(كل شيء ضدي) رواية جديدة للروائي “سلام إبراهيم”

إشارة:
طبع الروائي العراقي “سلام إبراهيم” بصمته السردية الفريدة على خارطة الفن السردي العراقي والعربي. وببالغ الاعتزاز تنشر أسرة موقع “الناقد العراقي” خبر صدور روايته الجديدة “لماذا كل شيء ضدي”. كما تقدم شكرها الجزيل له لأنه خصّ قرّاء الموقع بالفصل الأول من روايته. تتمنى أسرة الموقع له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد.
أسرة موقع الناقد العراقي

عن دار الدراويش للطباعة والنشر في بغداد صدرت رواية “كل شيء ضدي” للروائي العراقي “سلام إبراهيم”. ونظراً لطوال الرواية أرتأت الدار أصدارها بجزأين كل جزء قرابة 280 صفحة، والرواية مقسمة إلى أربعة أقسام كل قسم يحوى عدداً من الفصول وكل فصل تحت أسم.
عن ورايته الجديدة هذه بقول سلام إبراهيم:

“الرواية بحث كما كتبت وأذكر في كل مقال ومقام وحديث. بحث، ورواياتي روايات ثيم وليس رواية حكاية وأحداث سائبة غير موظفة لتأصيل الثيمة وتعمق فلسفة التجربة وعرضها بما يحفز القارئ للبحث فيها وتأملها
(كل شيء ضدي) بحث وتأمل بحكاية العلاقة الأبدية التي من دونها لا وجود للحياة وبنفس الوقت ملتبسة معقدة لا ساحل لها ولا حل؛ علاقة الرجل بالمرأة”
وقد خصّ الروائي سلام إبراهيم قرّاء موقع الناقد العراقي الفصل الأول من القسم الأول وهو يعبر عن أجواء الرواية مع غلافها.
(1- يسقط مبعثراً على السرير
طفا على بحر الحروف، من باطن الرواية. أنصت مذهولاً..
ـ هل هذا الضحك القادم من أسفل السلم حقيقي أم أنه وهمٌ من أوهام فرحيَّ المندثر؟!.
أرهف السمع بكل حواسه.. ليس غير أنين السكون المختلط بصوت التلفزيون شديد الخفوتْ.
أمسى غير قادرٍ على التركيز. وضع الكتاب مقلوباً جواره على السرير. أدار مقبض الباب المواجهة لبئر السلم المظلم. ضجَّ السكون بغتة بضحكتها المثيرة والتي لم يعد يسمعها منذُ وصولهما إلى الدنمارك. الضحكةُ التي كانت توجع رجال العصابات في الجبلِ الذين اشتكوا منها إلى المسؤولين كي تخفف منها أو تكتمها مما جعلها تتقد غضباً وتلعن كل شيء.
اهتزتْ أركانه وتضعضعتْ. مزيج من هلعٍ ولذةٍ قديمة منسية أخذته إلى وهج تلك الليالي، حينما كانت هذه الضحكة الفريدة تزيد من لهب فراش الليل في غرفة الطين القابعة على حافة سفح، أسفل وادٍ عميقٍ، فيحتدم حتى مطلع الفجر وسط مخاطر قصف الطائرات اليومي، ورغبات رجالٍ محرومين يجدون بضحكة أنثوية عذبة .. سوط عذاب.
أهتزَّ.. أرتعدَّ..
– ما الذي أحيا بهجتها المتلاشية؟
لم يكف عن الارتجافِ مرتعداً في إنصاته وهو مستلقٍ في خواءِ السريرِ المشتركِ. لم يكف وهو يعود بذاكرته إلى كآبة النهار القاحل إلا من حديثٍ يومي مفتعلٍ عن شأنٍ تافه، يتبادلانه بوجوهٍ ميتةٍ؛ أفضل منها القناع. أصبحا ينتهزان الفرص كي ينشغلا عن بعضهما، في اتفاقٍ صامتٍ يجدان به راحةً، بعد أن ملّ من محاولاته في خلق أجواء مرح بالمزاح، والتذكير بَوَقد المحبة، وغزله المفضوح، بقرص الفخذ والربت على الكفلِ، وإلحاحه بالعناق في المطبخ والصالة والحمام والممر وقبل اللجوء إلى السرير. نشفَ وجهها الذي كان صاعق الجمال من البسمة فأمستْ من أثار ماضٍ محتدمٍ حارٍ .. تثلجَّ. أحسها تنأى عنه بعيداً.. بعيداً ما أن تلمسا طعم الاستقرار بعد عشر سنين من الاضطرابِ في خضم الحرب عندما كان جندياً في جبهة الحرب مع إيران، ووسط رجال العصابات.
أيدفعان هذه الأيام ثمن ضغط تلك الأيام التي قاوما رعبها بكل عنفوان؟.
ـ ما الذي أحيا بهجتها؟.. من؟!.
تخيّلَ وهو ينصت إلى نغم ضحكتها المنبعثة من أسفلِ السلم، من قلبها الذي كان مدلهاً به في زمنٍ أندثر الآن. تخيّل ثمة أخر!.
ـ ..لا ليس ثمة.. بل أن ذلك .. لا ..لا..
لكن ما سر هذي الضحكة التي عاشرت لحظات حبنا.
ـ ما سر تفجرها الآن؟ هي التي لم أرَ على قسماتها منذُ سنين ظل بسمة!
ـ ثمة جديد بالأمر يا روحي.. ثمة جديد!.
أطفأ النور. ترسبَ في العتمةِ يحدق في سماءٍ باهتةٍ الغيوم تطل عليه من خلف زجاجِ النافذة المائلة فوق طوله الغائص في السرير المهجور. يتقلبُ بين الجمر والرماد، الشك واليقين، الأسئلة والمعاني:
ـ ويل لمن تجرأ وتأمل عميقاً معنى المحبة!.
وهل للمحبة معنى؟ بعد تلك التجربة الدامية حباً وعذاباً، وثلاثة أطفال ومغامرة كادت أن تؤدي بحياة العاشق والمعشوق.. بعد كل عناء العمر هذا هل ثمة داعٍ للسؤال عن معنى المحبة؟!.
وَجَدَ نفسه يغوص في أسئلةٍ عصيةٍ أغرقته وهي تنبثق من أصداءِ ضحكتها القادمة من الطابقِ الأسفلِ.
ـ ما الذي كان يشدّهما إلى بعضٍ؟
أكانت المتاعب والصعاب؟.. أكانت ضغوط المحيط هي من جعلتهما يتشبثان ببعضهما طوال تلك السنين الثقيلة المرة؟
ـ أيكون الحب مجرد وهم يظل الإنسان يلاحقه منذُ الوعي الجنسي بالآخر وحتى الرجوع إلى التراب؟
ـ أيكون مجرد محاولة عقيمة في إطفاء عطش جسدٍ محروم؟
أيكون الحرمان الجسدي الوحشي غير القابل للارتواء في اللقاءات القصيرة عقب خروجه من المعتقل في المرات الخمس، في أيام الإجازة السبعة كل شهر من جبهة الحرب، في لقائهما سراً وقت هروبه واختفائه في مدنٍ وأمكنة مختلفة، ثم سنين الجبل وسط المخاوف والهواجس والظنون، أيكون هو سر جذوتهما التي ظلت مستعرةً، تتجسد في عنفِ الالتحام الجسدي المهووس، في باطنِ الليل والنهار، في غرفِ نومٍ وثيرةٍ، غرف مخازن علّية مهجورة وسط الأغبرة، في عتمةِ كهفٍ بالجبلِ، في أمكنةٍ غير مألوفة ووسط قاعات مليئة بالمقاتلين حيث يجري الأمر في الظلام ودون حراكٍ.. التحام مجنون هو مزيج من عراكٍ ورغبةٍ ملحةٍ لا تكتفي بالوصولِ إلى الذروةِ، بل أن ذلك يضرمها بعنفٍ أشدَّ، فكانا يتضاجعان في كل مكانٍ، في المطبخ، ممر البيت، غرف الضيوف، في الحمام، على السطح، في الماء، على التراب.. الصخر، في الضوء والظلام، وقوفاُ وانبطاحاُ، إقبالاً وأدباراً.
ـ أكان ذلك حباً جارفاُ أم وهماً شيدهُ الحرمان؟!.
أختلط الأمر عليه ما أن لاحت آفاق استقرارهما في هذه البقعة الخضراء الطافية على الماءِ، الغائمة النائية، المرتبة الآمنة، فإزاء ترّمْد جسدها في ليلِ السريرِ كانَ جسده يتوقد في أنصاص الليالي محتدماً بالرغبةِ التي تشعلها المجاورة وطعم الإلفة.. لا بل ما لا يحصى من الإلتحامات المنطلقة نحو غور لذة أبديةٍ مجهولةٍ، فيستيقظ ليجدها وقد سقط عنها الغطاء، شبه عاريةٍ، مسفوحة جواره، مستديرة صوب الجهة الأخرى بردفيها الثقيلين، وفخذيها السمراوين المليئين المطليين بالنور الأحمر الخافت المنسكب من زاوية حجرة النوم اليسرى. يستيقظ مجد الليالي والنهارات البعيدة، مجد الأمكنة والنواحي التي لم يمرا بها سوى مرة يتيمة، يستعذب لهاث تلك اللحظات وصراخها الممتع لحظة الذروة، فيراها تقوم من رمادها تامة العري، تنبض حباً. تأخذ بناصيته، فيستسلم لعنفوانها المتفجر الذي يحمله إلى الذروة الطاغية التي ليس بعدها هبوط. يرميه وهج الأخيلة إلى رملِ السريرِ. يجد كفه المعروقة ممعنة في الإبحار اليائس في بحرِ الجسدِ المتجمد. يسحبها ليداري بلل وسطه المتكرر عقبَ غفوة كل ليلة. بدل الاسترخاء اللذيذ يشعر بالخزي من بلله الذليل، يتوتر فينقلب ذلك التوق واللهفة إلى رغبة جارفة في طعن خصرها الناحل العاري، اللصيق الممتنع، القريب البعيد، الخصر المكسور بانخفاضه الأكثر عتمه من طلاوة الجسد المطلي بجمر المصباح الخافت. النصل اللاهث يغور عبر بشرة الجليد في غمرة حرارة الأحشاء الخبيئة.. المنيعة. يستند بكوعه الأيسر رافعاً صدره قليلاً. يمعن النظر في ذلك الهمود الجميل الذي لا يختلف عن تمثال سيدةٍ عاريةٍ تستلقي بشكلٍ جانبي على دكة في متحف بكمالٍ أبدي الوضع. تزحزح جسدها وتحمله مثل سمكةٍ مزهورة مرتفعةً بوسطها وأسفل ظهرها عن الإسفنج لتسقطه منقلبةً على ظهرها رافعة ساقيها المنفرجتين الكاشفتين ضيق اللباس الداخلي المغطي وردتها الحميمة، ثم يستقر الجسد على هذا الوضع راجعاً إلى تحجره المكين. تشتد الرغبة.. تشتد..وتشتد.. يستعر..
ـ كيف لي بلوغ أعماقها الأليفة؟. كيف لي اختراق هذه الطبقة الصقيعية الصلدة الكاسية تموج هذا الجسد الساحر؟.
كنتُ ألمس بمسامها سخونة الدم في العروق، أحس نبضها يطرق بابي من بعيد..من قريب.. أزهو..أتوهج قبل أن أغور في أحشائها منطلقاً في فضاء مطلق اللذة..
فكيف بيّ.. كيف وأنا أحسها تجري في دمي هذي اللحظة.. كيف لي تحسس مجرى دمها النائي من جديد؟!.
تضطرم الرغبة.. تـــضط…ر…م. ينسل من سكونه الصاخب. يستدير في الممر الضيق المحصور بين الجدار المائل وحافة السرير. يتريث برهةً جوار رأسها الدافع في حركةٍ متشنجةٍ الوسادةَ المدعوكةَ بمسند خشبي قائم يمتد بعرض السرير. ينصت لإيقاع تنفسها الذي خاله مضطرباً. يمعن في تجمده حابساً أنفاسه. مع انتظام تنفسها يخطو نحو الباب. يفتحه دون صوت. يهبط في بئر السلم المعتم. يهبط نحو دمها الساخن.. نارها القديمة التي ذوت. يهبط نحو أول خطوة تفضي إلى مسافاتها الزاهية.. يفتح درج المطبخ. يتناول سكيناً.. يرفعه إلى مستوى عينيه.. يلهث النصل في انعكاس دفق ضوء يسقط من مصباح الشارع.. يحتدم بالجنون وأخيلة الدم الملتهب.. الدم..الدم..ذلك السائل السحري..سر الكائن.. سر الرب.. الدم.. الدم.. الدم.. لم يخطر لي يوماً قبل الحرب أن أصبح قادراً على القتلِ، ما كنت أشاهده في السينما من عنف الأفلام الأمريكية كنتُ أتصوره يجري في عالمٍ قديم غير عالمنا.. أول تماس لي مع القتل كان مع جثثِ الأصدقاء التي كانوا يأتون بها من جبهة الحرب مع إيران. كنتُ أحدق بالجسد الممزق بالشظايا، المشوه بالحروق، أو بطلقة يتيمة في الرأس أو القلب وهو عارياً على دكة الغسل.. فأرتعد متخيلاً جسدي مشوهاً..عارياً يحتل دكة الأسمنت المرتفعة جوار حوض ماء في غرفة خانقة وسط مقبرة النجف.. وفي الجبهة أصبح مرأى القتلى الممزقين حولي مشهداً يكاد يكون يومياً. كنتُ متماسكاً أكتم ما أشاهده من رعبِ موتٍ شبه يومي عنها في الإجازة عندما تسألني عن أحوالي هناك.. وكنت أخفي نفسي في ملجأ شقي ضيق عند احتدام المعارك واختلاط الحابل بالنابل.. أمكث في الحفرة إلى حين هدوء القصف.. كنتُ أقول في نفسي:
ـ الأهم ..الأهم هو سلامتي أولاً..
‏أمس‏ الساعة ‏٢:٢٩ ص‏
كنت لا أصوب مباشرةً نحو جسد الجندي الإيراني المهاجم. لكن في التحامٍ قريب قفز نحو الملجأ الذي أكمن فيه جنديٌ وهو يصوب نحوي حربته صارخاً. تحاشيتها فانغرز نصلها بجدار الملجأ جنبي، واختلطت أنفاسنا. كانت عيناه القريبتان جداً تبرقان ببريقٍ وحشي. كان يحاول في تلك اللحظة الخاطفة استلال حربته لطعني. كان قلبه النابض يكاد يلاصق صدري. وجدتني أصرخ.. وأصرخ..وأصرخ لحظة طعني جنبه الأيسر بنصلِ حربتي. راح يرفس للحظات ودفق دمه الساخن ينصب على صدري. ابتللتُ بدمه الذي تحول لزجاً مقززاً مع استمرار نزفه الغزير بالرغم من همود حركته. في إجازتي الشهرية صرتُ أنهار باكياً بعد عدة كؤوس من الخمرةِ، أو قبيل بلوغ الذروة في الفراشِ، فأنطوي في زاوية السرير ضاماً رأسي بين ركبتي المضمومتين ناحباً.. معرضاً عن أسئلتها الملهوفة. ظللتُ أتعذب كلما صوبتُ نحو الأجساد المهاجمة.. إلى أن التحقت معها إلى الثوار في الجبل حيث التجربة مختلفة، فيها من المرارة يفوق ما كان يحدث لي في جبهة الحرب. ففي أول الأمر كنتُ أجد لذة في إذلال أسير من رجال الأمن الذين أذاقوني مرّ الذل في أقبيتهم السرية. كنتُ أضربهم بقسوة شديدة إلى أن مات إثنان منهما تحت أيدينا في مغارة.. بعدها بدأت أحس بالذنب كلما اضطررت إلى قتل جندي في كمين. لكن لحظة القتل الخاطفة.. لحظة الطعن.. لحظة الضغط على الزناد ورؤية الجسد المصاب وهو يترنح قبل سقوطه.. دفق الدم الهادر وهو يشخب.. تكمن في اللحظة تلك لذة دفينة.. تجعل القاتل يرتعش منتشياً في لحظاتها الأولى.. هذا ما أحسستُ به مباشرة عقب الطعن أو ضغط الزناد..
ـ هل في هذه اللحظة يكمن سرّ وَلَه البشر في القتل منذُ سحيق الأزمنة.. أم أن تكرار فعل القتل يولد حمى خاصة تصهل في الدمِ وتجذب الإنسان إلى مداراتها السرية؟!.
تصهل الرغبة قادمة من نصلِ السكين اللامع تحت الضوء المتسرب من مصباح الشارع .. تصهل في حمى موجعة.. قديمة تنبثق من غورٍ سحيق.. الدم..الدم..الوصول إلى غور القلب.. السفر في أحشاء الحبيب.. العودة إلى الجذور.. إلى قيعان المحبة المندثرة.. إبحار في صمت السائل العجيب.. يقف وسط المطبخ.. يمسح النصل بأنحاء جسده العاري، من الخد حتى باطن القدم. يدور المقبض بين السبابة والإبهام. يخترق النصل باطن كفه الأيسر.. يغور عميقاً في اللحم.. يبتل جسد السكين.. تستعر رغبة الدافق في العناق.. في امتزاج حقيقي بفلك أحمرها الدائر تحت الصقيع. يتسلق السلم الخشبي على أطراف أصابعه جاهداً إخفاء الصرير. في الفسحة الصغيرة الكائنة أمام أبواب غرف النوم الثلاث يتوقف.. يتلمس نزيف راحته الجاري.. يحدق في نافذة الفسحة المائلة إلى نثار نجومٍ باهتةٍ.. يرمي بصره إلى البعيدِ النائي.. المستحيل قبل أن يجتاز عتبة الغرفة.. يطل على الجسد العاري، الغائر في مواته، المطلي بالأحمر الخافت، الممتنع، المبذول، العاصي.. يختض لحظة شهره السكين، تتشنج أصابعه الملتفة حول القبضة.. يبرق دمه السائح على جسد النصل وكأن شمساً أضاءته للحظة.. يبرق لاهثاً برغبة الغور في دفء الأحشاء، الولوغ بنهر الدم الهادر الحار في سواقي العروق الحبيبة. يكاد.. يشرع.. يكاد.. وتنهد ذراعه البائدة في الصمت ضاماً السكين إلى صدره. يستدير نحو الباب المفتوح مختنقاً بالنشيج. تبتلعه عتمة السلم. يغسل النصل تحت الحنفية وهو ينشج بصمتٍ. يفتح نافذة الصالة الواسعة. يستلقي على الأريكة الجلدية السوداء الوثيرة بعد أن يسحبها من طرفها البعيد ويجعلها لصق النافذة. يعب من هواءِ أخر الليل البارد أنفاساً عميقة. يشغلُ قرصاً – Bach – تصدح موسيقى ، يسدرُ في الدمعِ والألمِ.. في البؤسِ والخرابِ شارداً في تحديقته الخاوية بظلال شجيرات الحديقة المتشبحة تحت نور عمود الشارع الفجري الخافت. يضيع في غور السونيتات الحزينة القادمة من غبار قرون اندثرت، تأخذه إلى أمكنة طفولته حينما كان يلوذ حالماً.. منسياً في بستان، ظلال النخيل، جدران البيوت، شارداً من بؤسه المبكر حيث كان يشعر أن كل الأشياء ضده. في برودة الأفياء تلك كان يجد في الغفوة اللا مبالية.. الغفوة المجردة من أي عقل.. غفوة الغريزة التي تشبه الموتْ.. منقذةً رحيمة. تحمله إلى تلك المناحي البعيدة التي ليس فيها غير الاسترخاء على إيقاع سعف نخلة تحركه نسمة صيف، أو لغط صبية زقاق. يؤوب من رحلته إلى ذلك الإبحار اليومي الفارغ في سماء صيف اسكندنافيا الباهت، ضائعاً في دروب الموسيقى المفضية إلى الغفوة المخلصة.
يهبُ من الأريكة مع أول نقطة للفجر خجلاً، ليس خجلاً حسب، بل شاعراً بالعار من فوران ليل البارحة المخيف. يرهف السمع. البيت يغرق في السكون. يهرع نحو الباب. يتجه صوب الحقول المجاورة، مزفوفاً بضجة عصافير الغبش. يحث خطاه المضطربة عارياً مع روحه. يغور في أحشاء الفجر.. في أحشاء الحقول.. في ألق الضوء الفضي الأبدي المدهش.. يغور في السماء الخفيضة.. في طمأنينة التراب والأشجار..الهواء والطيور.. في سلام الأشياء.. يلاحقُ شجرة سدر وارفة الظلال تلوح في عمق حقول الحنطة وبجوارها يجري الفرات. يتبسم وصوت معمل ثلج سيد – إبراهيم – يدوي رتيباً.. يقترب.. ويقترب من ساق الشجرة المحنى وفروعها المليئة بعقد قطع القماش الأخضر المضمخ بأنفاس وأرواح نساء معذبات.. يدوي الضجيج الرتيب لضربات المعمل.. وبغتةً ينحرف عن المسلك الضيق بين الحقول راكضاً وسط ألواح الحنطة مثل مجنون.. يدوس أجساد السنابل الخضراء صارخاً.. ضاحكاً أول الأمر، ثم ينحب عند غياب مشهد النهر والشجرة شاتماً الكون.. وعذاب الليالي التي تشبه ليل البارحة.. يركض.. ويركض صارخاً بوجه الفجر والعصافير:
ـ ليش.. يا ربي .. ليش؟!.
يركض ويصرخ.. يصرخ ويركض.. يركض.. يركض.. يصرخ.. يصرخ إلى أن ينهد على السنابل منهكاً.. يائساً في وسط ذلك الاخضرار المفتوح، يغفو معتنقاً حزمة سنابل إلى أن يوقظه رفيف أجنحة العصافير. يعود إلى الدار فيجدها قد غادرت إلى مكان عملها، والأطفال إلى المدرسة. يعود إلى صمت الغرف والخواء والأسئلة:
ـ هل تتعذب مثلي، وتكابر.. أم أنها غادرت مسافة القلق إلى الرماد.. وقرّ عزمها؟!..
وإلا ما سر كتلتها التي عادت من حجر. تكورٌ أدميٌ يتصنع غفوة الليالي، عارٍ لصيق. حجر ناعم.. ممتنع مثير.
.. أيكرهني قدري إلى هذا الحد؟..
أيكرهني.. وهذا الجسد الآسر الذي تولهت به عشرين عاماً، مبذول جواري عرياً.. ناءٍ عني أفلاكاً.
كيف السبيل إلى الخلاص منه؟
كيف.. وهو في باطن الروح جمرة متقدة أبداً .. كيف وأنا ما زلتُ متعلقاً بها تعلقي القديم المجنون.. التعلق سر احتدام ليلي بالرغبة في الولوج في أحشائها..
كدت أرتكب فعل الطعن ليل البارحة!.
هل أفضت بيّ تجربة الحب الوحيدة العنيفة التي امتدت طوال مسافة عمري اللاهث إلى نقطة البدء؟. هل عدتُ صبياً غراً يتعلق بجميل الصبايا من طرف واحد.. كان ذلك التعلق ممتعاً.. في الانتظار أمام شباك الحبيب وبابه، الرسائل المكتوبة بروح لم تزل بريئة، كنتُ أرميها قدام الحبيبة وهي في طريقها إلى مدرستها.. فرن الخبز.. السوق. الوجل والارتباك.. أحلام الوصال وكأنها الجنة، لكن الآن أجدني بالوضع ذاك وأنا جاوزتُ الخامسة والأربعين عاشقاً أبدياً لكيانٍ تحجر جوار ليل الفراش المشترك.. أحلم كل لحظةٍ بصحوة الحجر الناعم الذي كنتُ أعتقد حتى لفترة قريبة بخلود وقدته حتى الممات.
– من يدرك عمق عذابي؟!.
يدور في غرف الدار.. بين الأركان الرازحة تحت الرماد.. بين الأخيلة المتراقصة في الصمت الثقيل والوحدة.. وجهها الكئيب والنظرة الفارغة في عيون أطفاله المرتابة، المحدقة وكأنها تعرف كل ما يجري. يمتلئ بخواء الدار.. يرتعد.. يقترب من الصور الفوتوغرافية المعلقة على الجدران.. يتملى الرسوم الناطقة.. يخدره سحر العيون. عيون أطفاله الباسمة. عيناها السوداوان الواسعتان الدافئتان في خواء الصباح الاسكندنافي الموحش.. العبق السري المنبعث من أشياء البيت، من الأسّرة عندما تغادرها الأجساد الحبيبة.. يشتدُ به وجد اللحظة.. تشتد تباريح وحدته.. يستيقظ بؤس طفولته.. وحشتها التي كان يهرب منها لاجئاً إلى المراقد المقدسة.. يتوسل لجلالة الراقد كي يعينه في محنته، واتحاد الكل ضده.. هو المشرد المذنب الطريد منذُ الطفولة لأسباب لم يدرك كنهها إلى الآن. يملأ كأسه بالخمر. يعبه دفعةً واحدةً. يرمق سماء النافذة العريضة.. يهبط في خواء نفسه.. خواء السماء.. خواء المعنى والتباس النفس البشرية. ها هو ملقىً مثل شيء في خواء البيت مخذولاً.. سادراً في ضياعه.. يستدير ليصب كأساً أخر.. تضرمه الخمرة في خلوة الدار. يتسلق السلم. يفتح خزانة الملابس.. يستخرج أرديتها، فساتينها، تنوراتها، قمصانها، قطع ملابسها الحميمة. يفرشها على السرير.. يهبط على ركبته جوار الحافة.. يمسح نسيج الأقمشة الناعم بقسماته المعروقة.. يلمها.. يضمها إلى صدره بحرقة، ثم يغمد وجهه بين ثناياها عاباً بعمق طيبها المخبوء.. يهلكه عبق الأردية فيسقط مبعثراً في كون السرير الخاوي”).

شاهد أيضاً

طبعة فريدة لديوان الجـواهري، بحسب أحرف الابجدية العربية
رواء الجصاني

اتممت وزارة الثقافة السورية اصدارالجزء الأخير- الجزء الخامس، من ديوان الجواهري، عام 1984 وقد كان …

“ما يقولُ البحرُ عن صمتي”
مختارات فرنسية وعربية للشاعر المبدع “عدنان الصائغ”

إشارة: ببالغ الاعتزاز تنشر أسرة موقع الناقد العراقي خبر صدور المختارات الشعرية “ما يقول البحر …

عدنان حسين أحمد: جوّاب المدن يسلك “طريق الآلهة… من منائر بابل إلى معابد هيروشيما”

صدر عن دار “سماوات للنشر والترجمة” في مَسقط كتاب “طريق الآلهة. . . من منائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *