هايل علي المذابي: السيرة الذاتية لضجيج الشوارع والبلبلة!!

إذا أنعمت عليك السماء بإدراك شيء
ولو كان نزرا يسيرا
من لغات الحياة
أصبت في حينها قدرا عظيما
من العلم والمعرفة
لغات الحياة ليست هي الإنكليزية
أو الفرنسية
أو العربية أو العبرية
أو الألمانية أو الإسبانية أو البرتغالية
أو غيرها من لغات الحروف
ولكن لغات الحياة
لغات البصيرة والقلب والأفئدة
مثلا…
لغة الضجيج
ولغة الصخب
ولغة التفاهات من حولنا
حين تسيح ظلال الضجيج
خارج حدود المساحة
للصوت والضوء والأمكنة
تصبح لغة صاخبة
أو عندما تتكئ ظلال القمر
وضوء القناديل الذابلة
على أرائك ما حولنا
فتصبح في ظلمة الليل
في شكل كائن
يحاول أن يهمس في الذهن بشيء
مثل القصيدة
أو اللوحة الفنية
أو الأغنية
ولا ينبغي لأحد سواك إدراك ذاك التجلي
للكائنات التي تأتي إلى كوكب الأرض
من عالم المعنى الذي نجهله..

ستعرف قدر الهدوء من ضجيج البراميل
وتدرك قيمة الصمت
وقدر السكينة
وقدر الطمأنينة التي غيّبتها الدوشة الفانية..

حتى جنون الطبيعة
مع كل ريح
تُكوِّن فصلاً من سيرة الأرض
أو قصة لمغامرات القش
فوق ضفاف السهول
وفوق الطريق وفي شعاب الأودية.
منذ الصباح تدب الحياة
في عروق الشوارع
فتسمع فيها ضجيجا عجيبا
ومع تعلم لغة الضجيج
ستفهم ماذا يقول الضجيج.
سيحكي لك في الصباح
كيف تكونت الحياة هنا أو هناك
وعن أول ساكن في المنطقة
قبل خمسين عام
أو قبل مائتين عام
وفي الظهر سيروي لك قصة الثائرين
الذين علقوا في المشانق
بعد أن دبروا للأمام المكيدة
لكنهم لم ينجحوا
وفي الثورة الثانية
في نفس هذا السياق من الضجة العارمة
ستفهم أن بنوهم قد استوطنوا في هذه المنطقة
ومازال فيهم إلى الآن من يحلمون
بتجديد تلك البطولات
حتى ولو أن النهاية التي تنتظرهم هي الموت
شنقا
بذات السلالة من حبال المشانق
وذات السلالة من خشب المقصلة.
ستخبرك البحة الشاحبة
في أذان المؤذن
عن سيرة لم تراها
وعن عيشةٍ ضانكة.
تفهم فقط
لا تسء ظنك بهذا الضجيج
أو بالدوشة الصاخبة.
تعلم كيف تصغي
لما قد تقول لك الأشياء
لا تنزعج ولا تنجرح
مهما بدت مزعجة جارحة..
لإن السمو فوق التألم
يعطيك معنى الحياة
وما تحمل الأرض في تفاصيل الحياة عليها
من سيرة نائمة
ستفهم من نسبة الشحن
في الهاتف الخلوي
ماذا يريد النظام من الكادحين
وكم عدد العوانس في المنطقة.
وماذا تبقى من الوقت
ليعلن فصل الشتاء أو الصيف إن يبتدأ أو ينتهي
وتعرف أيضا ماذا تبقى من طاقة الكون
وكم نسبة الماء في باطن الأرض
وفي معظم الوقت إن كانت البطارية فارغة
ستفهم أنك تحتاج للنوم
ونسيان أفعال هذا العالم الصاخبة
للتجدد في الحلم بالطاقة المظلمة.
سيكفيك قبل دخول المدن
أن تستمع إلى صوت أول شارع
ليعطيك خبرا مفيدا
عن تفاصيل ما يعتريها
من شؤون السياسة والاقتصاد
والحالة الاجتماعية
وحتى شؤون النساء
وعادات أهل المدينة في التعامل معهن
يمكن للضجة الصاخبة ذاتها أن تخبرك
دون احتياج لتسأل مرشد السياح
أو أي سمسار
أو صاحب كشك في الناصية.
وفي الأغنيات الصاخبات
التي لا تكترث للمعاني كثيرا
ستخبرك الضجة الصاخبة
أن والد ذاك المؤدي
عاش في الظلمة الحالكة
وان ابنه قد تربى يتيما
في كنف والدة
بالكاد تكفيه حاجة الأكل والشرب والمدرسة.
وبعد حياة الغبن والبؤس
ستخبرك الضجة الصاخبة
كيف استطاع المؤدي
ان يحقق أمجاده
والسلطة التي يمتلكها
انتزاعا من البؤس
وليس كما يفهمون انها لقمة سائغة.
وفي معرض الفن
وأنت تشاهد مزيجا
مضرجا باللون من اللوحات
أو بتلك المناظر من الصور الفوتغرافية
ستفهم بالملكة التي تمتلكها
في الفهم والمعرفة
أن المصور تجشم أعظم مشاق الحياة
ليحظى بفرصة تعلق فيها بتلك المعارض لوحاته
وتفهم أيضا
أن الجنون كان ثمنا بسيطا في حياة المصور
قبل بلوغ المنال في الفن والسريالية
ولوحاته تحكي مراحل ما وراء الجنون
و ما وراء المعاني
وما وراء الريادة من جنون
وما لم تراه العيون
من رؤية الغيب
أو وطأة السحر في العالم الأدنى.
من يريد تعلم كل اللغات
سيذهب إلى حيث أعماق روحه
أو يعتكف في شعاب التأمل
والصمت
للكينونة الشاملة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : حينَ فاضَ الفُرات*.

  لِمَ يا فُراتَ الخيرِ تجري غاضِبًا؟ مهلًا ولا تغضبْ، فإنّا حائرونْ. موجاتُكَ الهَوْجاءُ  تُرْهِبُنا، …

| بدل رفو : من ادب المهجر – رسالة عتاب الى جدي.

امطرني الناي الحاناً ، يتردد صداها بين جبال الكورد.. آمالاً لعمر جمراته متوقدة .. ناي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.