محمد الدرقاوي: موزِّع الورد

كعادته كل صباح يقف في محطة الحافلات ، صاعدا مع الركاب ، في يده باقة ورود ،تشد البصر شده للركاب بنسمات عطر هادئة ، تفوح من ملابسه النظيفة ..تزفر الورد ..
كان يرتب باقته بشكل احترافي دقيق وتنسيق بين الألوان بديع ..
سائقو الحافلات تعودوا أن يقفوا في تلك المحطة حتى يصعد شيخ على اقل من مهله ، ضاحك الوجه بشوش كأنه اشراقة الصباح ،لا يزيد كلامه عن “صباح الخير ،أمدكم الله بخير ه مما لا يعطيه غيره ” ، لا يقطع قلب الحافلة من بابها الامامي الى الخلفي حتى يكون قد وزع كل الورود التي كانت معه ، وصار قب جلبابه ثقيلا بما يضعه فيه الركاب من نقود ، ما أن ينزل من الباب الخلفي حتى يفرغها في كيس من الثوب بلا عد ، يحمد الله ويشكره ، يسير قليلا راجلا على الطوار الى اقرب مسجد ، يتوضأ ويصلي ركعتي شكر ثم يقصد جنينة صغيرة ،جزء منها عبارة عن مقبرة خاصة ..
يلقي نظرة على الجنينة وهي أبسطة من ورود تلونت أشكالا ,احجاما ونسمات عاطرات ، يرخي السمع لخرير الماء وشدو الطيور ، يعظم الله ويشكره ثم يخترق ممرا الى بيته عبر المقبرة بعد أن يرتل الفاتحة وبعضا من آيات على موتى المقبرة ..
يدخل البيت فينادي زوجته حتى يحدد مكان وجودها ،في المطبخ ام في مكان غيره ؟
أنى كانت داخل البيت فهي اول من تحظى بلقاء ،تبادله العناق ، وأحيانا تقرص يده اذا حاولت ان تمتد لما هي غير مستعدة له،تعض شحمة أذنه ثم تهمس له : ” أكورا ناو ”
ذاك كان دأبه مذ تسلم الجنينة بعد موت والده ،لايخلف له موعدا صيفا اذا اشتد حر، وشتاء اذا همى قطر ، كما لايتأخر عن موعده ولو بثانية ، دقيق في احترام الوقت دقته في تنظيم باقته وتنسيق ورودها ، وفي نظافة ثيابه ،وذوقه في اختيار عطره ذي النسمات الهادئة التي لاتتغير ..
لحظة صعوده الى الحافلة هي لحظة سعادة تغمر الركاب ، وتنعش صباحهم ، بسمات ،تحايا ، تلويحات ..وغمز بعين …يسايرها بعفوية وثقة نفس بلا خلفيات ولا سوء ظن ..
قالت له شابة يوما :
ــ والله ياشيخ لنسمتك تنعشني أكثر من قهوتي الصباحية.
تبسم في وجهها ، مال عليها قليلا ثم همس :
هل حقا أنا في عيونك شيخ ؟،هي فقط رغوة صابون حبيبتي زوجتي، تتبعني بحراسة بينكم..
ضحك الركاب وقد تلتها أخرى :
ــ هنيئا لجسد يبيت جنبك معطرا برغوة الصابون !!..
يرفع البصر الى كل متحدث ، يبتسم ،و قد لايرد أحيانا، ففي غمزاته كم من معنى ومعنى ، وكم يبلغ من رسالة خلفها بسمة !! ..
هذا الصباح لم ينزل في المحطة الموالية كعادته ، فقد استطاب الجلوس في آخر الحافلة بجانب فتاة سمراء ظل يبادلها الحديث ، كانت كلماته لها همسا حاول أكثر من فضولي وفضولية ان يلتقط كلمة مما يدور بينهما ، لكن بلا جدوى ، حتى أن أحداهن تعمدت اسقاط محفظة يدها الصغيرة الى جانب قدمه محاولة لسرقة بعض همسه ،وكأنه أدرك لعبتها ،فبادر الى الحقيبة رفعها من الأرض ،ومدها لصاحبتها وهو يبتسم في وجهها بسمته المشرقة :
صبَّرك الله ، احذري ان تفوتك المحطة المقبلة …
هكذا صار ذأبه كل صباح ،يصعد الى الحافلة وبعد أن يوزع كل وروده يحتفظ بواحدة للشابة السمراء فكأنها قد صارت معه على موعد ، تبادله الابتسامات والهمسات في ألفة قل نظيرها اثارت غيرة أكثر من رجل وامرأة ..
قالت أحداهن ضاحكة وقد حكها الفضول بغيرة:
ألا تشاركنا الحديث ، قد نفيدك أكثر ؟
تطلع اليها ولم يرد وقد ناب عنه أحد الشباب :
شوفي غيرو آلعزارة عطا الله ..
ودندن آخر : أسمر وجميل يابو الخلاخل يامذوبني
اهتزت الحافلة بالضحك في حين أن شيخنا لم تحركه ضحكات الركاب فهو مستغرق في همساته وبسماته مع حسنائه السمراء وهي تبادله الهمس في ألفة اقرب الى ألفة عاشقين..
غاب هذا الصباح عن موعده المألوف ، بقيت الحافلة بلا نسمات ولا ورود ، عيون الركاب تدور في محاجرها بحثا عن الشيخ حامل الورد ، منهم من صار يتثاءب بصوت مسموع دليل ملل ، حتى الفتاة السمراء غابت عن موعدها ولم تصعد الا في المحطة الموالية ، أخذت مقعدا في آخر الحافلة وقد صارت العيون تتابعها متسائلة عن الشيخ الغائب ، فلا تبادل النظرات الاببسمة ثابثة وكأنها تعرف سر الغياب ..
سألها أحد الفضوليين : فين صاحبك ؟
تبسمت بهدوء ورزانة ولم تنبس بكلمة ..
قال شاب كان يترقب ردا منها عن سبب غياب الشيخ :
لو لم اسمعها من قبل وهي تبادل الشيخ الهمسات لقلت بكماء صماء،سبحان الله واحد عطاتو وواحد زواتو … قبل ان يتمم العبارة قالت له فتاة : وانت فضولي جابتك على عين قفاتك ..
انتشر في الحافلة ضحك كالعدوى، خفف عن الركاب الملل الذي سببه غياب الشيخ ..
نزلت السمراء حيث تعودت ان تنزل والعيون تتابعها برقابة واليها تشرئب الاعناق حتى بعد أن توارت عن الأنظار …
تعالت الهمهمات في الحافلة : أين الشيخ صاحب الورد ، سالوا السائق ان كان يخفي سرا عن عدم ظهوره ..
فمن قائل أنه مات ومن قائل انه تزوج ، وثالث قال :مريض ،وآخر قال بصوت ملفوف في حسد:
شبع فلوس ومبقاش يرضى يبيع الورد في الحافلة ..
وقف أحد الشباب وقد تعود الركوب اليومي في الحافلة الى جانب السائق ؛حين انطلقت الحافلة مال عليه قليلا، وسأله إن كان قد بلغه شيء عن بائع الورد الذي اختفى ..حين لم يسمع من السائق يقينا قال له :
ألا تعرف محل سكناه ؟
قال السائق لا احد يعرف عنه شيئا ..
تراجع الشاب الى الوراء وظل يراقب الفتاة السمراء صديقة الشيخ ، كانت هذا الصباح تحمل معها حقيبة كبيرة ، ما أن نزلت من الحافلة حتى نزل خلفها ، ثم بدا يقتفي بعدها الأثر ، تابعه الركاب بنظر وقد أدركوا غرضه ، انطلقت الحافلة ،وهي لاتخلو من همهمات استفسارا عن موزع الورد ، وكأنهم صاروا يدمنون السؤال عنه ، فالفضول قد أغتال صبر الناس عن معرفة سر الغياب ..
أكثر من أنثى فكرت أن الشيخ لم يكن حضوره مجرد موزع ورد، وانما كان واحة عطر ونسمات ، ابتساماته انتعاشة صباحية للركاب ، كان قدوة لرجال قل مثلهم في زمن هيمنة الرجال ، بلحيته البيضاء المشذبة ، بقمصانه التي تبز رائحة الصابون المعطر ، وجلابيبه المكوية بعناية ، وبلغته الزيوانية الصفراء التي تشهد له باصالة لم تمت في عقله كما ماتت في عقول أكثر الرجال ..
ربما لم يكن الشيخ يدري أنه معشوق النساء اللواتي كن يتلهفن على صعوده الحافلة ، فيبادرن لتناول وردة من بين يديه وهو يدعو لكل أنثى بما يجعلها تتفاءل في يومها بدعائه الذي كثيرا ماحمل بشائر الخير والسعادة ..
بعد عشرة أيام من الغياب حضر الشيخ مسنودا من البنت السمراء والشاب الذي اقتفى أثرها وقد أتيا به الى الحافلة ليطمئن الركاب بعد أن بلغه قلقهم عليه ..
قالت السمراء التي لم تكن غير بنت اخت زوجة موزع الورد تعمل محامية متدربة عند احد المحامين :
موزع الورد هو زوج خالتي ،أمي وخالتي افريقيتان ،وقد تغيب عنكم لمرض خالتي ، هو من كان يقوم بأعباء البيت نيابة عنها وعناية بها ،وقد زلت قدمه وهو يقوم بتحميمها فوقع له كسر مزدوج في كعبه ، سخر الله له هذا الشاب ليتكفل به وبخالتي ،و قد خصص لهما ممرضة لتسهر عليهما يوميا .
رفع الشيخ وجهه الى الركاب وقال : كنتم فرحتي وفرحة بيتي بما تهبونه الي ،وقد افتقدتكم بعد الذي حل بي ، ذبلت جنينتي ، من قلة العناية ذبول عيوني من مرض زوجتي السمراء الجميلة ، جئت احييكم واشكركم واسألكم الدعوات الصادقات لها، فأنا بها أهيم وهي بحبي واثقة ،شفاها الله ،فلن يهدأ لي بال حتى تتعافى وترد لبيتي سعادته التي غيبها المرض ،ثم دعواتكم لي حتى استعيد قدمي واعود إليكم بورودي التي هي بريد حب بينكم، وبين من تحملونها اليه ، و بدعواتي التي تدخل السعادة الى قلوبكم ، أسأل الله أن تكون استجابة خير لكم ولذويكم ..
كل من في الحافلة قد شرع يبكي اسفا، وحين أرادوا ان يهبوه بعض العطايا امتنع أن يأخد شيئا ، رفع الشاب نظره الى الفتاة السمراء كإشارة منه ، فتحت حقيبة كبيرة ووزعت وردها على كل الركاب ،ثم اسندا الشيخ ونزلوا ثلاثتهم تاركين الحافلة تتابع مسيرتها اليومية ، مسيرة ملل وقنوط بعد غياب الشيخ بنسائمه ووروده الزكية ، لكن اثره ظل حيّا في العقول والنفوس وأعماق الصدور والدعوات خلفه على الألسنة صدقا ان يعود اليهم عن قريب …

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *