عدنان حسين أحمد: سأعود للسرد لأن الرواية حلمي الأكبر حاوره: صفاء الصالحي

عدنان حسين أحمد قاص ومترجم وصحفي وناقد عراقي مقيم في لندن من مواليد مدينة جلولاء عام ١٩٥٧، كاتب متعدد الاهتمامات شق طريقه الإبداعي بين العديد من حقول المعرفة المختلفة، قبل بروزه على المستوى العربي كناقد أدبي وسينمائي وتشكيلي وفوتوغرافي يشار إليه بالبنان، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب، جامعة بغداد عام ١٩٨١، والماجستير في النقد الأدبي من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن عام ٢٠٠٧، ولديه أكثر من دبلوم في السيناريو، والصحافة الاستقصائية، والكتابة الإبداعية، عمل في الصحافة العربية لأكثر من أربعين عامًا في العراق والأردن وهولندا والمملكة المتحدة.
عند الحديث عن فخامة التجربة الإبداعية المتنوعة لدى عدنان حسين، لا بدّ من العودة إلى ما قبل الهجرة والمنفى، فقد كان منذ مطلع شبابه ذا نزعة يسارية، نشأ قريباً من شخصيات سياسية وفكرية يسارية ساهمت بتحريك الوضع الثقافي في المدينة، وحرضت بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة، حتى شكلت لاحقًا طابعًا شخصياً قاده إلى عالمه الإبداعي، وبالرغم من قراءاته الماركسية المُبكرة، فقد طوع عقله المتمتع بآلية مرنة إلى النهل من مشارب ثقافية، وفنية مختلفة. ومع مفتتح سبعينات القرن الماضي سجل أول انقلاباً في تلافيف ذهنه، وتغلغلت القصة في وحدات دمه بعد قراءته المجموعات القصصية لنجيب محفوظ، كان قد اقتناها من مكتبة «الحاج أبو كامل» في المدينة، فقد حركت هذه القراءة مخيلته وشكلت عنده القاعدة القصصية الرصينة التي انطلق منها إلى الكتابة القصصية، وانبثق منها رصيده في السرد القصصي .
ولم تنبثق علاقته مع النقد السينمائي والتشكيلي من فراغ، فلهذه العلاقة جذور تمتدّ إلى أيام الصبا، والشباب فقد كان متلقي عاشقاً للسينما، مواظب على السفر من مدينة جلولاء إلى خانقين، كي يشاهد فيلماً إيرانياً كلّ أسبوع، ويحرص على تدوين أحداث الفلم، ومسار شخصياته الرئيسة، كما كان أسير شراهته البصرية التي كانت دائماً ما تقوده الى تفحص غالبية المعارض التشكيلية في ديالى، وبغداد والكتابة عنها.
ومع التحاقه بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب، تنازعت لغتان في الاستحواذ على عقله وروحه، وانصب اهتمامه على اكتشاف الأدب الإنجليزي، وبدافع حُب اللغة الإنجليزية، والولع بالآداب العالمية، ترجم عشرات القصص، والمقالات الأجنبية، فتتلمذ على ترجمات الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا حينئذ، وكان لجبرا إبراهيم جبرا دوراً في تشجيعه على مواصلة الترجمة، والانقطاع إليها، حينما وقعت يداه على ترجمته لواحدة من قصص جيمس جويس كان قد نشرها في مجلة ” الطليعة الأدبية” فقال له ” أنتَ مترجم ناجح “.
وسجل عدنان حسين الانقلاب الثاني في تلافيف عقله، بعد ما استمد الأدب والعلم والمعرفة من مرحلة الحياة الجامعية ، التي زادت من روافده الثقافية، وغيرت من طريقته في التفكير، فاكتشف أن الحرية والإبداع صنوان لا يفترقان، ولم يجد أمامه خياراً سوى الهجرة والاغتراب في المنافي البعيدة، بحثاً عن الحرية، وتنقيباً عن بيئة يعبر بها ذاته، وتحفزه على الإبداع، فشكلت المنافي إحدى أهم المحطات في تجربته الإبداعية، التي ضخت فيه نبض الكتابة والإبداع، فأسهم في إثراء المكتبة العربية، بسبعة كتب في حقولٍ أدبية متعددة أصدرها خلال سنوات إقامته في عمان وهولندا ولندن، كما أنجز عددا مماثلا من الكتب المخطوطة تنتظر النشر، بالإضافة إلى حضوره المميز في المؤتمرات الثقافية والأدبية، ورئاسته تحرير مجلتي (أحداق) و (علامات) الثقافيتين في هولندا.
دخل عدنان حسين ميدان النقد مزوداً بمواهب في فروع مختلفة من الأدب، وثقافة سينمائية رصينة، تُلم بعملية صناعة الفيلم من الألف إلى الياء، بالإضافة إلى ذائقة أدبية مدربة بالقراءة والمتابعة، انعكست بشكل كبير على نتاجه في مجال النقد، الذي عكف على الكتابة فيه منذ أربعة عقود، ولديه كم كبير من المقالات في صحف “الزمان” و “الشرق الأوسط” و “القدس العربي” و “الحياة” و “العرب” و “المدى” وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل “الجزيرة الوثائقية” التي ينشر فيها مقالاته السينمائية بشكل منتظم، وله عدة مؤلفات في النقد السينمائي، والتشكيلي، والأدبي.
قبل أن نعرج للحوار لا يسعني في هذا المقام ألا أن اقدم شكري وتقديري على إتاحة لنا هذه الفرصة للتواصل، والتعرف على شذرات من فيض السيرة والآراء والأفكار.

الحوار :
◙ يقال إن الإنسان ابن بيئته التي تصنع فلسفته منذ ولادته وحتى يكبر، كيف شكّلت البيئة التي عشتها في جلولاء ملامحك الفنية والأدبية؟
– دعني أستعين بالشاعر المتوهج أبي تَمّام الذي قال ذات مرة بيتين من الشعر فذهبا مَثلاً لما ينطويان عليه من فلسفة أنيقة، وحكمة دقيقة:
“نَقِّلْ فُؤَادَك حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى / مالحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ
كَمْ مَنزلٍ في الأرضِ يَألَفُهُ الفَتَى / وحَنِينُهُ أبَدًا لأوَّلِ مَنزلِ”
وعلى وفق هذا التصوِّر التَمّاميّ فإننا جميعًا نَحِّنُّ إلى المنزلِ الأول، والمدينة الأولى، ومسقط القلب، إن شئتَ، فثمة علاقة سرّيّة مُبهَمة لا تُفَسّر بيننا وبين المكان الأوّل لعلّي أسمّيها الإيقاع الجغرافي أو النبض المكاني الذي ينتظم فقط عندما تستلقي على فراش مُلاصق للأرض وتُصغي إلى ذلك الإيقاع العجيب الذي تسمعهُ كما يسمع الجنين المرتبط بحبل السُرَّة دقّات قلب الأم، وكلّما نأينا واشتط بنا المَزار تلاشى ذلك النبض وأصبح أثرًا بعد عين.
لا ينفع المكان لوحده من دون وجود الكائنات البشرية، وخاصة الموهوبينَ والمثقّفينَ والمتعلِّمينَ، فهم ملحُ الأرض في كل زمانٍ ومكان. وهؤلاء هم الأوفر حظًا في الخلود أما العامّة فيذهبون، مع الأسف الشديد، إلى مدارج النسيان حيث يأكلهم الصدأ، وتلفظهم الذاكرة الجمعية. هناك عدد غير قليل من المثقفين مرّوا بهذه المدينة أمثال الإعلامية غلاديس يوسف، ومقداد عبد الرضا، وجمال نوري، وصلاح زنكنة لكنّ كُتابها الأساسيين هم جلال زنكَابادي، وشاكر نوري، وتحسين كَرمياني، وجلال جميل الخالدي، وسعد محمد رحيم، وعدنان حسين أحمد، ومجموعة من الفنانين في المسرح والتشكيل والصحافة والغناء أبرزهم د. محمد صبري، والنحّات حميد شكر، والفنان عادل أصغر، والصحفي خميس سبع، والفنان علي قادر، والمسرحي والي العزاوي، والتشكيلي محمد شوقي حقي، والمطرب عامر العلي وآخرين كانوا في طور اكتشاف مواهبهم الأدبية والفنية ولعل بعضهم ظهر في السنوات الخمس والعشرين التي غِبتُ فيها عن الوطن مثل صفاء الصالحي، علي حمد الصوفي، أحمد المرواني، حسام الدين مصطفى، وحيد يوسف ولي وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.
على الرغم من غِنى مدينة جلولاء وثرائها الثقافي إلاّ أنه ليس كافيًا لوحده فلابدّ من توابل السياسة التي تعطي المدينة المهجّنة بعربها وكوردها وتركمانها وفيليها نكهة خاصة حتى وإن كانت مؤلمة في كثير من الأحيان. وربما يعود الفضل الأكبر إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي حرّك الوضع الثقافي في المدينة، وبثَّ فيها حياة من نوع آخر ولابد من الإشارة إلى أبرز الشخصيات السياسية اليسارية أمثال الرفيق محمد أحمد إسماعيل “أبو جيفارا”، والأستاذ خير الدين، وحسن ميرزا، وعبد اللطيف عبد الوهاب، وما سواهم من شخصيات سياسية وفكرية حرّضونا بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة التي أخذت لاحقًا طابعًا شخصيًا يقود كل واحد منّا إلى عالمه الإبداعي الذي يخفّف عنا وطأة الحياة في تلك المدينة النائية التي تسترخي على ضفة نهرها الناعس الذي يُقال إنّ مياهه الفضيّة قد انحسرت في السنوات الأخيرة.
◙ في إطار تجربتك القصصية رغم موهبتك ومهنتيك العالية في الاشتغال السردي، لم تصدر إلا مجموعتين قصصيتين باللغة العربية (جولة في مملكة السيدة هاء، وأقواس المتاهة ) وظّفت فيها ممكنات ذاكرة معتّقة برائحة الماضي، هل ذبلت تلك الذاكرة ومخزونها الحكائي؟ أم هي انعطافه لطرق أبواب تعبير أدبية مغايرة؟
– تنازعني منذ سنوات الصبا والشباب أربعة هموم ثقافيّة وفنيّة تبدأ بالتوق لمعرفة اللغة الإنكَليزية، وتمرّ بكتابة القصة القصيرة والرواية لاحقًا، ومُشاهدة الأفلام السينمائية والتخصص في نقدها، وتنتهي بالنقد بأشكاله المتعددة، كالنقد الأدبي، والسينمائي، والتشكيلي، والفوتوغرافي. وبما أنّ خلفيّتي الفكريّة يسارية أميلُ فيها إلى العمّال والفلاحين وبقية الشرائح الفقيرة في المجتمع العراقي فقد وجدتُ نفسي وأنا أكتب المقالة السياسية أو سمِّها المقالة الفكرية التنظيرية إن شئت، وهكذا بدأ التشظّي الذي لم يكن صحيًّا بالتأكيد ولكنه أخذ مني جهدًا ووقتًا كبيرين. ومما زاد الطين بلّة أن المذيع العراقي المشهور مشتاق طالب سمعني ذات يوم ونحن نعمل في إذاعة “المستقبل” المعارضة لنظام صدّام حسين في عمّان وقال بأنّ “صوتك جميل جدًا وخامته مميزة، وأنك تصلح لأن تقرأ نشرتَيّ الأخبار الطويلة والقصيرة” وبين ليلة وضحاها أصبحتُ مذيعًا. إن التنقّل بين مِهنٍ واختصاصات وهوايات متعددة بعثَر اهتمامي السردي وفرّقني أيدي سبأ! ولا تنسى، أخي صفاء، أن الحاجة المادية وأنتَ في المنفى تدفعك إلى ما لا تريده من المِهن. لقد عملتُ في الصحافة الفنيّة والاستقصائية لسنوات طوالاً من أجل أن نصمد، أنا وعائلتي الصغيرة، لتلبية المتطلبات الأساسية للعيش الكريم، ولكنني دفعتُ الثمن غاليًا على الصعيد الأدبي. وفيما يتعلّق بذاكرتي الشخصيّة فلا أظن أنها ذبلت أو انكمشت أو تراجعت إلى حدودها الدنيا، فأنا أكتب القصة القصيرة بين أوانٍ وآخر وأنشرها في بعض الصحف العربية أو المهجرية ولديّ مشاريع مؤجلة في الرواية أو “النوفيلا” التي أحبّذها أكثر من الرواية لأنها مكثّفة وتخلو من الترهّل والإطناب. لعل اهتمامي النقدي واطلاعي على النظريات والمناهج الأوروبية الحديثة قد حدّد من “تهوّري” في الكتابة السردية التي تحتاج إلى إلمام كبير، وتقنيات تتجدّد كل عام تقريبًا. ولو وضعنا كل هذه الامتيازات جانبًا فأنا أتوفر على خزين هائل من الذكريات القاسية للحرب العراقية – الإيرانية التي شاركتُ فيها لثماني سنوات مليئة بالألم والتوحّش “البشري” بين الطرفين المُتحاربَين اللذين يُلبيان أوامر النظامين المتخلفَين في العراق وإيران معًا. وإضافة إلى هذا الخزين الذي لا ينضب فأنا أمتلك باقة نادرة من القصص العاطفية التي تكاد تكون بعدد المكوِّنات العراقية وأنا لم أكتب لحد الآن إلاّ عن اثنتين فقط؛ واحدة عربية من بغداد، والثانية تركمانية من جلولاء وتركت الباقيات للسنوات القادمة. أما الشق الأخير من السؤال فيتعلّق بطرائق التعبير الأخرى التي سلكتها وهي كثيرة لكنني لست نادمًا عليها لأنها فتحت لي آفاقًا كبيرة لم أكن أحلم بها من قبل. فحينما أتحدث عن الفن التشكيلي لابد من القول بأنني رأيت بتمعنِ شديد غالبية المتاحف الفنية في أمستردام ولندن وبعض العواصم الأوروبية التي أزورها بدعوات أدبية وفنية وسينمائية مجانية تخفِّف عني تكاليفها الباهظة علمًا بأنني زرت 36 دولة حتى الآن وبعضها لسبع مرات أو أكثر بسبب تكرار الفعالية الأدبية أو المهرجان السينمائي.
◙ لنبقَ قليلاً بعد في إطار تجربتك القصصية، إذ أصدرتَ مجموعتك القصصية “كوابيس منتصف الليل” (بالإنكَليزية)، ما هُوية هذه المجموعة؟ هل هي أدب عراقي مكتوب بالإنجليزية أم أنها تنتمي إلى ثقافة اللغة التي كتبت بها، وما موضوعاتها وعوالمها، وهل لك أن تضعنا في صورة هذه المجموعة؟
– هذه ليست مجموعة قصصية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إنها قصتان طويلتان بعض الشيء يصل طولهما معًا إلى أربعة آلاف كلمة تقريبًا مع مقدمة مكثفة كتبْتُها بنفسي على وفق طلب المؤسسة البريطانية المعروفة بـ “كُتّاب المنفى” Exiled Writers Ink وقامت بترجمتهما الشاعرة الأردنية فتحية سعودي فيما راجعت النصوص المترجَمَة الشاعرة البريطانية سالي ثومبسون. أما المشروع الأساسي الذي كنت مُنهمكًا به فيعود إلى مُفتتح الألفية الثالثة الذي كنت منشغلاً فيه بكتابة مجموعة قصصية تحمل عنوان “كوابيس منتصف الليل”. تتألف المجموعة من عشر قصص أنجزتُ أربعًا منها وتركتُ المشروع معلّقًا في الهواء. ما يميّز هذه القصص أن البطلة واحدة وهي المرأة الهولندية ليليان، والراوي العليم هو أنا شخصيًا الذي أسرد الأحداث بضمير المتكلم. وهذه القصص يمكن أن تُقرأ منفردة أو مُجتمعة لأن فيها أكثر من خيط تنتظم فيه هذه القصص العشر التي رَسمتُ المخططات العامة لأحداثها والفضاءات التي تدور فيها وأنّ منْ يقرأها متصلة يشعر بأنه يقرأ “نوفيلا” قصيرة ولا يشعر بالملل أو التذمّر خصوصًا وأنّ الحَبكات تنطوي على مفاجآت كثيرة، ونهايات تنويرية لا تخلو من روح الدُعابة.
تناصَف الشخصيتان الرئيستان؛ الراوي والمروي لها أحداث القصص، ويمكن القول إنها قصص عراقية وهولندية في الوقت ذاته وإن كانت الهيمنة للراوي العراقي. فهي ليست قصص عراقية خالصة، كما أنها ليست قصصًا هولندية بالكامل، ويمكن أن نسمّيها بالقصص المُهجنّة التي تجمع بين ما هو عراقي وما هو هولندي أيضًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا نتحدث عن أدب السجون وهم يتحدثون عن أدب الحريّات.
لا أحبِّذ الحديث عن قصصي شخصيًا ولعلي أشبه الرسّام الذي ينجز لوحته ويترك تفسيرها للمتلقين الذين يتوفّرون على ذائقة فنية تؤهِّلهم للاستمتاع بالعمل الفني. فالقصة مثل اللوحة ما إن ينتهي منها القاص حتى تُصبح مِلك الجمهور الذي يملك الحق في تفسيرها مثلما يشاء شرط أن لا يشطح كثيرًا في الابتعاد عن تيمتها ومضمونها المركزي. ومع ذلك دعني أحيطك علمًا ببعض التفاصيل المفيدة في هذا الصدد. فالقصة الأولى المعنونة “كوابيس منتصف الليل” التي كتبتها عن شخص لا أعرفه وإن أسميتهُ في القصة للضرورة الفنية “ابن عمي إحسان” كدليل محبة وحنوّ وتعاطف معه. فخلال السنوات الثماني للحرب العراقية – الإيرانية برزت إلى السطح عقوبات “قره قوشية” ما أنزل الله بها من سلطان مثل وسْم الجباه، وصلم الجزء العلوي من صيوان الأذن، وقصّ طرف اللسان لمن يشتم الرئيس أو يتطاول على مقامه “الرفيع”. لقد شاهدت بعينيّ حادثة قصّ الأذن في المتنزّه المقابل لمركز شرطة مدينة جلولاء وقد استغرق عرضها المسرحي قرابة نصف الساعة وسمعتُ صرخة الضحية الحادّة التي لما تزل تتردّد في أذنيّ حتى ساعة الإجابة على هذه الأسئلة ولعلها ستمتدّ معي إلى الساعات من حياتي.
أما قصة “متوالية الفزع” فهي تدور حول مقتل اللواء الطبيب راجي التكريتي “طاب مثوىً”. فقد قرأت لصديقي الكاتب والصحفي هارون محمد مقالاً يصوِّر فيه الطريقة البشعة التي قتلَ فيها صدام حسين قريبهُ راجي التكريتي لكنني أدخلت الحادثة في مختبر فني ينحرف بالحدث صوب امرأة هولندية سوف تُصاب بالفزع حتى من الكلاب المدجّنة.
◙ أشرتَ مرة إلى أنّ الرعيل الأول من المترجمين أمثال (المنفلوطي، أحمد رامي، فيتزجيرالد) كانوا معنيين بنقل المعنى فقط، أما المترجمون المحدثون فهم معنيون بنقل التقنية التي كُتب فيها النص، فما هي استراتيجيتك التي تنتهجها لترجمة نص معين؟
– قيل قديمًا أن “الترجمة خيانة” وهذا التوصيف صحيح لكنه يجب ألا يقف عائقًا أبديًا أمام المترجمين الدؤوبين. كان الرعيل الأول وحتى الثاني الذي امتدّ حضوره حتى نهاية الألفية الثانية مَعنيًا بترجمة المعنى من دون العناية بالشكل، وكلنا يعرف أن الترجمة الأمينة هي ترجمة شكل ومضمون في آنٍ معًا، وفي حال ترجمة الشعر لابد من إدخال الإيقاع الموسيقي الذي يضحّي به حتى المُترجِم البارع مع وجود استثناءات قليلة في ثقافات الشعوب. التقنية التي أقصدها هنا هي: كيف نترجم النص كوحدة متضامه، لا كمقاطع متناثرة كما يذهب صلاح نيازي، اعتمادًا على البُعد المنظوري للمترجم الذي يضع في حسابه النسق السردي الذي يترجمه كما فعل في ترجماته لـ “هاملت” و “ماكبث” و “الملك لير” وغيرها من تراجيديات شكسبير. في السابق لم تتوفر هذه التقنيات والكمّ الكبير من المعلومات التي يمكن أن تجدها على شبكة النت، ومُحرّكات البحث المتعددة، والكتب والمصادر الإليكترونية المتاحة للجميع مجانًا الأمر الذي سهّل عمليات الترجمة في مختلف أرجاء العالم الذي تحوّل إلى قرية كونية فعلاً تزوّدك بالكثير من المراجع والمعلومات التي تعينك على ترجمة أي كتاب مهما بلغت صعوبته.
أنا، على الصعيد الشخصي، لديّ تجربة متواضعة في الترجمة توقفت عنها بسبب التشظّي الذي ذكرته في إجابتي السابقة، فقد ترجمتُ “دبلنيون” ونشرتها حينما كنت في العراق في عدة صحف ومجلات عراقية لكنني اكتشفت أنها مترجمة غير مرة فلم أنشر المجموعة في كتاب. ولعل هذا الأمر ينسحب على قصص متفرقة أخرى. ويجب التنويه إلى أنّ المترجمين الذين يعيشون في أوروبا وأميركا وبقية البلدان المتقدمة يتوفرون على مصادر كثيرة تعينهم في فكِّ أسرار وطلاسم عديدة وجدت طريقها إلى كتب نعُّدها عسيرة وصعبة الفهم مثل قصص وروايات جيمس جويس التي اكتشفنا لاحقًا أنّ هناك كتبًا توضيحية لكل الإشكالات التي كانت تعيق المترجم العربي وتمنعه من ترجمة النصوص المعقدة التي كتبها جيمس جويس وأقرانه من الروائيين الحداثيين الذين غيّروا ذائقة القارئ في كل مكان من كوكبنا الأرضي.

◙ أصدرتَ من منفاكَ كتاب نقدي مهم “أطياف التعبيرية .. غواية الحركة ، ورنين اللون” عن تجربة الفنان التشكيلي العراقي المغترب ستار كاووش، هل لك أن تحيطنا علمًا بفحوى هذا الكتاب والطريقة التي نظرتَ بها إلى هذا الفنان التعبيري الذي شذّ عن السرب؟
– تعود معرفتي بالفنان ستّار كاووش إلى أواسط الثمانينات من القرن الماضي يوم كان طالبًا في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وإثر تخرجه فيها، ولعله الفنان التشكيلي العراقي الوحيد الذي حقّق نجومية تضارع نجومية المطربين والفنانين السينمائيين والمسرحيين العراقيين، فصار معروفًا وهو في ذروة شبابه، وربما عزّز هذه الشهرة عمله في الصحافة العراقية خلال أوائل التسعينات. وستّار بخلاف العديد من أقرانه ومجايليه كان صاحب مشاريع فنية تبدأ بالمدينة والأرصفة، وتمرّ بالسيارات الحُمر الفاقعة اللون، وتنتهي بثنائية الرجل والمرأة. فالإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة هو الموضوع الأثير لديه مُعزِّزًا إياه بالتقنيات والأساليب الأوروبية الحديثة كالتشخيصية، والتعبيرية الألمانية، والتنقيطية، واليوغند ستيل وما سواها من أساليب وتيارات فنية معروفة. عاش ستار في أوكرانيا، وحسنًا فعل حينما غادرها عند أول فرصة ليأتي إلى هولندا التي منحته الكثير كما منحت العديد من الفنانين العراقيين الذي لاذوا بهذا المنتجع الفني وتوزعوا بين جنباته الوثيرة ويكفي أن نشير هنا إلى عدد من الفنانين من بينهم سعد علي، وقاسم الساعدي، وزياد حيدر، وعفيفة العيبي، وعلي طالب، وسلمان البصري، وتركي عبد الأمير، وإسماعيل زاير، وناصر مؤنس، ورملة الجاسم، وإيمان علي، وبشير مهدي، ويوسف غاطي، وقرني، وآراس كريم، وجلال علوان، وحسام الدين العقيقي، وحسن عبود وغيرهم من الأسماء الفنية الكثيرة التي قدِمت إلى هولندا واستقرت في مدنها الرئيسة والثانوية. ولعل ستار يشبه في دأبه ونشاطه سعد علي حيث انتظم في عمله اليومي وقدّم العشرات من المعارض الفنية الشخصية والمشتركة وكتب عنه العديد من النقاد العراقيين والهولنديين ولعل آخر كتاب صدر عن تجربته الفنية هو “نساء التركواز” للناقدة التشكيلية الهولندية شارلوت هاوخِن. يُعدّ ستار كاووش من الفنانين العراقيين القلائل القادرين على الاندماج مع المدارس والتيارات الأوروبية الحديثة وامتصاصها، فهو يزور المعارض والمتاحف الفنية المحلية والعالمية بشكل منتظم، ويتناهل معها ليقدّم لنا في نهاية المطاف أعمالاً مُهجّنة تجمع بين خصائص المنبع والمصبّ في آنٍ واحد. لقد تقصيتُ في كتابي “أطياف التعبيرية. . غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية” الذي صدر عام 2005 أثر المدرسة التعبيرية الألمانية، إضافة إلى التيارات الأوروبية الأخرى التي نهل منها ليخلق هُويته الفنية الخاصة به والتي تحمل بصمتهُ التي لا تُخطئها العين الخبيرة. لوحات ستار كاووش عالم من الجمال المُبهر، ومنجمٌ من الموضوعات التي لا تنضب.
◙ في النقد السينمائي أصدرتَ كتابًا بعنوان ” الفلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية “، حلّلت فيه ( 27) فيلمًا وثائقيًا لعدد من المخرجين العراقيين الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ما المعايير التي اعتمدتها في اختيار هذه الأفلام، وما المنطلقات المنهجية والمعرفية التي أسّست مسار هذا المنجز؟
– لا يحتاج الناقد المُحترِف الذي ينغمس لأربعة عقود في مشاهد الأفلام السينمائية وتحليلها إلى معايير مُحددة وإنما يضع ثقته في ذائقته الشخصية المدرّبة التي تستطيع أن تستشعر نجاح الفيلم أو فشله من اللقطات والمَشاهِد الأولى لأي فيلم روائي أو وثائقي أو قصير. أنا لا أنكر أهمية المعايير الفنيّة التي نحدِّد بواسطتها جودة الفيلم أو رداءته ولكن هذه المعايير باتت تسري في دمائي ولم أعد بحاجة لوضعها على الورق. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أشاهد أحيانًا خمسة أفلام في اليوم الواحد، وبمعدل ثماني إلى عشر ساعات مشاهدة يوميًا وخاصة في المهرجانات الدولية أو حتى في بعض الأيام العادية التي أكرّسها للأفلام العالمية التي يجب أن تُشاهَد لأهميتها الفنية العالية وما تنطوي عليه من تقنيات حديثة ومُبهرة.
في هذا الكتاب المعنون بـ “الفيلم الوثائقي في المنافي الأوروبية” هو حصيلة مشاهدة عدد كبير من الأفلام الوثائقية التي أنجزها مخرجون عراقيون يتوزعون في عدد كبير من البلدان الأوروبية وقد ارتأيت أن أدرسها وأحللها نقديًا اعتمادًا على الرؤيتين الفرنسية والبريطانية وطريقة تعامل المخرج الفرنسي الذي يريد أن يلامس الحقيقة من دون أن يتدخل هو شخصيًا ولا يسمح للمصوِّر وحتى كاتب السيناريو فيما بعد من إضفاء لمساته الشخصية على الفيلم على العكس من المخرج البريطاني الذي لا يجد ضيرًا في أن يُقحم رأيه الشخصي في الفيلم الذي يسعى لإنجازه.
هذه الأفلام الـ 27 أثارت انتباهي وهزّتني من الأعماق فكتبتُ عنها، فتارة أركّز على قصة الفيلم أو ثيمته الرئيسة، وتارة أخرى أتناول نموّ الشخصيات، وتارة ثالثة أسلّط الضوء على الرؤية الإخراجية. فالكتاب، عمومًا، ليس تخصصيًا وإنما هو مكتوب للقارئ العادي أيضًا الذي يقرأ ويستمتع ويستفيد. كما أوثِّق فيه للمنجز السينمائي لأصدقائي المخرجين الذين تربطني بهم علاقة شخصية وفنية وإبداعية، وأحيانًا اساهم في ترجمة هذا السيناريو أو ذاك، أو أقدّم ملحوظة هنا أو هناك يأخذها البعض على محمل الجد أو ينفر منها من دون أن يفلح في تقديم الأسباب أو الأعذار المنطقية التي توضِّح سبب هذا النفور.
أنا سعيد لأنني قدّمتُ في هذا الكتاب ثلاث مخرجات عراقيات وهنّ ميسون الباجه جي، ورانيا توفيق، وعايدة شليبفر، فالمُخرجات العراقيات مثل العُملة النادرة التي يجب أن نحتفي بها، ونضعها في المكان الصحيح ضمن المَشهد السينمائي العراقي.
أمحض بعض المُخرجين حُبًا من نوع خاص مثل المخرج المتألق محمد توفيق الذي كتبت عنه مقالات كثيرة تصلح أن تكون كتابًا كاملاً يوثّق تجربته الإخراجية المتفردة، فثمة شيء جديد ومميز في كل فيلم ينجزه. وهذا الأمر ينسحب على مخرجين آخرين ولكن ليس كلهم بالتأكيد.
◙ مع توقف كل الجهات السينمائية الرسمية عن الإنتاج ظلّ المنجز السينمائي العراقي متعثرًا لسنوات، لكن في الآونة الأخيرة أحدثت حماسة وإرادة الشباب السينمائي مفارقة إنتاجية مدهشة كمًا ونوعًا، ففي عام ٢٠١٩ شاركت السينما العراقية في (170) مهرجانًا عربيًا ودوليًا، في( 52) دولة في مختلف القارات، وفازت أفلام عديدة مشاركة فيها بـ (43) جائزة، هل السينما العراقية على أعتاب عصر الانبعاث والنهضة؟ وما هي رؤيتك لمستقبلها؟
– دعنا نعترف بشجاعة ونقول ليست هناك سينما عراقية وإنما هناك محاولات فردية لمخرجين عراقيين مجتهدين يعملون في غياب أي برنامج حكومي أو مؤسساتي. وكل الأفلام التي أُنجِزت منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي وحتى الآن لم تتجاوز المئتين فيلم بما فيها أفلام إقليم كردستان. ربما انتظمت السينما العراقية خلال سنوات الحكم الدكتاتوري السابق “وتأدلجت” لأنّ بعضها كان يمجد “القائد” وبعضها الآخر يمجِّد فكر البعث وخطابه السياسي ويمكن القول إن السينما العراقية في غالبيتها أخذت طابعًا “بعثيًا” أو “تعبويًا” أو “قوميًا” أفقدها حلاوتها الفنية.
لا نريد أن نُحبط المخرجين الشباب ولا نقلِّل من أهمية الجوائز التي حصلوا عليها ولكنها تظل جوائز ثانوية فهي ليست الأوسكار أو السعفة الذهبية وما سواهما من جوائز تمنحها مهرجانات معروفة مثل برلين وفينيسيا وكارلو فيفاري وروتردام والقاهرة وقرطاج ومراكش والجونة.
السينما الحقيقية تحتاج إلى أموال طائلة تقدّر بمئات الملايين وهذا الأمر لن يحصل حتى في السنوات العشرين القادمة لأن الحكومات العراقية المتعاقبة لا تعرف أهمية السينما ودورها في بناء المجتمع لذلك سيظل الإنتاج مقصورًا على الجهود الفردية التي لا تصنع تيّارًا سينمائيًا محددًا.
تحتاج السينما، أولاً وقبل كل شيء، إلى فضاء الحرية الكامل، ثم تأتي المتطلبات الأخرى تباعًا كالطاقات والكوادر الفنية، وكُتّاب السيناريو، والمخرجين النوعيين، وحضور المرأة، والتمويل وما إلى ذلك. عند ذلك نستطيع أن نفكّر بنهضة سينمائية. فقطار السينما ما يزال على الرصيف ويحتاج إلى قوة جبّارة كي نضعه على السكة، ونشهد انطلاقته الحقيقية صوب الإبداع والجمال والمتعة البصرية.
تبدأ السينما، من وجهة نظري المتواضعة، إذا ما جاءت حكومة ديمقراطية، حرة، وغير متديّنة تخصص للثقافة والتربية والتعليم والفنون نصف ميزانيتها وتعيد الجمهور إلى الصالات السينمائية وتغريه مع كل فيلم جديد إلى ارتيادها والاكتظاظ أمام شاشاتها البيضاء عندها نشعر أن الرهان على الخطاب البصري قد بدأ قولاً وفعلاً.
◙ يُتهم البعض من النقاد بالمزاجية في تناول أعمال البعض من الروائيين وتسويق نصوصهم، والحجب عن البعض الاخر، وهذا المزاج قد يخضع للفئوية، أو الجهوية، أو الفكرية، إلى أي حد هذا الاتهام واقعي؟ وما هي محفِّزات تذوقك الأدبي والفني للنص لتقصّي نواحي الجمال والإبداع فيه والكتابة عنه؟
– لسنا أنبياء، كما تعرف، وكلنا مزاجيون بقدْرٍ أو بآخر، ولكنني أعوّل على ذائقة النقّاد الحقيقيين الذين لا يجاملون في الأقل، لأن المجاملة قد لا تضرّ بالناقد فقط ولكنها تُسقط المنقود في شِراك الوهم التي لا يستطيع أن يتخلّص منها طوال حياته. أنا، من جهتي، تفاديت هذا الإشكال منذ سنوات طويلة وعاهدتُ نفسي ألا أكتب عن أي نص ضعيف لا يتوفر على الاشتراطات الإبداعية المقبولة. ومع هذا لم تنتهِ المشكلة عند هذا الحدّ فهناك نصوص وأعمال أدبية (بينَ بين) تحضُّ الناقد على أن يرتدي وجهًا صارمًا، ثقيل الملامح، وأن يبدي بعض القسوة النقدية المطلوبة لأنك لا تستطيع أن تتساهلَ مع أي أديب وتختلق له الأعذار خصوصًا إذا كان قد تجاوز مرحلة البدايات، وعليه أن يستقبل القراءات النقدية بروح رياضية مرحة.
لا أدري إذا كان هناك نقد مكتوب بدوافع “فئوية وجهوية وفكرية” فأنا نفسي تخلّصتُ حتى من انتمائي القومي، أما الفئة والطائفة والعِرق وغيرها من التوصيفات فهي لا تحتل في نفسي أي مكانة. وعلى الرغم من أنني عربي بالولادة لكنّ ما كتبته عن الكورد والتركمان والإيزيديين والفيليين يفوق ما كتبته عن الأدب العراقي أو العربي حتى ظنّني البعض أنني كوردي أو تركماني! مع أنني كوردي الهوى، وتركماني الزوجة، وإنسانيّ التوجّه والنزعات. أستغرب وجود نقاد فئويين أو جهويين أو عِرقيين، وإن تواجدوا فأقرأ على نقودهم السلام لأنهم سيكتبون مقالاتهم بعين حولاء في أقل تقدير.
أعتمِد، يا صديقي، على ذائقتي الأدبية التي درّبتها بالقراءة والمتابعة والمِران وهي البوصلة التي لا تُخطئ الاتجاه وتقود صاحبها إلى الهدف المنشود. أما النقّاد الفئويون فستقودهم بوصلاتهم الصدئة العاطلة إلى فئاتهم، وتستثير فيهم أحقادًا دفينة قد تأكل الأخضر واليابس في آنٍ معًا. في أوروبا والغرب عمومًا يعلّمون الإنسان أن يتخلص من “أناه” ويخاطب الآخرين بصيغة الجمع “نحن” التي تشير إلى التواضع، وتحرّض الإنسان، شيئًا فشيئًا، للقضاء على جرثومة التعالي ولعنة الغرور.
◙ شهدت الساحة النقدية مجموعة من الاتجاهات والمناهج ولكل منهج إطار علمي يسترشد به الناقد في محاكمة النص و تأويله ما المنهج النقدي الذي تسترشد به في مقارباتك النقدية؟
– أنا أعتقد، وبتواضع شديد، أنّ النصّ المنقود، سواء أكان قصة أم قصيدة أم رواية، هو الذي يُحدّد طبيعة المنهج النقدي الذي نتوسلهُ في دراساتنا وأبحاثنا النقدية. ومعطيات النص هي التي تأخذكَ للمنهج الواقعي أو النفسي أو التاريخي أو البنيوي أو الحداثي أو المابعد حداثي. المشكلة أن السرد يتطور بشكل محموم ولابد للأدوات والمناهج النقدية أن تتطور أيضًا، وفي بعض الأحيان يجب أن تتقدم على النصوص الإبداعية الجديدة. أنا، قدرَ تعلّق الأمر بي، أركِّز على بعض المُعطيات الأساسية التي ترصد المبنى والمعنى في آنٍ واحد. وألتفت إلى الروايات التي تُحدِث قطيعة مع السردية الروائية الماضية مثل رواية “يوليسيس” لجيمس جويس، و “الصخب والعنف” لوليم فوكنر، و “الأمواج” لفرجينيا وولف وما سواها من الآثار الأدبية التي استقرت في المخيّلة الجمعية للقرّاء الدؤوبين. فعندما يُمسك الناقد بالثيمة الرئيسة عليه أن يلتفت إلى أصدائها في ثنايا الرواية، فهي أشبه بالخيط الذي تنتظم فيه خَرَزات المسبحة. هذا التزاوج بين رصد الشكل والمضمون هو الذي يجعل الناقد ممسكًا بأطراف النص. وعلى الناقد أحيانًا، مع فارق التشبيه، أن يكون مثل لاعب السيرك الماهر الذي يُمسك العصا من منتصفها، ويظل مُحافِظًا على توازنه وهو يعبر المسافة الخطرة بين ناطحتي سحاب بينما يتسمّر الجمهور على الأرض مبهورًا، متقطِّع الأنفاس.
أركِّز في دراساتي النقدية على الميتاسرد ولديّ كتاب لم يُنجز بعد في هذا الخصوص أوضّح فيه أهمية ما وراء السرد والتعالقات النصية التي يعقِدها الروائي مع أنساقه السردية ضمن وحدات مدروسة بعناية فائقة كما فعل شاكر نوري في روايتيه الأخيرتين “خاتون بغداد” و “طائر القشلة”. ولكي لا أطيل في الإجابة أركّز أيضًا على اللغة السردية وضرورة توهجها الدائم، كما أمنح فسحة لدراسة الشخصيات التي تتحرك على مسرح الأحداث من دون أن أغفل الزمان والمكان ودورهما المهم في بنية النص المعماري لأي عمل أدبي.
◙ لجأ المؤرخون الذين تعرضوا للقرن التاسع عشر إلى روايات تشارلز ديكنز كمرجعٍ هام من مراجع التأريخ الإنجليزي، وفي فرنسا أصبحت قصص بلزاك وثيقة مهـمة لمن يريد أن يدرس فرنسا في القرن التاسع عشر، لقد شهد العراق بعد ٢٠٠٣ حراكا ثقافيًا وتراكمًا غزيرًا في الإنتاج السردي، إلى أي حد كان هذا الإنتاج أمينًا في نقله وثمينًا للمؤرخين، وهل بلغ من الأهمية كمرجع تاريخي سيلجأ له المؤرخون؟
– ثمة فرق كبير بين الرواية والتاريخ، فالرواية يجب أن ترصد ما أهمله المؤرخون. وإذا كان التاريخ يوثِّق للوقائع والأحداث فإن الرواية ينبغي أن تلامس وجدان الأمة، وتحرّك مشاعر الجماهير، وتستفز أشواقهم اللاعجة. ويبدو أنك سهّلت عليّ المَهمة عندما أوردتَ هذين المثالين الرائعين، فلقد درستُ بعض روايات تشارلز ديكنز حين كنتُ طالبًا بكلية الآداب، جامعة بغداد 1978 – 1982 واستشعرتُ مثل طلبة آخرين أن هذا الروائي البريطاني ما هو إلاّ رجل قد استعار من الكاميرا عدستها السينمائية التي تستطيع أن تلمّ بلقطاتها البعيدة والقريبة مساحات شاسعة من أحياء لندن القديمة بحيث تبدو بالنتيجة وكأنه يوثّق لكل شيء ولكنه كان يهدف لشيء آخر هو رصد مشاعر الناس، وملامسة عواطفهم الداخلية، ورسم معاناتهم المُوجعة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنه كان يكتب عن الفقراء والمعوزين والأيتام بأسلوب تهكمي لاذع يقترب كثيرًا من السخرية السوداء كما هو الحال في روايات “أوليفر تويست”، و “قصة مدينتين” و “أوقات عصيبة”. أما بلزاك فهو الآخر نقلَ إلى القرّاء روحيّة الشعب الفرنسي في عصره، ورسم الأمكنة بما تنطوي عليها من أحداث واقعية. وكلما ملَّ من الواقع جنحَ صوب الفلسفة والخيال والشاعرية. كان بلزاك مدمنَ أدب فلا غرابة أن يكون غزير الإنتاج متنوعهُ تُوحي كتاباته بالتوثيق لكنها تحلّق أبعدَ من ذلك بكثير لأنها لا تستهدف الواقع بحد ذاته وإنما تتوق لملامسة الحلم.
لا يمكن مقارنة العراق ببلدَين متطوِّرين جدًا مثل المملكة المتحدة وفرنسا لأن هذه المقارنة ستكون ظالمة وغير متوازنة، لكنني سآخذ بطرف سؤالك عن التراكم الكمّي والنوعي الذي بدأ منذ عام 2003 ولحد الآن حيث أنجز الروائيون العراقيون في الداخل وفي المنافي العالمية أكثر من 1000 رواية نفترض أن 700 منها ناجحة فنيًا بحسب المراجعات النقدية الكثيرة، ولعلي أكون واحدًا من بين ثلاثين ناقدًا يقومون بهذا الفعل التقييمي بشكل منتظم ولا أجد حرجًا في القول بأننا بتنّا نؤسس لهذه المرجعية التاريخية التي قد يلجأ إليها الباحثون والمؤرخون سواء من جهة استثمار الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية أو رصد الأمكنة وتوظيفها في النصوص السردية والدليل على ذلك أن مُدنًا مثل جلولاء والسعدية وخانقين صارت تشتمل على أسماء روائية معروفة في المشهد السردي العراقي، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى الفرنسيين والإنكَليز الذين لا تفلت منهم شاردة أو واردة.
◙ في إشكالية الخطاب النقدي بين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة الثقافية هناك من يؤشر إلى أن هناك فجوة بينهما، ما مدى انعكاس اتساع هذه الفجوة أو تضيّيقها على الحركة النقدية، وماذا تقترح لتضيّيق هذه الفجوة؟
– لابدّ من الاعتراف بالفجوة بين الخطاب النقدي الذي يُنجزه نقّاد المؤسسة الأكاديمية وبين الخطاب النقدي الذي ينجزه نقّاد المؤسسة الثقافية. وعلى الرغم من رصانة النوع الأول إلاّ أن القارئ يجد صعوبة في قراءته، واستساغة طروحاته النقدية التي تميل إلى الاعتماد على المصادر والمراجع التي تجعل من الدراسة الأكاديمية وكأنها عملٌ جماعي تضيع فيه فردية الناقد وخصوصيته. أما المقال النقدي الذي يكتبه الناقد أو الأديب الذي ينتمي إلى الوسط الثقافي فسوف تجده سلسًا، ونابضًا بالحياة لأنه ينطوي على حُفنة من الآراء والأفكار النقدية التي تعود لكاتب المقالة ومُبدعها من دون الاستعانة بآراء الآخرين. وهناك نمط ثالث يمكن أن نضعهم في منتصف المسافة بين الأكاديميين والذين ينتمون إلى الوسط الثقافي مثل الدكتور محسن جاسم الموسوي، والدكتور عبدالله إبراهيم، والدكتور صالح هويدي، والدكتور سلمان كاصد، وفاضل ثامر، وسعيد الغانمي وغيرهم من أساتذة الجامعات. وفي الوسط الثقافي هناك العديد من الأدباء الذين يكتبون هذا النمط السلس والمقروء من المقالات الأدبية التي لا تتعالى على القارئ، ولا تلوذ بالنظريات النقدية الحديثة والمعقدة ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى كتابات فاضل العزاوي، وعبدالرحمن مجيد الربيعي، ومحمد خضيّر، وسامي مهدي، وياسين النصير، ووارد بدر السالم، وإبراهيم أحمد، ونجم والي وعشرات الأسماء الأخرى التي يزخر بها الوسط الثقافي العراقي.
أنا أعتقد، أنه من الصعوبة بمكان، ردم هذه الهوّة تمامًا ولكن ذلك لا يمنع من “تجسّيرها” برفد الطرفين، والإطلالة بين أوانٍ وآخر، بمقالة تعزّز هذه المنطقة الوسطى التي يرتادها الطرفان كلما شعر أحدهم بالحنين إلى هذه المنطقة الليّنة التي تخلو من وعورة الطرق، ووحشتها. فهذه المنطقة أشبه بالحديقة الغنّاء التي تفصل بين الأحراش المتهالكة والغابة اللفّاء.
◙ في جدلية الأصالة والمعاصرة هناك من يقول إن النقد العربي فقدَ أصالته وأصبح نقدًا شكليًا وانساق مع التيارات البنيوية والشكلية أو الشكلانية في الثقافة العالمية المعاصرة، إلى أي مدى تتفق مع هذا القول؟ وأين يقف عدنان حسين من دعوات موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه؟
– تقترن الأصالة بعدد من النقّاد العرب أمثال ابن سلاّم الجمحي، والجاحظ، وقَدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن قتيبة، وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم وهؤلاء جميعًا إضافة إلى نقّاد آخرين كانوا بمستوى الشعراء العرب الذين عاصروهم، وحلّلوا قصائدهم، وهذا الأمر ينطبق على الشعر الجاهلي الذي سبقهم بحقبة زمنية معينة كان فيها الشعر والأدب يحتلان منزلة كبيرة لدى خاصة الناس وعامتهم. والمتتبع لتلك الحقب يكتشف أن الأدب العربي كان في ذروة تألقه حيث انتقل شيئًا فشيئًا من أدب البادية إلى أدب القرية والمدينة حتى ظهر شعراء مدن بامتياز مثل أبي نواس ومن درجَ على منواله في العصر العباسي الذي تألق على مدى خمسة قرون أو يزيد.
وبما أنّ الحياة متطورة بطبيعتها ولا تستقر عند حال معيّنة فإن الأجناس الأدبية والنقدية تتطور وتغادر أنماطها القديمة. فليس من المستغرب يا صديقي أن يتطوّر النقد ويغادر طرقه ووسائله القديمة التي لا تتماشى مع النصوص الحديثة، ولا تستطيع أن تسبر أغوارها. وعلى الرغم من ازدهار الأدب في العصر العباسي إلاّ أنّ بغداد، حاضرة الدنيا آنذاك قد سقطت على أيدي المغول ودخلت في سبات عميق لم تفِق منه إلا بانهيار الدولة العثمانية ومجيء الاستعمار الحديث الذي أعاد إيقاع الحياة إلى طبيعته الأولى وبدأت الثقافة تنتعش من جديد مع ظهور الأدب المُترجَم عن لغات أوروبية حيّة كالإنكَليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والإيطالية، إضافة إلى لغات شرقية كالتركية والكردية والفارسية والهندية التي بعثت في القارئ العربي دماءً جديدة، وكانت حصة النقد كبيرة ومن بينها هذه التيارات والمدارس النقدية التي أشرتَ إليها في متن سؤالك. فهذه المدارس لا غنى عنها، ومن غير المعقول أن ترى أمامك تياراتٍ نقديةً عظيمة وتغضُّ عنها الطرف، فالثقافات تُشبه إلى حدٍ كبير الأواني المُستطرقة التي تغذّي بعضها بعضًا ويستوي عند سطحها الماء.
هناك شعور بأنّ الثقافة الأوروبية أو الغربية عمومًا هي ثقافة مركز، وبقية العالم هي ثقافات أطراف، وهذا ما كنا نلتمسه كمثقفين عربًا وإسلاميين لكن دورة الحضارة لابد أن تمرّ بعد الولادة والشباب والنضج بمرحلتيّ الشيخوخة والموت.
لقد لجأ النقاد العرب إلى استعمال الأساليب النقدية الغربية ولا أجد ضيرًا في ذلك فمثلما هم أفادوا من أساليبنا النقدية والفكرية والعلمية على مدى خمسة قرون نستفيد منهم الآن. أنا، على الصعيد الشخصي، أمارس النقد مستفيدًا من معرفتي المهجّنة التي لا تنتمي كليةً إلى العالم العربي، وإنما هي خليط معرفي متجانس من ثقافات ومنابع متعددة لا تفرّق بين الجهات الأربع. أطمئنكَ، يا صديقي، بأن النقد الأدبي لن يموت، وأنّ النقد الثقافي هو صنّوه الموازي الذي يحمل نكهة مختلفة قد تجذب البعض وتنفِّر البعض الآخر.
◙ أغلب الكتّاب حذرين من كتابة ما يزعج توجُّه الجهات المانحة للجوائز، إلى أي قدر قولبت الجوائز النصوص الأدبية خاصة الروائية منها؟ وما مدى مشاركتها في دفع فن الرواية العربية نحو التطور والتجديد؟
– هناك مجموعة من الجوائز العربية التي لا تتجاوز عدد أصابع اليدين أبرزها الجائزة العالمية للرواية العربية “بُوكَر”، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة كتارا للرواية العربية، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة الطيب صالح، وجائزة الملتقى الثقافي للقصة القصيرة العربية في الكويت، إضافة إلى جوائز عربية أخرى هنا وهناك. أنا شخصيًا أكتب عن بعض الروايات الفائزة بجائزة البُوكر العربية إن لم أقل أغلبها بموضوعية لا تخلو من قسوة نقدية كما يتصورها البعض، وأعرف العديد من الزملاء الذين كتبوا عن الروايات الفائزة بطريقة جارحة لا أحبِّذها أنا. وفي حالات نادرة فازت الروايات التي تستحق الفوز بينما ذهبت الجوائز في دورات لاحقة إلى آخرين لا يستحقونها من وجهة نظرنا. ومع ذلك أنا أقول إن لجنة التحكيم لها الحق في أن تسند الجائزة الأولى لمن تريد شرط أن تتحمل، في خاتمة المطاف، المسؤولية التاريخية والأخلاقية في حال إبعاد مواهب حقيقية لا غُبار على تجربتها الروائية الفذّة.
من أبرز إيجابيات هذه الجوائز، وخاصة الخليجية منها، أنها شجعت على كتابة الرواية، بل أن عدد الروايات التي تصل إلى أي مسابقة خليجية تتراوح بين 150 إلى 200 رواية أو أكثر، وهذا يعني أن روائيي العالم العربي صاروا ينجزون قرابة 500 رواية ومجموعة قصصية بهدف المشاركة في هذه الجوائز المُعزّزة بمبالغ مادية كبيرة تصل إلى ستين ألف دولار أمريكي وهو مبلغ كبير في العديد من بلدان العالم العربي. كما أنّ هذا الكمّ الكبير قد أفرز فعلاً روايات عربية جيدة وصل بعضها إلى البوكر البريطانية وتنافس على الجائزة الأولى مثل رواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي، بينما فازت الروائية العُمانية جوخة الحارثي عن روايتها المعنونة “سيدات القمر” وهذا اعتراف صريح بموهبة الروائيين العرب وقدرتهم على منافسة الشعوب الأخرى. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أتمنى أن تكون هناك جائزة بُوكَر كوردية على غرار شقيقاتها العربية والروسية والإفريقية كي نكتشف بعض المواهب الكوردية المخبأة في المدن والأقاليم الكوردستانية المترامية الأطراف.
◙ خصائص وسمات الصحافة الإلكترونية ألزمت الصحف المطبوعة مواكبة هذا التطور التكنولوجي وأن تنشئ لنفسها مواقع إلكترونية تخاطب بها جمهور الإنترنت الذي يتزايد بصورة مذهلة عالميًا، من خلال متابعتي لمتطلبات محاورتك رصدت لك ( 1070 ) مادة صحفية منشورة في الحوار المتمدن، وقد بلغ عدد زوار موقعك ( 3801861 )، كيف تنظر إلى ظاهرة الصحافة الإلكترونية الحديثة وتقيمها؟ ولماذا خصصتَ الحوار المتمدن بالنشر الإلكتروني؟
– أنا أُعدّ الصحافة الإليكترونية نعمة هبطت من السماء لأنها أصبحت منصة للحرية، ورئة يتنفس من خلالها الجميع. قد تنطوي هذه الصحافة على العديد من السلبيات لكن إيجابياتها أكثر بكثير مما نتوقعه، إذ أصبح بإمكان الكاتب أن ينشر ما يشاء من دون وصاية أو رقيب.
حين وصلت إلى هولندا عام 1996 اقتنيت من فوري جهاز كومبيوتر وأتقنت استعماله بمساعدة بعض الأصدقاء المقرّبين، وصرتُ أكتب مقالاتي على الشاشة مباشرة، وأرسلها بواسطة البريد الإليكتروني إلى الصحف والمجلات وبعض المواقع التي وجدت طريقها إلى هذا الفضاء الأزرق، وكان “الحوار المتمدن” هو الفضاء الأول الذي أغراني فواظبتُ على مراسلتهم بعد أن لمست ترحيبًا حارًا من المنسِّق العام للموقع السيد رزكار رشيد عقراوي الذي يقيم في الدنمارك، وكنتُ في حينه مُراسلاً لصحيفة “الزمان” في أمستردام، وقد دأبت على إعادة نشر مقالاتي الكثيرة في هذا الموقع الذي أصبح خِزانة أمينة أحفظ بها غالبية ما أكتبه من مقالات وتغطيات ودراسات. كما أنّ الموقع يساري، وديمقراطي، ينادي بحقوق المرأة، والطفل، والإنسان بشكل عام. وبالفعل ازدادت نسبة القرّاء وأخذت تتضاعف يومًا بعد يوم حتى قاربت الأربعة ملايين وهو رقم كبير حقًا، بعضهم يحبّ لغتي، وبعضهم يحب مقارباتي النقدية، وآخرين يفضِّلون الموضوعات التي أتناولها بشيء من الجرأة، أعني المقالات السياسية التي كنت أكتبها في أكثر من صحيفة ورقيّة أتهجمُ فيها على السياسيين العراقيين الذين حملوا راية اللصوصية ونهبوا حاضرنا ومستقبلنا، وتركونا عُراة في الحرّ والقرّ.
ونظرًا لعلاقاتي الاجتماعية الواسعة نسبيًا بالثقافة والمثقفين تعرّفت إلى أشخاص عديدين يديرون مثل هذه المواقع الإليكترونية فصرتً أنشر بعض المقالات في صحيفة “المثقف” الإليكترونية في سدني، والناقد العراقي في بغداد وهكذا دواليك توسعت دوائر النشر حتى أصبحتْ أكثر من حاجتي الفعلية. لديّ كم كبير من المقالات في صحف “الزمان” و “الشرق الأوسط” و “القدس العربي” و “الحياة” و “العرب” و “المدى” وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل “الجزيرة الوثائقية” التي أنشر فيها مقالاتي السينمائية بشكل منتظم، وأتقاضى عنها أجورًا مُجزية تؤمِّن لنا بعض الهواجس اليومية المُلحّة.
◙ تكتنف مسارات تجربتك الحياتية في جميع أبعادها الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية وقائعَ وأحداثاً وصراعاتٍ عديدةً، يدور في خلدي سؤال وددت أن أعرف إجابته منك لمَ لا يوظف عدنان حسين ما يملك من الحرفنة السردية والمهارة اللغوية والبلاغة الأسلوبية، في تصوير هذه التجربة بقالب روائي؟
– شكرًا جزيلاً على هذا الإطراء الكبير الذي يعزّز الثقة بالنفس، ويدفعها لخوض مغامرات عديدة قادمة. وهذا السؤال المنطقي يطرحه عليّ العشرات من الأصدقاء والقرّاء الذين يتابعون ما أكتب ويتمنون لو أنني أشرع فعلاً بكتابة الرواية خصوصًا وأنا أعرَف بدروبها ودهاليزها السريّة والعلنية كتابة ونقدًا وتنظيرًا. وأعدكَ مثلما وعدت الكثيرين بأنني سأعود إلى السرد ثانية وأكتب ما أراه مناسبًا لهذه الحقبة الزمنية العسيرة التي يكاد فيها الإنسان يفقد أي أمل في هذه الحياة العصيبة المشحونة بالخوف والقلق والترقّب.
الرواية هي حلمي الكبير ولعل هذا التأخر في كتابتها سيكون واعزًا لأن أقدّم شيئًا لم يطرقهُ أحد من قبل على الصعيد المحلي خاصة وأن حياتنا سواء في العراق أو في المملكة المتحدة محتشدة بالكثير من الموضوعات الإشكالية التي تصلح لأن تكون مادة خصبة ومثيرة للرواية، هذا الجنس الأدبي الذي أصبح ديوان الأمم برمتها.
لقد تأخرت كثيرًا ولا أريد أن أختلق الأعذار للظروف الحياتية التي جعلتني أكرّس حياتي للصحافة والنقد بأنواعه المختلفة وأعرِض عن هذا العالم المكتظ بالحُب والدُعابة والفلسفة والجمال. وفي الختام دعني أشكرك من القلب لأنك جعلتني أبوح بكل هذا الكلام الذي كان مُخبئًا في تضاعيف القلب، وتلافيف الدماغ.

الأديب المحاور صفاء الصالحي

النتاجات الأدبية:
*في القصة القصيرة:
1- جولة في مملكة السيدة هاء 1996- دار أزمنة
2- أقواس المتاهة 1998- دار أزمنة
3- كوابيس منتصف الليل (بالإنجليزية)
* في الترجمة إلى العربية:
1- ترجم (دبلنيون) للكاتب جيمس جويس ونشرها في صحف ومجلات عراقية.
2- ترجم (هدية المجوس) للكاتب أو. هنري ونشرها في عدة صحف ومجلات عراقية.

* في النقد التشكيلي:
1- أطياف التعبيرية: غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية. سيصدر له لاحقاً كتاب (تشكيليات عراقيات في المنفى)2005- مؤسسة أقواس
سيصدر له لاحقاً في التشكيل:
1- تشكيليات عراقيات في المنفى.
* في النقد الروائي:
1- الرواية العراقية المُغترِبة الصادر عن المركز الثقافي العراقي في لندن ودار الحكمة عام 2014.
2- أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق (1963- 2003) دراسة نقدية تطبيقية 2014- دار الحكمة لندن.
* في النقد السينمائي:
1-الفيلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية 2114- دار الحكمة لندن
سيصدر له في السينما:
2- السينما التركية المستقلة
3-الذاكرة المرئية العراقية (استفتاء لأكثر من ثلاثين مخرجاً وناقداً سينمائياً عراقياً).
* منهمك في كتابة رواية (الرحيل تحت جنح الظلام) منذ سنوات طويلة.
*نشر مئات المقالات في النقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي ويحاول جمعها وتبويبها بَغية إصدارها في كتب تخصصية. هناك أكثر من 1000 مقالة في موقع الحوار المتمدن وهي منشورة سلفًا في صحف عربية مثل الحياة والشرق الأوسط، والقدس العربي، والعرب اللندنية، والمدى العراقية.

* الجوائز:
1- الجائزة الثانية في القصة القصيرة عن قصة “كوة الخلاص” عام 1993.
2- الجائزة الثانية عن أدب الاستذكارات من اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عن ثلاثية ” الأخيذ، الديماس، وأسير حرب” عام 1995.
3- الجائزة الأولى في القصة القصيرة من مؤسسة الهجرة في أمستردام عن قصة “خرقة سوداء” عام 1998.
4- الجائزة الأولى في القصة القصيرة في لندن عن قصة “كوابيس منتصف الليل” عام 2009 عن مؤسسة الكُتّاب المنفيين.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هناء الصاحب : الروائي السعودي آل زايد: التراث الجزائري، قارب ملاحم الأساطير، والأمير عبد القادر، هو البطل الحقيقيّ الذي يجب أن نصدره لأبنائنا .

حوار: د. هناء الصاحب   -لدينا عدائيّة مفرطة تجاه الآخر، والسّوداويّة تغرق منتدياتنا الثقافيّة. -في …

| آمنة وناس : حوار مع الشاعر اللبناني روبير البيطار .

السلام عليكم وعليكم السلام ركبنا معه الأعماق، و رحنا نبحث عن أطواق الغرق، يقودنا حبره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *