د.قيس كاظم الجنابي: محاورة مع كتاب (المقارنية العربية، الاتجاهات والتطبيق)

-1-
مسبقاً أود أن أنوه للقارئ الكريم، بأن ما أكتبه بصدد كتاب (المقارنية العربية، الاتجاهات والتطبيق) للزميل الدكتور هادي رزاق الخزرجي، هو مقالة أدبية، فقد نشأت المقالة الأدبية بصفة محاورات ،أو محاولات؛ وهذه المرة نتناول بها كتاباً هو بالأصل أطروحة دكتوراه نوقشت بجامعة الكوفة، قبل نحو عام، فالكتاب مازال طازجاً، وفيه أول ما يواجه القارئ هو المقدمة، ثم التمهيد، المعني أساساً، بتحديد مفهوم (المقارنية العربية)؛ والكاتب يصر على (المقارنية) وليس الأدب المقارن العربي ،أو النقد المقارن، وبداية أقول أنّ الأدب المقارن هو غير النقد المقارن، لأن النقد عملية بحثية، وليس عملية ابداعية بحتة، لاعتقاده بأن ” جوهر الأدب المقارن هو غير النقد المقارن يختص بالتحليل الأدبي تاريخياً أو نقدياً / جمالياً أو اجتماعياً”[ ص16/ جامعة الكوفة، بيروت 2019م].
الأدب المقارن مختلف تماماً عن النقد المقارن، لأن الأدب المقارن قد يشير الى المادة الخام التي يكون فيها تشابه بين آداب الشعوب المختلفة؛ بينما النقد المقارن تحليل نقدي بين أدبين أو أكثر بغض النظر عن التفصيلات المنهجية الدقيقة، وهذا ما يؤكد أن النقد الثقافي ليس بديلاً عن النقد المقارن، وان كان الكاتب يرى بأن (المقارنية العربية) بصيغة المصدر الصناعي هي المصطلح الأفضل، والحقيقة أن اجتراح هذا المصطلح على وفق المصدر الصناعي من الفعل (قارن)، هو نوع من المحاكاة لمفهوم الشعرية والسردية والبنيوية والتناصية، التي جرى عليها النقد الحديث، والأمر يحتاج الى دليل أقوى من الدليل الذي طرحه الكاتب؛ بحيث بدت كلمة (المقارنية) هشة؛ بينما طرح النقد العربي القديم مصطلح (الموازنة) بين الشاعرين من القومية الواحدة أو اللغة الواحدة، مما يدعونا لعد النقد المقارن أكثر قبولاً.
-2-
تناول الكتاب في فصله الأول اتجاهات النقد المقارن، وجعله على أربعة اتجاهات، كان أولها الاتجاه الاسلامي، وهو لي لعنق الأدب ليستجيب الى موضوع مقارنة الأديان، وما ساقه من تبريرات تبدو غير مقنعة، حتى وهو يستند الى كتاب الدكتور الطاهر أحمد مكي (مقدمة في الأدب الاسلامي المقارن)،لأن أساس المقارنة هي بين أدبين مختلفين لغوياً، وليس دينياً، وهو زج للأديان في حقل ملغوم بالصراعات لا مبرر لها.
أما الاتجاه الثاني، فهو العالمي، وهذا الاتجاه هو جزء من توجهات الأدب المقارن ، أو النقد المقارن، وبالتالي هو لي تياراً منفصلاً، وان كان يوصف بالمحايد، ولكن كلمة محايد لا تعني عدم الميل تماماً، الى جهة ما، لأن الحياد هو موضوع افتراضي ومضمر؛ مما يجعل الاتجاه الأخير( الاتجاه القومي) هو الأساس في النقد المقارن، وهنا يبدو موقف الباحث غير واضح بسبب النزعة التبريرية التي يرى بأنه لا يريدها أن تكون ذريعة للتعصب القومي؛ مع العلم أن مقارنة الآداب العالمية فيما بينها هي ليست عنصرية بقدر ما هي انفتاح على الآخر، بكل أشكاله، لأن مقارنة الأدب العربي مع الأدب الأمريكي مثلاً، لا تعني بأن الأدب الأمريكي يمتلك العمق القومي والعصبية القومية ،وإنما هو أدب له خصوصيته التي تخفي في داخلها رفضه للنزعة الإنكلوسكسونية، وهذا ما يجعل الأدب المقارن منهجاً عالمياً، يخرج من الاطار القومي الضيق الى نطاق أكثر سعة، ولكن مع الأسف يبدو الأدب المقارن نخبوياً ورواده قلة، وغالبيتهم لا يحسن أكثر من لغتين، وهذا ما دفع الباحث لأن يحصر موضوعه في فضاء محدد على وفق رؤيته، وهذا من حقه لو لم يكن الكتاب اطروحة دكتوراه، تتكون من تمهيد وفصلين فقط؛ وهذا ما يقلل من أهمية الاطار المنهجي الذي كتبت به مما جعل الفصل الثاني من السعة بمكان، من حيث تعدد المدارس والتوجهات بحيث كان سبباً للتشتت.
لقد جعل الكاتب ترتيب الاتجاهات التي عرضها بشكل غير مقنع، من الاسلامي ثم العالمي ثم القومي ثم المحايد، والهدف من ذلك التقليل من الاتجاه القومي ورفع مستوى الاتجاه الاسلامي، من غير وجه حق ، في وقت يحتاج فيه هذا الفصل الى بيان المقصود بالاتجاهات نظرية وتطبيقاً، وكان بإمكانه أن يجعل هذا الفصل مبحثاً في فصل آخر.
يعد الأدب المقارن هو الاتجاه العالمي لدراسة الآداب القومية ومقارنتها وبيان أوجه التقارب فيما بينها، وقد كان الأهداف الاستعمارية وراء كتابة الكثير من الرحلات والمشاهدات، كما فعل (جوته)و(مورافيا).
ثم ينتقل بعد ذلك الى المدرسة السلافية ،التي يرى بأنها تنتمي الى الفكر الماركسي، فيقول:” وظهر في هذا المجال المقارن المجري جورج لوكاتش صاحب نظرية البنيوية التكوينية”.[ص91] والحقيقة ليس لوكاتش هو رائد النظرية التكوينية، وإنما غولدمان(ت1970م)، وقد طرحت آراء هذه النظرية في مجموعة بحوث مترجمة ومؤلفة ضمن كتاب( البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) صدر عن مؤسسة الأبحاث العربية (بيروت،1984م).
ثم ينتقل الى (مقارنات النقد الثقافي )،و(مدرسة النقد الثقافي)، والحقيقة أن الكاتب حضّر رسالته للماجستير فيه ،حول الرواية الممنوعة، هو ليس نقداً مقارناً، وإنما هو نقد ينفتح على اتجاه خاص، هو فتح آفاق النقد الأدبي لاستيعاب ما هو غير أدبي في ظل نسق معروف يستحضر فيه ما هو غير أدبي؛ واذا كان ثمة من يجعل النقد الثقافي ضمن توجهات النقد المقارن أو الأدب المقارن، فهذا تجوز غير منطقي.
وانتقل بعد ذلك الى (دراسات الصورة الأدبية) وكان الأجدى أن يكون العنوان ( الصورة الأدبية المقارنة)، مع العلم أن موضوع الصورة هو عربي قديم جرت دراسته بالاستعانة بالنقد الحديث، كما فعل عدد من الباحثين العرب مثل جابر عصفور وعبدالاله الصائغ وعلي البطل وأحمد مطلوب .. وغيرهم. وهنا يربك الباحث القارئ حين يجمع بين الصورة الأدبية وصورة الآخر، وهو منطلق اجتماعي خالص وليس منطلقاً نقدياً، وقد عمل عليه الباحث البحريني نادر كاظم، في كتابه(تمثيلات الآخر، صورة السود في المتخيل العربي الوسيط ) صدر عن وزارة الإعلام بالبحرين- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- دار الفارس( عمّان ،2004م). وهو كتاب يتناول صورة السود في التراث العربي ، وما هو جغرافي وعنصري وديني.
-3-
لقد تركز الفصل الثاني حول مدارس النقد المقارن المختلفة، فبدأ مع المدرسة الفرنسية ،والتي يرى بأنه ” بدأت الجهود العربية المقاربية تطبيقية فرنسية جاهزة، ثم حصل التشتت والتنوع مع ظهور بوادر مقارنية عربية ذات هوية بارزة لكنها متعثرة في الخصوصية المنهجية”.[ص79] ولعل من أوائل مؤثرات المدرسة الفرنسية ،الحملة الفرنسية على مصر سنة 1789م، والرحلات الاستكشافية التالية لها ووصول عدد من المطابع ،وارسال البعثات الدراسية اليها ،ورحلة الاستشفاء التي قام والي مصر العثماني محمد علي باشا ورحلة ابنه أيضاً، والباحث حول هذه المدرسة يتساءل:” ونحن في صدد مناقشة نهضة مقارنية عربية خاصة – أن نستغرب من الميل الشديد لمنهج لا يكون بالضرورة معبراً عن طبيعة سياقنا الثقافي وتطلعاتنا الراهنة، إذ لم يعد صحيحاً أن نستمر في التفاخر أمام العالم الأدبي عبر تطبيقات منهج المدرسة الفرنسية بإثبات هذا التأثير أو ذاك، فلقد أمسى مسلطاً اتباعياً مستهلكاً، ولم يعد يلبي شروط النهضة العربية القومية التي تحتاج الى التوازن في المسار التاريخي”.[ص84]. ثم ينتقل نحو المدرسة الأمريكية ، ليركز جهده حول وجود ” التأثير والتأثر، أو التشابه والاختلاف المحضين ، فهي تنتج أدباً عربياً تواصلياً مع العالم”.[ص88].
-4-
ثم انتقل الى (دراسات التلقي) وموضوع التلقي له علاقة بالتواصل بين القارئ ومنتج النص، وليس له علاقة واضحة بالأدب المقارن، وان كان من الممكن مقارنة الموقف من القارئ بين الأدب العربي والآداب العالمية الأخرى، وقد بدت النصوص التي اعتمدها الكاتب حول انضمام هذا الموضوع تحت باب المقارنية العربية غير مقنعة تماماً، لكن موضوع الترجمة يلج في هذا الموضوع لأنه معني بالترجمة والمقارنة والتواصل بين الآداب المختلفة، وهي فعلاً كما وصفها أداة أساسية للاتصال الثقافي، والأداة في تحقيق المقارنة بين الآداب، ولكنه يرى بأنّ” الترجمة ودراسات الترجمة ستبقى محكومة بخصوصية المنهج اللغوي ،وهو الذي ينحاز قدر الامكان الى أمانة النقل وعرض النسق الثقافي المحمول في ذلك الابداع”.[ص106] يلي ذلك موضوع (دراسات ما بعد الاستعمار)أو ما يعرف بـ( ما بعد الكولونيالية)، مشيراً الى ما طرحه ادوار سعيد في كتابه (الاستشراق) والذي يحيلنا فيه الى المدرسة الأمريكية، وهو موضوع خاص بعلاقة الشرق والغرب فقط، ولي بالأدب المقارن ،وله صلة حميمة بالفضاء المكاني والدراسات التاريخية الحديثة، او الجغرافية السياسية ، أو الجغرافية التاريخية، حيث يلتقي التاريخ بالأدب من خلال عنصر السرد، وهذا ليس مقارنة وإنما هو نوع من التراسل بين فنين متجاورين؛ لهذا صار يرى بأن” نضج المقارنية العربية يعتد في جانب منه على وضوح التوجه فكرياً ومنهجياً، والحال أن المخاض العربي السياسي والديني والاجتماعي معقد جداً؛ وهذا يقتضي الحذر من استيراد مناهج التحليل المقارني المستجدة التي ستضيف تعقيداً فكرياً ومصطلحياً الى الميدان العربي”.[ص112] واستكمالاً لهذا الموضوع من الباحث رأى أن يلمّ بما تبقى من جهود ومقاربات مقارنية عربية، تحت عنوان( محاولات أخرى للتجديد في مناهج المقارنة)، عكف على متابعة موضوع التناص ،وهو ليس من ضمن الأدب المقارن أو النقد المقارن، وإنما من موضوعات التنافذ بين كتابات المبدعين وكان يسمى لدى العرب بـ(السرقات الأدبية)،ومنه انطلق الباحث الى النقد الثقافي المقارن، أو ما يسمى بـ( التناص أو التلاص)،وهنا يفتح الباحث الأدب المقارن على أجناس وأنواع ليست مقارنية ،مما أربك البحث وأخرجه عن اطاره المنهجي.
-5-
وآخر المطاف كان مع (منهج المقارنية العربية)حيث تيح للباحث وضع أبرز مهام المقارنية العربية في خلاصة على وفق ما يراه ، وهي:
1- العناية بالأدب العربي العام، عبر رؤية الأدب العام، مما يقتضي وجود طرف أدبي عربي بين أحد الطرفين أو أكثر في مجال المقارنة والتحليل.
2- مقارنة الأدب حصراً، ويريد بها مقارنة الجنس الأدبي بما يوازيه في الآداب الأخرى ،ولكن هذا الأمر لم يتضح في المقدمات التي طرحها منذ البداية حتى النهاية.
3- اعتماد مصطلحي الموازنة والمقارنة، وان كانت الموازنة ليست لها علاقة متينة بالمقارنة مع الآداب القومية الأخرى، وفي هذا الموضوع لم يعد الى كتاب (الموازنة)،وإنما عاد الى مواقع الكترونية والكتاب متوفر ومعروف.
4- التركيز بالتحليل على مبدإ التقارب ، بعيداً عن التعصب القومي، وهذا نوع من التحيز الواضح، فهل المقارنة هي إثارة للتعصب ، أو أنها ذريعة مبيتة؟
5- أهمية مبدإ الدراسة التراكمية ، من دون أن يشرح لنا المقصود بالتراكمية، فهل التراكم المعرفي، هو تراكم الدراسات في الأدب المقارن؟ وهل يعني بها التراكم الحضاري أو المعرفي ؟ لقد ترك الباب مفتوحاً من دون إيضاح.
6- حاول التوسع نحو الآداب الشرقية، عامة، ومثل هذا الموضوع لا يمكن أن يفرضه الناقد المقارن، وإنما نوعية الأدب ونوعية الموضوع، فثمة آداب مغلقة ،وقوميات مغلقة ،ولها رؤى دينية وعرقية تمنع الباحث أو تعرقل عمله، وهنا يبرز التناقض بين عدم العصب القومي والتعصب للشرق.
7- الاعتماد على الترجمة، وهو أمر مفروغ منه ،ولكن يفترض بالباحث المقارن أن يمتلك أكثر من لغة، حتى يستطيع الاطلاع على الهفوات وتشخيصها.
وفي الختام ، تمنيت عليه أن يقسم الفصل الثاني الى فصلين: واحد مباشر ،والثاني غير مباشر، مع الأخذ بنظر الاعتبار توازن حجم كل منهما مع الفصل الأول.. وشكرا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

| سامية البحري : في الرد على صرخة وليد الزبيدي الشاعر العراقي وقد أعلنها مدوية ..شعرت بالقهر …قهر القهر .. .

وقد أعلنها مدوية ..شعرت بالقهر …قهر القهر .. وتمنيت _لأول مرة _أن أحمل السلاح في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *