روايات مترجمة: (10) عاصفة الأوراق (من الأدب الكولومبي) غابريل غارسيا ماركيز
ترجمة: مصطفى عبود
قراءة: ناطق خلوصي

لم أجد في مكتبتي الشخصية ما هو مترجم إلى العربية في العراق من أعمال غابريل غارسيا ماركيزالحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1982 ، سوى رواينه القصيرة ” مأتم الأم الكبيرة” التي ترجمها الدكتور فاضل السعدوني مع سبع قصص قصيرة وكانت قد صدرت عن مكتبة اليقظة العربية ، ورواية “عاصفة الأوراق ” التي اخترت قراءتها وهي أول رواية له وكانت قد صدرت عام 1955 وتعرف بعنوان ” عاصفة أوراق ” و ” الأوراق الذابلة ” ، ترجمها مصطفى عبود وصدرت طبعتها الأولى عام 1981 أما الطيعة التي نقدم قراءة لها الآن فقد صدرت عن ” دار المدى “عام 2008ضمن مشروع النشر المشترك الذي جاء تحت عنوان ” الكتاب للجميع ” .
جاءت الرواية في 135 صفحة توزعت على أحد عشر فصلاً وتبدو لمن يقرأها وكان قد فرأ مقاطع من رواية ماركيز الكبيرة ” مائة عام من العزلة ” التي كان قد انتهى من كتابتها عام 1967، وكأن خيط صلة يربط بين الروايتين أو أنها كانت تمهيداً لـ” مائة عام من العزلة “. يستعير ماركيز من مسرحية ” أنتيغونا ” لسوفيكليس المقطع الذي يقول ” لكن بولينيسيس الذي وافاه الأجل بعد احتضار مرير ، قيل أن أهالي البلدة تبلغوا جميعاً أن جثمانه لن يدفنه أحد من الناس أو ينوح عليه “، فيوظف هذا المقطع مقترناً بحدث مماثل تعرض له الطبيب مجهول الهوية الذي حل في ماكوندووظل بلا اسم حتى موته وكان الكولونيل السابق الذي لا يحمل اسماً هو الآخر قد آواه بعد أن وصل المدينة حاملاً توصية من الكولونيل أورليانو بوينيديا . وفضلاً على المقطع الذي استعاره من المسرحية ، كتب ماركيزما يشبه المقدمة قال فيها ” أثناء فترة لم تكن في حسبان أحد ، حلت شركة الموز رحالها مثل دوامة من الريح وضريت جذورها في قلب المدينة ، تلاحقها عاصفة الأوراق التي كانت وهي تزوبع ، مؤلفة من حثالات بشر ومواد من المدن الأخرى ” (ص9 )وختمها بـ ” ماكوندو ــ1909 “: أسم مدينة متخيلة وتاريخ متخيل وفق مواصفات الواقعية السحرية التي كان أحد روادها .
في مسعىً لإسقاط الشخصية يقول ماركيز بان الطبيب غريب الأطوار لم يكن يتردد في أن يأكل الحشيش من النوع الذي تأكله الحمير .، ميالاً للعزلة ،عاش ثماني سنوات في بيت الكولونيل السابق ضيفاً ، ربما ثقيلاً ، وأغوى الخادمة الهندية ” ممه ” التي كانت تعمل في ذلك البيت وانتقل بها إلى بيت آخر واتخذها عشيقة له حتى اختفت عن الأنظار وظل مصيرها مجهولاً . كان هو الطبيب الوحيد في المدينة قبل أن تأتي شركة الموز وتفتح عيادة للعاملين فيها . تقول ايزابيل ابنة الكولونيل : “أتذكر الدكتور وقت أن كان يعيش في بيتنا .. أتذكر شاربه الأسود المفتول وطريقته في النظر إلى النساء بعينين تشبهان عيني كلب شره، مشبوح ” ( ص32 ) . وحين تتحدث عن والديها تقول ” كان والداي هاربين من أهوال الحرب يبحثان عن عطفة في الدرب ، موسرة وهادئة لكي يستقرا …. كانت ماكوندو الأرض الموعودة لوالدي ” ( ص 37 ) .ولعل ما عانى الكولونيل وزوجته منه ، مضافاً إلى روح العطف المتأصلة فيهما ، كان سبباً في تعاطفهما مع الطبيب فضلاً على كونه عالج الكولونيل عند تعرضه لأزمة صحية . وكان قد رجا الكولونيل بأن يدفنه عندما يموت لأنه لم يكن على علاقة بأحد غيره فوعده وكان عند وعده . وحدث أن اجتاح البرابرة المسلحون المدينة ، تم نقل عدد من الجرحى ووضعوهم أمام بيته وطالبوه أن يخرج ويرعاهم ، رفض أن يفتح الباب وقال : ” خذوهم إلى مكان آخر . فقد نسيت كل شيء يتعلق بمهنة الطب ” ( ص127 ) . وكان الناس في تلك الليلة وهم يرون نساء ورجال ماكوندو يموتون أمام الباب المغلق يستعدون لاشعال النار في البيت غير أن حضور كاهن الأبرشية منعهم من ذلك .وحين شنق الطبيب نفسه كانت هناك رغبة في أن لا يدعوه يُدفن ولم يجد الكولونيل بداً من أن يفي بوعده فأخذ ابنته وحفيده الصغير، وهو لا يحمل اسماً هوالآخر، ومعهم أربعة من الهنود العاملين لديه ، لأداء ما يترتب عليه من واجب لدفن الرجل الذي كانت المدينة تتمنى أن تراه يتعفن .وتحقق له دفنه بموافقة عمدة المدينة .
كان الكولونيل وابنته وابنها يتناوبون الروي ، كل من وجهة نظره وكان واضحاً أن القلق كان ينتاب إيزابيل على ابنها وهو يتابع عمل الهنود الأربعة في إعداد المتوفى للدفن . يقول الإبن: ” لا أدري لماذا قرروا أن يصطحبوني معهم ، فأنا لم يسبق لي أبداً أن وطأت قدماي هذه الدار، إلى حد أنني كنت أظن أن لا أحد يعيش فيها ” (ص 13 ) ، مما يشي بعزلة الطبيب .
ربما كان من قرأ ” مائة عام من العزلة ” يظن أن علاقة ماركيز بالواقعية السحرية كانت قد بدأت معها . لقد جاء في مطلع الطبعة التي ترجمها د. سامي الجندي وانعام الجندي : ” بعد سنوات طويلة ، وأمام فصيل الاعدام ،، تذكر الكولونيل أورليانو بويندا ، عصر ذلك اليوم البعيد ، الذي اصطحبه فيه أبوه ، كي يتعرف إلى الجليد ، كانت ماكوندو يومئذ قرية من حوالي عشرين بيتاً من الغضار والقصب ، بنيت على حافة جدول ينساب ماؤه الشفاف في مجرى حجارة ملساء بيضاء كبيرة كبيض من فبل التاريخ ” ( ص 12 ) . وكانت أسماء ماكوندو و الكولونيل اورليانو بويندا وشركة الموز ، قد وردت في رواية ” عاصفة الأوراق ” التي كانت قد صدرت قبل صدور ” مائة عام من العزلة ” باثنتي عشرة سنة . يقول ” دليل أوكسفورد للأدب الانكليزي ” : ان الروايات والقصص القصيرة الواقعية السحرية تتوفر بصورة نموذجية على دينامية سردية قوية يندمج فيها الوافعي الذي يمكن تمييزه بغير المتوقع والمتعذر تفسيره ، وترتبط فيها الأحلام والقصص الخرافية والميثولوجيا مع اليومي في نمط موزائيكي أو متغير الأشكال ” وفي رواية ” عاصفة الأوراق ” ما يشي بأن بدء ريادة ماركيز للوافعية السحرية ربما كان بهذه الرواية وقبل رواية ” مائة عام من العزلة ” بأكثر من عشر سنوات .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *