الشاعر سعد جاسم: الاقامة في اللغة بيتي وعالمي وفضائي الشعري
كتابة/ أحمد فاضل (ملف/42)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراق

{ هروب وغربة }
لطالما شكلت الغربة للشاعر مجالاً رحباً للكتابة ، وأصبحت أغلب ما كتبه شعراء ” المهجر ” من أعمال تستحق تماماً مكانتها في تاريخ الشعر الحديث ، وعندما نتناول شاعر عراقي بحجم سعد جاسم الذي اختار صقيع كندا مكاناً ومستقراً له ، لا بد أن نتعرف أولاً عن السبب الذي دعاه لهذه الهجرة والتغرب الذي كتب عنهما ، أحببنا أن تكون شهادة للتاريخ يرجع إليها دارسو الشاعر دون أن نضيف إليها أي تعليق :
” الشاعر سعد جاسم : حكاية هروب بدعوة مزوّرة ” ، واللجوء الى بلاد البحيرات والغابات والثلوج والثقافات المُتعددة .
لقد قامَ الشاعر سعد جاسم بالهجرة أو بالاحرى الهروب من العراق بتاريخ :1997-8-8؛ بدعوة مزوّرة من احدى المؤسسات الثقافية ،
وقد قام بتصميم وختم الدعوة له صديق شاعر واعلامي عراقي معروف ، وتحت ذريعة المشاركة في مهرجان شعري عربي يُقام في احدى العواصم العربية .
وكانت عملية هجرته وخروجه من بلاده مغامرة خطرة كادتْ أَن تُكلفه حياته ، ولكنه لم يكترث لأَنه كان مشاكساً شعرياً ومحتجاً بطريقة وبأخرى على جرائم وحروب النظام الصدامي الفاشي، ولهذا فقد حذّره اكثر من مسؤول اعلامي وثقافي ، ونصحه مجموعة من الاصدقاء والصديقات بالهجرة والهروب في اقرب وقت وفرصة ممكنة ، كي يتخلّص من مضايقات رجال الأمن والمسؤولين الحزبيين وذوي البدلات الزيتونية الذين قاموا بالتعرّض له بطرائق تهديدية واستفزازية ومرعبة ، وكذلك فقد جرى إستجوابه ومساءلته على مضامين قصائده الشعرية التي تنطوي على نزعة هجائية وتهكّمية إزاء حماقات رأس النظام الديكتاتوري المقبور والسخرية من ازلام نظامه ذوي الشخصيات الكاركتيرية والكارتونية المضحكة والقاسية في آن واحد ، وقد كانت محطته الاولى هي العاصمة الاردنية عمّان … وقد عملَ فيها لعدّة سنوات مُحرراً اقتصادياً في جريدة ( الاسواق ) الاردنية … ومن ثم قام بتأسيس ملحق ثقافي للأطفال هو ملحق ( قوس قزح ) صدر عن ( الاسواق ) وقد عملَ مُشرفاً على ذلك الملحق ، وفي عمّان وبسبب نشره لمجموعة من القصائد والمقالات المضادة للنظام القمعي الصدامي فقد تعرّض الى مضايقات وتهديدات وإساءات من ازلام أمن النظام ورجال مخابراته ووكلائهم ومخبريهم المرتزقة والمأجورين والقتلة ؛ وكان من بينهم مَنْ يدّعونَ جزافاً بأنهم ادباء وكتّاب … ولكنهم في الحقيقة كانوا من الادوات المُجندة لخدمة النظام الوحشي والمكرّسين للعمل المخابراتي وكتابة التقارير الرهيبة عن المثقفين العراقيين المتواجديـن -آنذاك – في الاردن … ويمكن الاشارة الى ان ” اسمه ” قد تمَّ نشره في اكثر من قائمة سوداء ومنها ” قائمة الخونة والمرتدين ” التي قام بنشرها المقبور عدي صدام حسين في جريدة ” الزوراء ” البغدادية الصادرة آنذاك . ونتيجة لتلك المضايقات والتهديدات والقوائم السود فقد قام بطلب اللجوء السياسي عن طريق المفوضية السامية للامم المتحدة فرع الاردن .. ولهذا جرى توطينه هو وعائلته في كندا:
بلاد الثلوج والبحيرات والغابات والثقافات المُتعددة ” .

{ حوارات قبل الشعر }
من محاسن الصدف أن نلتقي الشاعر في بغداد وهو يزورها بعد سنوات من الغربة التي كانت أثقل عليه من الجبال الراسيات ، استغرقت أكثر من 23 سنة ، كنا أنا والناقد ناظم ناصر القريشي الذي استضافه في بيته طيلة مدة إقامته تلك ، نتوق أن نجلس إليه نحاوره ، فابتدأت بسؤاله :
– في ديوانكم ” أنتِ تشبهينني تماماً ” ، هناك أغلبية شعرية تمثلت بما يطلق عليها ب ” الومضة ” ، فهل هي الاختيار للشاعر في زمن تتسارع فيه القصائد لتكون سهلة الكتابة ، مع علمنا بصعوبتها نظراً لما تحمله من التفرد والخصوصية ، التركيب ، الوحدة العضوية ، والإيحاء وعدم المباشرة وتنفرد بالاقتصاد في الايقاع والصورة واللغة والفكرة .
– أنا أرى أن الومضة الشعرية هي خلاصة للراهن الشعري الآن ، وتكمن أهميتها في اقتناص اللحظة السرية والخفية ، وكذلك التقاط التفاصيل الصغيرة في الحياة والأقانيم الأخرى كالحب والموت والمهمل والمهمش ، ومما يميز الومضة أيضاً تكثيفها اللغوي ، وأرى أن الشاعر الحقيقي هو الوحيد القادر على اطلاقها أو اختطاف شعلة الشعر ، هذا هو ما اشتغلت أنا عليه في كتابي الشعري ” أنت تشبهينني تماماً ” ، حيث حاولت اقتناص الكثير مما هو مسكوت عنه ، وما هو إيروتيكي ، وما هو ساحر ومدهش ” .
هنا انبرى الناقد القريشي يسأله :
– دائماً مانجد الشاعر سعد جاسم يبتكر مفرداته وكأنه يصوغ أو يشكل لوحة تشكيلية جميلة ، ويمنح الكلمات شحنة دلالية شعرية وإيمائية ويحررها من معانيها المعتادة ، إلى أين تؤدي مغامرتك في اللغة ؟
– استطيع القول أنني ومنذ بدء كتابتي للشعر ، واشتغالي في العملية الشعرية قررت الاقامة في اللغة واعتبرتها بيتي وعالمي وفضائي الشعري ، ولذلك رحت أؤوثث هذا البيت وهذا الفضاء بكل ما هو مكتنز وثر ، من كلمات ومفردات وغالباً ما أسعى إلى نفخ الروح فيها وأعمل على ابتكار ونحت كلمات جديدة في نصي الشعري ، وكذلك اشتغل على تقطير لغتي لتكون لغة شعرية باذخة وأنيقة ، وأرى أن اللغة أنثى مكتنزة ومشاكسة وعنيدة ومتوحشة كغابة ، لا يمكن أن يروضها ويجتاحها إلا شاعر حقيقي .

{ شعره }
لعدة عقود تزيد على الثلاثين سنة ، تروي قصائد سعد جاسم قصة الإبداع الشعري والتجريب المستمر في الشكل والتعبير ، إنها صورة ملهمة ودقيقة لشاعر أحب الحياة والحب والوطن، فمنحهم صوتاً لأوقاته المضطربة ، حتى استقراره في وطنه الجديد ، فمن خلال
نصوصه المميزة استطعنا تعقب اختراعه لقصيدة تنطق بالحداثة ، فهو ومنذ بداياته الأولى : ” فضاءات طفل الكلام ” 1990 ” ، حتى مجموعته المتأخرة : ” أنتِ تشبهينني تماماً ” 2015 ” ، غابة هايكو ” وهو يتطور صعوداً في بناء قصيدة حديثة ، وإعادة تصورها في ضوء المواقف والتقنيات اللاحقة لها ، فهو هنا في قصيدة ” نساء … نساء … نساء ” ، التي كتبها بطريقة الهايكو محاولاً اتقانه لحدود وتحولات الجسد ، حين يقول :
قلبُها رغيفٌ أَبيض
جسدُها أَرضٌ رافدينية
العاشقةُ العراقية
***
شفتاها كرزتان قرمزيتان
صوتُها حبقٌ وياسمين
العاشقة الشامية
***
ومسلطاً الضوء على مواقفه الجمالية ، إن تطور سعد جاسم كشاعر
يرتبط ارتباطاً وثيقاً لنا بحياته ونضاله وعواطفه يوضح هنا كيف حافظ على اهتمام يقظ لإيجاد لغة له ،
لغة جامعة لنساء يعشن في كل بلاد العرب:
قامتُها أرزةٌ عالية
عيناها بحرانِ مُلوّنانْ
العاشقة اللبنانية

يتوسع هنا خط الشاعر المكون من ثلاث نغمات ، والذي يتم تفسيره بسخاء دائماً ، ويخلق تكافؤاً إيقاعياً مع ما يطلق عليه الشاعر هايكو عراقي ، وفي انتقالة أخرى جاذبة لتطور قصيدة النثر لديه نتوقف عند نصه ” الضاحك في موته ” ، والذي أرى فيه تطوراً لأسلوب شعري أكثر حرية وأخف وزناً وأكثر عامية ومرحاً مشوباً بالحزن ، بناءً على فلسفة فرضتها تمثلات مجموعة من الأشكال والأنواع – الخيال والدراما والتصوير – :
النائمُ في قبرهِ
أَيقظتْهُ أرملتُهُ
بالصراخِ والعويل
وقالتْ لهُ :
أَنا أَكرهُكَ
لأَنكَ تخونني
مع الحوريات
فضحكَ وضحكَ
حتى غصَّ من الضحكِ
ثم عادَ ثانيةً
الى موتهِ السعيد
تاركاً تلكَ الأرملة
تصرخُ وتعْولُ
أمامَ شاهدة خرساء
في مقبرة باردة
لايسكنُها غيرُ الحفّارينَ
والهاربينَ والمفخخينَ
والموتى الذينَ لم يسْلموا
من الشكوكِ
والشتائمِ الموجعة .

هذا الألم الموجع الذي لم يسلم منه الأموات ، فكيف بالأحياء ، إنها قصيدة الفواجع التي ظلت تلاحقنا حتى قبورنا ، أبياتها 5 – 6 – 7 إلى نهايات البيت السابع عشر والأخيرات منها ، مقلقة ، كما لو أن الشاعر أصر على تسجيل مشهد مسرحي من فصل واحد من الاضطراب الإنساني ، على الرغم من أن الخط يصبح أكثر ثباتاً وقياساً مرة أخرى ، فإن الصورة السائدة الأخيرة تكون مثيرة ، إنه يركز على ما خلقته ” عاصفة واقعية الدماء المستباحة ” ، إنها قصيدة يصعب تفسيرها ، ومن المفيد أن نتذكر أن الشاعر هنا قد يفكر في المقام الأول في لوحة شاهدها من قبل فبنى عليها أحداث قصيدته لتأثره بها ،
وقد يكون من السهل أن تقود تلك المشاهد لتخيل مأساة
الموت الذي بات يعشعش بيننا لا محالة.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *