سعد جاسم: ” الليالي العراقية” لدنيا ميخائيل.. الشعر بوصفهِ شيطنة طفولية (ملف/41)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن الشاعر العراقي المبدع “سعد جاسم” المجبول إنسانا وشعرا من طين فرات الديوانية السومري العراقي الحرّ.. كائن من شعر وموسيقى حمل هموم وطنه في المنافي وجسّد واكتوى بقيامته عبر الكلمة الملتهبة الصادقة الخلاقة. تدعو أسرة الموقع أحباءها القرّاء والكتّاب إلى إغناء الملف بما يتوفر لديهم من مقالات وصور ووثائق. وعلى عادة الموقع سوف يكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية لأن الإبداع الحقيقي لا يحدّه زمن. تحية للشاعر المبدع “سعد جاسم” .
أسرة موقع الناقد العراقي

كلّما قرأتُ نصاً شعرياً للشاعرة العراقية ” دنيا ميخائيل ” اشعر أنني أَعيش في عالم طفولي مكتنز بالبراءة والدهشة والفنتازيا ؛ حيث ان دنيا تنظر الى العالم بعيني طفلة حالمة وذكية ولمّاحة وعلى شيء من المشاكسة والشيطنة الطفولية المحببة.
والشاعرة دنيا حرصت على بناء عالمها الشعري والارتقاء به رغم كل ماعاشته من معاناة ومتاعب وخسارات لا لشيء الا لأنها عراقية وشاعرة وطفلة لاتريد ان تكبر ابداً .
ولاأُخفي انني احرص دائماً على قراءة شعر دنيا ميخائيل هي وعدد من شاعرات وشعراء مااصطلح عليه بـ ” جيل الثمانينيات” الشعري الذي أٌعتبر انا واحداً من شعرائه الذين احترقت اصابعهم بنيران الحروب العبثية وعانوا من قسوة وضراوة الحصارات السود .
وقبل فترة قصيرة قد تهيأت لي فرصة قراءة عمل شعري اعتقد انه آخر اصدارات الشاعرة دنيا ؛ وقد عنونته ” الليالي العراقية ” . وكان قد صدر عن داري “ميزوبوتاميا” العراقية و”افكار السورية”.
وفي ” لياليها العراقية” وجدت ان دنيا ميخائيل ومنذ النص الاول لكتابها الشعري هذا ؛ قد اشتغلت على نص رافديني محتشد بتفاصيل ومفردات وعلامات توحي وتحيل وتتجلى فيه البلاد باشراقات رموزها وشخوصها الرافدينيين بدءاً من تموز مروراً بعشتار وكائنات العالم السفلي .
ومن اللافت للانتباه ان دنيا في ديوانها هذا قد قامت بالاشتغال على نص يجمع بين ماهو شعري وسردي وتشكيلي ؛ حيث انها قامت برسم نصوصها بالكلمات والتخطيطات التي ” خربشتها ” بطريقة وروح طفوليتين تنطويان على قدرة ومهارة فنتازية متأتية من دهشة الطفولة وعبثها اللذيذ .
كما في هذه الومضة :
( قلبي صغير جداً
لذلك يمتلأ بسرعة )
وكذلك فقد رسمت دنياً اشكالاً تصويرية جسّدت فيها رؤيتها بعين رسامة تضيف طاقة للكلمات من خلال الخطوط والاشارات ودلالالتها وايحاءاتها المؤثرة كما في المقطع التالي :
” في الصباح الاول
من السنة الجديدة
سننطر كلنا
الى شمس واحدة ”
إنَّ المتأمل في شعر دنيا ميخائيل يستطيع اكتشاف ان هذه الشاعرة تسعى لأن تكون لها خصوصيتها الشعرية في تدوين رباعية : الذات – العالم-الطفولة – البلاد الام … ولدنيا مخيالها الرؤيوي الذي تختلف فيه عن الكثيرات والكثيرين من الشاعرات والشعراء ؛ حيث ان نصها الشعري ينحو للانطلاق الى افق اكثر صفاءً واتساعاً وعذوبة . وهي دائماً تحلم بالرحيل والعيش في ” كوكب آخر” كما تقول في نصها الذي يحمل ذات العنوان :
(عندي بطاقة خاصة
للذهاب الى كوكب آخر
خلف هذه الارض
عالم مريح
لا حر هناك
ولا برد
ولا دخان كثير )
ومن اللافت ايضاً في شعرية دنيا ؛ انها تمتلك عالمها الخاص الذي ينطوي على روح مرحة تواجه بها العالم بحالات من السخرية السوداء من كل شيء يخصها ويحيط بها وتعيش اوضاعه واحواله العجائبية ؛ حيث انها تقول في “خيار” :
( تفضّلين كيساً ورقياً ام بلاستيكياً
احتارُ في الاجابة
كنتُ اتمنى لو اعطيتُ الخيار
في امور اكثر اهمية
قبل سنوات طويلة
عندما كنتُ في بلد
لايُبالي كثيراً بخياراتنا
ولا بنوع الاكياس )
وعندما نوغل عميقاً في نصوص دنيا ميخائيل ’ نستطيع ان نلاحط مدى قدرتها على اقتناص مافي عالمنا من تفاصيل وعوالم واقعية-سحرية . وكذلك فهي تلتقط بعض الحالات التي هي مزيج من سرياليات حياتنا وحياتها التي اشرنا الى طبيعتها الطفولية الساخرة . حيث نقرأ في نصها المهم ” لارسا” الذي افتتحته بالمقطع السريالي التالي :
( كأنَّ آخر بيضة
في العالم
ستسقط مني
على الارض
هكذا اتحركُ
وأنا احملك بداخلي )
ان الشاعرة دنيا ميخائيل في ” لياليها العراقية” قد استطاعت ان تقدّم لنا شعراً حقيقياً محتشداً بالدهشة والمتعة العاليتين .

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *