محمد شاكر السبع : أبو علي الغالب (7 و8)

– 7 –

حين أسترد أبو علي الغالب وعيه وجد نفسه فـي المرافق الصحية بملابس مبللة تفوح
منها رائحة البول العطنة . نهض بصعوبة فرأى بركة مـــن البول كان ممددا وسطها.
تساءل بأسى :
– كم شخصا بال علي ؟
تطلع من النافذة العليا للمرافق الصحية فرأى الظلام قــد حل فـــي الخارج .نظر الــى
ساعة يده فوجد زجاجها الخارجي قد تحطم والتوت عقاربها . كانت متوقفة عن العمل
فتساءل ثانية :
– ما حاجتي لمعرفة الزمن ؟
جر نفسه عبر الممر الثاني حيث مكتبـه ، فتحــه ثـــم أغلقه عليــه بالمفتاح منتظرا أن
ينتصف الليل ليخرج مـن مبنى الدائرة متفاديا رؤية الآخرين له وهــو منقوع بالبول .
شتم علي الحسني بصوت واطىء لهذا الأنتقام الوضيع . تلمس وجهـــه ليعرف مـدى
الضرر الذي لحق به . كان قد نسى أن يرى وجهه في مرآة المرافق الصحية .في تلك
اللحظات أحس أن قلبه أنتفخ كثيرا وأنه سوف ينفجر عما قريب . جلس علــى كرسيه
بعد أن نزع معطفه المنقوع بالبول لينشره علـــى كرسي مجاور له . حرص علـى أن
يطفىء ضوء الغرفة لكـــي لا يفتح حراس المبنى الغرفة ليطفئوا المصابيح ظنا منهم
أن الموظفين نسوا أطفاءها .
لم يعد يعرف أي مكان فــــي جسمه يوجعه أكثر فكــل الأجزاء تضج بالألم . تذكر ان
السكرتير وعلي رومي رفساه كثيرا ، كما تذكر أنهما داسا على رأسه بأحذيتهما. بكى
بصمت كرامته التي ديست بالأحذية ، هذان آخران يضربان رأسه بالاحذية بعد سميع
المحمود . تساءل خلال بكائه الصامت : هـــل قدرت له الأقدار تحقيقا لأنتقام غامض
ألا يضرب ألا بالأحذية ؟ . لم يكن قد مر بخاطره أن يلجأ علي الحسني الـــى ضربـه
بهذه القسوة ، كان كل ما تصوره أن هذا الرجل سيوبخه بكلام خشن جارح مثلما فعل
في المرة السابقة حين تلاعب بمذكرته . هذه المرة تحول الـى جزار فسلط عليه عقابا
مريرا نفذه كلبان من كلابه العديدة . أحس أن أنفاسه أخذت تتلاحق وأنـــه يلهث باحثا
عن الهواء الذي بدا له فـي تلك اللحظة أنه أختفى مــن جو الغرفة . أيقن أنــه سيموت
وشيكا . شعر أنه يسمع دقات قلبه المضطرب . لم يجد في جلسته في ذلك الظلام أنــه
بحاجة الى عزاء فــــــي محنته التي أعتقد أنه أجتازها مــن غير أن يلحقه العار مثلما
حدث سابقا حينما دق سميع المحمود رأسه بالحذاء أمام الآخرين، يعنــي أن السكرتير
والحارس الشخصي داساه وضرباه بالأحذية في غرفة مغلقة بعيدا عن أعين الآخرين
وبذلك حفظ لـه علي الحسني كرامته . لكن ذلك كان باطلا ، فحتى زوجته عرفت أنـه
ديس بالأحذية حد الأغماء ، وأنهما لـم يكتفيا بذلك وأنمـا رميـاه فــي المرافق الصحية
وبالا عليــه . قررت أن تتركه وتعود الــى عائلتها فـــي القرية . نظـر اليها مـن وراء
أورام عينيه المزرقتين بأستغراب قائلا :
– تتركيني في مثل هذا الوقت العصيب ؟
– لم أعد أحتمل حالتك .. الجيران جميعا يتناقلون ما حدث لك وعلــــى الأخص البول
الذي غمروك به ، يعني أنني لــن أخرج مـن البيت طوال شهر كامل لكي أتفادى ما
تتغامز به النساء عنك .
– لا أريد أن أعيد ما قلته سابقا ، لكـن ما أقوله يجب أن تفهميه بشكل جيد وهو أنك أذا
سافرت الى عائلتك فلن تعودي أبدا .
أنتهت محاورة ما بعد منتصف الليل مع زوجته التـي لم تجد عزاء لها سوى الدموع .
أنهار أبو علي الغالب فوق السرير ، وظل صاحيا حتى أولى خيوط الفجرالرصاصية
التي مزقت دجنة الليل ، لا لأن الكرب حاصر روحه المهانة والمذلة بأحذية الحارس
الشخصي والسكرتير ، وأنما لأوجاعه التـي تفجرت خلال هذا الوقت . الآن أدرك ما
لحق به من ضرر جراء تلك الرفسات والركلات . كان قد رأى وجهه في المرآة فهاله
الدمار الذي أحدثته الأحذية فيه . لم يتقلب في فراشه على الرغم من آلامه التـي أحس
بها تشع من أنحاء كثيرة مـــن جسمه . تعذر عليه معرفة هل نام فعلا في تلك الليلة أم
أن ذلك تصورا أوعزت به أحلام اليقظة المشابهة للكوابيس . لــم يتلاش الطنين فـــي
رأسه طوال اليومين التاليين بل أزداد حدة كلما حركه. لم يذهب الى الدائرة في صباح
اليوم التالي لأنه لم يستيقظ من النوم ألا في الساعة الثانية من بعد الظهر .
بعد نصف ساعة من أستيقاظه زاره سميع المحمود في بيته .لم يتحدث معه كثيرا ولـم
يسأله عما حدث له ، فقد عرف كل شىء من السكرتير ثم مـن علي الحسني نفسه .بدا
له أن أبا علي الغالب كائن غامض وغريب وعصي علـــى الفهم . خلال كـــل الوقت الذي أمضاه سمميع المحمود فــي بيته لــم تغادر زوجته غرفة الأستقبال التي يجلسان
فيها ، أذ كانت تروم معرفة كل ما جرى لزوجها . سأل أبو علي الغالب ضيفه :
– كيف حال القسم ؟
– أما زلت تسأل عنه ؟
– أنه دائرتي .
– لم يعد كذلك .
– ماذا تعني ؟
– نقلك علي الحسني الى القسم الثالث .
ناوله الأمر الأداري بنقله ، ثم قال :
– لا تأت الــى القسم الثاني بل أذهب مباشرة الـــى القسم الثالث ..أذا كنت متعبا فلديك
ثلاثة أيام للألتحاق بالقسم الثاني .
– تعني ثلاثة أيام أجازة ؟
– نعم .. حاول أن تعالج نفسك في المستشفى أو في عيادة أحد الأطباء .
ودعه سميع المحمود بعد أن يئس من خروج زوجة أبي علي الغالب مـن الغرفة . بعد
خروجه زمجر أبو علي الغالب :
– اللص الكلب .
سألته زوجته مأخوذة بغضبه المفاجىء :
– من ؟
– هذا الذي كان جالسا الى جانبي .
– تعني سميع المحمود ؟
– نعم .
– أهو لص؟
– كلهم لصوص .. أتعرفين لماذا جاء لزيارتي ؟
– من أجل أن يطمئن عليك .
– لم يأت من أجل هذا أنما من أجل أن يطالبني بنصف المبلغ الذي أخذته مــــــن علي
الحسيني .
– لكنه لم يتحدث عن ذلك ..
– لأنك موجودة ولم تتركي الغرفة .
لم يذهب أبو علي الغالب الى مستشفى ليعالج الكدمات فـي وجهه وفي جسمه ، كما لم
يذهب الى صديقه الطبيب في مستوصف صحة الطلاب .أمضى أيامه الثلاثة لائذا في
البيت بعيدا عــن عيون جيرانه الذيـن حاولوا أختراق جدران بيته ليغذوا شهيتهم للقيل والقال أولا وللشماتة ثانيا ، لكن زوجته أحكمت أغلاق باب البيت فــي وجوههم .غير
أنها تحملت بالكاد هياج الخنزير في داخل البيت الصغير، فهـــو لم يكن يستقر أو يهدأ
بل كان يصول ويجول بين الغرف وباحة البيت حتــى أوشكت علــى الصراخ ، لكنها
تماسكت ، وطلبت منه أكثر من مرة أن يخرج مـن البيت لكي تسترد هدوء أعصابها.
هو نفسه أبو علي الغالب لم يكن متعودا على البقاء في البيت طويلا ، ألا أنــــــه أجبر
على فعل ذلك بسبب وجهه الذي يكاد يكون مشوها .
في اليوم الرابع وضع نظارته السوداء الكبيرة مغطيا الهالتين الزرقاوين حــول عينيه
وخرج مبكرا جدا من البيت .أجتاز بهـــو الأستعلامات الخالي ليتسلق السلالم المؤدية
الى الطابق الثالث . أدرك أن عليه أن يقتل وقتا يربو على الساعتين قبـل أن يقدم أول
الموظفين . تساءل : هل يظل يقطع الممر ذهابا وأيابا طوال ساعتين ؟ .رأى أن هـــذا
الأمر غير معقول ، وأنــه لا يمكن أن يدفع ثمنا آخر للآخرين الذين يعشقون الخوض
في الوشايات والشائعات . أندفع نازلا السلالم بسرعة ثم أجتاز بهو الأستعلامات الذي
مازال خاليا من الموظفين ، لينطلق خارج مبنى الدائرة العملاقة . أتجه نحـو المقهيين
اللذين يفتحان بابيهما في وقت مبكر جدا ، لأستقبال جنود مطبعة الجيش . أنزوى فـي
ركن بعيد من المقهى بعد أن طلب أستكان من الشاي .
من مكانه القصي كان يراقب الجنود الذين بدأوا يتقاطرون بسرعة حتـــى غصت بهم
المقهى . لم تكن تسترعي أنتباهه أو تثيره هذه المجموعات الكبيرة مـــن الشباب الذين
يؤدون خدمتهم الألزامية للوطن بيـــن الورق والحبر وحركة المكائن العملاقة . خلت
المقهى من الجنود الذين تناولوا أفطارهم بسرعة وشربوا الكثير من استكانات الشاي.
لم تكن لديه ساعة ليعرف الوقت ، فأضطر أن يسأل عن الوقت بين فترة وأخرى. بدا
له أن الزمن قد توقف عن الحركة . حاول أن يفكر في مصيره القادم في قسم لم يعمل
فيه سابقا .لم يكن يعرف أيقاع العمل في هذا القسم المجهول لديه ، وكذلك موظفي هذا
القسم الذين بدوا له وكأنهم يشكلون عالما خاصا بهم بعيدا عن عوالم الأقسام الأخرى.
كان كل الذي يعرفه عن هذا القسم قد سمعه من بعض الموظفين فـــي قسمه الذي نقل
منه ، ولم يكن ذلك الذي سمعه يشكل أهمية كبيرة ، أذ قيل أن رئيس القسم كان مديرا
لدائرة في لندن تابعة للوزارة ، وأنه موظف كفوء وأنسان مهذب جدا .
تساءل أبو علي الغالب : مهذب جدا؟.. يعني من الممكن جعله خاتما فــي أصبعي .بدأ
دماغه الملتـــوي يتحرك بأتجاه أبتكار خطــط للأستيلاء علــى مقدرات وأرادة رئيس القسم المهذب . فــــي هذه اللحظات التي نشط فيها دماغه ما عاد أبو علي الغالب ذلك
الرجل المدمى الوجه والكرامة ، ماعاد ذلك الرجل الذي بالوا عليه بعــــــد أن سحقوه
بالأحذية . الآن هو رجل يمتلك دماغا مليئا بالسم الــذي يجب أن يسقيه لأحدهم ، الآن
حلت فرصة مـــن الفرص الذهبية التـــي لا يمكن أضاعتها ، فرصة ستمنحه السطوة
التي أمضى ثلاثة أرباع عمره في البحث عنها واللهاث وراءها . أعاد تساؤله السابق
بشغف : رجل مهذب جدا ؟.. يعني من السهولة أيقاعه في فخاخي ، يعني سيكون لي
السوط الذي أجلد به الآخرين ، يعني سيكون خاتما في أصبعي .
طلب أستكان شاي رابع ، ولأول مرة يتلذذ بمذاق الشاي . راق مزاجه وصفا العالــــم
من حوله في عينيه المتورمتين المحاطتين بهالتين زرقاوين . فكـــر : كل هذه الأورام
لا تهم فستزول عاجلا أم آجلا . عاد الــى مفاهيمه القديمة التي أنشأه أبوه السيد عليها.
بعد نصف ساعة كان يجلس علـــــى الأريكة الصغيرة المجاورة لمنضدة رئيس القسم
الثالث ، كان قـــــد قـــــدم نفسه اليه بأدب غريب عليـــه . لـــم يكــــــن رئيس القسم
مهذبا فقط وأنما كان طيبا ويحسن الأستماع للآخرين .لــم يسأل أبا علي الغالب عـــن الذي فعله فأثار غضب علي الحسني ، كما لــم يلمح له عما فعله بـــه السكرتير وعلي
رومي . تراءى لأبي علي الغالب أن هــذا الرجل من البساطة والطيبة وربما السذاجة
بحيث أنه لن يمضي شهر حتى يدخله خاتما في أصبعه . لكن بعد شهر طوح بـــه هذا
الرجل المهذب جدا والطيب جدا من القسم الثالث الى القسم الرابع .
رأى أبو علي الغالب أن غالبية موظفي القسم الثالث من النساء ، يعني فـــي مفاهيمــه أنهن براميل البارود التي تتدحرج أمامه ، وأنه فـي أي لحظة بمقدوره تفجيرها . كان
يعتقد أنهن مخلوقات لا يصلحن ألا للفراش ولخلق المشاكل التي تطيح بكل شىء.هـذا
ما جعله يصل الى قناعة لا تتزحزح أنهن سيكن العــون الكبير لــه فــي جعل الرئيس
ينفذ له كل ما يطلبه ، عندئذ بدأ في المراقبة ليعرف من عشيقة من ؟ ومن حبيبة من ؟
ثم خطا خطوته الثانية التي يجيدها تماما ، يعني الهمس في أذن رئيس القسم عن الزنا
الذي شاع في القسم . أن هذا الرجل المهذب القادم من لندن لم يكن ينظر الى العلاقات
بين الموظفات والموظفين من خلال عين أبي علي الغالب القادم من قرية جنوبية .قال
سائلا أياها بعد الهمسات الأولى :
– ماذا تعني ؟
– الأمر واضح يا أستاذ.
– أنا لا أرى ما تقوله واضحا .. أوضحه لي .
– ماذا يعني أن تذهب موظفة وموظف الـــى مكتبة مــن الصباح ولا يعودان ألا فـــي
الظهيرة ؟
– أنت قل لي ماذا يعني ؟
تساءل أبو علي الغالب في سره : أهو غبي أم يتغابى ؟ .. قال :
– ألا ترى في هذا علاقة غير طبيعية ؟
أجابه رئيس القسم بصوت هادىء :
– لا .. لقد ذهبا للمكتبة لأن لديهما بحثا يجب أن ينجزاه .. أنهما لم يذهبا الـى سينما أو
أو مرقص .
أحس أبو علي الراغب أنه أصطدم بجدار لا يمكن أختراقه ، وأن عليــه أن يغير مــن
وسائله وطرقه في التعامل مع رئيس القسم هذا الذي يبدو منيعا على الأقتناع بما يجده
هو أبو علي الغالب ضربا من الفضائح . كانت الطبول التي يقرعها لا تصل أصواتها
الـــى سمع هــذا الرجل . في يوم آخر ، وبعد أن أخبره أنه لاحظ أكثر من مرة أغلاق
أبواب الغرف على موظفة وموظف داخلها ، وهذا غير جائز.. سأله الرئيس:
– لماذا؟
– لماذا ماذا؟
– لماذا غير جائز ؟
– لأنه يشجع على القيل والقال وربما الفضائح .
– يبدو لي أنك ترى الفضائح في كل مكان .
– لا ولكنني أحاول المحافظة عليك .
– من ماذا؟
– من التورط في مشكلة ما ؟
– من طلب منك أن تفعل ذلك ؟
فوجىء أبو علي الغالب بهذا السؤال . علا الأصفرار وجهه ولـــم يستطع الرد . قال
رئيس القسم :
– يبدو أنك ناقل وشايات أو خالق وشايات .. أنا لم أطلب منك أن تفعل ذلك . أن عملنا
في هذا القسم مبني على الثقة والصدق ، لذلك أطلب منك أن تكف عــن أمرين ،أولا
عدم زيارتي حسب مزاجك وأنما تأتي الي حين أستدعيك ، وثانيا لا تسكب في أذني
سمومك التي تطال بها الموظفات والموظفين في هذا القسم . الآن أرجــو أن تعـــود
الى مكتبك لأن لدي عمل كثير .
لم يواجه أبا علي الغالب بمثل هذه المواجهة فيما مضى، فقد كانت خشنة وقاسية لكنها
تمت بلغة دبلوماسية مهذبة ، يعني خالية من الصراخ والزعيق والنهر والزجر، مـــع
ذلك كانت ثقيلة الوطء عليه ، أذ أنه تعود على المواجهات الصاخبة ، وكان ذلك يسره
كثيرا لأنه يجعل من يوبخه يفقد أعصابه. هذه المرة ضاعت عليه المتعة وشعـربقسوة
القنوط والأسى يثقلان روحه . فـــي مكتبه الذي لا يشاركه فيــه أحد ، تذكر أن رئيس
القسم طرده من مكتبه بتهذيب ، لكنه فكر أن الطرد هو الطرد حتى لو تم بلغة مهذبة،
فتفاقمت تعاسته . تساءل : أهو بهذه الدونية لكي يطرده المسؤولون من مكاتبهم دائما؟
ما الـذي سيفعله الآن أو غدا بعد هــذا الـــذي جرى قبل قليل فـــي مكتب رئيس القسم الثالث ؟.هل يبقى بعيدا عنه ؟.. أنه مركز قوة ولا يمكن فـي أي حال مــن الأحوال أن
يبقى بعيدا عنه .فــي هــذا الوقت بالضبط أحس أنــه تربع علــى كرسي بؤسه الذي لا يشابهه أي بؤس آخر فـــي هذا العالم ، وأذن هل قدر عليه أن يلهث مــن دون أنقطاع
وراء أمر تحول بسبب معاندة الأقدار وعدائها الى حلم عصي على التحقيق ؟. هـا هو
يصطدم ربما للمرة المليون بحظه السيىء الذي يقوده بأستمرار الـــى الهوات العميقة
المظلمة . أنه يريد السطوة التــي تجعل الآخرين يقفون لـه تبجيلا وأحتراما ، غير أن
قدره الأعمى يجعل هؤلاء الآخرين يضربونه بالأحذية ويبولون عليه ويطردونه مــن
مكاتبهم بلغة مهذبة .
قرر أن يتشبث بأحلامه حتى لو عض عليها بأسنانه ، فهو يدرك أن لا قيمـة لــه مــن دون هذه الأحلام ، أما أنها عصية على التحقيق فأن هذا ليس ذنبه . قراره هــذا أنبثق
من شعوره بتفوقه على الآخرين ، وعلى الأخص فـــي مجال الدس والنميمــة والنفاق
التي دربه عليها أبوه السيد منذ صباه الباكر . كان يقول لــه : لا قيمــة ولا أهميــة ولا
تأثير يعادل الدس والنميمة والنفاق فقد قامت أمم كثيرة عليها وستقوم أمم أخرى عليها
أيضا ، فتعلم كيف تجيدها ، وكان أبن أبيه في أجادتها . لكن هذا الرئيس المهذب الذي
قدم من لندن داس براعته في أدائه هذه الأمور بحذائيه ، فهــل يدحر التهذيب الصفات
التي ساعدت في أنبثاق الأمم ؟ . لم يكن هم أبي علي الغالب البحث عن الأجوبة علـى
أسئلته ، أنما اللجوء الى أقصر السبل من أجل أن يبقى قريبا من مركز القوة فــي هـذا
القسم الـــذي أعتبره هدية الحظ له ، وأن أحلامه التـــي تمزقت فــي الأقسام الأخرى
ستعود معافاة فــي هذا القسم .قرر أن يتسلل من جديد الـــى عرين الرجل المهذب من دون أن يثير سخطه أو شكه بسوء طويته . ألا أنه تساءل أكثر من مرة فـي ما أذا كان
سيفلح فــي أداء دور الرجل ذي السلوك القويم ؟. كانت شكوكه تتفاقم في قدرته علــى
أداء دور الرجل الشريف ، مع ذلك وطن النفس على المجازفة .
فجأة ومــن دون سابق أنذار أستدعاه ضابط الأمن المسؤول عنه . هرول الــي موعده
المسائي في دائرة الأمن العامة . أستقبله المسؤول ببرود ثم وبخه على تقاريره التـــي
لا تضر ولا تنفع .. أكد له :
– هزيلة .. تقاريرك هزيلة .
سأله بصوت هامس :
– والتقرير الذي يتعلق بعلي الحسني ؟
– من أين أتيت بهذه المعلومات ؟.. هل بدأت تكذب علينا ؟
– مستحيل أن أفعل ذلك سيدي .
– أنس هذا الموضوع الذي أختلقه خيالك . وزودنا بتقارير تحوي معلومات مهمة. هل
فهمتني ؟
– نعم سيدي .
في طريقه الــى الخروج مــن دائرة الأمن همس لــه أحد الضباط أن المعلومات التـي
ضمنها في تقريره عن علي الحسني كانت كلها صحيحة ، لكــن الخطورة فيها أن تلك
العملية الكبيرة أشترك فيهـــا الكثير مــن المسؤولين الكبــار فــي الحزب والمخابرات
والأمن ، لذلك مزق تقريره وطوي الموضوع وعليه أن ينساه الى الأبد .
كانت الدموع تجول في عينيه بعد سماعه هذا الخبر ، أذن فراسته لم تخب ولــــم تكن
أفتراضاته مــــن عالم الخيال ، لكنهم أمروه بأبتلاع لسانه ومسح جزء مــن ذاكرته لا
من أجل سلامة اللصوص والمحتالين وأنما من أجل سلامته هو.أذن ينتظر مــاذا لكي
ينتقم من تلك الأحذية ومن ذلك البول ؟ .. كان يعرف أنه لــن يحقق ذلك الأنتقام فـــي عصر الحزب هذا ، وأن عليــــه أن ينتظر عصرا آخر، هكذا طــــوى جناحيه يائسا
من الثأر لنفسه التي أذلت وأهينت الى الحد الذي نقعوها بالبول .
لم تكن تلك العزاءات التي يسديها لنفسه في كثير من الأحيان لقادرة علــــى شفاء تلك
الجروح العميقة التي الحقوها بروحه ، ألا أنه لا يمتلك غيرها كدواء لا نفع فيه ،وهو
يعرف عدم النفع هذا جيدا . عاد ينقل خطواته فـي ممر الطابق الثالث ، مارا بكل تلك
الأبواب المغلقة والمفتوحة من دون أن تنذره حاسته بفضيحة أو مصيبة . أيقن أن تلك
الحاسة قد فقدت حيويتها أو أصابها العطب . كان يتساءل : كيف يمكن أن يعيش فـــي
هذه الغرف كل هذا العدد من النساء والرجال من دون أن تحدث فضيحة أو مصيبة ؟
آمن أن هؤلاء القوم يجيدون التستر والصمت المطبق أزاء الفضائح . كان فــــي كثير
من الأحيان يعترض علــى أيمانه هــذا بسبب قناعته أن النساء مجبولات علـــى القيل
والقال والشائعات التي تتعلق بالفضائح ، لكن أنف الكلب الذي يحمله لم يقده الـــى أي
فضيحة طيلة الوقت الذي مر عليه في هذا القسم .
مر أبو علي الغالب بما يشبه التعطل عن العمل ، فلا أحد يكلفه بعمل ما ، أضافة الـى
أنــــــــه غير مرتبط بمسؤول شعبة ليوجهه لأنجاز شيىء مــا . بـــدا وكأنــه منبوذ ا
يتحاشاه الجميع في هذا القسم . جرب أن يغلق بابه عسى أن يدفع الفضول أحدهم الـى
معرفة ما وراء هذا الباب ، لكــن أسبوعا مـــر ولــم يفتح بابه أحد . أرهقه ثقل الوقت
الذي يمر به من دون أن يقوم بأي شىء . فجأة ، تحرك شكه وظنه السيىء وتساءل :
هل فعل به هذا رئيس القسم لكي يبعده عن الموظفين الآخرين ؟..يعنـي أن هذا الرجل
يحاربه بصمت ، وأنه ربما من حلفاء علي الحسني .. بدأت الأسئلة تتوالد بسرعة فـي
دماغه الذي تحرك مقطرا سمه .قرر أن يواجه رئيس القسم ولو من بعد . رفع سماعة
الهاتف مدورا رقم هاتف الرئيس . حياه وعرف بنفسه ثم قال :
– هل يغضبك لو سألتك ما هو عملي في هذا القسم ؟
جاءه الصوت هادئا جدا :
– لماذا أغضب ؟
– مضى علي أكثر من أسبوعين وأنا من دون عمل .. لقد مللت هذه البطالة .
– أنتظر قليلا سأتصل بمعاوني .
أغلق الخط الهاتفي بين الأثنين . أحس أبو علي الغالب بالغضب جراء حالــة الأهمال
التي وضعوه فيها ، لكنه نفس عن هذا الغضب بسرعة لكي لا يتحول الــى أمرآخرقد
يجر عليه المشاكل . رن جرس الهاتف الذي أجفله ،وسمع صوت يحييه ويسأله :
– هل أنت أبو علي الغالب ؟
– نعم .
– هل يمكنك المجيىء الى مكتبي .. أنا معاون رئيس القسم .
ثم أغلق الخط . خرج من مكتبه باحثا عن مكتب معاون رئيس القسم . عثر عليه مــن
خلال اللوحات الصغيرة المعلقة فوق أبواب الغرف . قال المعاون ناهضا مـن كرسيه
ومادا يده لمصافحتــــه . بعد تبادل تحيات قصيرة أشار لــه أن يجلس علـــى الكرسي
المجاور لمنضدته ، قال:
– ليس لدينا عمل يناسب مؤهلاتك في الدوام الصباحي .
– وأذن ؟
– هناك أكثر من عمل يناسبك في الدوام المسائي .
– هل يعني أن علي الدوام في الصباح والمساء ؟
– لا .. أذا عملت في المساء فلن تعمل في الصباح .
وافق أبو علي الغالب على الأنتقال للعمل فــــي دوام القسم المسائي . عرف أن رئيس
القسم ومعاونه يعملان أيضا في الدوام المسائي . أسند المعاون اليه عملا مشابها لمــا
كان يعمله فــــي القسم الثاني ، أضافة الــى أن عليه تسليم البريد الرسمي باليد لأحدى
دوائر الوزارة التي تعمل ليلا أيضا . سأل :
– كيف أذهب الى هناك ؟
أجابه المعاون :
– ستقوم أحدى سيارات القسم في تغطية تنقلاتك .
بدأ أبو علي الغالب عمله المسائي وسط موظفين يختلفون عن موظفي الصباح ، فهــم
صاخبون يتنقلون كثيرا بين المكاتب ، متبادلين في ما بينهم النكات والشتائم واللعنات
والكلمات البذيئة . بدا لأبي علي الغالب أنه سيعمل فـــي جو ملائم له تماما ، فهو مـن
خلال هؤلاء الصخابين اللاعنين سيجد الكثير الذي يمكن لـــه أستثماره لتحقيق بعض من أحلامه التي تاهت عنه . نشط فـــي عمله رافعا مذكرات كثيرة الـــى رئيس القسم
ومعاونه ، وكدأبه دائما وضع خبرته وذكاءه الملتوي بين ثنايا هذه المذكرات، محاولا
أثارة أنتباه رئيس القسم ومعاونه اليه ، ولقد نجح في هـذا المضمار نجاحا كبيرا . كان
قد مال الى المعاون الذي لا يشبه الرئيس في تهذيبه ، فمع هــذا الرجل يمكنه أن يشق
له سبيلا نحو تسلق سلم الأماني القديمة . عندئذ بدأ يطبخ خططه على نارهادئة لكــي
ينال ثقة هذا الرجل الذي يستمع رئيس القسم اليه كثيرا . أن ناره الهادئة أجبرته علـى
العودة الى أساليبه القديمة في تعامله مع هذا الرجل ، فأخذ يمضي ساعات في زيارته
في مكتبه ، متصنعا الأستماع اليه وأظهارمشاعر وأمارات التعجب للكثير مــن آرائه
وتوجيهاته للموظفين . أنساق المعاون في الطريق الـذي رسمه له أبو علي الغالب من
خلال ريائه الذي جهد فــي أخفائه بمهارة ، ليس عنه حسب ، أنمــا عــن رئيس القسم
وعن الموظفين أيضا .
ثم حلت أيام الكدر والهم ، والحقيقة أنها أيام الغيرة ووساوسها التـي لا يطيق تحملها ،
فقد أكتشف أن السائق الذي ينقله مــن دائرة مسائية الــى أخرى لــه حظوة عند رئيس القسم ومساعده . ورث هذه الغيرة مــن أبيه السيد الذي تشب النار فـــي صدره أذا ما
تقرب أحدهم من الشيخ ، فكان يلجأ الى حيلة كررها مئات المرات ومع مئات الرجال
من دون أن يفطن لها الشيخ . كان يقول للرجل بصوت يحرص أن يسمعــه الجالسون
جميعا في المضيف : ما هذه الرائحة الكريهة التي تنبعث من جواربك ؟ ألا تدرك أنك
جالس جوار المحفوظ شيـخ العشيرة . لــم تكــن هناك أي رائحة لكن الشيخ بدأ يشمها
والتوى وجهه من عطنها ، وهكذا ضمن مجالسة الشيخ مــــن دون منافس . فهل يلجأ
الى حيلة أبيه السيد ؟. كان يثق بكل ما فعله أبوه السيد ، فأنتظر المناسبة التــي يبطش
فيها بهذا السائق الذي يقف في منتصف طريقه الى رئيس القسم ومعاونه . لـــم تتأخر
المناسبة كثيرا ، حين دخل رئيس القسم مكتب معاونه كان أبو علي الغالب على وشك
أن يتسلم الأوراق التي يجب أن يوصلها الى دوائر الوزارة هــــــذه الليلة . أستقبل ابو علي الغالب رئيس القسم بحفاوة غير أعتيادية ، لكنـــه تجهم حين دخل الغرفة السائق
الذي حيا الجميع ، ثم أنخرط في حديث ودي جدا مــع رئيس القسم ومعاونه ، وتحول
حديثه الــى قص نكات أثارت ضحك المسؤولين . خلال ذلــك طحنت رحـــى الغيرة
أبو علي الغالب طحنا مــن دون رحمة . دفعته أبخــرة الغيرة السوداء الى أن يخاطب
السائق قائلا :
– يا أخي فـــي الأقل ألبس جوارب نظيفة ، أراهن أن رائحة جواربك أصابت رأسي الأستاذ رئيس القسم والأستاذ المعاون بالصداع .
أحتقن وجه السائق وخرج رئيس القسم مسرعا من الغرفة ، بينما علت وجـه المعاون
أمارات الدهشة والأحراج . خرج السائق من الغرفة مسرعا . ناول المعاون أبا علـي
الغالب الأوراق وطلب منـــــه أن يسرع في توزيعها . أحس أبو علي الغالب أن الجو
شحن بالتوتر ، وأن طلب المعاون ليس سوى طرده من مكتبه . توقع أن ضربته قــــد
وقعت فــي المكان الصحيح وأنه ألحق بالسائق ضررا لا يمكن أصلاحه . هكذا خرج
من مكتب المعاون مزهوا بأنتصاره ولو كان لديه ريش على جسمه لنفشه مثلمـا يفعل
الطاووس . ما أن أغلق باب مكتب المعاون حتـــى وجد السائق أمامه وجها لوجه . لم
يكن ليصدق أن هذا السائق الضئيل الجسم يمتلك هـــذه القوة والشراسة . فتحت أبواب
الغرف المطلة علـــى الممر جراء صراخ أبي علي الغالب . كان السائق قــد طرح أبا
علي الغالب أرضا بلكمة تشبه أرتطام صخرة ضخمة بوجهه ، ثــم أنهال عليـــه بعدد
هائل من اللكمات الصخرية ، وداس بقدميه في بطنه ووجهه . وقف الموظفون بينهما
في وقت متأخر ، كان الدم ينزف مــن أنفه وفمه ومــــن أحدى أذنيه ، وكان يشعر أن
شيئا ما أنفجر في صدره . سحبه معاون رئيس القسم الى مكتبه ، وجر أحـد الموظفين
السائق الى حيث السلالم وطلب منه أن يذهب حيث سيارته .
نقل المعاون خبر الشجار الى رئيسه الذي قال له أنه عرف كل شىء ، ثــم سأل عــن
حال أبي علي الغالب ، فأجابه :
– أنه ينزف دما من جميع أجزاء وجهه .
– خذه بسيارتك الى المستشفى لعلاجه وتفادى بأي ثمن الشكوى في مركز الشرطة .
أستقبلته زوجته في ذلك الوقت المتأخر من المساء مــن دون دموع ومــن دون كلام .
لم يتبادلا كلمة واحدة ، فهي أقتنعت منذ منتصف الليل ذاك عندما جاءها مثقلا بالبول والجراح والكدمات أن زوجها هان عليه الضرب والأهانات ، حتى مــا عاد يحس أن
له كرامة بين الرجال . تركته لوحده فـــــي غرفة الأستقبال وذهبت لتنام مع أولادها .
تطلع في المرآة الى وجهه المتورم والى طرف الضماد الذي يتدلى مــن فتحتي أنفه ، وكان قـــــد حشره المضمد المعالج في أنفه لكي يوقف نزيف الدم .
تحدرت دمعتان من عينيه ، وقال مخاطبا وجهه في المرآة :
– أستهانوا بدمك فأسالوه يا أبا علي الغالب .

– 8 –

مات أبوه السيد واضعا خاتمة لأبشع الأساطير في ريف الوطن ، أذ ظل علـــى مدى
أكثر من نصف قرن يحكم عشيرة كبيرة مـن أنصاف المتوحشين الحفاة وشبه العراة
من خلال سلالة من الشيوخ الأميين الذيــــن لا يقلون همجية عـــــن أبناء عشيرتهم .
كان أسمه لوحده يثير الهلع ويسقط الرعب فـــي القلوب . كانت قسوته وبطشه تدفعان
أولئك المتوحشين الحفاة وأنصاف العراة للألتجاء الى الشيخ فرارا من جحيم السيد ،
وهكذا تحول الشيخ الطاغية الى منقذ للمساكين . كان هذا يدخل السرور في قلوب كل
الشيوخ الذين خدمهم السيد قبل أن تختفي سلطتهم الى الأبد . كان قــد وضع مــا يشبه
الأعراف والقوانين التــــي ينبغي أن لا يخالفها الشيوخ الجدد الذيـــن يتسلمون رئاسة
العشيرة خلفا لآبائهم ، الـى حد أن كثيرا مـــن الحكايات تداولها أبناء العشيرة تؤكد أن
السيد يوبخ مرارا أولئك الشيوخ على معظم تصرفاتهم . لــم يسمع أو يعرف أحد مـن
تلك العشيرة أن شيخا أو سركالا أنب أو زجر السيد ، وهكذا أنقلب الرجل مــن كاتب
يمسك دفتر حسابات الشيخ الى أسطورة ترشح بالرعب والهلع . لكن ذلك ليس هو ما
يمكن وصفه بالحقيقة الكاملة ، أذ برع في طمر ما لحق به من أهانات مريرة في أشد
الظلال قتامة ، ثم تعلم أن يبتلع المرارات مـــن دون شكوى ، ولم يكن بوسعه الأنتقام
من الشيوخ وما يمت لهم بصلة القربى ، لكنه يصب جحيم غضبه على الفلاحين .
مات أبوه السيد في شارع القرية العام ، يعني على رؤوس الأشهاد . كان يسير وحيدا
في طريق عودته الى البيت فــــي ظهيرة أحد الأيام ، لكنه لـــم يكمل خطواته أذ سقط
منكفئا على وجهه ، فصرخت النسوة المارات في ذلك الشارع والقريبات منـه .حملوه
من يديه ورجليه الى حيث تقف عربة دفع باليد ، ووضعوه في داخلها بين كمية كبيرة
من الخضروات التالفة . أوصلوه الى البيت وسط التكبير، هكذا أستقبلت العائلة ربهــا
السيد ملطخا بعفن الخضروات التالفة . أسرع أولاده بأخــذ جثمانـه الـــى مقبرة وادي
السلام في النجف خوفا من أن يتسلل اليها العفن من حرارة الجو.داروا بتابوتــه مرقد
الأمير علي بن أبي طالب ، ثم انطلقوا بسرعة أيضا الى المقبرة وواروه التراب وسط
صراخ نسائه الثلاث ونحيب أولاده . كانت المقبرة خالية تماما مــن الناس فـــي ذلك
الوقت من بعد الظهيرة . أنتشرت أشاعة في القرية بعد يومين مــــن موت السيد تؤكد أن خنزيرا أخذ يظهر في المقبرة قريبا من قبر السيد ، وأن الحكومة والناس قد عجزا
عن قتله ، وكان يختفي عند قبر السيد حين يطاردونه .
كان ذلك أشارة لا تقبل التأويل الـى الخاتمة الحزينة لأبيه السيد ، ولم يكن بمقدور أبي
علي الغالب أن يوقف سيل الأشاعات التي تداولها ناس قريته بعد موت أبيه السيد.كان
يكتفي بالبكاء ، وتمنى لو لم يكن هناك تقليد أسمه مجلس الفاتحة أذ أن كل أهل قريته
ومعظم أهل القرى المجاورة قدموا الى مجلس فاتحة أبيه السيد . كانوا يقرأون الفاتحة
علـــى روح الفقيد ،ثم يحتسون القهوة والشاي ويدخنون السجائر ، ويتحدثون بصوت
عال عـن مناقب أبيه السيد بكلمات ظاهرها المديح وباطنها القدح والأنتقاص .كان أبو
علي الغالب يسمع ذلك الكلام ويفهم ظاهره وباطنه ، لكنــــه عاجز عن فعل أي شىء
دفاعا عن أبيه السيد .
بعــــد أنتهاء مجلس الفاتحة وأنسحاب الحزن مـــن الوجوه الـــى القلوب غدا أبو علي الغالب عاجزا عن أقناع أخوته الأشقاء بأحتفاظهم أمهم معهم . أصروا على أن تعيش
معه فـي بغداد لكونه الأخ الأكبر. كان يعرف سبب أصرارهم هــــذا ،وكانوا يعرفون
سبب رفضه . بدا وكأنهم أتفقوا على عدم البوح بالأسباب . لــم تكن حتى فكرة عيشها
لترد في خاطره فـــي ما مضى من الأيام ، لا لأنه يبغي الحيلولة دون أحتدام الصراع
بين أمه وزوجته ، وأنما هو نفسه يكره هذه الأم منذ صغره وكان يتمنى لهــا الموت،
ولــم تكــن الأم جاهلة بمشاعر كراهيته لهــا ، غير أنها لـــم تدرك سببها ، لأنها ظنته
صغيرا عاجزا عــن الفهم حين كانت تتحدث مــع رجال القرية حول عدم خوفها مــن
ذهابها لزيارة أختها فــــي القرية المجاورة وعودتها خلال الليل وحيدة . كان أبو علي
الغالب قد سمعها تقول لهم :
– لماذا أخاف وسط الظلام حين أعود ؟
ويسألونها :
– ألا تخافين من قطاع الطرق ؟
– لماذا أخاف منهم ؟ أنا لا أحمل نقودا حتى يسلبوها منـــي ، وأذا أرادوا مضاجعتــي
فأنها تجعلني أتلذذ .
كان يرى أبو علي الغالب التماع عيون الرجال بعد حديثها هــــــذا . ترصدها الرجال
وقضوا وطرهم منها . لم يفهم أبو علي الغالب مغزى كلامها فــي ذلك الوقت ، لكنــه
أستوعب المعنى حين شب عــن الطوق ، وتوصل مـــن خلال تفكيره الـــى أن معظم
رجال قريته قد نالوا أمه ولوثوا شرف أبيه السيد . فيما بعد توصل أخوته الأشقاء الى ما
توصل اليـه أخوهم الكبير ، فأحتفظوا بسر شرف أمهم المثلوم على مضض . أضطر
أمام أصرار أخوته أن يصطحب جرحه العميق والعصي على الشفاء معه الـــى حيث
يعمل ويسكن ، وكان كلما تذكر دعوتهـا لرجال قريته أن يترصدوها ينفغرذلك الجرح
مـــن جديد ولا يجد ما يفعله سوى كيل اللكمات والرفسات لها ، ثم رميها الــى قارعة
الطريق ليلا . كان يتركها حتى الصباح هناك ، غير أن الكثير مـن الجيران يتألم لهذه
المنكودة والحنق على هذا الأبن العاق ، وكان يتحمل تقريع الجيران علــــى أن يفشي لهم السر الممض .
لم تكن الكدمات في وجهه قد أختفت تماما ، بل ما زالت بقاياها تجذب نظر الآخرين،
وكان قد قال لأخوته أن عربة خيل صدمته . ما كان يرغب في الخوض مع أخوته في
مناكدات لا طائل وراءها ، ولكنهم علــى أي حال لـم يصدقوا أن عربة خيل يمكن أن
تسبب كل هذه الكدمات في وجه أخيهم الأكبر، وأخيرا عرفوا مــن الزوجة أمرا قريبا
جدا من الحقيقة ، على الرغم مـن أنها لم تذكر لهم أي شيىء عن سبب تلك الكدمات ،
وأنما هم عرفوا حين سألوها عن عربة الخيل التي صدمت أخاهم ، أذ دهشت قائلة :
– عربة خيل ؟ .. عن أي عربة تتحدثون ؟
تبادل الأخوة أبتسامات السخرية وعندئذ عرفوا الأمر . لكن هذا لم يشعره بالخجل في
أي حال من الأحوال حتى لو أطلعوا على ما حدث بالضبط ، فهو مازال مرتبطا بأبيه
السيد على الرغم من نومه تحت تراب بأرتفاع مترين . كان على أقصى غاية مــــــن
القناعة أنه هـــو الوريث الوحيد لأبيه السيد من بين كل أخوته الأشقاء وغير الأشقاء،
الوريث لذلك التراث الهائل للحيلة والنميمة والشر ، فهــو حسب علمه الوحيـد الـــذي
خصه أبوه السيد بنصائحه التي تتجاوز قيمتها كل ثمـــن ، وكذلك تلقينه أصول التآمر
والكذب والأفتراء والدسائس ، كما حقن السم في دماغه منذ الصغر .
عاد الـــى بغداد محملا بالحزن والألـم والأسى لمـــوت أبيه السيد ، وبالسخط والحنق
والغضب لأجباره على أصحاب أمه للعيش معه . عاد ليجد علـــى منضدته أمر نقلــه الى القسم السابع . حاول أن يودع رئيس القسم لكن الفراش الجالس علــى كرسي أمام
بابه أخبره أنه لا يمكن الدخول عليه لأنه في أجتماع مـع مسؤولين كبار فـــي الحزب
والدولة . كر راجعا بأتجاه مكتب معاون الرئيس فوجـــد بابــه مقفلا . أخبره الموظف
في المكتب المجاور أنه في أجتماع مع رئيس القسم . لم يبق أمامه سوى الذهاب الــى
قسمه الجديد ، وكان يكره هذا القسم لأن الكثير مــن موظفيه كانوا شهودا حين ضربه
سميع المحمود بحذائه .
أستقبله رئيس القسم السابع بجفاء وخاطبه بخشونة :
– ماذ ستفعل في قسمي ؟ .. ألا يكفيني هؤلاء السفلة حتى تأتيني أنت ؟
لم يتخيل أبو علي الغالب أن يخاطبه أحد بمثل هذا الكلام الخشن الجارح .. قال :
– ليس من حقك أن تخاطبني هكذا فأنا لا أعمل عندك وأنما أنا موظف في الدولة .
لم يتأثر رئيس القسم بهذا الكلام .. قال :
– لا أريد مشاكل وأذا قمت بها فالويل لك .
بهذا التهديد الصريح باشر أبو علي الغالب عمله فـــي قسم يغلب علـــى الكثير مـــــن العاملين فيـــه الطبع الخشن المشاكس . أدرك أبو علي الغالب أنه يتوجب عليه الحذر
الشديد من الأحتكاك مع هؤلاء المشاكسين . أتخذ له منضدة في مكتب مـع موظف بدا
له أنه يختلف عن الآخرين ، لكن ما ذهب اليه كان غير حقيقي ، فقد تحرش به فـــــي
ظهيرة اليوم الأول نفسه ، لكن أبو علي الغالب أبتسم فـــي وجه الرجل وتظاهر انه لم
يفهم مرامه . واسى نفسه المذلة المهانة في كل مكان ، وأمتدت يده لتتحسس أصابعــه
الكدمات التي سببها له السائق . قال فـــي سره : تحمل كل الأهانات وتفادى التحديات
فليس فــي كل يوم تظهر لك كدمات جديدة . أستطاع أبو علي الغالب بصبره علـى ما
يوجهه له زميله في المكتب من كسب وده أخيرا .
لكن هذا الود لم يعمر طويلا فقد شاعت الأخبار أن علي الحسني قـد نقل مـــن وظيفته
الى وظيفة في وزارة أخرى ، بسبب قريبه الوزير الذي كشف أشتراكه فــــي مؤآمرة على الحزب . حين تأكد أبو علي الغالب مــن أن الخبر ليس ملفقا أسرع الـــى مقابلة المدير العام شارحا له الظلم الـــذي الحقه به علي الحسني ، طالبا منـه أن يعيده الــى
القسم الذي نشأ فيه كموظف فـــي هذه الدائرة . أقتنع المدير العام ، أو أنه عطف عليه
لأسلوب كلامه المتوسل ، أو ربما للأهانات والضرب الذي تعرض له .
أحتل منضدته القديمة في مكتبه السابق مع شريكه سميع المحمود مرة ثانية . قال:
– أهلا بقدومك يا أبا علي الغالب .
– أنه مكاني الذي يجب أن أشغله .
– أذا كففت عن السعي الى جعل المسؤول الأول خاتما في أصبعك .
– من يقوم بأدارة القسم الآن ؟
– معاون رئيس القسم .
– تعني أبا صالح ؟
– نعم .
– هذا الرجل لا يمتلك الكفاءة .
– هذا صحيح لكن علي الحسني ترك له رجالا كفوئين.
– هل تعتقد أنه قادر على قيادتهم ؟
– أولئك الرجال يعرفون أنه رجل طيب .
– الطيبة وحدها غير كافية .
– درجته الحزبية المتقدمة ستشفع له ، أضافة الى أن شقيق زوجته عضو في القبادة.
– أي قيادة ؟
– قيادة الحزب .
– هذا هو أهم من الكفاءة .
حدجه بنظرة قاسية ، قال :
– ماذا تعني ؟
– أعني أن تبوأ الوظائف الكبيرة ما عاد يعتمد على الكفاءة وأنما على الدرجة الحزبية
المتقدمة ، أو حتى غير المتقدمة أذا كنت قريبا من أحد القياديين الكبار .
– أهذا مخالف للقانون ؟
– على العكس فمن حق الذين ناضلوا أن ينالوا هم وأقرباؤهم ما يستحقونه مـن مراكز
رفيعة في الدولة .
شك سميع المحمود في قصد أبي علي الغالب فسأله :
– أتتحدث عن جد أم أنك تسخر ؟
أحتج أبو علي الغالب :
– أسخر ؟.. ليس في كلامي شيىء من السخرية ، أنما أنا جاد كل الجدية .
– والآن ينبغي أن تكون حذرا مـــــن أبي صالح فهو كما تعرفه ذا مزاج عنيف عندما
تثار حفيظته .
قال مندهشا :
– ولماذا أثير حفيظته ؟
– هو طبعك المشاكس يدفعك الى ذلك . أضافة الى قناعتك التي لا تتزحزح عنها بأنك
قادر على جعل المسؤول الأول في العمل خاتما في أصبعك .
– أليس هذا من حقي أذا كنت قادرا عليه ؟
– لا ليس من حقك ، بل من حق ذلك المسؤول عليك أن تحترمه وتنفذ تعليماته .
نظر الى سميع المحمود بأستغراب .. قال :
– بدأت تتحدث بلسان المسؤولين .
– بل أتحدث بلسان الحزب .
– ماذا ؟
– سمعت ما قلته جيدأ .. هل نسيت أنني عضو في الحزب ؟
– لا لم أنس ذلك .
أنطوى أبو علي الغالب على نفسه خائفا ووجلا من شريك مكتبه الـذي تمترس داخل
قوقعته الحزبية . ثم أكتشف فيما بعد أن صداقة وثيقة تربط هذا الشريك بأبـــي صالح
الذي يقوم الآن بمهام رئيس القسم الثاني . فهـم بسرعة أن أي عمل مضاد لهذا الرجل
سيجعل سميع المحمود يقف في وجهه والحذاء فـي يده ، عندئذ قرر أن يهادن ويداهن
ويصافح اليد التي يعجز عــن ليها كمــا أكد له مرارا أبوه السيد . شرع يتقرب مـــــن
أبي صالح سالكا طريق التزلف الذي يعرف كل منحنياته والتواءاته . لكن خشيته تقبل
من سميع المحمود الــذي بمقدوره أن ينسف جميع خططه فــي لحظة غضب أو تعكر
مزاج . تساءل : ما الذي جعل هذا المحمود يقف له ليس في منتصف الطريق وأنمافي
بدايته ؟.. هو يعرف أن طموح هذا الشريك يكاد يكون معدوما علـى الرغم مــن كونه
عضوا فـي الحزب . كما يعرف أيضا أن كفاءة أبي صالح تكاد تكون معدومة وكانت
هذه ستمهد له الطريق ليضعه خاتما فــي أصبعه . لـم يكن وجود أولئك الكفوئين فـــي
العمل تحت أمرة أبي صالح لتقلقه أذ بوسعه أن يشتتهم مــن حوله ، بتعبئة أبــا صالح
ضدهم وتعبئتهم ضده ، وكان يعتبر كل ذلك مشروعا حيث ساد أو حــل عصر النفاق في صفوف الحزب ودوائر الدولة .
أستقبله أبو صالح بضحكاته المجلجلة التي تسمع فـــــي آخر الممر ، ولـــم يكن يجهل الكثيرمما ينطوي عليه من صفات وأخلاق، وعلى الرغم من معاملته الحسنة لـم يدعه
يقترب منه كثيرا ، يعني جعله علــــى مسافة ليست بالقريبة مــــن خصوصياته ومـن
قيادته للعاملين معه . شعر أن تصرفات أبي صالح غير معقولة ، فهي لا تتطابق مــع ما هو معروف عنه . لكن ذلك لم يمنعه من المواظبة على زيارته اليومية لــه ، وكان
خلال تلك الزيارات يروم معرفة تلك التغيرات التي طرأت بسرعة عليه فغيرته مـــن
حال الى حال . حاول جاهدا أن يعرف متانة الوشائج التي تربط هـذا المسؤول بسميع
المحمود.
عرف أنه يمنح الكثير من المكافآت له خلال الشهر عما يكلفه مــن أعمال ، فبدأ حقده
يحرك أمواجه بأتجاه الرجلين ، كما بدأ دماغه بفرز سمه . تساءل : لماذا لا يكلفه هـو
أيضا ببعض الأعمال ؟.. غير أن هذا التساؤل ظل حبيسا في ذلك الدماغ المسموم .
خلال أحدى زياراته سأل أبا صالح عن سبب عدم تكليفه بأي عمل ،ولماذا أقتصر في
تكاليفه على صديقه وشريكه في المكتب سميع المحمود . أحتقن وجه أبا صالح بحمرة
الغضب ، وسأله بصوت حانق :
– هل تحاسبني عن تصرفاتي ؟
أصفر وجه أبي علي الغالب وقال بصوت أشبه بالهمس :
– لا يمكن أن أفعل ذلك ، وكنت في سؤالي أعني رضاك مـــن خلال تأديتي للواجبات
التي تأمرني بها .
أستأذن بالخروج من مكتب أبي صالح خوفا من أن يتطور غضبه الى شيىء قد يجلب له مصيبة . كان عليه أن يقطع زيارته اليومية ، وأن يبقى بعيدا عن أبي صالح وهذا
ما فعله ساجنا نفسه فــي مكتبه الصغير وحيدا، أذ أن شريكه كان يغادر المكتب مبكرا
في كل يوم لينفذ ما يطلبه منه أبي صالح . هاجمه شعوره القديم بالوحدة القاسية التــي
تطحنه بمشاعر مؤلمة . لـــم يواس نفسه كما كان يفعل فيما مضى راميا محنته علــى
الحظ العاثر الذي يكيد له دائما .
في تلك الأيام التي عدها من أتعس الأيام التي مرت به ، فخلالها فقد أباه الى الأبد ، ثم
تحولت الى معذب يمتلك البراعة في تعذيبه ، فأبو صالح تجاهله أو تناساه تماما كمـــا لـوأنه مسحه من وجوده فــــي القسم،وشريكه فـــي المكتب أخذ يغيب عنه لأيام عديدة
وحين يظهر يكتفي بتحيته ببرود . كانت لياليه أكثر قسوة من نهاراته ، فآلامه القديمة
وجروحه الغائرة في أعماقه تطفو الى السطح لمرأى أمه ، وهكذا تأتي ثوراته في كل
ليلة على تلك الأم التي فرطت بشرفها ملخقة العار به الى الأبد . كل يوم يحس أنه ينقل
خطواته على أسفلت الشوارع ، وأنما فوق نيران لا يخمد أوارها . كل يوم يجد نفسه قد ناء كثيرا عمــــا يرنو اليـــه ويتمناه . تساءل : هــل لهذا العذاب نهاية ؟.. هل لهذا الحرمان من تعويض في آخر المطاف؟. لكن أيقاع حياته اليومية الذي لا يطرأ عليه
أي تغيير يرده الى عذاباته التي لا تتوقف أبدا .
قرر أن يضع حدا لطرف من طرفي تعاسته فعاد بأمه الى القرية . هناك أخبرأخوته
أنه ما عاد بوسعه تحملها ، وأنها يجب أن تعيش معهم ، غير أن أخوته الأشقاء وقفـوا
جميعا في الضد منه ، وأصروا على عيشها معه . صرخ فيهم :
– أهي حجر رحى علق الى رقبته ؟
فأكدوا له :
– نعم فأنت أبنها البكر وعليك حق عيشها معك .
فلعنها بصوت عال . توسلت بهم أن يتركوها تعيش معهم لكــي ينقذوها مـن هذا الأبن العاق الذي يضربها كل يوم ويرميها الـى الشارع ، لكنهم أصموا آذانهم عن توسلاتها
وأشاحوا بوجوههم عنها .عاد بها الى بيته في بغداد حاملا عارها وعاره .كان قد كف
منذ زمن طويل عن أخبار زوجته بخيباته التي تراكمت واحدة فوق الأخرى كمـا كف
عن لعن الحظ والزمن اللذين غدرا به .بدا في تمرغه بتلال الخيبات تلك أقرب شبهــا
بحيوان يعض بكـل قوته علـى جرحه المميت . ثــم تلقى توبيخات متكررة مــن دائرة
الأمن التي وجدت فــي تقاريره عــن الموظفين وسلامة مواقفهم تجاه الحزب والثورة
نوعا مـن السذاجة وعدم الدقة ، وأفهمه مسؤوله الأمني أن عليـــه رؤية الأمور بشكل
لا يتطرق اليه الخطأ لأن هذه الدائرة ليست من الدوائر الأعتيادية وأن قراراتها يمكن
أن تلحق الأذى والمصائب بالآخرين .
تمنى أن تقع هذه المصائب بسرعة فوق رؤوس الجميع كما تمنى أن يحدث زلزال أو
تقصف الصواعق هــذه المدينة التي الحقت به النكبات والأحباطات منذ أن عاش فيها
غير أن تمنياته لــم تتحقق . أيقـن أن الله والشيطان كلاهما يقفان ضده ويفسدان كل ما
كان قد خططه من أجل أن يتربع على مركز وظيفي ذي أهمية أو يستولي على أرادة
أحد المسؤولين فــي هذه الدائرة العملاقة . تألم كثيرا حين مر بخاطره أنه سيغادر هذا
العالم من دون أن يحقق لنفسه ما حققه أبوه السيد . أنه الآن أعزل تماما لا مال حصل
عليه ولا رفعة مركز وظيفي . تساءل بخيبة أمل : هل كل هـذا حدث لأنه باع الحزب
لدائرة الأمن قبل أكثر من عشر سنوات ، لكن غيره فعل ذلك أيضا ومـــع ذلك تسلقوا
المناصب الحكومية ، أو أعادهم الحزب الى صفوفه ألا هو .. لماذا؟.
مل من تكرارهذه التساءلات فلجأ الى الأنطواء على نفسه بعيدا عن أبي صالح وبعيدا
عن سميع المحمود وبعيدا عـــن جميع موظفي القسم الثاني .أكتفى بمراقبة الآخرين ،
ليضمن لنفسه السلامة التـي يجهل متى يفقدها ، لأنه موقن أن أولئك الآخرين يجيدون
حبك المؤآمرات وأنهم لن يتركوه يعيش في وئام وسلام بينهم ،كان يرى في عيني كل
واحد منهم العديد مـن المؤآمرات ضده . عندئذ أحتاط لكل شيىء لكـــي لا يؤخذ بغتة
مثل مغفل . مع ذلك فأنه لم يتخلص من حنقه وسخطه وغضبه ، بل تفاقمت كثيرا جدا
تلك المشاعر الى حد تمنى أن يجتاح المدينة وباء الطاعون .
لم يكتشف أبو علي الغالب بالجفاف والضمور الــذي أصاب جسده ، وحتى زوجته لم
تتطرق الى الحالة التي أصبح عليه زوجها فقد عزت ذلك الى كثرة التفكير وأن هـــذا
التفكير جعل جسمه يأكل بعضه بعضا . تنبه لهذا الضمور سميع المحمود يوما فسأله
– هل أنت مريض ؟
– لا .. لماذا هذا السؤال ؟
– لقد هزلت كثيرا .. ألا ترى نفسك في المرآة ؟
– أنا متعب فقط .
– هذا ليس تعبا .. أفحص نفسك عند طبيب .
في الليل قال لزوجته :
– يبدو أن جسمي هزل كثيرا .
– كف عن التفكير لأن جسمك من النوع الذي يأكل بعضه بعضا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.