فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ الصندوق الذي فاض بعجائب الدنيا

اعود مرة اخرى الى ( جرت ميدان ) منطقة طفولتي وصباي وتعني هاتان المفردتان بالتركمانية ( ميدان الفروسية ) , الا انني لم اشهد اي شي يمت بصلة الى عالم الخيول وفرسانها باستثناء سيد خليل الذي كنت اراه وهو جار لنا يغادر داره ممتطيآ حصانه , وفي اوقات اخرى كنت المح عسكريين وهم يقودون افراسهم لان المنطقة كانت قريبة من مقر الفرقة الثانية للجيش العراقي ويسوقون عربات تجرها الخيل و ولكن المنطقة احتفظت باسمها وحافظت عليه وما سمعناه من المسنين والكبار كانت فعلآ تجري مباريات الخيل وسباقاتها فلهذا التصق الاسم بها واشتهرت به وانت تصل اليها عندما تنحدر من ميدان ( احمد اغا ) مجتازآ سوق القورية ثم تصل اليها وبعد ذلك تهبط الى ساحة الطيران القريبة من القاعدة الجوية في ماضيات الايام .

تطل دارنا على الطريق الرئيسي في المنطقة وهي دار قديمة ورثتها والدتي من والدها الحائك وكانت في البداية مشيدة من الطين ومسقوفة باعمدة خشبية الا ان بناءها اعيد من جديد واستعمل فيه الجص والحجر واضيفت الى الدار غرفة علوية استعملت لاستقبال الزوار ومقابلها كان يستلقي حانوت اخي ( نجم ) رحمه الله يتعاطى بيع المواد الغذائية والى يسار المحل طريق يخرج الى مقبرة ( سيد علاوي ) ثم يأتي دكان متواضع للعم ( جبار ) ولا ادري هل انه على قيد الحياة ام انتقل الى جوار ربه ثم يحاذيه حانوت يشغله ( عصام ) لتصليح الدراجات الهوائية ويملك مذياعآ يتركه مفتوحآ على مر الساعات منطلقة منه الاغاني التي تعلو وتتمسح بسطوح البيوت ثم تتلاشى في الفضاء وبعد هذا الحانوت ينفتح زقاق مغلق غير سالك يستلقي فيه بيتان او ثلاثة بيوت , وواحد من هذه البيوت الثلاثة يعود الى ( عزت اوجي ) اتذكره شابآ اسمر اللون متوسط الطول يميل الى شي من الامتلاء ويعيش مع والدته وشقيقته . اذن الاسرة تتألف من ثلاثة اشخاص ودارهم متواضعة كمعظم دور المنطقة التي تتصف ببساطتها الشديدة ولكنها بيوت تنعم بشغف ساكنيها وهي دور تتناجى فيما بينها ومفتوحة الابواب دائما كنا نحن الاطفال نستطيع الدخول الى اي بيت ونُستقبل من اصحابها بكل ترحاب ونُدعى الى سفرات طعامهم ونتشارك معهم قسمات ارزاقهم , حقآ كانوا امراءً في النبل اوفياء لجيرانهم وكرماء مع الاغراب ومازالوا يطرقون ابواب ذاكرتي ويخضبونها بزيت حكاياتهم فابصرا دبيب خطاهم وكانها تأبى ان تتهادن مع متاهات النسيان .

عزت اوجي او عزت الصياد كانت مرويات المحلة تقول ان هذا اللقب علق به بسبب صيده طائرآ نادرآ في بساتين ( كاوور باغي ) هذا الطائر الذي كان عصيآ صيده حتى على ابرع الصيادين وامهرهم ولكن عزت بذكائه وجرأته صاد ذلك الطائر الغريب واتى به الى المحلة وظل الناس يتفرجون عليه ايامآ . تعودنا انا وبرفقة اشقائي الكبار ان نزوره في بيته وكان احب شيء لي هناك صندوق خشبي مربع الشكل مركون في احدى زوايا الغرفة , كان ممتلئآ على اخره بمجلات انكليزية في الوقت الذي ينشغل اشقائي مع عزت في محاوراتهم واحاديثهم كان عالمي يتمحور حول هذا الصندوق الساحر بعجائبه الغرائبية صاحب الصندوق يسمح لي ان اعبث بمجلاته , اخرجها واتصفحها , الصور الملونة تاخذ بمجامع عقلي وتلقيني في مساحات من الدهشة والتعجب فكنت اتخيل ان الصفحات تنفتح بنفسها وتتناثر المناظر على ارضية الغرفة والشوارع تنداح والاشجار تتباسق والانهار تتدفق مياهها واحس انني احلق مع هذه المشاهد التي تصور بلادآ بعيدة ومختلفة عن الاماكن التي اعتدت رؤيتها وحتى جلبة الناس وضوضاؤهم تصلني , كنت ابتهل الى الله ان تطول زيارة اشقائي لصاحب الدار حتى يطول مكثي بين كنوز هذه المجلات التي لا اعرف فك طلاسمها ولكنني اتمتع بصورها الملونة التي تفتح لي ابوابآ ونوافذ اطل عبرها على عالم غريب بمشاهده وجديد علي بازياء ناسه وملابسهم التي لم اعتد عليها , واذا رأيت صبيانآ قريبين من عمري احببت مصادقتهم واللعب معهم طالما انهم يبدون ودودين مبتسمي المحيا يعدون ويتدحرجون في شوارع تظللها اشجار لا اعرف اسماءها ولكنها تصطف مستقيمة عدلة على جانبي الطريق . وعند نهاية الزيارة يهدينا صاحب الدار بعضآ من هذه المجلات وانا متعجب كيف يتنازل عن كل هذه التحف واللقط واعود الى الدار محمولآ بكنز لا يعادله اي شي , وعندما يأتي الليل وتظلم الدنيا وآوي الى فراشي وبمجرد ما اسقط بين استار النوم يظهر لي الصندوق ثم ينفتح فتنتثر منه المجلات باغلفتها واوراقها ولغاتها وعناوينها واشعر انني اهوم معها واتعرف على وجوه واشجار وبيوتات وانهار وتضاريس وسهول وهي تاخذ وسعها متلونة بما يفيض عليها الخيال من الوان بهيجة واشكال تتقدم وتكبر وتنداح .

عاش عزت اوجي حياته في جرت ميدان اعزب ولا ادري اي سن بلغ ولكن عندما حان اجله شيعته المحلة تشييعآ يليق بكبار القوم واجوادهم واظن انه لم يبق احد في الجوار الا وقد سار خلف نعشه وامطر فراقه الحزن على الصدور لانه كان قريبآ الى الكل بتواضعه ومحبوبآ من الجميع بزهده وتسامحه فظل في قلوب اهل الحارة محط احترامهم وتقديرهم ومودتهم وما فتئت ذكراه وذكرى صندوقه تنسكبان بحلاوتها ومرارتها كاوية القلب بذياك الحنين الذي يعلو ويتصاعد على وقع سنوات العمر المتوغل في غسق الشتاء .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بكر أبوبكر : القدس والمسلمون في 22 نقطة أساسية (1/2).

لقد اختلفت الأمة عبر تاريخها حتى في العقائد، فظهرت الطوائف والتيارات والفِرَق، ولم تختلف على …

| د. توفيق آلتونجي : العدو و العدائية في السلوك البشري .

“ينام الماء ولا ينام العدو”                     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.