة جنون مفاجئ اصابتني: “ما هذا الذي تفعله؟! ” رددت وأنا مسكون بالانبهار: ” انني انثر حبات الضوء المتساقط من عينيك” فضحكت حتى دمعت عيناها وضربت كتفي براحة يدها.
عيوننا، شفاهنا، أيدينا، هي التي تتكلم لوحدها بلغة الهمس حتى الآن، وما لبث مذاق الشهد ان بدأ يلسع شفتيّ لسعاً لذيذاً وأنا أطمع في مزيد من الرشف منه، خارجاً على سلطة الآخر الذي في داخلي: الحارس الأمين الذي يتقمصني او أتقمصه، متعللاً بأن هالة ستكون زوجتي عاجلاً او آجلاً وانني لا أشق عصا طاعة نفسي ولا هي تفعل ذلك مادمنا نقف عند حدود لغة التماس التي نتبادلها حتى الآن. وحين بدأت تتمادى لتتمرد على قواعد هذه اللغة، سمعت الآخر الذي في داخلي يحتج وإذ أحسّت بهذا الاحتجاج احتجّت وهي تبتعد عني بعض الشيء: ” لماذا تخاف.. سنصبح زوجين؟! “.
في غفلة مني وجدتها تنضو عنها ثوبها فشهقت.. لا أدري أهي شهقة خوف أم شهقة انبهار في تلك اللحظة. وقفت أمامي بقميصها الداخلي الذي يشف عن سروالها ويفضح مفاتنها. يا لهذا الجسد الشهي المعروض امامي وكأنه يدعوني لأن أحتويه! بدأت ارتجف وخيّل اليّ انها لا ترتجف مثلي. يا لها من جرأة هذه التي تتوفر عليها! لبثت واقفة تتأملني وكأنها تشفق عليّ وهي تراني لا أستجيب لدعوة جسدها. قالت وكأنها تستفزني:  “لماذا تسكن مثل حجر أصم؟ هل تخشى أحداً ونحن لوحدنا؟ ” تهدج صوتي بنبرات تتكسر بين شفتي:  ” بل أخشى ثلاثة: أبي وعمي ونفسي ” رنت ضحكتها واشرقت عيناها وكأنها تقول في داخلها (يا لك من جبان)، ثم وجمت على حين غرّة وخيّل اليّ ان إحساساً بالندم بسط سطوته عليها لكنني وجدتها تلقي بجسدها عليّ وتطوقني بذراعيها. وحين صارت أصابع يدها تتمادى، صرخ الآخر الذي في داخلي (هذا يكفي) وانفلت صوته عبر حنجرتي، لكنها بدت وكأنها تقول (كلا. هذا لايكفي) ثم همست في اذني  ” لاتخف.. اني استطيع ان اتدبر الامر! “.
أجفلني ما سمعت وأثار فزعي. ما الذي تعنيه بذلك؟ دفعتها عني بحركة تشي بأنني أحتج على ما سمعت وربما انتبهت الى الوجوم الذي ران في وجهي ونظرة الفزع التي تجمدت في عينيّ
قالت وهي تنسحب عني بعض الشيء: ” ارجو ان لايذهبن بك الظن الى ما يشين. انني لم أسمح لأحد ان يقترب مني او يلمسني سواك. كن واثقاً من ذلك فأنا لم أكذب عليك من قبل ولن أكذب عليك في يوم من الأيام. فأنت تعلم ان تعاليم عشاق الشمس علمتنا ان نكون صادقين مع انفسنا ومع الآخرين. ” وتلك اللحظة استرددت أنفاسي الهاربة. أمسكت ذقنها بيدي ورفعت رأسها اليّ وقد رأيت دمعتين في محجريها. وضعت رأسها على صدري فاستراحت على نبض قلبي، ومرت ساعة ذهبية ونحن نكاد نلتحم جسدياً لكنني لم اتوغل في الغابة.. توقفت عند حافتها الخارجية حسب، فقد أمرني الآخر الذي في داخلي ان لا أتمادى وان أتوقف عند هذا الحد.
* * *
(ترى هل سينقذني ابن أخي أم انه سوف يخذلني؟) سؤال حائر ظل ينخر في رأسه وهو يتقلب على وسادة الأرق. فاجأه صوت زوجته:
– هل كانت سفرتكما ممتعة؟
صوت بدا له كريهًا، مقرفاً، مثيراًً للاستفزاز. انقلب بجسده حتى صار وجهه في مواجهتها ورآها تنظر اليه بعينين تسكنهما رغبة محمومة. غمغم:
– بالتأكيد.. بالتأكيد.
مدّت اليه يداً متوددة وقد اقتربت بوجهها منه حتى لسع سعير أنفاسها وجهه. قالت بلسان حذر:
– ولماذا أخذت سامي معك؟
رد بصوت يشي بالضيق:
– وما وجه الغرابة في ذلك.؟ انه ابن اخي وسيكون صهري كما تعلمين.
صمت لحظة ثم أردف يقول:
– ثم انني كنت أشعر بشيء من التعب ورغبت في ان يقود السيارة بدلاً عني. هذا كل ما في الأمر .
وها هي تلتصق به ويحس بليونة ثدييها يسترخيان على صدره، وسمعها، وهو منشغل عنها، تهمس قريبا من أذنه:
– هل حدث ما هو غير اعتيادي في سفرتكما؟
أجفله ما يسمع. ما الذي جعلها تحدس بذلك؟ هل أباح سامي لنفسه ان يبوح لها بشيء؟ رفع رأساً مترنحاً عن الوسادة وصار يصفعها بنظرة شعرت كأنها تلسع وجهها. وخز صوته سمعها:
– ما الذي يجعلك تظنين ذلك؟
ردت وقد ارتعشت في الداخل:
– لاشيء سوى انني رأيت سامي يدخل واجماً وقد صعد الى غرفته ولم ينزل منها.. حتى انه اعتذر عن تناول العشاء. تصور.. ان هالة بنفسها صعدت الى غرفته والحّت عليه بالنزول ولكنه تذرع بالتعب!.
غمغم وقد أعاد رأسه الى الوسادة:
– ولماذا لايكون متعباً حقاً؟
ساورته الخشية من ان تواصل استدراجه الى ان تلتقط طرف الخيط الذي يوصلها الي السر الذي يتكتم عليه. ليس من سبيل للجم فضولها سوى ذلك السبيل الذي اعتاد على ان يسلكه معها في مثل هذه المواقف. مد ذراعه وطوق عنقها وجذبها اليه فاستجابت عن رضا وقد صار لهاثها يلفح وجهه من جديد وبدت على استعداد المستميت للتشبث بالفرصة التي قد تفلت منها ولن تجيء إلاّ في موعد غير معلوم. صارت أصابعه تعبث بصدرها وهي ترتخي وقد أغمضت عينيها، شاعرةً كأن دبيب أصابعه يسري في عروقها، وفجأة رأته ينسحب عنها وينهض مغادراً السرير فشعرت كأن شيئًا في داخلها ينكسر. لاحقته ببصر قلق وصوت متهدج:
– ماذا ستفعل؟
ردّ دون ان يلتفت اليها:
– سأطفئ الضوء.
خيّم ظلام دامس فعاد متعثراً، متلمساً بيده قطع الاثاث المتناثرة في الغرفة حتى ارتطمت ركبتاه بطرف السرير فشتمها في سرّه. جاء صوتها محتجاً وهو يستلقي الى جوارها:
– لكأنك لاتريد ان ترى وجهي وانت تعلوني!
مد إبهام يده اليمنى وسبابتها وقرصها من مكان حساس آلمها لكنها لم تتأوه. قال:
– ما الذي جعلك تظنين ذلك؟
قالت بنبرة تشي بتذمرها:
– انك تطفئ الضوء في كل مرّة.
سمعته يقول وهو ينهض جسده من حالة الاستلقاء:
– لاتكوني مجنونة. هيا استعدي.
شعرت بالراحة على الرغم من وجع الشتيمة واللغة الصارمة التي وجه بها أمره لها. انها ما زالت مرغوبة لديه إذاً، وما هواجسها السود سوى ضرب من الظنون أوحى لها بها غيابه المتكرر عن البيت وتجاهله لها أحيانًا في المرات التي يبيت فيها تحت هذا السقف.
وجدته يرفع ساقيها وهما وسط عتمة حالكة فأشعرتها تلك الحركة بالامتنان، واشعرته هو بعبء ثقيل تنوء به ذراعاه. وشيئاً فشيئاً بدأت الاصابع تتشابك تشابكاً حذراً ومرتبكاً بادئ الامر وما لبثت ان صارت تلتحم وتتشنج، ويتصاعد فحيح اللهاث وأنين الغنج ونثيث الإحساس بالنشوة.
ومرت دقائق بدت لها قصيرة قصر لحظات متسارعات وبدت له ثقيلة وطويلة مثل دهر. تركها مسترخية تمد يدها تتلمس بها فوق السرير وكأنها تبحث عن شيء ما، واستلقى هو في مكانه على السرير شاخصاً ببصره نحو الأعلى فضاعت نظراته في غابة العتمة الحالكة، وسرعان ما همدت الى جواره فاطمأن الى انها لن تلاحقه بفضولها بعد ذلك، وعاد السؤال المؤرق ينخر في رأسه: (ترى هل سينقذني ابن اخي او انه سوف يخذلني؟).
* * *
على سريري، في مملكتي وفي خضّم حالة وجومي وانا أسير قلقي، مازلت أستلقي وخلية نحل تطن في رأسي وصورة عمي الراقد على سريره الآن في غرفته في الطابق الأسفل تتراءى أمامي وانا أسأل نفسي وكأني أسأله هو: لماذا يريد ان ينتزعني من مملكتي الأثيرة هذه؟ ما الذي يخفيه تحت قحف رأسه؟
أسمع صوته والسيارة تعود بنا، يختلط مع أزيز المحرك وحفيف الهواء الذي يتسلل خلف النافذة: ” غداً عندما تعود من الكلية ستفجّر قنبلتك بيننا جميعاً “ويكاد ذهني يشرد وانا مسكون بالوجوم لكنني احاول ان أستوعب خطوط خطته التي يمليها علي، وحين التقط سمعي آخر مفردة وجدت في نفسي الجرأة لأن اسأله:
– واين سأذهب يا عمي؟
وتهدهد صوته مطمئناً:
– لا تحمل هماً. لقد رتبت كل شيء وغداً سوف ترى بنفسك.
ما هذا الذي سوف اراه غدا يا عمي ، يا نسيم الكهلاني؟
هذه هي ليلتي الأخيرة في مملكتي إذن، استحال بصري الى طائر قلق ينتقل من مكان الى آخر كأنني أريد ان أطبع بصمته على كل شبر من جدران مملكتي وسقفها وأرضها، وحالة غليان تمور في داخلي. اريد ان أحمل معي صورة هذا المكان الذي ألفته وصور الأشياء التي تعايشت معها وتعايشت معي على مدى سبع سنوات: خزانة الملابس، منضدة الكتابة، الكرسي الوثير، السرير الذي شهد ساعات نومي واسترخائي وأحلامي وخلوتي بهالة، ولحظات نشوتي. كل شيء هنا له حضوره في ذاكرتي وله رائحته التي أشمها، فأحس كأنه جزء مني،. وهالة؟ كيف سيكون وقع الخبر عليها؟ انها ترقد الآن في سريرها، تطبق جفونها على احلامها الوردية ربما، من دون ان تدري بأنني مازلت أسير الأرق ولم يطبق لي جفن حتى الآن، والليل يجري ساحبا ً اطراف عتمته ببطء.
لماذا يفعل عمي هذا الذي يفعله معي؟ أيكون ثمة من أوغر صدره عليّ فصار يبيّت لي أمراً ؟
أتكون زوجته هي التي تقف وراء ذلك؟ لماذا تفعل هذا، اذا كانت قد فعلته حقاً، في وقت مازال سرها الكبير مدفوناً في صدري مثل جثة هامدة؟ سر خطير لو كنت بحت به الى عمي لكان انتقامه منها رهيباً ، لكنني اسكتّ الاخر الذي في داخلي وتكتمت عليه :( حتى ذلك اليوم المشؤوم، كنت أرى في زوجة عمي أماً ثانية واضحك من نفسي حين اقول بأن لي أمّين: أماً هنا وأماً هناك. اعترف انها كانت ترعاني مثلما ترعى أم ابنها وكنت اسمعها تقول بعد ان تزفر بعمق : ( آه لو ان الله وهبني ابناً مثلك) وكان عمي يوصيها بي خيراًً : (اعتبريه ابننا ) أذهب أحيانا الى أهلي، ازورهم لوقت قصير وحين اعود تحتضنني واقبّل يدها وتقبلني فاحس بطعم شفتيها على خدي مثل طعم شفتي أمي تماماً. غير ان ذلك الحادث جعلني ارتّد عن إحساسي بأمومتها لي وان ظللت احافظ على إحساسي بانها زوجة عمي الذي رعاني واتصرف تحت تأثير هذا الإحساس ربما على مضض. ما ان اتذكر ذلك اليوم حتى تتقاذفني أحاسيس متناقضة تتداخل فيها الحيرة والغضب والخوف والندم وانا اسأل نفسي: هل خنت ضميرك يا سامي حين تكتمت على سرها الكبير ذاك؟ الوم نفسي، اقرّعها، اتمادى في جلد الذات، ولكنني ما البث ان اتراجع . لو لم اتكتم لكان هذا البيت الذي يؤويني قد انهد، ولكانت هالة، وربما غادة أيضاً، في مهب ريح سوداء لا تبقي ولا تذر.
آه من ذلك اليوم! يوم نحس، غائم، كئيب، تنذر بواكيره بمطر غزير او عاصفة هوجاء. ذلك الصباح لم انتظر هالة لنخرج سوية كعادتنا كل يوم. حين يكون عمي قد قضى الليلة في البيت، فانه يوصلنا بسيارته.اما في الاوقات الاخرى فقد كنا انا واياها نخرج معا. نسير جنباً الى جنب، نتهامس مثل طائري حب اليفين، تلاحقنا عيون إعجاب او عيون حسد. لكن احداً لم يكن يجرؤ على التطاول علينا فنسيم الكهلاني مهاب او مرهوب الجانب، لا  فرق. يستهوينا السيرتحت نثيث المطر الناعم الذي نشعربه كأنه ينفذ الى داخل جسدينا خلل مساماتنا الجلدية فيثير فينا شعورا ً بالانتشاء ، ويستهوينا اكثر السير تحت ضوء الشمس الفاتر في الأيام الصاحية، غير انني خرجت لوحدي ذلك اليوم. كنت حريصاً على ان أصل في وقت مبكر وقبل ان يصل الدكتور صدقي. لو تأخرت فسأتعرض الى مساءلة نفسي لي قبل مساءلة استاذي، واستاذي رجل علم ممتلئ، دقيق، نظيف قلباً ولساناً، يحترم نفسه ومكانته، لا يتهاون مع التسيب. تنفست الصعداء حين وصلت ولم يكن موعد المحاضرة الاولى قد حان بعد، وباب قاعة الاستاذ صدقي مازال موصداً.
اوجعني قلبي فقد احسست كأن شيئا غير طبيعي يحدث هذا اليوم. نظرت الى ساعتي. ليس من عادة الاستاذ صدقي ان يتأخر وليس مألوفاً ان يبقى باب قاعته موصداً حتى الان. ها ان صوتا يأتينا نحن طلبته الذين كنا قد تقاطرنا على عجل، يشبر الى ان الاستاذ صدقي يعاني من وعكة صحية المّت به وجعلت حضوره متعذراً.
اين سأذهب والنهار مازال في أوله؟ نادي الطلبة يكتظ بالثرثرة والدخان ووقع الأقدام التي تكاد تتعثر في الممرات الضيقة الملتوية بين مناضد الفورميكا وكراسي الحديد. هل استجيب لعرض زملائي بالذهاب الى دار للسينما لنشهد عرضا صباحيا لفيلم رومانسي رائع كما قالوا؟
لم أجد ما يغريني لأن افعل ذلك لكأن نداءً خفياً اسمعه يهتف بي: ان اذهب الى البيت، عدت، شاعراً كأن كابوساً يجثم على صدري من دون سبب واضح.
لا أشك في ان زوجة عمي لوحدها الآن كعادتها كل يوم باستثناء ايام الجمعة وأيام العطل الرسمية والمفتعلة. عمي غائب في مقر عمله ولابد من ان هالة قد صارت في كليتها الآن، ومثلها غادة التي استهلت حياتها الجامعية هذا العام.
تسمرت في مكاني وكأنني في مواجهة كائن خرافي! لمن هذه السيارة السوداء التي أراها وانا انظر اليها بعين الدهشة والذعر معاً، وهي تجثم جوار الرصيف المحاذي للطرف الأخير لسياج البيت؟ انني لم أرها من قبل. أيكون ثمة من يزور بيت عمي او بيتاً مجاوراً؟ أيكون عمي جاء بها من مقر عمله؟ واصلت سيري بعنق ملتوِ وبصري مشرئب نحو السيارة، وضعت نسختي من المفتاح في فتحة القفل وأدرته كما اعتدت ان افعل فانزلق لسان المزلاج الى الوراء، لكن الباب لم يستجب لحركة يدي حين دفعته لم يساورني الشك في ان رتاج الباب قد احكم من الداخل. لماذا يحكم من الداخل وزوجة عمي لم تفعل ذلك حتى عندما تكون لوحدها كما يفترض ان يكون عليه الأمر اليوم؟
ساورني القلق، بل الخوف من ان ثمة من انتهز فرصة وجود زوجة عمي لوحدها واقتحم البيت بطريقة ما وأجهز عليها؟ ضغطت على زر الجرس وانتظرت. لا جواب! ضغطت من جديد ولا جواب هذه المرة ايضاً. صفعت وجه الباب براحة يدي صفعات عنيفة متتالية. اهويت بقبضة يدي وكنت اوشك، وقد استبد بي القلق، ان اندفع بجسدي اندفاع ثور هائج لاحطم الباب حين سمعت دربكة مضطربة وراءه وما لبثت الظلفة ان ارتدّت الى الوراء قليلاً  تاركةً فرجة بدت مثل شريط ضيق استطاع بصري القلق ان يخترمها ويقتنص من خلالها جسد زوجة عمي وقد بدت في وضع مثير للارتياب: شعر متهدل بفوضى، وجه في شحوب قشرة ليمونة فاقعة، وعينان زائغتان. ما الذي  جرى لزوجة عمي وامي الثانية؟ أيكون عمي قد جاء في غيابي ونفّس عن غيظه وخرج مثلما كان قد فعل في مرات عديدة فالتمّت على نفسها تلعق جراحها؟
بدت لي تلك اللحظة وكأنها تحجم عامدة عن ان تنسحب الى الوراء لتوسع فرجة الباب، فاوحي لي ذلك انها لا ترغب في دخولي، ازداد أجيج نار الارتياب في صدري. ما هذا الذي يحدث؟ صعدت صيحة من اعماقي مثقلة بالغضب وبلغت حنجرتي ثم انفلتت منها: ” ما الذي يحدث يا زوجة عمي؟ ” فردّ عليّ بصرها الزائغ وكأنها اصيبت بلوثة من الجنون.  ” لماذا تحجمين عن فتح الباب؟ ”  وحين رد علي بصرها الزائغ هذه المرّة ايضاً، دفعت ظلفة الباب بيد استعارت  قوة مضافة فوجدت نفسها مضطرة الى التراجع المضطرب حتى كادت تنكفئ الى الوراء. اندفعت داخلاً وانا في حالة هياج وقد تنمّر الآخر الذي في داخلي، رأيتها تقف على ساقين خائرتين وبدا لي كأن كل جزء من جسدها يرتعش. امسكت بيدها محاولاً ان اجعلها تتماسك بعض الشيء لأتبين جلية الأمر، وحين استدار جسدها انتبهت الى انها ربما ارتدت ثوبها على عجل لحظة ضغطتُ على زر جرس الباب، فما زالت أطراف الجزء الخلفي منه لم تنسدل تماماً، كاشفةً عن رقعة من قميصها الداخلي وتفاصيل من سروالها وهو مالم يحدث من قبل طوال بضع سنوات . قلت وانا مسكون بالدهشة: ” ما الذي يحدث يا زوجة عمي؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.