حسين سرمك حسن : إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون ؟! تحليل رواية “الحفيدة الأميركية” (4)

عودة :
——–
.. وبرغم شعور الجدة الراسخ بأن حفيدتها “تشتغل” مع الأمريكان وهو ما ترفضه جملة وتفصيلا إلا أنها ذهبت لزيارتها في القاعدة الأمريكية (القصر الرئاسي السابق ) في تكريت. استبدلت زينة – وبسرعة خاطفة- ملابس مدنية بملابسها العسكرية لكي لا تستفز مشاعر جدتها، والتقت بها واحتضنتها وجلستا تبكيان بعد فراق دام خمسة عشر عاما فرضه القمع والطغيان والاستهانة بقيمة الإنسان . رفضت الجدّة الدخول إلى المعسكر، ( وهزّت رأسها هزّة لا رجعة فيها . عناد أكراد حملته كالوحمة في دمها ، منذ مولدها في بيخال ، وأورثته لابنتها بتول ، أمّي ، التي نقلته لي . نساء عنيدات بالوراثة كالبغال – ص 72) .
وهنا ولأول مرة نعرف أن الجدة منحدرة من أصل كردي ، ونتعرف على هذه الخلطة العجيبة التي شكلتها الأنامل الحاذقة لإنعام كجه جي لتعبر بها عن هذه الفسيفساء التاريخية التي شهدها المجتمع العراقي عبر عصوره المديدة .. فالجد مسيحي كلداني .. الجدة كردية .. الأم كلدانية .. الأب آشوري .. البنت سوف تقع في حب عربي شيعي كما سنرى .. هذه الخلطة تأتي تلقائية ولا عسف فيها بخلاف من حاولوا تحويل النزاع الطائفي إلى “إبداع” فصنعوا لنا مسلسلات تلفزيونية وروايات عن صراع السنة والشيعة ، وكيف سينتصر الحب عليه .. لقد جعلوا الطائفية “فنّا” .. في حين أن إنعام تقدّم حكاية لا توصيفات مباشرة فيها .
وثانية وعاشرة تعود “الخفة” لتفسد كل شيء جدّي وناغر بالأسى يجعل أرواحنا تتقطع متعاطفة مع أي مشهد مشحون بالإنفعال الصادق واللهفة الحارقة . زينة تصف الآن البكاء الحارق الذي اجتاحها وجدتها في لقائهما الموعود هذا :
(بكيت على كتفها من التأثر والمحبة ، وكانت تبكي من المحبة والقهر ، وربما من العار . لاشك أنها شاهدت المجنّدين والمجندات يروحون ويجيئون في المكان ، والسيارات العسكرية تجتاز البوابة ، والمترجمين يستقبلون الأهالي المرعوبين ويغربلون الغضب المتصاعد . لكن الأمور كانت متشابكة ، وليست محسومة ، في تلك الأشهر الأولى من الفوضى ، والأهالي لايزالون تحت وطأة الزلزال ، لا يدرون هل يرحبون بالقادمين على الدبابات أم يبصقون عليهم ؟! – ص 72 ) .
هكذا تؤجج الكاتبة مشاعرنا ونحن نلاحق تفصيلات اللقاء المنتظر بين الجدة صاحبة دعاء الشتات وحفيدتها المهاجرة قسرا .. ممتزجة بخيبات وضياع أهلنا في العراق في ظل الغزو الأميركي المدمر والقذر .. لكن تأتي مفردة سهلة ومبتذلة لتطيح بكل شيء وهي مفردة “المخاط”. تقول زينة :
(كان خروجي من القاعدة ، بدون حماية ، مستحيلا . لذلك جلست مع جدتي في غرفة الحرس ، والمناديل الورقية تتكوم بين ايدينا . عرق ودموع ومخاط – ص 73 ) .
ويبدو أن هذا الوصف صحيح بالنسبة لفتاة تربت وفق العقلية الهوليودية .. وهي في حقيقتها عقلية المجتمع الأميركي بأكمله . إنها ضحية رماها وطنها بعيدا في المنافي لتختل تربيتها الوجدانية ، فلا تعرف أي الطريقين تسلك في بناء شخصيتها ، مثلما يقول إخصائي أدب المنافي الروائي العراقي “علي عبد العال” : ( كنت في مطلع العشرينات عندما جئت إلى السويد . ومضى علي أكثر من عشرين عاما هنا . من أنا ؟ أنا عراقي في معشر سويدي ، وأنا سويدي في معشر عراقي . في كل نصف يقف كلي ضد نصفي الآخر . وهكذا وجدتني مشطورا إلى نصفين كاملين ؛ ازدواج متكامل لا يمكنني توليفه بمجرد الرغبة . تلك المعادلة التي حدثت عن طريق الخطأ أو عن طريق الصح، لا يهم ذلك، المهم أنها حدثت ، تتقاذفني بشطريها المتعاكسين ، المتضادين ، وأنا محصور بين الدفّتين . أحاول العثور على عناصر أخرى تنأى بي عن هذين القطبين اللذين يطحنان أيامي وأوقاتي في الهباء – ص 96 ) .                                                                                       ولا أعتقد أن هناك بلاغة في التعبير عن حال المهاجر الذي ” أضاع المشيتين ” كما تقول الحكمة الشعبية تفوق هذه البلاغة . ووفق قاعدة أمهاتنا العظيمات التي لقنّها لنا في الطفولة ، فإن من يبتعد عن التنور عليه أن يقبل بالصمون . والجدة التي هي خلاصة روح العراق . جدّة صامدة مرابطة .. يا ريت كل الرجال العراقيين مثلها في المرابطة والصمود عندما حصلت شدة الإحتلال الفاجعة . فقد رفضت أن تأكل أو تشرب أي شيء في المعسكر ، ورغم حرارة الجو دفعت بيد حفيدتها الممدودة لها بقدح الماء . كأن ماءهم زرنيخ . ثم قامت وعادت من حيث أتت . وقبل أن تتحرك بالسيارة عاتبت حفيدتها زنزن :
-يعني كانت ضرورية شغلتك الماسخة في هذا المكان ؟ (ص 75) .
# ومع الجدة جاء حيدر يقود سيارة التكسي التي أقلتها إلى القاعدة . إنه إبن طاووس صديقة العائلة المسيحية ..مواطنة مسلمة بسيطة ، لكن حكيمة ، من مدينة الثورة . وعندما ولدت زينة ومرضت أمها بتول بالحمّى ، قامت طاووس بإرضاعها ، فصارت بذلك أختا لكل أولادها في الرضاعة . لكن زينة لم تستطع تذكر طاووس . وهي محقة في ذلك حقا ، فالذاكرة البشرية معرضة للشحوب وعوامل التعرية ، خصوصا في المنافي حيث تضمحل القرائن والمنبهات التي تستفز مخزونها . إن عدو الإنسان المهاجر أو المنفي هو الذاكرة مثلما هي حليفته وسلاحه .. هو سلاح ذو حدّين باشطين كما يرد في التعبير التقليدي . لقد نسيت أن حيدر هذا إبن طاووس هو أخوها بالرضاعة !!
# جيل رائع لكن ضائع :
———————–
ولكي لا نظلم زينة تماما- برغم إدانتنا الحازمة المطلقة والكلية لتطوعها في جيش الإحتلال – ولكي تكون “دراسة حالة” نستقي منها العبر ونستلهم منها الدروس ، علينا أن نراجع سيرتها – ممثلة لسيرة جيل كامل – السابقة ، وما فعلته الظروف الموضوعية التي أسستها السلطة الغاشمة السابقة ببنيتهم العقلية وبتركيبتهم النفسية . فبعد عودة الجدة من زيارة حفيدتها الأميركية جلست مع “حيدر” إبن طاووس في المطبخ لتكشف له بعد غصة وتردد عن مشاعرها الحقيقية :
(-إنها تشتغل مع الأميركان .. زينة تشتغل ويّاهم .
-خالة كل الناس تشتغل هذه الأيام مع الأميركان .
-لا عيني حيدر، مو تمام .. لا أحد من أهالينا وجيراننا يعمل مع الإحتلال .
-لكنها أميركية. هاجرت من هنا وهي طفلة وصارت أميركية .
-يعني الأميركي ينسى أصله ؟
-لا ، ولكن زينة كبرت وتربّت في دنيا غير دنيانا .
-سنربّيها من جديد هذه البنت الجاهلة .. ها عيني حيدر ؟ لن نتركها ناقصة التربية.
قالت الكلمة الأخيرة بالتركية : “تربية سز” ، فسارع حيدر ووضع كفه على فمها :
-هس … ما يجوز .. هاي بنتنا – ص 76 و77 ) .
إن هذه الجلسة الحوارية التي تطرح “حالة” زينة على طاولة التشريح بين الجدة رحمة والشاب حيدر ، تمثل صراعا بين عقليتين لجيلين مختلفين من الأجيال العراقية ؛ عقلية الجدة المولودة في عام 1917 (عمرها 86 عاما في سنة الإحتلال)  ، والتي فتحت عينيها على تاريخ العراق المعاصر بكل تقلباته والتي اتسمت بالتناقض والتضاد المحيّر والمدوّخ ، ولكنها ، وبرغم كل تناقضات العهود الملكية والجمهورية ، تربّت على ثوابت حاسمة لا رجعة عنها مدّت جذورها عميقا وبعيدا في تربة وجدانها . لكن حيدر من الجيل الذي أسمّيه (الجيل الرائع لكن الضائع) . تتحدث إنعام كجه جي على لسان حيدر وبالنيابة عنه في فعل مشروع تماما ، فهي ليست الكاتبة التي يلتم لاشعورها وطيات ذاكرتها على عذابات أهلها العراقيين المبرحة التي اختزنتها تفصيليا حسب ، بل هي الإنسانة العراقية التي تكوت بنيران تلك المرحلة ، وتقلّبت على جمر متناقضاتها العجيبة الحارقة . تقول إنعام :
( كان حيدر لا يصدق أن عجوزا في سن رحمة مازالت تحفظ في طيات جلدها كل تركة الأجيال التي تربّت على الصح . إن جيله تربى على الخطأ . نفاق ورشوة وخوف وكلام مبطّن ولعبة الختّيلة . أرادونا بعثيين جميعا. ومن عاند طلعوا عليه بفتوى أن المواطن الجيّد بعثي وإن لم ينتم . لكن الخير كان كثيرا فأدار الرؤوس . مصانع ومقاولات ومدارس ووفود وبعثات ومستشفيات ومهرجانات ومجلات وبحيرات وأنهار صناعية وقرى سياحية ومراكز أبحاث . ثم اشتعلت طاحونة الحروب وشفطت النفط حتى آخر قطرة . راح الرجال وجلست النساء يلطمن الصدور – ص 77 ) .
لقد كانت مرحلة السبعينات التي عاشها هذا الجيل هي مرحلة ذهبية في تاريخ العراق : أعلى دخل .. أول بلد في محو الأمية .. أعلى ولادات .. أقل وفيات أطفال .. اجتثاث الأمراض المعدية .. أسرع وتيرة للتطور الصناعي والزراعي .. “يابان الشرق الأوسط المقبلة” هكذا كانت الصحف الغربية تصف نهضة العراق .. لكن السياسة والأيديولوجيا الضيقة القذرة والشخصيات الحزبية المريضة ومطامع السلطة قلبت كل الموازين .. وحتى مع وجود تلك النهضة كانت الخطوات المشوومة تتخذ حثيثا لتخريب نفسية الإنسان وخصوصا من قطاع الشباب الذي هُدرت أروع سنوات حياته في الحروب والحصارات . ولعل الأنموذج الذي تقدمه إنعام من خلال عائلة طاووس يحمل من المعاني الكثير في هذا المجال . فحيدر كان ذا معلومات موسيقية واسعة .. وفي غرفته كان أكبر معرض لصور مادونا .. وهو الآن محبط ، ولا يرى ما تراه العجوز المتحمسة من ضرورة إصلاح سلوك زينة . فالخراب النفسي والأخلاقي عام شامل .. كم ألف عراقي ، كم مليونا تستطيع العجوز أن تربّي ؟ . هكذا كان يتساءل . والآن وفي ظل الطغيان الإسلاموي الأصولي لم يعد يستطيع سماع الموسيقى التي يحبها ، ولا شرب الخمرة التي اعتاد عليها . ولكي يفر من قبضة الخراب الخانقة هذه ، فقد وضع نصب عينيه حقيقة أن زينة هذه- أخته بالرضاعة – (هي الوحيدة التي في إمكانها أن تنتشله من مستنقع الرمال المتحركة الذي يغوص فيه . سترتّب له أوراق الهجرة وتسحبه معها إلى أميركا. وهناك سيعيش شبابه الذي ضاع منه، ويشرب على هواه، ويطيل شعره ويرقص ويغني ولن يترصّده وصيّ من أوصياء السماء . عاشت أميركا بلد السكارى – ص 79 ) .
أمّا الأخ الثاني (مهيمن) فقد كان مولعا بالموسيقى ايضا ، ثم وقع اسيرا في يد القوات الإيرانية لثلاث سنوات احتفظت أمه خلالها بكاسيتاته الأثيرة إلى نفسه تحت السرير ولم تبعها في أسوأ الظروف . ولما عاد من الأسر (أخرج الكرتونة إلى الخرابة وصبّ فيها الكاز وأحرقها أمام الجميع . شاخ مهيمن قبل أوانه. عجوز في الأربعين – ص 78 ) .

# محنة أبيها “صباح شمعون بهنام” :
———————————-
ولعل من العوامل المهمة التي أثّرت في قناعات وتكوين وأفكار زينة هي هجرتها المبكرة من وطنها . هجرة ترتب عليها انفصالها عن جديها اللذين تكفلا برعايتها يوميا بفعل انشغال الأم في وظيفتها الجامعية والأب في عمله الإذاعي ، مثلما جعلت العائلة بأكملها تشعر بالغبن والمهانة والإنذلال وعدم الأمان وهي في وطنها ، وتختزن هذه الذكرى المريرة عن اعتقال الأب التعسفي ، وتعذيبه المهين . (قبل أن يضربوه ويبولوا عليه ويكسروا أسنانه ويسحبوا طرف لسانه بالكلابتين ويحرقوه بسكائرهم ، أجلسوه إلى طاولة وهو عار ، ونصبوا أمامه كاميرا تلفزيونية وأعطوه أوراقا مكتوبة لقراءة النشرة . وكان الخبر الأول عن إعدام المذيع صباح شمعون بهنام شنقا حتى الموت ، بعد إدانته بالتآمر على الحزب والثورة – ص 82 ) .
هكذا يكون التعذيب النفسي اشد وطأة باشواط من التعذيب الجسدي ، فقروح النفس لا تشفى مثل قروح الجسد ولا بسرعتها، كما أن ندوبها تبقى قابلة للإهاضة والهيجان تحت أبسط لمسة لأدق مؤثر يعيد الذكرى. وتبلغ الإستهانة بالإنسان في ظل نظم الطغيان حدا مروعا حين تذهب الزوجة إلى رئيس الجامعة التي تعمل فيها لتستشيره في ما يجب عليها عمله في قضية تعذيب زوجها فإذا به لا يعد ما حصل لزوجها تعذيبا بل هو مجرد مزاح ، وأن عليها ان تحمد ربها لأن زوجها عاد إلى بيته ماشيا على ساقيه !! في حين أن الزوج قد خرج شيخا متهالكا مكتئبا ومحطما . والأفظع هو أن الوشاية جاءت من أقرب زملائه ، والتهمة هي أنه احتج على طول النشرة الإخبارية، وقال إن أخبارها بائتة من نشرة اليوم السابق.  وهنا تقرر الزوجة الفرار بعائلتها إلى المنافي .. لتحصل على اللجوء في البلد الذي يكون الرحيل إليه ، من الناحية الجغرافية ، كالذهاب إلى الموت حيث لا لقاء يُرجى بعده ، وهو الولايات المتحدة الأميركية . أي أن زينة قد “خُلعت” من تربة وطنها ومحيطها العائلي قسرا وهي في ذروة طفولتها حيث لم تختزن من معاني الولاء وترسيخ العلاقة ببيئتها صورا قوية منعشة ترسخ في الذاكرة والوجدان . على العكس من ذلك ، انخلعت وهي تختزن مشاهد حارقة عن مهانة الأنموذج الأبوي ومهانته و “إنخصائه” على يد سلطة أبوية باطشة لا تعرف الرحمة . هل كان جانب من الدوافع المستترة لتطوّع زينة في جيش الإحتلال تحقيقا لثأر من المهانة الأبوية المختزنة حيث يكون أنموذج “إلكترا” المنقذ والحامي المهيمن أوانتلك المرحلة العمرية هو الأب ؟ . هل يمكن أن تتأسس الخيانات الكبيرة على اساس الخذلانات والمهانات الصغيرة ؟ . نعم من الممكن كما أظهرت التجربة العملية ومعطيات علم النفس . لكننا لا يمكن ان نقدم ذرائع للخيانة. من واجب الباحثين والمحللين أن يدرسوا تاريخ زينة . ومن واجبنا أن نسير مع خيباتها المتكررة التي جلبها عليها قرارها وأولها لعنة جدّتها التي لا تقبل المهادنة . فـ (زينة عادت بعد خمسة عشر عاما . كل العودات مرحب بها إلا هذا الإياب . إنه يكوي الحشا – ص 83 ) .
تقول زينة:
(“جاءوا على دبابات الإحتلال” ، عبارة مختصرة ألطف وقعا من الخيانة. لكن زينة لم تكن خائنة في نظر حيدر . بنت تشتغل في الترجمة ولا تفهم في السياسة . وكان في البداية مسرورا بهذه الأخت التي هبطت عليه مثل هدية ثمينة في زمن شحيح بالهدايا . ثم فتح غلافها اللماع وشعر بالخيبة . جاءت هديته على غير ما يشتهي . أكثر اعتدادا مما يحتمله ذوقه . تقرر وتخطط وتنفذ ، وتنطلق ولا تسأل رأيا أو تطلب عونا . إمرأة بخصيتين – ص 77 ) .
# الجدّ :
————
في زيارتها الأولى إلى بيت جدتها متنكرة بملابس مدنية، وجدت زينة جدّتها وهي تلمّع – بمساعدة طاووس – الأزرار النحاسية لسترة خاكية اللون ذات نجوم ذهبية على الكتفين . وكأن الكاتبة تضعنا أمام مقارنة واسعة الأبعاد بين زي الجيش الوطني الذي نذر نفسه للدفاع عن وطنه ومبادئه العسكرية ، وبين زي الجيش الذي ارتدته زينة وهو يتصدى لاحتلال وطنها القديم .. في حين أنها – ويا للمفارقة – من صلب صاحب تلك البدلة العسكرية فهي للجد العقيد (يوسف الساعور) . وكان هذا اليوم الذي تلمع فيه الجدة الأزرار النحاسية هو يوم السادس من كانون الثاني .. وهو عيد تأسيس الجيش العراقي . وقد اكتسبت الجدة رحمة هذه العادة من زوجها الجد يوسف الذي أحيل إلى التقاعد بعد انقلاب عام 1958 رغم كفاحه الجليل في حرب فلسطين عام 1948 وسلوكه العسكري “الصوفي” إذا ساغ الوصف. لم يكن يشرب الخمرة وهو يلبس الخاكي .. ولم يتشاجر مع أحد إلا بعد أن يخلعه . وبعد أن عين مستشارا قانونيا لمصلحة السكك الحديد بجهود الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ، دأب كل عام ، وفي يوم السادس من كانون الثاني ، عيد تاسيس الجيش العراقي ، على أن يأخذ بدلته إلى المكوى ، ليغسلها ويكويها ، ثم يقوم بتلميع نجماتها الذهبية . إن جيشه الذي نذر حياته له ، والذي إنكسر شر منكسر في حرب الإحتلال الأخيرة في منازلة غير متكافئة، وفي ظل قيادة خضعت فيها الكفاءات العسكرية المحترفة وذات التاريخ الطويل في الكفاح لصبي ورئيس غير عسكريين محترفين ، مازالت إيحاءاته المعنوية مختزنة في نفوس بسطاء هذا الشعب ممثلة في الجدة رحمة التي مازالت مثابرة وبعزم ، تساعدها الحليفة البسيطة هي الأخرى “طاووس” وكل منهما من ديانة وعرق مختلف ، على تنظيف بدلة الجد الرمز وتلميع أزرارها . ولأن زينة مركوبة بالشعور المؤرق بالذنب ، فإنها لا تستطيع، وهي تحاول مجاراة قيمة زي الجد العسكري ، إلا أن تنسرب المقارنة بين طياتها أحاسيس التكفير التي تُختم بالتسطيح الذي يأتي “خفيفا” وهوليوديا كل مرة كما قلنا مرارا وتكرارا . تتناول سدارة جدها الزيتونية وتضعها على رأسها وتقف أمام المرآة . تقول في مقارنة غير مباشرة :
( ملأني الفخر بعد أن أعطوني البدلة المرقطة وتأكدت من أنني ذاهبة إلى المهمة التي ستجعلني أستحق المواطنة الأميركية. إنها فرصتي لردّ الجميل للبلد الذي احتضنني منذ أول الصبا وفتح لي ولأسرتي صدره. لكن بدايتي في ديترويت لم تكن مشجعة. أصابني “الهوم سيك” وكنت أبكي كل ليلة قبل النوم. كل ليلة وطوال ثلاثة اشهر، حتى أن أمّي خافت عليّ من المرض، وفكّرت بإعادتي إلى بغداد. لكنني، في الشهر الرابع، انتظمت في الدراسة وجفّت دموعي وأخذتني دورة الحياة . إنه فيلم “تموت وتتعوّد” – ص 93 و94 ) .
ينتهي هذا الموقف / المواجهة بين تأريخين وأنموذجين وثقافتين ، بتسوية وتصافق لا يغني عن مشاعر المتلقي الحقيقية والمنفعلة عبر مسارات متقلبة بين الجد والهزل وسط مناخ فاجع ومدمر يحترق في أتونه وطن بأكمله. لكن المشهد الختامي لهذا الفصل (XV111 )، يحيلنا، وبقوة الدلالة وتراكم الوقائع التي قدمتها الكاتبة عن خسارات “زينتها” الوطنية عبر عمرها القصير والغض الذي خُربت عملية تفتحه التلقائية المنتظرة بجور سياط السياسة الكريهة ، إلى هذه الهوّة الجسيمة التي لا قرار لها، والتي يعيشها المجتمع العراقي بين أجياله .. وخصوصا بين جيل الآباء المؤسس – لنسمه هكذا وفق أطروحات التحليل النفسي – وبين جيل الأبناء المحبطين المنبوذين من الفردوس الأمومي ، والذين يبغون قتل “الأب” بأي طريقة وبأي ثمن وفق الأطروحات نفسها التي لا يريد أي قيادي عراقي حاليا أن يستوعب دروسها (وبالمناسبة فإن هذا التحليل يمثل استكشافا عميقا لتفجرات شباب الشارع العربي في ما سمي بربيع الشارع العربي والذي لدينا تحفظات علمية نفستحليلية على توصيفه هذا برغم أنه نتاج مشروع لحالة القهر المتطاولة ) . إن المعادلة/ الموقف الختامي لهذا الفصل والذي جاء شديد البلاغة تعبيريا ، قدمته إنعام من خلال “مشهد” يعكس استيعابها “الحداثي” :
(تذكرت كل ذلك [= لبسها زي الجيش الأميركي لأول مرة ووصفه، واسترجاع توصيات العريف المدرّب ] بينما كانت نفسي تراودني بأن أفك أزرار سترة جدّي الثقيلة، وأن ضعها على كتفيّ النحيلتين. وخفت أن أفعل فتنهرني جدتي رحمة. لكنها ترددت قليلا ثم قامت وتناولت السترة أمّ النجوم الذهبية بيديها المرتجفتين وألبستني إياها. كانت تقف ورائي فلم ألمح تعبير وجهها. ثم تواجهنا ومدّت يديها تزرّر سترتي. وابتعدت كمن يريد تأمل لوحة من مسافة مناسبة ورمقتني بنظرة طويلة لم أخطىء في قراءتها: هل يُعقل في هذا الزمان المجنون أن تُنجب بزّة العقيد العراقي سترة ضد الرصاص “صُنعت في أميركا”؟ – ص 94) .

# الآن “صارت زينة تكريتية” :
——————————–
الآن “صرتُ تكريتية” كما تقول زينة وذلك لأنها تقيم في أحد القصور الرئاسية في تكريت، وتعمل في دائرة الشؤون المدنية بوظيفة مستشار ثقافي . طبعا لا يمكن تفسير هذا الربط إلا بأنه نتاج الخفة والاستهتار في ربط الظواهر . فوفق حساباتها ، إذا تناولناها بصورة جدّية ومنطقية ، يكون كل الأميركان العاملين في هذا المكان “تكارتة” . ولكن الاستنتاج يكون “صحيحا” في حالة واحدة، هو أننا بمواجهة فتاة مستهترة بكل منطق، ولديها منطقها التهكمي والساخر القائم على الشطحات والإستخفاف بكل ما هو جدّي. وفي معطيات التحليل النفسي يمكن أن يكون الجوء إلى السخرية والتهكم شكلا من أشكال الآليات الدفاعية التي تلجأ إليها النفس البشرية عندما تتعرض لظروف شديدة القلق وتسبب شعورا كبيرا بالإثم . لكن ما تظهره زينة ليس آلية دفاع وقتية وعابرة ، بل هي سمة متأصلة في شخصيتها . إنها درع متصلب من ردوع الطبع . ومن هنا – من اللحظة التي تعلن فيها زينة أنها صارت تكريتية- تتصاعد محاولات تلميع صورة المحتل الأميركي القاتل الغازي وتجميل وجهه القبيح. فالمحتل يعوّض العراقيين الذين يكسر زجاج بيتهم ( يا عيني على الرحمة الأميركية! – هل ساصبح “خفيفا” مثل زينة؟ )، أو يهدمون بيته. والضابط الأميركي ذو قلب عطوف رقيق ينكسر لحال الفرّاشتين اللتين فقدتا عملهما بعد أن توقفت الدراسة بسبب الحرب فشغّلهما في المعسكر. ولا ذكر أبدا للجانب الوحشي والحيواني الذي تعامل به المحتل مع المواطنين العراقيين، وكيف كان يذبحهم بدم بارد. كيف كان يدك المدن العراقية ويهدم البيوت ليدفن عوائل كاملة تحت الأنقاض .
ثم تشير إلى أن هناك العمالة الظاهرة كسمة في سلوك بعض المواطنين العراقيين الذين يأتون “طوعيا” ليعطوا المحتل معلومات تفيده، طمعا في عمل أو مقاولة أو بضع ورقات خضر!! طبعا هذا أمر حصل لدى الكثير من الشعوب ، لكن زينة تتحدث عن الأمر وكأنه مشاهد من مسلسل كوميدي . خذ حادثة الفتاة الطالبة (العميلة في المهد كما تصفها زينة) التي جاءت لتشي بزملائها الطلاب الذين سيعقدون اجتماعا ضد الإحتلال، فوقع ملازم الاستخبارات الأميركي في حبها. تعلق زينة على لقاءات “الحبيبين” فتقول:
(.. وحتى فرانكي نفسه كان يشك في أمرها أحيانا، ويأتي لكي يطلب مني ، باعتباري أفهم عقلية النساء هنا، أن أختبرها وأسرح بها في الكلام لأعرف هل تحبه بالفعل أم تمثل عليه دوراً. ولم يضايقني أن أكون مستشارة لشؤون القلب والسينما. أتمتع بفيلم من نوع “جولييت في تكريت” ؟- ص 97) .
وبعد أن تخبرنا بأن جثة المخبرة الصغيرة قد شوهدت ذات صباح مرمية فوق تل من الأزبال وقد نحرت وفقئت عيناها، وتأثير ذلك في نفسيتها، تعود للتأكيد على “أنهم” كانوا يصنعون مستقبلا جديدا لهذا البلد، “الذي يحتضن عظام أجدادي وكان يوما ، حاضنتي- ص 98) .
وكل هذه المآسي المريرة –وغيرها وعلى امتداد الرواية- التي ترويها زينة ، تضيع تأثيراتها النفسية في نفوسنا كمتلقين ، وتتحول إلى ميلودرامات في أحسن الأحوال لأن زينة لا تستطيع “ضبط” تلك السمة الراسخة في بنيانها الشخصي والسلوكي بصورة متسلطة لا خلاص منها.
ووسط كل مظاهر الخراب التي أشاعها المحتل في جسد البلاد “بلادها القديمة” ، ومع كل المخاطر والتوترات التي أثارها مقتل العميلة الصغيرة خصوصا، لم تكن زينة تفكر بشيء أكثر من “معدتها” ، وسد غريزة الجوع لديها. فبعد أن تنقل لنا حادثة نحر الفتاة العميلة وفقء عينيها والتي يجب أن تكون ذروة فصل مستقل من الناحية النفسية والفنّية، نجدها تواصل مسيرتها السردية بالحديث عن العشاء الذي يأكلونه في المعسكر بأنه “shit ” ، فيعوّضونه بإرسال مترجم محلّي إلى المطاعم الشعبية ليأتي لهم بدجاج مشوي أو كباب “من الذي تشتهيه النفس- ص 99” . ثم تتحدث عن أكلة الكباب التي اصابتها بالإسهال . “لم تنكسر عيني . واصلت إشتهاء الكباب المحلي” كما تقول. “دام الإسهال إسبوعا وفقدت ثلاثة كيلوات” !!. لقد كانت تتحدث عن مداهمة بيوت العراقيين بحثا عن الإرهابيين . والآن تصف لنا كيف تربعت على مرمر القصر الرئاسي وشمّرت عن ساعديها أمام جريدة توزّعت عليها صحون الكباب والكرّاث والبصل الأخضر وطرشي ثوم العجم. منظر مقزّز لفتاة سوقية تافهة تعرضه وكأنه فتح سلوكي يهرب منه الضابط الأميركي. وفي مقطع لاحق مباشر لهذا الإستعراض السخيف الذي يقدم أمام أعين متلقين مزّقت أرواحهم مشاهد الموت والخراب والدخان والسلب والإغتصاب ونهب ممتلكات البلاد ، تفتتح حديثها بجملة (ثم جاء الفرج) فننتفض ونعتقد أخيرا، أن “فرجا” سرديا وفنيا سيأتي بعد أن صحت زينة – ومن ورائها الكاتبة طبعا- على تفاهة مثل هذه الأسلوبية السردية. فما هي النتيجة؟ إن النتيجة أسوأ وأكثر ابتذالا بمراحل . تقول زينة:
(ثم جاء الفرج . تعرفت على امرأتين من قرى الشمال (…..) وبما أنني كنت في جوع دائم إلى طعام قابل للأكل، فقد تفحّصت المرأتين ووقع اختياري على السمينة بينهما.
-هل تعرفين طبخ الدولمة ؟
(…) أعطيتها عشرين دولارا وطلبت منها جدريّة برياني. وجاءت في اليوم التالي ومعها نسيبتها تتعاونان على حمل قدر يكفي لفرقة مجوقلة. أكلت يومها حدّ التخمة. من يومها صارت نهرين طباختي الخاصة – ص 101).
إن درجة كبيرة من “التثبيت الشرجي – anal fixation ” تعلنها بقوة سلوكيات زنزن . فعلى مستوى الخطاب تحفل لغتها بمفردات : الخراء ، الطيز ، المؤخرات ، الروث .. وغيرها . بالإضافة إلى انهمامها بمشكلة “تفريغ” محتويات امعائها كما سنرى . وصاحب الطبع الشرجي يختزن قدرا كبيرا من العدوان يتمظهر في الأفكار والسلوكيات والخطاب وأغلبها تأتي “نيكروفيلية” الطابع تدور حول الأشياء لا الإنسان ، وحول الموت لا الحياة. كما أن سلوكياتها تشي ايضا بما يمكن أن أسمّيه بـ “الجوع القديم” .. فواحدة من أكثر المشاغل لديها هو كيفية ملء معدتها . لقد سألها حبيبها الأميركي “كالفن” عن أعظم اختراع قدمته الحضارة الحديثة وكان رأيه هو الريموت كونترول ، جاء جوابها أنه “الأركيلة” !!
وبكل بساطة تصف خلاصة واجبهم وحياتهم في المعسكر بالقول: (نأكل في النهار ونداهم في الليل – ص 101).
وهي حياة آلية، ولا تحمل من روح الحياة الإنسانية الخلاقة أي شيء. ولعل هذا التأكيد المفرط والغير ملائم في سياقه على حاجات المعدة الحيوانية ، تكشف الكثير عن الثغرات التي تهيء الفرد كي يكون عميلا. فمن قواعد علم النفس حين يتناول موضوعة الخيانة والعمالة هو أن تنظر إلى مسألتين أساسيتين عندما تدرس شخصية عميل هما : الحاجة للمال لتعويض الحرمان و “الجوع” المتراكم، والحصول على ما يعزز نرجسية الفرد الجريحة ، ومواجهة الإحباطات وأهمها الإحباطات الجنسية (وقد أعلنت زينة سابقا بأنها لم تعش تجربة حب حقيقي طول سنوات عيشها في الولايات المتحدة برغم توفر حبيب لديها هو “كالفن” السكّير) .
لكن هذين العاملين لا يفعلان فعلهما في “فراغ” شخصي، فليس كل من يعاني من هاتين المعضلتين يكون مهسئا لهذا الدور السلبي الممسوخ. يجب أن تكون هناك “أرضية” يتأسس عليها هذا الفعل ، وهذه الأرضية تتمثل في البنية الشخصية المسبقة التي يجب أن تكون الإطار الذي يحتوي خصائص العمالة، وفي مقدمتها “الخفة” وعدم الولاء لأي ثوابت خارج دائرة الطموحات الشخصية، وتعويض الإحباطات، و”الثأر” من الرموز المهمة في حياة الفرد ضمن علاقات أطراف “المثلث الأوديبي” . ويجب أن نذكّر بأن ليس معنى ذلك أن أي شخصية سمتها الأساسية “الخفة” تصبح عميلة أو هي مهيّأة لهذا الدور. هذه سذاجة تحليلية. يجب أن يتوفر المسار الحياتي المناسب الذي تمثل فرصة الخيانة باب فرجه الذي لا يعوض ، والثقافة العامة – هوليودية متسيّدة على بقايا عراقية لائذة هنا – ، والأهم عملية العقلنة والتبرير للممارسة المقصودة – تحرير البلاد وإسقاط النظام الديكتاتوري التي تجعل الضمير يتصافق مع حفزات “الهو”.. إلخ – . تجمع زينة الكثير من هذه الجوانب وهي تتحدث عن “واجبهم” :
(نأكل في النهار ونداهم في الليل، عندما تنام المدينة وتهدأ الهواجس والوساوس.. طلبوني لمرافقة المجموعة التي داهمت البيت الذي قيل لنا إن الدوري [= عزّت الدوري] يختبيء فيه…. عرفنا ، فيما بعد، أنه ترك المكان قبل قدومنا. كنّا نصل دائما بعد أن يتركوا المكان. نسخة من فيلم “الهارب” بإنتاج عراقي – ص 101 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.