نازك الملائكة والشعر الحر
فاتحة عصر جديد
محمود الفلاحي (ملف/20)

إشارة :
حين رحلت المبدعة العراقية والعربية الكبيرة “نازك الملائكة” عام 2007 في القاهرة احتج المثقفون المصريون على إهمال الإعلام لمنجزها وتجاهله لدورها في التأسيس للحداثة في الشعر العربي؛ شعراً عبر ريادتها (مع السيّاب) للشعر الحر بقصيدة الكوليرا (1947)، وتنظيراً عبر جهودها النقدية المتخصصة في “قضايا الشعر المعاصر” (1962). أمّا في بلادها التي علّمتها الكآبة فإن ذكراها تمرّ يتيمة. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحلة الكبيرة وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.
أسرة موقع الناقد العراقي

كان لي شرف ان التقي بالشاعره نازك الملائكة عام 1966 وان ازورها مع مجموعة من الطلاب جامعة البصرة حيث كانت بصحبة زوجها رئيس الجامعة الاستاذ عبدالهادي محبوب تباحثنا في امور الطلبة والضطرابنات التي حدثت في جامعة البصرة اثر المشاحنات بين الطلبة بخصوص الاحتفال باربعينية الشاعر بدر شاكر السياب وموضوعنا تجيب الشاعرة الشعر الحر فيما اعلن لايخرج على بحور الشعر العربي باي شكل من الاشكال وقوامة المزج بين مختلف تشكيلات البحر الواحد بحيث يجتمع المشطور مع المجزوء مع المنهوك مع التفعيلة الواحدة المفردة واكثر ما يكون هذا في ستة بحور هي الكامل والمتدارك والرمل والرجز والهزج والمتقارب حيث تعيين التفعيلة الواحدة على تنوع الاشطر واقل ما يكون ذلك في بحرين اضافيين هما الوافر والسريع وقد سبق لي ان شرحت هذا كله شرحا” وافيا” في كتابي قضايا الشعر المعاصر الصادر سنة 1962 اما كون الشعر الحر يتضمن التحرر من القافية فليس ما يمنع ان يكون ذلك لان الشعر الحر يحتمل ان يكون مقفى او غير مقفى واكثر الشعراء يستعملون القافية واقلهم ينبذونها كليا” وذلك لايتعارض مع طبيعة الشعر الحر اما قول بعضهم ان قوام الشعر الحر مزج البحور المختلفة في قصيدة واحدة فهو مردود كليا” لان القصيدة الحرة الواحدة لاتختلف عن البحر الواحد الذي بدات به ومن يخرج من الشعراء سرعان ما يرتد فتموت محاولته في مهدها دعت جماعة ابو لو الى مزج البحور كلها في شعر سموه بالشعر الحر في الثلاثينيات من هذا القرن وليس لمحاولتهم هذه صلة بحركة الشعر الحر فقط قامت دعوتهم على ابقاء الشطرين والمزج بين البحور المتفاره وقد ماتت دعوتهم في مهدها فلم يتبعها احدا” في العالم العربي ومن المؤسف انني اطلقت اسم الشعر الحر على شعرنا الجديد عندما كتبت عنه سنة 1949 في مقدمة ديواني شظايا ورماد وبسبب هذا انني لم اطلع على حركة مدرسة ابو لو لانني كنت ابان ظهورها صبية صغيره دون الثالثة عشر من العمر ولو كنت اطلعت عليها لتحاشيت على الاقل اسم الشعر الحر الذي يحدث التباسا” في ذهن القارئ لايمكن ان يقال عن الموشحات انها شعر تفعيلة لانها ليست كذلك وانا لم اقل هذه في اي اثر لي وانما الموشح قصيدة مبنية على شطر وهو لايخرج عن اطار الشعر العربي القديم وقد نسب الى امرؤ القيس الموشح التالي توهمت من هند معالم اطلال عفاهن طول الدهر في الزمن الخوالي مرابع من هند خلت ومصايف يصيح بمغناها صدى وعواصف وغيرها هوج الرياح العواصف وكل مسف ثم اخر رادف باسحم من نؤء السماكين هاطل ولا يختلف الموشح عن القيدة العربية الدارجة الا في تركيب قوافيه وما عدى ذلك فهو شعر خليلي خالص يقوم على الشطرين حينا” وعن الشطر الواحد حينا” دون ان تمتزج فيه التشكيلات المنوعه كما في الشعر الحر في الوقع انني لم اكتشف التفعيلة فاعل في بحر الخضب ولم ازعم انني اكتشفتها انما هي تفعيلة واردة في دائرة المتفق التي ينتمي اليها بحر الخبب وليس يخفي ان الوزن المتدارك فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاذا وردت التفعيلة فاعل في زون الخبب الذي هو فعلن فعلن فعلن فعلن فنما ذلك لون من الرجوع الى اصل الدائرة مع زيادة في التجوز واقول انني لم اكتشف شئ لانني انما وقعت فيها على سبيل الخلط وعدم الامنتباه خلال الحالة الشعرية وحين انتبهت اليها وجدتها لا تظير الخبب كثيرا” فتركتها في مكانها خاصة” وانني وجدت اذني لاتنفرد منها وقد وجدت في قضايا الشعر المعاصر دعوة الى الشعراء والنقاد بان يبدأ رايهم فيها فاذا قبلت فبها والا فلا ينبغي لنا نخرج على الوزن العربي الجميل ان ذلك جائز والمهم ان قصيدتي نشرت قبل قصيدته ولم تكن لي ببدر شاكر السباب رحمه الله اذ ذاك اي معرفه فلا هو اطلع على قصيدي عندما نظم قصيدته ولا انا قراءت قصيدته عندما نظمت قصيدتي وانما بدأ كل منا على انفراد والقصيدتان الكوليرا وهل كان حبا” تختلفان الواحد عن الاخرى في الوزن والموضوع والشكل واللغه وقد كان بدر يظن ان قصيدته تجمع بين اوزان مختلفه من الشعر العربي كما نص في ديوانه ازهار ذابله وهو ظن خاطئ لانها كانت من بحر واحد هو الرمل بينما كانت قصيدتي من الخبب ولو كان اي منا تاثر بالاخر لجاءت القصيدتان من وزن واحد على الاقل اما تاويل بدانا انا وبدر في وقت واحد فيرجع في راي الى اننا كنا كلانا نقرئ الشعر الانكليزي ونتاثر به فسرنا في الدرب عينه هناك كثيرون قد كتبوا انني الرائدة لابدر وتعليل هذا الموقف عندي يرجع الى ان القناعه الشخصية للكاتب وان كانت بعض الذين يكتبون ويقدمون بدرا” لا يملكون الحقائق كامله وانا شخصيا” لا احب التماذي في هذا الموضوع وقد ذكرت كلما اعرف عنه وهو انني التي بدات الحركة فكانت اول قصيده من الشعر الحر تنشر في العالم العربي سنة 1947 لي انا لا لبدر .
عصر جديد
نظمت هذه القصيده شعرت شعورا” واثقا” بانها ستكون بداية عصر جديد في الشعر العربي وقد تحديت بهذه الكلمة ابي رحمه الله الذي استهزء بقصيدتي وتنبأ لها بفشل ذريع لانه من انصار شهر الشطرين القديم الذي اعلمه ان بدر” لم يكتب شئ في هذا الباب وقد كنت انا اول من وضع النظرية في ديواني شظايا ورماد الصادر سنة 1949 تلاها سنة 1954 مقال له نشرته مجلة الاديب تحت عنوان حركة الشعر الحر في العراق ثم وضعت النظرية كامله في كتابي قضايا الشعر المعاصر الصادر سنة 1962 عن دار الاداب وهذه امور معروفة اليوم لا يناقشها احد ليس الشعر الحر شعوبيا” ولا دخيلا” اما الشعوبية فامر يتعالق بمضمون الشعر لا بشكل الوزن فلا علاقه من ثم الشعر الحر والشعوبية ان من الممكن ان يكون الشاعر شعوبيا” حاقدا” على الامة العربية وهو ينظم شعر الشطرين مثل مهيار الديلمي وابو نؤاس كما ان من الممكن ايضا” ان يكون شاعر الشعر الحر شعوبيا” فتلك مسالة اراء ولا علاقة لها بشك لاوزن اما قولهم بان الشعر الحر دخيل على تراثنا الفكري فهي كذبة اخترعها اناس لا علاقة لهم بالشعر العربي والا فان اي فاعم للاوزان العربية يدرك ان الشعر الحر لا يخرج عليها باي شكل من الاشكال مثل ذلك القول بان الشعر الحر يفرط باصول النحو والصرف والبلاغه فقط يفرط شاعر الشطرين الخليليين بالاصول اللغوية كما يفرط شاعر الشعر الحر بيها وليس فس شكل الشعر الحر تجعله مرتبطا” باخطاء النحو والبلاغه ومن ثم فان هذه الاراء مردوده جميعها صفات تجعله مرتبطا” باخطاء النحو والبلاغه ولا تدل الا على ان الطائفه من نقاد الشعر عندنا لا علم لهم بالشعر العربي ولا باوزانه واشكاله ولا بحركات التجديد فيه ان دواويني المطبوعه تنوب عني في الرد على مثل هذه التهم الباطله فانها فيها جميعا” شعرا” حرا” بنفس النسبة التي بدأت بها الحركة رسميا” سنة 1949 في ديواني شظايا ورماد وانا لم انقطع عن نظم الشعر الحر منذ ذلك التاريخ البعيد غير ان اخر اثر شعري صدر لي هو ماساة الحياة واغنية الانسان وهو خلو من الشعر الحر خلوا” تاما” وبسبب ذلك ان القصيدة الاولى من هذا الديوان قد نظمت سنة 1945 اي قبل ان تبدأ حركة الشعر الحر فكان من الطبيعي ان يكون وزنها من البحر الخفيف وعندما جددت نظم هذه القصيدة في سنتي 1950 و 1965 لم اخرج عن وزنها القديم محافظة على شكل القصيدة الاساسي وهذا واضح وليس معناها انني طلقت الشعر الحر كما يزعم المتخرصون انني لم اقل الشعر الحر خالي من الموسيقى والصور ولا يمكن ان اقول هذا والا لما دعوت اليه ونظمت فيه ان شعري الحر نفسه يسخر بالموسيقى والصور اقرئ مثلا” اغنية حب للكلمات في ديواني شجرة القمة ارى معنى ما اقصد غير ان للمطولات الشعرية منطقا” اخر انها اكثر انتفاعا” بالوزن الخليلي الدارج المثقل للالغام الطبيعية قيوده الوزنية التي ترفعه من ان يكون رتيبا” لقد وصل الشعر الحر الى مرحلة من الابتذال وما زال يخوضها ولكنه لم يصل الى نقطة الجزر التي تنبات بيها لانه مازال شغل الشعراء الشاغل ومن اجله هجروا اسلوب الشطرين هجرا” كاملا” امام اسباب الابتذال في الشعر الحر فتكمت في جهل كثير من الشعراء للغرض منه.
اوزان الشعر
يضاف الى ذلك ان هولاء الشعراء لايعرفون شيئا عن اوزان الشعر العربي فهم يخرجون عن الوزن في شعرهم الحر مرارا” دون ان ينتبهوا او يلاحظوا فضلا” عن انهم يقحمون بشعرهم تشكلات وزنية غير منسجمة مثل الخلط بين متفاعل متفاعل فعلن متفاعل متفاعلات وبينهما بون شاسع يجعل شعرهم قبيح الواقع في السمع العربي المدرب وابرز عيوب شعرهم الحر ان فيه تقليدا” كبيرا” يقلد الواحد منهم الاخر في الصورة والافكار والبناء ضانا” انه ياتي بشعر رائع مع ان شعره مهلهل ضعيف ومن الابتذال عندي ان يضن هولاء الشعراء ان الشعر الشطرسين قد مات الى غير رجعة وان المستقبل كله لشعرهم الحر فالواقع ان الشعر الخليلي لن يمت مطلقا” وان له مستقبلا” عظيما” يكتمل حين ينضج الشعر في عصرنا ومثل ذلك ان اؤكد ان الشعر الحر باقي ايضا” ولو مستقبل فلن يقتله هولاء الشعراء الضعفاء اما سوالك عن الغموض والسريالية كما سميتها في الشعر الحر الحديث فجوابه ان ليس من علاقة بين شكل الشعر الحر والغموض او الرمزية او السريالية انما الحقيقة هي ان الشعر الحر الغامض يمكن ان ينظم في شعر الشطرين الخليلي والشعر الحر معا” دون ان تكون له علاقة رابطة باحدهم وليس الغموض الا ظاهرة من ظواهر التقليد يقلد الشاعر الحديث ما يقرى من شعر غربي انني قد استوحيت تاريخ العراق الحديث في بعض قصائدي مثل الاغنية الخامسة من مجموعتي خمس اغاني للام ومثل قصيدة ماذا يقول النهر لم اشر الى الاساطير ولست ارى اي داعي للاهتمام الشعراء بهذه الناحية انما اهتمامهم الشديد هذا انعكاس لتقليدهم الشعر الغربي الذي يهتم بالاساطير في بداية حياتي الشعرية كانت احداث العراق تنعكس في شعري مثل حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941 وقد كنت عظيمة الحماسة لها ونظمت فيها قصائد كثيرة ولم يتح لها ان تنشر بسبب جبروت العهد البائد وطغيانه وارهابه غير انني في السنوات التالية قد تاثرت بمذهب الفن للفن ومع ذلك فان شعري لا يخلوا من قصائد تتعلق بالحياة العامة مثل قصائدي في فيضان دجلة وجميلة بحير والمضاهرات الدامية التي تقع خلال حكم نوري سعيد وقيام ثورة 14 تموز 1958 ومثل اعلان الهدنة بعد الحرب العالمية الثانية ومثل الانتصارات التي حققتها الامة العربية ونحو ذلك.

*عن جريدة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *