علي كرزازي: القدس: ذاكرة الجرح الوضيء (4/القسم الأخير)

سار الشعراء على نهج الروائيين في رصد “الثنائيات الضدية” التي تنتظم جبهة الصراع بين حضارتين وثقافتين وإيديولوجيتين تقفان على طرفي نقيض، بين اليهود المغتصبين بتاريخهم وإيديولوجيتهم المزيفة، وبين الفلسطينيين الأصلاء أصحاب الحق والأرض والتاريخ؛ وها هو الشاعر تميم البرغوثي يكشف حقيقة هذا المحتل الطارئ الذي جاء ليحكم قبضته على القدس غصبا، يقول:
“في القدس توراة وكهل جاء من منهاتن العليا / في القدس شرطي من الأحباش يغلق شارعا للسوق /رشاش على مستوطن لم يبلغ العشرين / قبعة تحيى حائط المبكى / في القدس متراس من الاسمنت / في القدس دب الجند منتعلين فوق الغيم”.
أما محمود درويش فقد نأى بالقدس عن التوظيف السياسي الرخيص ولم يرتض لها أن تكون مشجبا يعلق عليه العرب إخفاقاتهم، ولكنها في البدء والمنتهى هي الوطن/ وطن الشاعر، يقول في قصيدته: “سرحان يشرب القهوة في الكفتيريا”:
“وما القدس والمدن الضائعة / سوى ناقة تمتطيها البداوة / إلى السلطة الجائعة / وما القدس والمدن الضائعة / سوى منبر للخطابة/ ومستودع للكآبة / وما القدس إلا زجاجة خمر وصندوق تبغ /… /ولكنها وطني/ من الصعب أن تعزلوا/ عصير الفواكه عن كريات دمي… / ولكنها وطني”
تعددت وتنوعت صور القدس في شعر محمود درويش باعتباره أبرز رواد شعر المقاومة الفلسطينية، ففي قصيدته “تحت الشبابيك العتيقة” تصبح القدس غريبة عن الشاعر، فهي لا تتعرف عليه، وهذه الجفوة وهذا الهجر مردهما إلى ما اقترفه الاحتلال الإسرائيلي في حق الفلسطينيين من إجبار على هجر أرضهم وترك ممتلكاتهم، مما تولد عنه غربة مكانية مست العلاقة الحميمية التي كانت تجمع بين الإنسان ومدينته/ مكانه الأصلي، يقول درويش:
واقف تحت الشبابيك على الشارع
واقف، درجات السلم المهجور لا تعرف خطوي
لا ولا الشباك عارف
غير أن هذه “الغربة” ستكون بداية ومحفزا للثورة والتمرد في سبيل تحقيق الحرية والإنعتاق، وهنا يتوسل الشاعر بعناصر الطبيعية كرموز للقيم السالفة، يقول بلغته الشعرية المركزة:
وعلى أنقاض إنسانيتي
تعبر الشمس وأقدم العواصف
ومن أشهر قصائد درويش التي وظف فيها القدس، قصيدته الشهيرة “في القدس” التي جسد من خلالها رؤيته للقضية الفلسطينية عاكسا هموم الذات وإحساسها بالمدينة، يقول:
فالمحبة والسلام مقدسان
وقادمان إلى المدينة
أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب
صاحت فجأة جندية
هو أنت ثانية
ألم أقتلك؟
قلت: قتلتني ونسيت‘ مثلك أن أموت
بنبرة وثوقية يقرر الشاعر أن مدينته المقدسة ستنتصر لا محالة، ستعود كما كانت فضاء للسلم والحب، وهاهنا يستحضر الشاعر رمزية الحجر وكونه وقود انتفاضة الأقصى وانتفاضة الشعب الفلسطيني الذي جعل منه أداة فعالة لثورته، تلك الثورة التي تقف في وجه العدو والمحتل الممعن في سياسة القتل والتنكيل والتهويد، ولعل سؤال المجندة للشاعر: ” ألم أقتلك؟ ” يكتشف عن حقيقة هذا العداء المستحكم الذي يراد من ورائه نفي الآخر وإقصائه بشكل نهائي، لكن الفلسطيني يصر إصرارا كبيرا على أن يحيا، وتلك هي إرادة الشعوب الجبارة، ولا عجب أن تبشرنا نبوءة الشاعر بحلم العودة إلى القدس يقول:
ستعودون إلى القدس قريبا.
… هللويا
تتبدى القدس في شعر درويش غلالة رموز يتداخل فيها البعد الإنساني بالأسطوري والديني بالواقعي، وترتقي بذلك لتكون معادلا موضوعيا لوطن اسمه فلسطين، فلسطين الماضي وفلسطين المستقبل برغم آلام الحاضر وإكراهاته يقول شاعر المقاومة:
كانت تسمى فلسطيــن / صارت تسمى فلسطيـن.
“سميح القاسم” واحد من أبرز الأصوات الشعرية المقاومة، استطاع إلى جانب محمود درويش أن يستوعب الهم العربي الفلسطيني ويشكل درع الدفاع عن الهوية الفلسطينية، والتعبير عنها عبر رؤية فنية نادرة، ولا غرو أن يكون ذلك شأن الشاعر الملتزم الذي ينتصر لقيم العدالة والحرية والإنسانية، ويناوئ دعاوى الاحتلال القائم على الإرهاب والقمع والعدوان.
من أبرز دواوينه التي تجلي صورة “بيت المقدس” نجد ديوان “كتاب القدس” الصادر عن بيت الشعر الفلسطيني ووزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله، وذلك بمناسبة إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009م. يتكون “كتاب القدس” هذا من أضمومة من سبعة عشر قصيدة، نظمها الشاعر في الفترة ما بين 1968م و2008م، وفضلا عن هذه القصائد ضم كتاب القدس” نصا نثريا ” اجترح له القاسم اسم “ميثاق القدس”. واللافت أن القصائد المذكورة إنبنت فنيا ودلاليا حول القدس وعنيت بوصفها وتصويرها، كما أن أغلب عناوينها تضمنت اسم القدس نحو:” اسمي القدس”، “اسمك القدس”، “إذا نسيت القدس” و”قدس الأرض”، ولعل هذا التكرار له أكثر من دلالة فهو يؤشر إلى المقام العالي الذي تشغله القدس في الوجدان العربي والمخيال الإسلامي، إنها ليست حيزا جغرافيا ساكنا، بل هي محضن للشرط الإنساني بكل أقانيمه المحددة لهوية الفلسطيني وتاريخه ووجوده، ومن ثمة اكتسبت هذه المدينة قدسيتها وغذت رمزا للوطن ومنارة للثورة والانتفاضة والوجود الفلسطيني ككل.
وكم كان سميح القاسم موفقا في توظيف هذه الرموز التاريخية في تصويره لواقع المدينة المأساوي وما يكتنفه من أحزان وأشجان، يقول عن قدسه التي اعتبرها طفلته، وهل هناك رابطة أسمى من رابطة الأبوة والبنوة؟:
“من رآها بفوضى انكسار الترانيم شاردة دامية؟/ من رأى طفلتي الباكية / في انفجار الدروب، وما من دروب/ من رآها بأسمالها الحانية فوق جمر الهروب؟… / من رأى طفلتي الضائعة ؟ / دون أمٍّ تحن ودون أب / تدعيه خُطاً راجعة / من بلاد الدم الواسعة؟ / با ابنتي / يا يبوس، ويا قدس. يا إيلياء. ويا أورشليم / ضيعتك الخطايا، فهل أسعفتك الذنوب؟ / يا ابنتي/ هل أنا ما يشاء الصليب؟ وهل أنت جلجلتي / آخ يا وردتي/ أنت يا حسرتي/ آخ يا أنت يا جمرتي”.
بمهارة فائقة استطاع القاسم أن يصف حجم المعاناة التي تتردى فيها القدس في حاضرها الكسيف، المطرز بالضياع والانكسار واليتم :” دون أمٍّ تحن ودون أب / تدعيه خُطاً راجعة” لكنه سرعان ما يصطنع آلية الاسترجاع ليذكرنا أنها المدينة التي طوعت الفاتحين وقهرت المعتدين:
وأقسمُ أقسم ريتشارد
على صخرة القدس أقسم أن يتكسر حقد
السيف
وأن يتحطم طيش الرماح
ووعدا وعهدا سنخلق منها المناجل
نصنع منها المحاريث، كيف نشاء ونبدع منها المطارق
وفي سر أنهارها نحن نطفئ وهم الحرائق”
هي الثورة… السبيل الأوحد لتجاوز مطبثات الحاضر واستعادة مجد الماضي لتحرير القدس وفك أسرها وبناء المستقبل الواعد، وما يفتأ الشاعر يبث روح التحدي والمقاومة في أفق إحقاق الحق وعودة القدس لأهلها، قدس البناء والعمارة والسلم، لا قدس الهدم والحروب يقول في قصيدة:” موعظة لجمعة الخلاص”:
“على ملأ الله أعلن روحي وضوئي، وأشهد
فاشهد
أنا ملك القدس، نجل يبوس، وريث سلالة كنعان
وحدي خليفة روح النبي القديم الجديد محمد
أنا ملك القدس
لا أنت ريتشارد !
مراسي صعب، ولحمي مر…
تجاوزت كل الحدود
بلاطي من النار والجمر،
أين تجر ذيولك؟
إن الشاعر هاهنا من منطلق العروبة والإسلام يؤكد على حقه التاريخي في مدينته وفي استعادتها من يد العدو الصهيوني الذي أجهز عليها واحتلها، ولتحقيق هذا المبتغي لا يني يذكر هذا العدو بتهافت إدعاءاته وبطلان إيديولوجياته التي تروم تزييف الحقائق وتزوير التاريخ، يقول:
أنت لم تنصفي
يا الأساطير، لم ترفعي أنت أبراجها
يا الأساطير فاعترفي
بيدي أنا ارتفعت أورشليم
منزلا منزلا
بيدي أنا… وبحبي الجميل البسيط العظيم
قلت أبوابها وشبابيكها
وبروح النشيد بنيت على الكون أدراجها
يا الأساطير لم ترفعي أنت أبراجها
يا الأساطير فاحترمي روحنا واسمنا
واتركي حلمنا…
تحضر القدس في شعر القاسم برمزيتها التاريخية والدينية، بجمالية فضاءاتها وطيبوبة أناسها، ومدينة بهذا الثقل الحضاري والإنساني تغذي في دواخل الشاعر وفي دواخل كل فلسطيني حلم العودة وحلم الخلاص رغم قتامة واقعها الحالي، يقول سميح:
وأنا عائد، عائد ملء شعبي وشوقي
وحبي
وعشقي وقلبي، وسري وجهري، شتائي
وصيفي
حنيني وخوفي، وقوة روحي وضعفي…
وعائد
عائد. قلت: عائد
عائدٌ، ألف عائد !!.
وهذه العودة لن تتحقق إلا من خلال الثورة على المحتل وإجلائه عن القدس:
إذا شئت حيا سترحل
وإذا شئت ميتا سترحل
تفضل… لترحل…
سترحل
إلى حيث ألْقتْ
سترحل، وترحل، وترحل
القدس مجرة الأحزان التي يدور في فلكها كل شاعر عربي من المحيط إلى الخليج، إنها محتد البراءة والسلام، وهكذا يراها نزار قباني “طفلة محروقة الأصابع”، “جميلة تلتف بالسواد”، يسكنها الحزن الكظيم وتسكنه، فهو يحاصر حجارة شوارعها ويلتف حول مآذن جوامعها، إنه يندلق ليصيب كل عاشق لهذه المدينة/الجميلة: “بكيت حتى انتهت الدموع”، “حزينة عيناك يا مدينة البتول”، يا قدس، يا مدينة الأحزان/ يا دمعة كبيرة تجول في الأجفان”، يقول نزار:
” يا قدسُ، يا منارةَ الشرائعْ /يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابعْ /حزينةٌ عيناكِ، يا مدينةَ البتولْ /يا واحةً ظليلةً مرَّ بها الرسولْ /حزينةٌ حجارةُ الشوارعْ /حزينةٌ مآذنُ الجوامعْ/
يا قُدس، يا جميلةً تلتفُّ بالسوادْ…”
لعنة الحزن هاته أصابت المكان والإنسان مذ استبيحت القدس من طرف العدو الصهيوني الذي عاث فيها الفساد ولم يلق بالا لهذه المدينة الآهلة بالقداسة والمترعة بعبق التاريخ، إنها “لؤلؤة الأديان” و”مهبط الرسالات”:
سألت عن محمد فيك وعن يسوع
يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء
يا قدس، يا منارة الشرائع
[…] يا واحة ظليلة مرّ بها الرسول
[…] لقد صادر المحتل كل ألوان الفرح والبهجة من ” قدس الشاعر” وحولها إلى مأتم كبير، يتم فيه الحجر على أهل البلد فيحرمون حتى من أداء شعائرهم الدينية، عدا عن ترويعهم وتقتيلهم ونهب خيراتهم وسرقة أراضيهم … إنها الإبادة التي ليست بمستغربة عن من قتلوا الأنبياء وصلبوهم:
من يقرع الأجراس في كنيسة القيامة؟
صبيحة الآحاد
من يحمل الألعاب للأولاد؟
في ليلة الميلاد
[…] من يوقف الحجارة يا بلدي
من يوقف العدوان يا بلدي؟
عليك يا لؤلؤة الأديان
من يغسل الدماء عن حجارة الجدران؟
من ينقذ الإنجيل؟
من ينقذ القرآن؟
من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟
من ينقذ الإنسان؟
في البدء كان المكان، ذلك الذي احتلوه على دفعات منذ الانتداب البريطاني مرورا ب 1948م، 1967م، 1973م،… وإلى اليوم، ثم ثنوا بالإنسان ذاك الذي محقوه من خلال سياسة التهجير والتقتيل والاغتيالات وغسل الدماغ، وماذا بعد؟
إن الشاعر محمولا على صهوة الحلم لن يساوم ولن يُصالح، إنه يؤمن مثل درويش وسميح والآخرين بنبوءة العودة:
يا قدس… يا مدينتي
يا قدس… يا حبيبتي
غذا… غذا… سيزهر الليمون
وتفرح السنابل الخضراء والزيتون
وتضحك العيون
وترجع الحمائم المهاجرة
إن رؤى الشعراء الطافحة بقيم الخير والسلام والعدالة الاجتماعية والحرية والجمال، جعلتهم يرون في القدس مكانا وأرضا للتسامح الديني، فهي “لؤلؤة الأديان” و”موئل القداسة” لدى كل الطوائف يقول سميح:
مثلما هي قدس بإسرائها ومعراجها
بمزاميرها… وأناجيلها والسور…
ومسيح على بابها منتظر
هي قدس السماء
والرسالات والأنبياء
وهي قدس المواليد والحلم… قدس القصائد
قدس الأغاني… وقدس البكاء
والرؤى والمعابد
وهي قدس الرجال، وقدس النساء.
لاشك أن أغلب “شعراء القدس” لامسوا هذا الحس الإنساني المفعم بهذه الرومانسية الشفيفة، وهو ما تشى به قصيدة “زهرة المدائن” للأخوين رحباني، والتي نظمت مباشرة بعد نكسة حزيران 1967 وشدت بها صاحبة الصوت الملائكي فيروز فأفادت وأمتعت، تقول القصيدة:
لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي
لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن
يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي
عيوننا إليك ترحل كل يوم
تدور في أروقة المعابد
تعانق الكنائس القديمة
وتمسح الحزن عن المساجد
يا ليلة الإسراء يا درب من مرّوا إلى السماء
عيوننا إليك ترحل كل يوم وإنني أصلي…
وفي 13 غشت من سنة النكبة 1967م كتب الصحفي مجدي نجيب تحت عنوان: “خطاب مفتوح إلى فيروز”: “يأتي صوتك في زهرة المدائن كالنسمة التي تحاول صعود الجبل وعبور وادي الرياح، حاملة على أجنحتها الرقيقة ابتسامة الصباح الجريح الذي يصر على الإشراق رغم كل الجراح، يمر هذا الصوت المتفاعل محطما حواجز الحزن ليمزق الستائر السوداء على نوافذ قلوبنا، طاغيا على كل نغمة تخاذل، هازما جحافل الآهات الأخرى المنبعثة من أحشاء أغانينا المليئة بجراثيم اللوعة، هل تعلمون من لا يريدون أن يتعلموا، من مطربينا وملحنينا كيف يعايشون تجربة الإحساس بجراح الآخرين والشعور بأن هذه الجراح تشكل في النهاية جرحا واحدا في فم كل عربي”
هو جرح نازف حفر عميقا في نفوس ووجدان العرب والمسلمين والمسيحيين، فكان من الطبيعي أن يكون الشعراء في طليعة من يشعر بهول الفاجعة وآثار النكسة وذل السقوط، ولذلك ترجمت أشعارهم تلك الصرخات المكبوتة والآهات العميقة التي تمرمر حياة كل عربي ومسلم غيور على مقدساته وكرامته وشرفه، بل إن منهم من شحذ قوافيه لهجاء الحكام العرب وتقريعهم على صمتهم وخيانتهم لأهم ركائز القومية العربية والإنسانية، ممثلة في فلسطين ومدينتها المطهرة: القدس الشريف. ويبقى الشاعر العراقي مظفر النواب أبرز شاعر مزق سجوف الصمت ليعري حقيقة المتورطين، يقول في قصيدته الشهيرة “القدس عروس عروبتكم” :
“القدس عروس عروبتكم/ فلماذا/ أدخلتم كل زناة الليل حجرتها/ ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب/ لصرخات بكارتها/ وسحبتم ككل خناجركم وتنافختم شرفا/ وصرختم فيها أن تسكت/ صونا للعرض/ فما أشرفكم… هل تسكت مغتصبة/…/ لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم/ إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم/ تتحرك دكة غسل الموتى/ أما أنتم لا تهتز لكم قصبة […]”.
من قال إن الشعر ليس نبوءة، ومن قال إن الشعر ليس خذينا للحقيقة، ومن قال إن الشعر يفقد راهنيته، فلينصت لهذا المقطع:
من باع فلسطين وأثرى بالله
سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام
ومائدة الدول الكبرى؟
[…] من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟
[…] أقسمت بتاريخ الجوع ويوم السغبة
لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة
بين حكومات الكسبة
لم تكن نكبة 1967م مجرد هزيمة عسكرية للجيوش العربية، وإنما شكلت زلزالا عنيفا مس الكيان العربي من المحيط إلى الخليج، فكانت له ارتدادات وتداعيات خطيرة على جميع الأصعدة السياسية، الاجتماعية، الثقافية وحتى النفسية. لقد تجرع الجميع مرارة هذه النكسة التي مثلت شرخا أليما في وجدان الأمة العربية الإسلامية، ومن وقتها أضحت القضية الفلسطينية قضية قومية، هبت للدفاع عنها الملايين، فاستشهد من استشهد، واغتيل من اغتيل، وسُجن من سجن، وهُجّر من هجر… ولازال أتون الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين مستمراًّ.
وبالرغم من مكر السياسة ومسلسل الإخفاقات والخيانات والخيبات لازال الفلسطيني “صامدا” ومرابطا فيما تبقى له من أرض، سلاحه إيمانه بعدالة قضيته، وعُدّته حلم وحجر…
لا شك أن علاقة المغاربة بفلسطين ممتدة في التاريخ، وهذه العلاقة يؤكدها بحسب الأستاذ والشاعر محمد علي الرباوي “حضور القدس في المخيلة المغربية وفي العقيدة الدينية أيضا، حيث كان الحاج المغربي لا يتصور أن حجه مقبول إلا إذا خلّل وقدّس أي إذا زار الخليل والقدس”، وكنا قد ألمعنا سابقا إلى أن القدس حظيت بزيارة الفقهاء والرحالة والجغرافيين المغاربة نظير المعافري وابن بطوطة والإدريسي. وقد تنامى اهتمام المغاربة بقضية فلسطين إبان عهد الحركة الوطنية التي شكلت خلية لمتابعة مجريات الأحداث بفلسطين.
لقد كان من الطبيعي أن يواكب الشعراء المغاربة الحدث الفلسطيني خاصة بعد نكبة 1967م التي حفرت عميقا في نفوسهم وأحدثت أخاديد للألم والانكسار، وبذا صارت فلسطين والقدس بخاصة تيمة مركزية وركنا ركينا في المنجز الشعري المغربي، تزينان صدور الدواوين، وتستنفران الهمم في الأمسيات والمهرجانات.
غلالة الحزن والأسى التي غلّفت القصيد بالمشرق هي نفسها التي سكنت القصيد بالمغرب، فغذا الإحساس بالهزيمة والسقوط علامة فارقة في شعر المغاربة، ويبقى أحمد المجاطي من أبرز الأصوات الشعرية التي صدحت بذلك الشجى والشجن الذي استوطن النفوس وطوح بالآمال في أراضي اليأس والخيبة والانكسار، يظهر ذلك خاصة في قصيدته المسماة: “القدس” والتي نشرها في نفس سنة النكبة 1967م. هو ذا يعزف مثل مجايليه من شعراء المشرق على نغمة الحزن والحداد الناجمين عن هذا السقوط المدوي الذي ضرب أرض العرب من النهر إلى البحر، يقول المجاطي:
رأيتك تدفنين الريح / تحت عرائس العتمة
وتلتحفين صمتك / خلف أعمدة الشبابيك
تصبين القبور / وتشربين / فتظمأ الأحقاب
ظمئنا / والردى فيك / فأين نموت باعمة
مددت إليك فجرا من حنيني للردى
لم يجد الشاعر سوى معجم “اليباب” و”السقوط” لينحت منه مفرداته التي تنبعث منها رائحة الموت: تدفنين / العتمة / الصمت / القبور / فتظمأ / الردى / نموت…
إنها صورة قاتمة تنبئ عن مأساة ترقد بين حنايا الشاعر، ليس الشاعر وحدهُ بل بين حنايا كل إنسان عربي، وهذه المأساة تقتل كل نأمة للحياة وتجعل الشاعر يحن إلى الموت: “مددت إليك فجرا من حنين للردى”، ويفقد كل أمل في الحياة والانبعاث من جديد، لكنه وفي غمرة هذا الضياع والأسى العميق لا يتورع عن توجيه سهام نقده وشجبه لهذا الصمت الذي ران على دهاقنة السياسة العربية الذين كانوا السبب في هذا السقوط:
جئت إليك مدفونا / أنوء بضحكة القرصان
وبؤس الفجر في وهران
وصمت الرب أبحر في خرائب مكة / أو طور سنينا
فأية غشوة نبضت بقلبي / في دم الصحراء / وأي رجاء
لا تباشير للفجر في هذا الوطن الشاسع الممتد من وهران إلى مكة، تلك هي الخلاصة التي انتهت إليها الشاعر، في ظل واقع تشرب طعم الهزيمة ولم يترك ولو كوة للرجاء ولا نسمة للأمل.هكذا يستسلم الشاعر لقدره الجنائزي، يعيش غربته ووحدته، فلا يد من العلياء تحنو عليه، والقدس حبيبته أصبح دونها خرط القتاد، بل أصبحت هي والموت صنوان:
أيا باب إلى الله ارتمى / من أين أتيك
وأنت الموت، أنت الموت / أنت المبتغى
تأسيسا على ما سبق يتضح أن صورة القدس في قصيدة المجاطي “الستينية” اتشحت بالسواد وفتحت بابا لتراجيديا ماحقة عكست قتامة الواقع العربي المتهرئ، ذلك الواقع الذي تكسرت على صخرته كل الآمال والأحلام.
لكن الجيل “السبعيني” من شعراء المغرب، سرعان ما تحلل من سطوة هذه النظرة التشاؤمية ليغازل الأمل والحلم من جديد ويثبت أن هذه الأمة ليست عاقرا، يقول عبد الله راجع في “الهجرة إلى المدن السفلى”.
أنا الباقي، أتناسل حتى في الموت، أطالعكم
في شخص ابني وابن أخي وحفيدي وبنات الجيران
كل الموتى في وطني ينسحبون من الأكفان
ويعودون إلى القدس على صهوات الريح
ولهذا تفزعكم أشكال الجدران / وظلال الشجر الممتد على طول الوديان.
-8-
مغاربة القدس أو حكاية عشق لا تموت
لا نحتاج للتدليل على عمق ومتانة الرابطة القوية التي تجمع المغاربة بالقدس ، فهم جعلوا من فلسطين ككل قضيتهم الأولى وساهموا في الدفاع عنها، فهذا ملك المغرب محمد السادس يرأس لجنة القدس، وقد قال في افتتاح الدورة العشرين لهذه اللجنة المنعقدة في مراكش سنة 2014م:”قضية القدس أمانة في عاتقنا جميعا حيث جعلناها في نفس مكانة قضيتنا الأولى وأحد ثوابت سياستنا الخارجية”.
يقترن الحديث عن مدينة القدس دوما بذكر “حارة المغاربة” أو “حي المغاربة” و”باب المغاربة”. وهذه التسميات تؤرخ للوجود المغربي في القدس، وهو الوجود الذي عكس المنزلة الدينية الرفيعة التي خص بها المغاربة مدينة مجللة بالقداسة، فهي أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى المصطفى عليه الصلاة والسلام، وعليه فإن رحلات الحجيج المغاربة لم تكن تقتصر على المدينة المنورة ومكة المكرمة، بل كانت تشمل كذلك زيارة بيت المقدس زيادة في التعبد ونيل الأجر من خلال الصلاة في المسجد الأقصى المبارك وزيارة مسرى رسول الله (ص)، وفضلا عن هذا وذاك كان هناك من المغاربة من يقصد القدس للمجاورة وطلب العلم، نظير صاحب “نفح الطيب” الشيخ المقري التلمساني، والشيخ سيدنا صالح حرازم المتوفى بفاس خلال القرن السادس الهجري.
واستشعارا من المغاربة بأهمية القدس ورفعة مقامها، كانوا في طليعة الجيوش الإسلامية المدافعة عنها إبان الحروب الصليبية، إذ تذكر بعض المظان التاريخية أنهم كانوا من المتطوعين في جيش “نور الدين زنكي” و”صلاح الدين الأيوبي” من بعده، فقيّض لهم الله شرف المساهمة في تحرير بيت المقدس، ومن أبرز العسكريين المغاربة المذكورين في هذا الصدد، ابن دوباس المغربي الفندلاوي المشهور بأبي الحجاج المغربي. وبعد طرد الصليبين من القدس آثر هؤلاء المجاهدون المغاربة الإقامة بهذه المدينة المطهرة كترجمة لحبهم لها فجاوروا قرب المسجد الأقصى وبالضبط قرب الزاوية الجنوبية الغربية لحائط الحرام، فما كان من الملك الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي سوى أن أوقف عليهم ذلك المكان وذلك سنة 583هـ/1193م، ومن ثمة سميت تلك المنطقة بحي المغاربة أو حارة المغاربة، وقد جاءت هذه المبادرة الأيوبية كنوع من التكريم والاعتراف بالدور الهام الذي لعبه المغاربة في معركة تحرير القدس، اذ ذهب بعض المؤرخين الى أنهم شكلوا حوالي 4/1 جيش صلاح الدين وابدوا استبسالا وشجاعة لا نظير لهما في المعارك والنزالات.
لقد استقطبت القدس العديد من الفقهاء ورجالات التصوف المغاربة، الذين فضلوا مجاورة الحرم الشريف للاستمداد من بركاته والتيمن به، أمثال الشيخ المالكي خليفة بن مسعود المغربي (المتوفى سنة 784هـ) وهو صاحب الطريقة الصوفية الشيبانية، والفقيه أبو حمد عبد الله بن الوليد الأنصاري (المتوفى سنة 386هـ) وقد أنشأ أحفاده زاوية بها قرب باب السلسلة بمحاذاة الحرم القدس، وكذلك الصوفي أو العباس أحمد المرسي.
ومن مظاهر احتفاء المغاربة بالقدس كذلك سعيهم الدؤوب للتعريف بها والتأريخ لها من خلال الكتابة عنها، وقد ألمعنا سابقا إلى الرحالة “ابن بطوطة” والجغرافي “الإدريسي”، ينضاف إليهما المؤرخ ” ابن خلدون” والعالم “أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن أبي حفاظ المكناسي”.
ومما يستأثر بالاهتمام في علاقة المغاربة بالقدس جانب الوقف الإسلامي الذي نما وازدهر، خاصة وأن السلاطين المغاربة كانت لهم إسهامات كبيرة في هذا المجال، إذ يذكر المؤرخون أن السلطان المريني أبو الحسن علي بن عثمان رصد سنة 783 هجرية مبلغا ماليا كبيرا من العملة الذهبية لشراء العقارات والأراضي في القدس والحرمين الشريفين، وفي المجمل شمل حي المغاربة عددا كبيرا من الأحباس حُدّدت في 135 عقارا ومسجدا ومقبرة وطريقا، علاوة على المدرسة الأفضلية التي أوقفها عليهم الأمير الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي وقد حملت اسمه.
وعلى الرغم من اندماج المغاربة في المجتمع المقدس إلا أنهم عملوا مع ذلك على الحفاظ على عاداتهم وأعرافهم وتقاليدهم المغربية الأصلية، وكانت لهم مشايخ تبت في شؤونهم المحلية والقانونية والقضائية، وقد أوثر عن الرحالة الأندلسي “ابن جبير” قوله: أن صلاح الدين الأيوبي “جعل أحكامهم إليهم، ولم يجعل يدا لأحد عليهم”.
إن هذا الوضع الاعتباري الذي ناله المغاربة سيتعاظم بمرور الزمن، ففي عهد العثمانيين، استطاعوا شغل مناصب مهمة في إدارة شؤون القدس خاصة في مجال القضاء والتدريس والفقه والإفتاء، وقد أورد مجير الدين العليمي ضمن موسوعته الموسومة ب: “الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل” أسماء العديد من الشخصيات المغربية التي شغلت المراكز والوظائف السامية، وبحلول عصر المماليك ازدادت هجرة المغاربة في اتجاه المشرق والقدس خاصة بعد هزمهم للمغول.
يتلازم ذكر حي المغاربة بذكر “باب المغاربة” وهو باب من أبواب الحرم السبعة المهمة، إن لم يكن أهمها، وأهميته هاته تنبع من كونه –حسب بعض المرويات- عبر منه الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج، ولذلك سمي أيضا ب:”باب النبي”.
وبقدر ما حاز المغاربة من حظوة ومكانة متميزة في مدينة القدس نظير دفاعهم عنها وإسهامهم في تحريرها وإعمارها وتنشيط حياتها الثقافية والفقهية، فإنهم كانوا بالمقابل من أوائل من ذاق ويلات وبطش العدوان الإسرائيلي، الذي عمد في أولى أيام الاجتياح الصهيوني لمدينة القدس في شهر يونيو من 1967م على هدم حي المغاربة فضلا عن جامع البراق وجامع المغاربة، والمدرسة الأفضلية، والزاوية الفخرية، وزاوية ابن مدين، ومقام الشيخ عبيد ومقام الشيخ حسن.
ويُقدر عدد المنازل التي هدمتها يد البغي الإسرائيلي بحي المغاربة ب 140 منزلا، تم إجلاء سكانها البالغ عددهم حوالي 635 نسمة، ومن الأسماء الدالة للعائلات المغربية التي هُدمت بيوتها نذكر: عائلة المراكشي – الفيلالي – الفاسي- التجاني – الفكيكي- الشنقيطي- السرغيني… وآخرين، مما يؤشر على أن المغاربة من مختلف المناطق والجهات كانوا ولا زالوا يكنون للقدس حبا لا مثيل له.
وقد استمرت الاعتداءات الغاشمة لليهود والمستهدفة للوجود المغربي بالقدس، وذلك من خلال إقدام قوات الكيان الإسرائيلي على هدم أطراف من باب المغاربة سنة 2007م، وكذا مصادرة العديد من أوقاف ومنازل المغاربة في إطار سياسة التهويد والاستيطان الإسرائيليين، وفي سنة 2012م أقدمت إسرائيل على هدم تلة المغاربة خارج باب المغاربة الذي سبق وأن صادرت مفتاحه، ومنعت المسلمين من الدخول منه، بل الأدهى من ذلك أنها قصرت استخدام هذا الباب على عملياتها الإجرامية المتمثلة في اقتحام المسجد الأقصى ومهاجمة حشود المصلين المسلمين.
إجمالا، لقد أجهزت إسرائيل بسياستها القائمة على الإقصاء والتمييز العنصري والتقتيل والتهجير، على مكان مقدس احتضن أجمل حكاية عشق وافتتان جمعت بين شعب مسلم مسالم في أقصى المغرب، وبين مدينة مطهرة مقدسة في قلب المشرق، أولئك هم المغاربة وتلك هي القدس. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فلسطين باختصار

-9-
صفقة القرن أم صفعة القرن ؟؟
كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة له على حسابه في تويتر بالعبرية و العربية:
“سأقف دائما مع دولة إسرائيل والشعب اليهودي، أنا أؤيد بشدة سلامتهم وأمنهم وحقهم في العيش في وطنهم التاريخي حان وقت السلام”.
أما وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بنت فقال: ” لن أسمح بأي حال من الأحوال، دون أي شروط، فإقامة دولة فلسطين أو الاعتراف بهذه الدولة ولن نتخلى عن سنتيمتر واحد من أرض إسرائيل للعرب”
أوردت هذين القولين للرئيس الأمريكي ووزير الدفاع الإسرائيلي للتأمل في مفهومهما ومنطوقهما ، وذلك بغية استجلاء “حدود” ما يطلق عليه في الآونة الأخيرة “صفقة القرن”، إذ الصفقة كمصطلح تنتمي إلى مجال الاقتصاد والتجارة أكثر من انتمائها لمجال القانون الدولي أو العلاقات الدولية المتصلة بحل النزعات.
لكن ليس بمستغرب على رئيس أمريكا أن يقارب خطط السلام بمنطق “التاجر” الحريص على الربح، إذ “الصفقة” غالبا ما تكون لها علاقة بمنطق الربح والخسارة، دون أن نستبعد الدلالات اللغوية للفظة صفقة، والتي تعني فيما تعنيه في القواميس العربية:
– معنى الضرب: صفقه بالسيف إذا ضربه، صفق رأسه بصفقه صفقا: ضربه
– معنى الصرف والرد: صفق القوم عن أمرهم: صرفهم وردهم
– معنى الإخراج والنفي: صفقه من بلد إلى بلد: أخرجه ذلا وقهرا
– معنى الإغلاق والإغماض:صفق عينه: ردها وغمضها.
– معنى الاضطراب:اصطفق القوم : اضطربوا …
وما ينبغي التأكيد عليه هو أن “صفقة القرن” هاته ليست من بنات أفكار دونالد ترامب، وواهم من يظن ذلك، فهذه الصفقة/ الخطة تم الإعداد لها مسبقا في دهاليز الخارجية الأمريكية، وتم وضعها على نار هادئة، حتى إذا نضجت واستوت وتوفرت الشروط اللازمة لبروزها وتحققها، أعلن عنها المخرج المقتدر دونالد ترامب.
وفي المجمل تعني صفقة القرن ذلك المقترح الذي قدمه الرئيس ترامب لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويرمي هذا المقترح أساسا إلى إنشاء صندوق استثمار عالمي لدعم الاقتصاد الفلسطيني وكذا اقتصاد الدول العربية المجاورة، هكذا إذا مهدت الولايات المتحدة لإعلان صفقتها بالمراهنة على المدخل الاقتصادي، وفي هذا الصدد نظمت “مؤتمر البحرين للسلام الاقتصادي” والذي انعقد في المنامة بتاريخ 25 يونيو 2019 بمشاركة الولايات المتحدة وصنيعتها إسرائيل وبعض الدول العربية تتقدمها السعودية والإمارات العربية ومصر والأردن والمغرب، وقد ادعى كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشتر أن انتعاش الاقتصاد الفلسطيني لا يمكن أن يتم إلا عبر حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مرجئا الحديث عن المسألة السياسية من خطة السلام إلى الوقت المناسب الذي ترتئيه أمريكا.
وارتباطا بالشق الاقتصادي، قدرت الصفقة قيمة الاستثمارات المزمع إقامتها بالمنطقة (فلسطين ودول الجوار) ب 50 بمليون دولار، تخصص لإنجاز 179 مشروع أعمال وبينة تحتية، منها 10 مليار دولار توفرها الدول المانحة لإنشاء البنية التحتية لدولة فلسطين، تشمل مطارا وميناء بحريا في غزة ومشاريع الإسكان والزراعة والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.
وفي هذا الصدد أكدت صحيفة “الواشنطن بوست” في عددها ل 14 أبريل 2019 أن صفقة القرن لا تنص إطلاقا على إقامة دولة فلسطين، بل تقتصر على بعض المقترحات ذات الطبيعة الاقتصادية والتي تهدف إلى تحسين مستوى عيش الفلسطينيين ليس إلا، وبحسب نفس الصحيفة دائما فإن الصفقة تقوم على تقديم حوافز اقتصادية مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل والتطبيع معها، لكن مع الإبقاء على الوضع الراهن لفلسطين دون أية سيادة أو كيان دولة.
وتجدر الإشارة إلى أن بعض التسريبات الصحيفة المرتبطة بالصفقة، سبق وان أشارت إلى أن إسرائيل نجحت في إقناع أمريكيا بالضبط على دولتي مصر والأردن للاشتراك في صياغة حل إقليمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يرتكز على ضمان سيطرة إسرائيل على الجزء الأكبر من الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات كبيرة من شبه جزيرة سيناء يقيمون عليها دولتهم، أما مصر فتحصل في مقابل ذلك على حوالي 720 كلم 2 في برية بإيران داخل صحراء النقب الواقعة تحت سيطرة إسرائيل.
في 28 يناير 2020م أعلى الرئيس ترامب “خطة السلام” المعروفة ب” صفقة القرن”، وذلك بحضور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي اعتبر أن الخطة المذكورة تقدم “طريقا واقعيا” لتحقيق سلام دائم في المنطقة.
وبما أن الأمريكيين كانوا يعرفون مسبقا أن الفلسطينيين لن يقبلوا ب “صفقتهم” هاته، فقد ضمّنوا الصفقة وجود مرحلة انتقالية مدتها أربع سنوات في انتظار أن يغير الفلسطينيون موقفهم الرافض للخطة بفعل المتغيرات والحسابات السياسية التي ستدفعهم في هذا الاتجاه، على أن تسيطير إسرائيل على 30% من الضفة الغربية ضمن المناطق المعروفة باسم “ج” حسبما نص عليه اتفاق أوسلو المبرم عام 1993م.
أما بخصوص وضع دولة فلسطين فقد اشترطت الخطة مضي أربع سنوات كي يسمح للفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة، التي لن تكون القدس الشرقية عاصمتها وإنما ضواحيها، ومن بين هذه الضواحي التي تم تداول اقتراحها على الفلسطينيين كي تكون عاصمة لهم منطقة أبوديس، وتشترط الخطة كذلك أن تكون دولة فلسطين منزوعة السلاح حاضرا ومستقبلا.
وفيما يتعلق بمسألة القدس والأماكن المقدسة، فقد زكت الخطة اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد سبق وأن أعلن عن ذلك دونالد ترامب في خطابه ليوم 6 دجنبر م 2017 م، مبديا عزمه على نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القديس. وبموجب ذلك اعترفت الخطة بحق إسرائيل في كافة “القدس غبر المقسمة” (بجزأيها الشرقي والغربي). أما الفلسطينيون فسيكون من نصيبهم شريط فقط من القدس الشرقية يقع وراء الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربية. كما أناطت الخطة/ الصفقة بإسرائيل مهمة حماية وصيانة المواقع المقدسة وضمان حرية المعتقدات، وتأسيسا على ذلك أبقت على الوضع الحالي الخاص بالمسجد الأقصى الخاضع للسيطرة الإسرائيلية بمعية المصلى القبلي، فيما ضربت بعرض الحائط كل المطالب الفلسطينية المتعلقة بالحرم الشريف، وعهدت في المقابل للأردن بمهمة الإشراف عليه.
تلك هي إذن الخطوط العريضة لصفقة القرن التي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الترويج لها محليا وإقليميا ودوليا، من خلال الإيحاء للمجتمع الدولي بأن هذه الصفقة ستحل النزاع الدائم بين إسرائيل وفلسطين والعرب عامة، وستعود بالنفع على جميع أطراف النزاع خاصة على المستوى الأمني والاقتصادي.
ومن خلال استعراض مواقف الدول العربية من هذه الصفقة سيتضح جليا أن الدوائر الرسمية العربية وصلت إلى مرحلة مأزومة في التعاطي السلبي مع المصالح القومية للأمة العربية، خاصة إذا علمنا أن بعض الدول العربية شاركت في الإعداد لهذه الخطة بل وعمدت إلى الضغط على الفلسطينيين للقبول بها.
ودون الدخول في مسلسل تخوين هذه الدول والوقوف على حيثيات مواقفها ولا المبررات والدواعي التي بنت بها هذه المواقف، فإن الأكيد أن خط الانبطاح والتشرذم العربي وصل إلى أدنى مستوياته، وإذا أضفنا إلى ذلك تداعيات الانقسامات الفلسطينية الداخلية، فإننا لا محالة سنعدم تلك الجبهة الموحدة المتراصة التي بوسعها وحدها إجهاض هذه المناورات الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف تصفية الفلسطينية وإعدام الكيان السياسي لفلسطين ككل.
لكن ورغم قتامة وسوداوية الواقع الراهن للأمة العربية والإسلامية، فإننا لا نملك إلا التسلح بالأمل، عسى أن ‘توفق الأجيال القادمة في تجاوز حالة الانسداد هاته وتحقق نبوءات الشعراء وكل المؤمنين بعدالة قضيتنا القومية، فتنطلق فلسطين ومعها القدس لترفرف في سماء التحرر والإنعتاق. وما ذلك على الله بعزيز.

شاهد أيضاً

جبهةُ المقاومةِ السيبرالية جبهةٌ مفتوحةٌ وميدانٌ متسعٌ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي (ملف/83)

لم تعد المقاومة الموجعة المؤلمة، المكلفة المضرة، المؤذية المدمرة، العسكرية الدموية، التي يتأذى منها العدو …

اتفاقيةُ أبراهام التاريخيةُ تصححُ الخطأَ النبويِ في خيبرَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي (ملف/82)

إنه عنوانٌ حقيقيٌ مقصود، ليس فيه افتراءٌ ولا افتئاتٌ، ولا كذبٌ ولا بهتانٌ، ولا ظلمٌ …

يا شعبَ السودانِ الكريم لا تشوه سمعتَكَ ولا تلوثْ شرفَكَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي (ملف/81)

تنقل وسائل الإعلام الإسرائيلية الرسمية والخاصة، ومعها مختلف المنصات الإعلامية الافتراضية، بنوعٍ من الفرح والحبور، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *