د. عبد العزيز غوردو : جماليات المكان – ما لم يرد عند باشلار – (1)

الإهداء
يحترق.. ليولد من جديد…
–  إلى كل شاعر يحترق، من أجل أن تولد القصيدة  –

جئت، طائر فينيقٍ،
وحده يمضي، عند حدود المساءْ…
وجسمه محض حريقٍ
واقفا عند باب الليل وقد طوى،
من قبل، كل المساءات…
فالعمر: وهم المسافات…
ينهش جسم طريق،
الموت فيه محطات…
وجراح العشق تنوءُ
تنوء… تنوء…
تحت ثقل الذكريات…
جئت: طائر فينيق.. مات…
… يعشق الموت،
وقسوة العشق… تشاءْ،
فليكن ما شاءَ،
له أن شاءْ…
جمرا يلهب جسم الشتاءْ…
ويعود، يشق الطرقات…
لم يرافق أبدا،
أسراب طير في مواسم هجرتها،
بل كان وحده دائما،
يسافر عند حدود المساءْ…
… جناحه الناري أنبأني،
أن بعد العشق… موتا،
لكنه:
سيجدد بعد الموت اللقاءْ…
وسيبعث من جوف الرفات…
جئت، طائر فينيق… مات…
ليُجبل من رماده:
طائر فينيق.. آت…
” ”
” ”
تصدير

“إن المكان المعادي… مكان الكراهية والصراع لا يمكن دراسته إلا في سياق الموضوعات الملتهبة انفعاليا والصور الكابوسية…”

غاستون باشلار، جماليات المكان.

مقدمة/فاتحة الكتاب:

تقترح التجربة التي نعرضها هنا مشروع رؤية بيبليوغرافية للدواوين الفائزة بجائزة البابطين الشعرية، بعد أن حققت هذه الجائزة – على مدى عقدين من عمرها – تراكما كميا ونوعيا يغري بالبحث والتصنيف والدراسة.
وبما أن هذا التراكم يشكل مادة خاما ثرية جدا، فإن المشروع يقترح أن يقدم نفسه عبر أجزاء، غير محددة من حيث العدد مبدئيا، نقدم في جزئها الأول، الذي بين أيدينا، دراسة ثلاثة دواوين كان علينا أن نبحث لها عن نقطة التقاء.
لكن، وقبل الحديث عن نقطة الالتقاء هذه، وجب التنبيه إلى أن المشروع يقترح أيضا أن تمر كل تجربة/جزء من هذه البيبليوغرافيا، عبر مدرسة نقدية وفلسفية معينة (مثلا: بنيوية؛ أو تفكيكية؛ أو وجودية…) حتى يطلع الدارس والباحث العربي على الإطار النظري للمدرسة، موضوع البحث، وتطبيقاتها العملية، من خلال تجربة منهجها على الدواوين موضوع الجزء؛ فيتحقق بذلك الدرس النظري والتطبيق المخبري.
أيضا نشير إلى أنه ليس ضروريا أن يقوم باحث واحد بإنجاز مشروع البيبليوغرافيا بأجزائه جميعا، إذ يمكن أن تنجز الأجزاء الأخرى من طرف باحثين مختلفين؛ ونرى أن ذلك لن يزيد المشروع إلا ثراء وتنوعا، باعتبار أن كل ناقد/دارس سيضيف للمشروع من صنعته ما يضفي عليه خصوصية متميزة، أغنى مما لو قام بالمشروع كله دارس واحد.
ولأجرأة المشروع، وتفعيله على أرض الواقع، اقترحنا في جزئه الأول أن نتبنى منهج التاريخ التراجعي retrospective histoire ، في اعتماد اختيار الدواوين الشعرية، على أن يتم احترام هذا المنهج حتى لو قام آخرون بإنجاز الأجزاء الباقية منه، ومعروف أن هذا المنهج ينطلق من المستقبل الذي نهدف إلى بلوغه ثم يمتد متراجعا إلى الوراء باتجاه الحاضر ثم إلى الماضي؛ فنحن هنا إذن نحاصر الماضي انطلاقا من الحاضر ومن المستقبل المأمول؛ وغايتنا في ذلك أن ندفع بجائزة البابطين وأهدافها نحو غايات أسمى تحدد استراتيجيتها، وتعرف أين تريد أن تصل بالمنجز الشعري العربي؛ غير أن اكتمال التصور لن يتحقق إلا بعد أن يصبح المشروع ناجزا قائم الذات؛ ولذلك فقد بدأنا بدراسة الدواوين الثلاث الأخيرة التي حازت على الجائزة، وهي تبعا للمنهج المعلن:
– مدينة شرق الوريد، لأحمد حسن، الفائز بدورة 2010؛
– نقوش على جذع نخلة، ليحي السماوي، الفائز بدورة 2008؛
– عناب، لرضا رجب، الفائز بدورة 2006.
هذا على مستوى تبرير الاختيار، أما على المستوى الموضوعاتي فقد اقترحنا إخضاع الدواوين المعنية لتطبيقات المنهج/المذهب الفينومينولوجي؛ ولأجل ذلك كان علينا أن نبحث لها عن نقطة التقاء أو أطروحة تشكل الخيط الناظم بينها، وجدناها في الوجه الآخر لما دبجه باشلار في جماليت المكان، أي “ما لم يرد فيه”.
ففي الكتاب/”جماليات المكان”، يريد فيلسوف العلوم (باشلار)، المرتد نحو الخيال الشعري، أن يقول بأن المكان هو “المكان الأليف لدينا”؛ و”المكانية في الأدب” هي تلك التي تعبث بذاكرتنا وتبعث فينا روح الطفولة؛ وهو يؤكد على أن كتابه موجه نحو دراسة المكان الذي نحب، ذاك الذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية. أما المكان المعادي فلا يكاد يكون مذكورا في هذه الصفحات، يقول، “إن مكان الكراهية والصراع لا يمكن دراسته إلا في سياق الموضوعات الملتهبة انفعاليا والصور الكابوسية. هنا سنكتفي بالصور التي تجذب.” ؛ أما نحن فإننا، على النقيض من ذلك تماما، لن نعير الصور التي تجذب أي اهتمام… بل سنسلط عدستنا كلها على هذا الذي لم يقله، أي جمالية المكان العدواني العنيف، لكن من المنظور نفسه، منظور الفينومينولوجيا؛ لنبحث عن “روح السجن” و”روح المقبرة أو ساحات المعارك” و”روح السرير أو الكرسي”… تلك التي تسكن الذاكرة وتعشش فيها، ويحتاج استحضارها إلى طقوس وشعائر وبخور.. وشاعرية…
فإذا كان السايكولوجي يحفر منقبا عن ماضي الإنسان لاستكناه سبب تعاسته.. فإن الظاهراتي لا يذهب إلى هذا الحد، لأن “التسامي في الشعر يعلو فوق سايكولوجية الروح الشقية” ، لكنه، وبالقدر الذي يعلو عليها، فإنه يوقظها ويحفزها، وفعل اليقظة/التحفيز هنا يستمد كل عنفوانه من الذكرى المرتبطة بالمكان، والمكان المعادي تحديدا، لأنه مصدر الوجع، ومصدر الكتابة بالشعر التي تعبر عنه، والتي علينا نحن القراء أن نتمثلها حتى تتحقق متعة القراءة الكاملة، عبر فتح كل مسامنا لخوض تجربة الشاعر، من الداخل، كأننا هو، لملامسة سبب معاناته/تعاسته، ولفهم تجليات المكان العنيف، المعادي، المتوحش… ودوره فيها.
سينصب نظرنا إذن على ما اعتبره باشلار مكانا معاديا، فأغفله: مكان الكراهية والصور الكابوسية العنيفة والمتوحشة… اخترنا منها: المقابر؛ ساحات المعارك؛ السجون؛ الأسرة والكراسي… علما بأن هناك أمكنة متوحشة عدوانية كثيرة غيرها يمكن أن يتحقق من خلالها الطموح ذاته، منها على سبيل العد لا الحصر: الأرصفة؛ الملاجئ (دور الأيتام والعجزة – ملاجئ القصف الحربي…)؛ مخافر الشرطة؛ أماكن الفراق العنيف…
فالأمكنة المعادية كثيرة، وهي تتضاعف من منظور الفينومينولوجيا أكثر من أي منظور آخر، بما أن “قصدية الوعي” تختلف من كائن لآخر، أو من ذات واعية لأخرى؛ ولذلك وجدنا أنفسنا على عتبة الاختيار، ولم نحسم منها أمرنا إلا بعد قراءات عدة للدواوين مشروع الدراسة، لننتهي في الأخير إلى اختيار النماذج التي اقترحناها للمكان المعادي، وليس كل المكان المعادي في الدواوين؛ مما يفسح أمام القارئ، والدارس، إمكانية قراءات أخرى مختلفة، ليس بتبني مناهج نقدية مغايرة فقط، بل وبتطبيقات أخرى للمنهج الفينومينولوجي ذاته على أمكنة معادية لم تشملها هذه الدراسة؛ ولنؤكد، إن كان الأمر يحتاج إلى تأكيد، بأنه ما من قراءة نهائية، وأن النص لا يجب أن يستقر على تفسير محدد، لأن التفاسير بطبيعتها متعددة، متناثرة، مبعثرة، ولا نهائية؛ لأنها تقوم على الاختلاف…

القسم الأول) تحديدات…

تحديدات أولى : الفينومينولوجيا؛ المكان؛ فينومينولوجيا المكان

تحديدات ثانية: في الكتابة بالشعر؛ البيبليوغرافيا؛ النص والمناص

تحديدات أولى: الفينومينولوجيا؛ المكان؛ فينومينولوجيا المكان

الفينومينولوجيا؛
…من الفينومينولوجيا إلى الفينومينولوجيا الشعرية

لا يتساوق جدالان في الفينومينولوجيا دون استحضار هيغل  Hegel‏Friedrich، و”فينومينولوجيا الروح” (1807)،  حيث المبدأ الذاتي للأزمنة الحديثة وترجمتها إلى أفكار، وحيث إشراقة العقل الرائعة، وحيث – ثالثا – المعنى النبيل للمفهوم بوصفه الدراسة الوصفية للظواهر.
ثم، وقبل أن تتوضع الفينومينولوجيا ، بكامل هيبتها في التربة الفرنسية، خصوصا بين يدي ميرلوپونتي Maurice Merleau-Ponty، كان عليها أن تأخذ تشكيلها الأول على يد نحات فلسفي شبه مغمور، هو الألماني فرانتس برينطانو Franz Brentano، الذي أحكم ربطها بظواهر الشعور؛ وبعده اتخذت شكلها الحاسم على يد ألماني آخر شكل علامتها الفارقة هو إدموند هوسرل Edmund Husserl، الذي خلصها من شوائب الميتافيزيقا وأتم صياغتها الخالصة كفلسفة للوجود وللحياة، بما هي فلسفة تنزع “للحدس الأصلي” للأشياء والأفكار، أي كيفية تجليها وتمظهرها للوعي بفضل منهج “الاقتضاب الفينومينولوجي”، ومعروف أنه ما من مسألة أنفق عليها هوسرل من الوقت ليفهم ذاته أكثر من مسألة “الاقتضاب الفينومينولوجي”، وما من مسألة عاد إليها كثيرا كما عاد إلى مسألة الاقتضاب ليعرض العالم، أمام الوعي المتعال، وأمامنا، في وضوح مطلق ؛ فيكون الثالوث الألماني: هيغل/برنطانو/هوسرل قابلة الفينومينولوجيا وعرابها بامتياز، وإن كان هوسرل هو علامتها الفارقة.
غير أننا نشاء، في هذا المقام، أن نحط الرحال قرب هذه النبتة بعد أن انزرعت في التربة الفرنسية، وبالذات في مشتل ميرلوپونتي، لما لذلك من وشيج متين بمعنى صورة الوجود التي نريد تأسيسها، كمقدمة لهذه التحديدات، والذي كانت قد قامت على أساسه أصلا، وهي ترسم لها مسارا في الجامعات الفرنسية، بُعيد الحرب العالمية الثانية وما خلفته من ندوب cicatrices نازية وتقلبات شيوعية ستالينية وقروح إمبريالية، شرسة، مغروزة في ظهر العالم…
فمع ميرلوپونتي (1908 – 1961) اكتملت فلسفة الجسد وانحل اللحم البشري  La chair متجاوزا جسده المجرد، وليعلن أنه/أي الجسد، هو في ذات الوقت مادة ووعيا، يسمو ليتقاطع مع كل ما هو أنطو- ثيولوجي، من خلال الحركة القصدية للوعي ، بعد أن بنى جسرا بينه (أي الوعي) وبين الشيء؛ من هنا لم تنفك الفينومينولوجيا تتسع لتكتسب أراض جديدة باستمرار، تتنفس فيها ملء الرئتين، حتى زمن الأوج الوجودي – البنيوي، ولتؤكد حضورها المائز كفلسفة للمستقبل، لكن بصيغة الجمع، أي فينومينولوجيات وليس فينومينولوجيا واحدة، أو بتعبير ريكور Ricœur الممتاز “البِدَع الهوسرلية” التي لا تنفك تتجاوز مشاريعها كل مرة.
لذا وجب، وبقوة، تعرية البنيات الداخلية للذات الإنسانية، لا باعتبارها مجرد معارف ومثل، بل باعتبارها، وهذا هو الأساس، كائنا في العالم يجسّده الوعي؛ إن الوعي هو الكائن/ الشيء عبر وساطة الجسد، والذي ينبغي الكشف عن ألغازه، بالتنقيب، داخل التربة الملغزة (للجسد)، عن المغامرات الغريبة التي يقودها الجسد نفسه. فأساس المعرفة هو الذات، وأساس المعنى هو الذات؛ و”الوجود”، كل الوجود، يتقرر “بالنسبة لي أنا”، أي ما يظهر لـِ”أناي” ، لنعود إلى الوعي فندرك بأنه “اليقين المطلق بالأنا كأنا”.
على أنه وجب علينا أن نعتبر التفكير عملية خلاقة تساهم هي ذاتها في الحالة المصطنعة للامفكًّر فيه، ولهذا السبب، ومن أجله، اعتبرت الفينومينولوجيا الوحيدة، من بين كل الفلسفات، التي تكلمت عن “حقل متعال” champ transcendantal، وتعني العبارة أن التفكير لن يحوز أبدا العالم كله تحت بصره، بل فقط رؤية جزئية وبصيرة محدودة، ولهذا السبب تعتبر الفينومينولوجيا فينومينولوجيا، أي أنها تدرس تمظهر الكائن للوعي، بدل أن تفترض إمكانية كونه معطى مسبقا .
إن الفينومينولوجيا هي الصوت القوي للفلسفة الحديثة، دون أن تغوص في الأراضي الموحلة لكل شيء وللاشيء مما غاصت فيه فلسفة ما بعد الحداثة ، ويكفيها أنها تعيد طرح الأسئلة والقضايا، بإلحاح، لكن بالاستجابة للشرط الإنساني، وهي تعلم مسبقا بأن الأسئلة النهائية تظل دون إجابات نهائية دائما،  ذلك أن الفلسفة الخالصة ما هي، في الحقيقة، إلا إعادة تعلم كيف نرى العالم، أو كيف ننحت الباراديغمات Paradigmes الخاصة به؛ وبهذا المعنى يمكن لقصيدة شعرية أو “قصة محكية أن تدل على العالم بما يكفي من العمق الذي يوازي مؤلفا في الفلسفة” .
من هنا فإن المقترب النظري الفينومينولوجي وهو يرسم إحداثياته على المنجز الشعري المعاصر، يفتح أفقا ممتدا من الأسئلة والافتراضات التي تتشعب، وتتداخل، وأكيد تختلف باختلاف مداخل القراءة؛ أما القراءة نفسها فتحددها طبيعة العدة المنهجية التي تعيد التأسيس على أنقاض ما تم هدمه، كل مرة، فهي عملية “أيض” Métabolisme دؤوبة ومتجددة، من أهم شروطها المحددة أنها غير مكتملة بشكل نهائي، أي أنها دائمة التشكل والتكوين، وهي ترسم غايتها “الشعرية” عبر دروب اللغة وما تستند إليه من استراتيجيات، في سبيل “شعرية للمجتمع” كله .
يحيلنا هذا الطرح، مباشرة، على المصاقبة الأصعب في العملية كلها، أي مصاقبة محتوى مفهوم الشعر لأننا نعلم بأنه محتوى “غير ثابت ويتغيّر مع الزمن، (أما) الوظيفة الشعريّة أو الشاعريّة poetics، فهي، كما أكّد ذلك الشكلانيون، عنصر فريد، عنصر لا يمكن اختزاله بشكل ميكانيكي إلى عناصر أخرى، هذا العنصر ينبغي تعريته، والكشف عن استقلاله، كما هي عارية ومستقلة الأدوات التقنيّة للوحات التكعيبيّة” ، يقول ياكبسون Jakobson Roman (1896 – 1982) في سياق البحث عن جواب السؤال: ما الذي يجعل الرسالة اللغوية عملا فنيا؟ علما بأن الرسالة التي نقصدها هنا هي مقصورة على الشعر، موضوع بحثنا، وعلما أيضا بأن محاولة تقعيد “الشعرية” انتهت بالباحثين إلى تعقيد المفهوم، بعد أن اتسع السؤال: هل الشعرية تختص بالشعر وحده أم أنها تمتد لتشمل الأجناس الإبداعية الأخرى؟
لا شك، والمجهر مسلط دائما على الشعرية، أن هناك حالة خاصة، حالة لها، من وجهة نظر جدليّة الفن، الحق في الوجود إلا أنها حالة خاصة رغم كل شيء، وهي إلى ذلك تظل “مجرد مكون من بنية مركّبة… مكوّن يحوّل بالضرورة العناصر الأخرى، ويحدد معها سلوك المجموع…” ؛ فمتى نتحدث عن الشاعرية فعلا؟
يحتمل الجواب نوعا من الكشف والتجلي، بلغة أهل التصوف، تجلي يبلغ درجة الهيمنة على الأثر الأدبي بحيث يسمح لنا، عندها، بالحديث عن الشعر، لكن هنا يفجأنا سؤال آخر: … ولكن كيف تتجلّى الشاعريّة؟
إنّها تتجلّى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة، “وليست مجرد بديل عن الشيء المسمى ولا كانبثاق للانفعال. وتتجلى في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد أمارات مختلفة عن الواقع، بل لها وزنها الخاص، وقيمتها الخاصة” ، فالدال والمدلول يسمحان بنوعين من التحليل (الصوتي والدلالي) ولكنهما معا يشكلان العلامة، ولا تقتصر أهميتهما على توفير معيار للعلامات اللغوية، بل هما معيار أي وحدة في أي نظام سيميائي، قابل للتحديد من خلال “تنبيه” هذا المعيار من صحوته . وعليه فالشعرية جوهريا ليست “خصيصيّة تجانس وانسجام وتشابه وتقارب، بل نقيض ذلك كله.. اللاتجانس واللاانسجام واللاتشابه واللاتقارب، ولأن الأطراف السابقة تعني الحركة ضمن العادي/المتجانس، والمألوف النثري، فإن الأطراف الأخرى تعني نقيض ذلك: أي الشعرية” .
على أن الوقوف بالشعرية عند هذا التحديد الموارب لا يجب أن يصرفنا عن وظيفتها التي تقيمها من خلال “الفجوة/مسافة التوتر”، والمفهوم، منظورا إليه بما يتجاوز الشعرية ليتوغل في عمق التجربة الإنسانيّة برمتها، فضلا عن كونه خاصية مميزة، وشرطا ضروريا للتجربة الفنية، أو “بشكل أدق للمعاينة أو الرؤيا الشعريّة بوصفها شيئا متمايزا عن- وقد يكون نقيضاً ل- التجربة أو الرؤية العادية اليومية. ومن هنا أصف الشعرية بأنها إحدى وظائف الفجوة أو مسافة التوتر، لا بأنها موحدة الهوية بها، أو الوظيفة الوحيدة لها، بيد أن ما يميز الشعر هو أن هذه الفجوة تجد تجسدها الطاغي فيه في بنية النص اللغوية بالدرجة الأولى، وتكون المميز الرئيسي لهذه البنية”.
هكذا يحيل الانشغال بالشعرية على انشغال أعمق قوامه انفتاح كبير على حركة الوجود الدؤوبة، في تقاطعات حثيثة تسمح ببلوغ الوعي المطلق للذوات؛ مجموع “الأنا” وما يرهن مصائرها، أي تقاطع الآمال والآلام، بغية الانفلات من “رموز السلطة”  التي تضيق الخناق على “الأنا”، فيما تحاول هذه الانفلات لتشكيل أفقها وجعله أكثر حرية ورحابة، ببناء قطب أنوي égologique يعيد اكتشاف وعيه بذاته كمصدر مطلق . إن “الشعرية” هي تذويت القصيدة لمعانقة الحياة والتوحد معها، فيصبح لها/ أي للقصيدة، سمع ورؤية وشعور وبصيرة… في دُفَق للحياة.
من هنا نفهم لماذا انطلق ميرلوپونتي من السيكولوجيا باتجاه الفينومينولوجيا، ثم من الفينومينولوجيا باتجاه الفينومينولوجيا المتعالية ، وهو الذي خبر دروب علم النفس والفن والسياسة واللغة… وكأنه بذلك يشير إلى تداخل العالم النفسي الجواني مع حركة الوجود البرانية، أقول تداخل العالم النفسي الجواني للشاعر مع حركة الوجود البرانية، لنعود إلى الشعرية، بعد هذا الانثناء على الذات، حيث نكون قد أدركنا وظيفتها “التي تؤول أثر الشاعر من خلال موشور اللغة” ، فهي، أي الشعرية، تتمسك بوظيفتها المهيمنة في الشعر والمتمثلة، من حيث تعريفها، نقطة انطلاق القصائد، “أما فيما يخص قيمتها الوثائقية والنفسية والتحليل- نفسية أو الاجتماعية، فإنها تبقى، بطبيعة الحال، مفتوحة على بحث المختصين الحقيقيين في هذه العلوم، ويجب على هذه العلوم مع ذلك، اعتبار الوظيفة المهيمنة في الأثر تمارس تأثيرها على كل الوظائف الأخرى، وتجد بالتالي كل الموشورات الأخرى نفسها خاضعة لموشور النسيج الشعري للقصيدة، ويبقى تحصيل الحاصل هذا مقنعاً بشكل بليغ” .
نعرف أن الفينومينولوجيا الشعرية، باعتبارها جزءا من الظاهرة الأدبية العامة، تقوم على دراسة كيفية اشتغال الوعي بالأدب، وتمثله؛ أما الاشتغال نفسه فهو حالة ولادة، متكررة ومتجددة أبدا، عبر لغة يكون الدال عليها هو الإيقاع، الذي وجب بالضرورة أن يكون خطابه متسعا، وخصبا، حتى يستوعب السمع والرؤية والشعور والبصيرة… أي دفق الحياة المُعلن عنها، في مرة لن تكون الأخيرة. وليعلن الاشتغال الأدبي بأن طبيعة الكتابة ليست، ولن تكون، واحدة أبدا، وبأن أنساقه المتعددة قادرة على استيعاب وضعيات لغوية مختلفة ومتباينة؛ قارات شعرية ونثرية، قصديتها إعادة صياغة الواقع بما يشتهيه الأدب، قبل الرهان على المستقبل، لتنغلق الدائرة مع الفينومينولوجيا => فلسفة المستقبل.
نعرف، أيضا، أن اللغة هي حامل الوجود ومسكنه والمحرض على مواصلة المسير لاختراق الأبواب التي فتّحها القلق، وأن اللقاء يتحقق حتما عند التخوم البعيدة بين الفراغ والامتلاء، أي بين ما قيل فعلا/الناجز وما لم يقل بعد/المحتمل، وعند هذه النقطة تتفرع محطة حاسمة بين القول المطلق والقول الشعري، بما هو قول خاص؛ فبخلاف القول المطلق يتميز القول الشعري دائما بالتجدد والاستمرار وملاحقة حثيثة لما هو غير مكتمل، ذاك المنفلت أبدا، الذي يغامر الشعراء لإدراكه في عمق الهاوية، وهم يعلمون أن إدراك قعره مستحيل التحقق، فالوجهة مجهولة والمغامرة التي تتتالى فيها عمليتا الغوص والانبثاق تظل، إلى كونها ناقصة، مكثفة حد الصمت المتواري خلف همس الموجودات، لكنها مع ذلك مركزية لأنها تميط الحجب عن الوجود وتكشف عن طياته، بواسطة أفعال التسمية المقدسة، إنّ لفي الكلمة وفي الفعل شيئا مقدسا يمنعنا من أن نستسلم إلى لعبة الصدفة العمياء ، و”الاستخدام المتقن للغة ما يعني ممارسة نوع من السحر الايحائي” ، ويحصل الإنجاز الكبير بالضبط عند نقطة المفارقة/المقارنة، بين المفكر والشاعر، لنصل إلى المعادلة: إذا كان المفكر يقول الوجود؛ والشاعر يسمي المقدس؛ فإن الشعر الذي يفكر هو حقيقة طوبولوجية الوجود.
نعرف، ثالثا، أن الكتابة الشعرية العربية، بكل لويناتها المعروفة: من عمود الشعر إلى شعر التفعيلة مرورا بالشعر الحر ووصولا إلى النثيرة، تظل محافظة على جوهر أساس في بنائها الإيقاعي، مع مرونة في توزيع التفاعيل، مع استثناء “النثيرة” التي تعتمد معايير أخرى لتجسيم شعريتها، وإن ظلت هي نفسها خاضعة لإيقاع معين، يحدد طبيعة المكتوب باعتباره جنسا شعريا وليس شيئا آخر؛ وعلى من يروم استقصاء “فينومينولوجيا شعرية عربية” أن يضع الإيقاع نصب عينيه قبل الانشغال بالنقد.
الفينومينولوجيا الشعرية اشتغال، أما نقدها فانشغال، انشغال بولادتها الناقصة دائما، والمصر على إبرازها في آن؛ الرقيب على مساءلتها الحثيثة، وضميرها اليقظ الذي يذكرها بأنها لن تبلغ الكمال إلا بموتها، أما هي فتظل تعاند وتصر على أن تنكتب في صور/ولادات جديدة، يغريها طموحها المحموم نحو نص كامل، قصيّ، تعرف مسبقا بأنها لن تدركه أبدا…
من هنا جدلية الكتابة، والكتابة عن الكتابة، أي النقد، ثم نقد النقد في مستوى أعلى؛ هكذا تقودنا الفينومينولوجيا الشعرية، نحو سلسلة من الكتابات يكون أساسها ومنشأها الظاهرة الأدبية نفسها، فبدونها لا نقد، ومن ثم لا “نقد نقد”.
وإذا كان ينبغي إدراك هذه الدينامية وجب ابتداء إدراكها في جدليتها مع الكاتب ، أي الإنسان، الذي يكتبها، كما أنها تكتبه، ذلك أن الفينومينولوجيا الأدبية، إن كنت لا تدري، تكتبنا بالقدر الذي نكتبها، من هنا جدليتها وسجاليتها، وأيضا شغبها، لأنها تُنصِّب “الإنسان” في بؤرة العملية النقدية الباحثة عن العلامة، في المسطور، تجسيدا للالتزام الهيرمينوطيقي للأثر الأدبي (پول ريكورPaul Ricœur ) أولا، ثم الدال والمدلول، بالمحتوى السوسوري (نسبة إلى سوسير Ferdinand de Saussure) ثانيا، ثم إعادة اكتشاف “الإنسان”، بعد موته الفلسفي، بما هو فينومينولوجيا الفينومينولوجيات، ثالثا…
وهنا نضع سبابتنا على شفتنا لأننا نكون قد بدأنا نفهم كيف، ولماذا، ابتدأ سارتر فينومينولوجيا، وانتهى وجوديا.

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *