حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (18)

التقاط الدر ….. من واحة الشعر
قراءة نقدية موجزة لديوان ما تبقى من سؤال اليوم للشاعر هشام القيسي

نزار السلامي

الشعر عملية حياتية ، تخضع لثيمية مرتبطة ارتباطا وثيقا بتجربة الشاعر ، او هو ارهاصة من ارهاصات تتمخض عن ثورة في الذات يفجرها الشاعر كلمات على الورق ، وليس تزويقا لفظيا او وصف لاشياء لا قيمة لها ، تأتي بعبارات مجانية ، ترصف فيها كلمات متتابعة ، وانما هو توهج انساني ، يضيء القلب والسمع والروح.وهذه التجربة تكون فردية ، ولكل شاعر قوانينه وعوالمه ومشروعاته ورسائله ، وقد ابدع في هذا المجال العديد من الشعراء الكبار ، وسطروا في قصائدهم احلى واجمل الموضوعات الشعرية ، وكان زميلنا الشاعر هشام القيسي واحدا منهم.والقيسي عرفته شاعرا منذ امد بعيد ، وصديقا منذ عدة اعوام ، فأما من حيث كونه شاعرا ، فهو واحد من اهم شعراء كركوك المعاصرين الذين يحسبون على الجيل السبعيني من القرن المنصرم ، ومن اكثرهم زهدا بالاضواء ، صادق في همه الشعري ، ومخلصا لصفاء تجربته الثرة الغنية التي انجبت ما انجبته من دواوين ، هذه التجربة التي بنيت على ارهاصات حياتية ، عبر عنها بقصائد تميزت بموسيقى منسابة بحرفية عالية ، ولغة صافية ومفردات موحية معجونة بالالم والحياة على وفق براعة غير عادية وقدرة هائلة ورهافة في اقتناص الصور والمعاني الدقيقة ليلامس بها وجدان المتلقي بكل شفافية ، لما تحمله من صدق وحزن وشوق ولوعة ووله وعذاب ، فقد كانت لقصائده القدرة على اجتذابنا واغوائنا الى ملاحقتها حتى النهاية بفضول كبير لا يمكن انكاره ، وهذا هو العمل المبدع.ففي كل قصيدة كتبها ، نجد اعتصاره لذاكرته ، وتحليقه في الافق المنشود، والامل المعقود ، عبر حضور في الزمن واللغة ، تصهره حرارة الخلق والابتكار تحت ركام من جليد الزمن الذي يذوب بفعلها الوجدان، فيتألق نجمه ، ويتخطى الغيوم ، وينمو الامل ويترعرع ، مستمسكا بعروة الشعر الراقي الوثقى، لا يبتعد عنها طوعا او كرها ، ويقف في شرفة مطلة على طرقاته الفسيحة التي ترفض المعنى التجزيئي للفكر .اما عن كونه انسانا فقد عرفته قوي الارادة ، مهاب الجانب ، شغوف بالعلم والتعلم، ذو طبع رائق و ذوق صافي وقلب لين ونفس مهذبة ، ذو سجايا راقية ، وسيرة حسنة محفوفة بالخلق والتواضع والمحبة والوفاء ، يلاقي من يلاقيه بوجه مشرق وكلام طيب وترحاب لائق.
وقد صدر له مؤخرا ديوانا جديدا حمل اسم ( ما تبقى من سؤال اليوم) جمعت قصائده موضوعات خلاصتها تكمن في الحزن والشوق والوفاء ، تتجلى فيها الرقة والعذوبة والشاعرية التي ترتقي احيانا لمصاف الرومانسية الحالمة ، والخيال الواسع ، والهدوء والبساطة الناعمة.
ففي قصيدة ( اتحدث هذه الساعة) نجد الاسلوب الغرائبي في تزاوج الواقع والخيال من خلال تفسير الواقع عبر هاجس شعري يبدو كأحد المنطلقات الاساسية في النص !
( تبدأ الان زحمة الاعشاب
وبي كل شيء من ارض متمردة
مع رؤيا ،
ووحدة لا تعترض على نفسها ،
أتحدث هذه الساعة عن بحر
لا يلد سوى جمره
وعن يوم عصي السر
وخيال مفتون يرحل) .
وفي قصيدة ( اشتعال) نجد الشاعر يجد في البحث عن اساليب ادبية جديدة ليحيلها الى اداة كاشفة عن هوية رافضة لكل حالة شاذة تحاول الاساءة الى الانسان وتحطيم معنوياته.( تشهد القيامة
انه السائر دوما
في سلاسل من الشقاء،
كل الأوراق على ضفاف الوجع
تعيد لي أحلاما ممزقة ،
وهذه طفلة تأتي لك بالامل ،
تتوهج
وتشتعل ،
تعالى الصوت الرحب
والزمن الأخير ،
تعالى النداء
والعاشق الثمل) .
وفي قصيدة ( الحكاية) نرى شاعرنا يرحل بالمتلقي الى موانئ تحمل صفات عشق خاص يمتزج بين الواقع والخيال ، يبدد فيها الذهول والافول ، ويمحو تجاعيد الزمن والانسحاق ، ويفتح الافاق ، وينزع السم المذاب من انياب الواقع الزائف ، ليحملنا الى جبهة الشمس ، لنتطهر ، ويدخل بنا الى عالم جديد حيث الحنين والشوق العارم، والتفاؤل بالغد المشرق الوضاء ، وانقشاع الغيوم وتلاشيها.
( اسأل اليوم واقف
فالذي يعشق اليوم
ينحني لطائر يمتلك شدوا جميلا
وموقدا يفجره عطش
يكتب في تسابيح الغيم ،
الآن في قلب السنين
تخطو الصباحات
لتقول الكلمات
وتفتح صرخة على الخبايا
وعلى زمن الصحارى ،
إني رأيت دموعا
تعيد
الى العلو شذاه ،
وامرأة تغني على طرف الارض ،
كم من سر ملفوف
يمتد في الذكريات
ويطوف ،
كم من سر في سحب تغرق
وسحب تختبئ في سناه) .
وفي قصيدة ( ورقة) يفتح لديه هاجس اعادة الذكريات ، فالانسان عندما يبتعد عن مكان ما يستدل عليه بوعيه الباطن القادر على استذكار الدائرة التي كانت تحيط به ليصفها بدقة مقتربا منها ، لا ليقف فقط ليذكر نفسه ، وانما ليقف طوع نفسه ، ويذكر الاخرين بقسوة الزمن وضياع الانسان ، وتخبطه في دروب لا يجد فيها غير الالم .
( كما هي الغربة
انزف من احداقي
وفي الدرب الى الله
وفي الوطن
وفي كل الممالك
ارحل مع نجمة الفجر
لأفتش عن اللحظة السر ،
قد يحتضن الصبح الرحيل
أو قد يوقظ بقايا طعنات
غادرها الجسد المنهك ،
اعرف إن لي أياما تأويني
وأنا اصدق أنني فيها،
أغمض عيني لكي ابصر الكثير
من قصائد غير مكتوبة
أو أتدثر لكي أسير دوما كالوجع المتدفق) .
*******
كانت الأيام كدم القلب ، في عروقها تمر جراحات فرضتها ، مواسم ملهوفة ، واليوم أضحت الأيام كسكاكين صدى الروح تبحث عن جسد تهاجر فيه أبدا ) .وتكاد صفة الوفاء التي عرف بها القيسي تأخذ حيزا واسعا في هذا الديوان من خلال استذكاره لعدد من شعراء كركوك الكبار الخالدين كـ ( فاضل العزاوي و مؤيد الراوي وعبد اللطيف بندر اوغلو ، وزملائه الذين أحبهم وأحبوه كالاستاذ ناصر خلف وكاتب هذه السطور ، يستذكرهم عبر كلمات تنم عن خلق رفيع ينبع من القلب ، فيها الصدى والمدى ، وسيل من الحنان ، ورعشة من الصدق.( ها أنت يا فاضل ، توقد كل أحلام السكوت ، وتفعم الحضور بكل هدير الروح ، يعلم الله، إذا صاح الشعر ، تصير النوافذ واسطة للتجلي ، بل تهب أشواقها لزهو الغناء ، عمت صباحا أيها الجليل، عمت مساءا أيها الفضيل ، انك أنت وزنت الأيام بما جنت ، أفعالها ، وانك وحدك أبيت أن ترى المشاهد إلا صرخات من الوعي ، والسفر الجاد في كنهه وحرائقه، يا ابن كركوك سلام عليك) .
ويخاطب الشاعر مؤيد الراوي قائلا:
( يا سيد العشاق
بكيت طويلا
ومضيت
والأحزان ورائي
ترفعني في اقاصي جوع
مكث في مفردة اوراقها
ألف لام ميم ،
أنوء فيها دون وشم
يا سيد العشاق
إن الأزهار تثق بأحلامها
وهي تعطر كل ليل يمنح وردة
تبعث خطواتها في جسد من حكمة
وفي طفولة بكر لا تنقسم ).

ويخاطب الشاعر عبد اللطيف بندر اوغلو قائلا:

( يا بندر اوغلو ، ان هذه الاوراق اللآلئ الأعماق ترش الضوء على مواسم التجلي ، وتصير في انتظار الطفولة كل الاحلام رغبات سعيدة ، تتشابك مع طوفان الروح في نيران المحبة … يا بندر اوغلو اعرف جميع السحب في هذا الزمن الضيق ، واعلم ان ابواب الوجع تدمع قارورة العشق) .
*****
تنام الان اذن ، لكن هذا الجرح ، مكانا يتسع لبقية الذكريات يا عبد اللطيف سلاما ) .
ويخاطب الاستاذ ناصر خلف قائلا:
( يا ناصر
أنت حاورت الطواف
وفي بعض حكمة العالم
ركبت غربة الروح ساعة القطاف
أيها السائح ،
الهارع في مركبات المحبة
إن الصفاء مساحة عذراء
وعلى ناصيتها
نحمل جراح كربلاء
وأسرار أزمنة مهرولة
تزهو بالافق
وبالبهجة ) .

ويخاطب كاتب هذه السطور قائلا :

( يا نزار السلامي
موجعة لهفتي من حيث تكون النجوم معلقة أتثبت من عنواني ، وانصت للجرح ، حلول الروح ومن حيث اذكر دفء النخلة ، والشعراء المحترفين ، تستيقظ في حلمي ، فرصة اخرى حتى ارتعش).

( ويا نزار
كل النواقيس
تدق في أقبية المساء
وهذا القلب يشهد بالمحبة ،
وما أزل في سرير الطفولة
أطوف أسماء المحلة،
وأرقب الربيع) .
إن حب الأصحاب لدى الشاعر ، لا سيما القريبين منه ، ولدت عنده فطرة تأملية امتزجت بروح حالمة متدفقة بعاطفة واقعية تقف امام تحديات المكان والزمان ، انها حالة اكتسبت من طيبة الشاعر التي ما انفكت تستذكر الذي احبته وشغفت به حد العشق الجنوني.
( الصحبة هادرة ماردة
تتلألأ عبر الأمكنة
هي تعرف صوت الخطى ،
والخضرة الشاسعة
وهي تعرف المحلات
والممرات
في المدينة المتعبة ،
إنها الآن وجه الشمس
تمشي في شراييني ،
تقف في خضم الزمان ).
وفي الليل الذي يرافق الشاعر في دروب السهر التي لا ترحم ، تشرق كلماته كالشمس ، وتسلط الضوء على كل نظرة حائرة ، وابتسامة مغتصبة من موانئ الاحلام لتبدد الغيوم وتزرع الامل.
( هناك في قامة الليل
يعرف صوتي بعض البكاء
ولا يريد ان لا يكون )
*****
( ها انا اسكن بين الروح
وبين الانتظار
أقف الآن
ولا أخشى النعاس
فمن وميض السطور
تجيء شمس الناس) .
*****
( تقول خلف العيون
إن هبط الليل
ستسقط الأوراق الجوفاء
وتحتضن أحلامها هذه العاشقة) .

( في الأيام العتمة لا تنتظر
لكن تدفن في دوامة الليل
وجها متعبا
ونجمة من أحلام) .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *