ناطق خلوصي : عشاق الشمس (1)

* إشارة : لا يسع الهيئة المشرفة على موقع الناقد العراقي إلا أن تحيي جهود القاص والروائي والناقد الشامل والمترجم  الأستاذ “ناطق خلوصي” على هذه الروح المثابرة الدؤوب في شتى مجالات الإبداع قصا ورواية وترجمة ونقدا . وإذ تنشر الفصل الأول من روايته الجديدة “عشاق الشمس”  التي تفضّل وخصّ بها الموقع فهي تزجيه بالغ الشكر مع التمنيات بالصحة الدائمة والإبداع المتجدد .

“رجل غامض.
كل الذين يعرفونه يقولون عنه انه صندوق ينغلق على أسراره وألغازه، مقفل بإحكام ،عصيّ على الفتح، اما هو فينظر اليه بعين رضاه ويزداد تعلقاً به يوماً بعد يوم.
رجل غامض؟ ليكن كذلك في عيون الآخرين لكنه لا يبدو غامضاً في عينيه ضحى هذه الجمعة بشكل خاص. انه في مزاج رائق، مزاج لم يعهده فيه من قبل. يبدو مسكوناً بفرح طفولي غير مألوف حتى انه لم يطلب اليه ان يرافقه الى مزرعته حسب، انما طلب اليه ايضاً ان يقود سيارته بدلاً منه، وها هو يجلس الى جواره فيبدو له في هيئة جليلة وطلعة بهية وملامح كهولة يحاول ان يخبئها وراء عنفوان شباب فات اوانه ولكنه مازال يتشبت باذياله، وقد انفلتت السيارة وملأ زفيرها فضاء الممر المحاذي للحديقة وما لبثت ان اجتازت الباب الحديدي الرئيس، تودعها ثلاث ايد ملوحة وتلاحقها  ست عيون مسكونة بتساؤل حذر عن سر هذا التحول الذي تشي به هذه الحميمية الغامضة. استدارت السيارة وبدأت تتهادى في الشارع. نظر الى الجالس الى جواره من زاوية عين متلصصة لكأنه يتملى صفحة وجهه الواقفة في منطقة الظل فانتبه  اليه بعد ان اقتنص بصره الحذر النظرة المتسربة من زاوية العين المتلصصة وعضّ على شفته السفلى اولاً وما لبثت شفتاه ان انفرجتا عن تساؤل قلق:
– لماذا تنظر اليّ بهذا الشكل يا ابن أخي؟
رد عليه كما لو انه القى القبض عليه متلبساً بإثم:
– انني لا اشبع منك نظراً يا عمي!
سمع قهقهته تجلجل ورأى جسده يهتز، وتشرق عيناه بالدموع، لكنما تلاشت القهقهة على حين غرّة وبدت كأنها ارتدّت الى فمه نادمة ً ليغادر حنجرته بدلاً  عنها صوت قلقه الداخلي:
ـ لكأنك تتوقع ان تفقدني يا ابن أخي!
اجفلته رنـّة الأسى التي تسربت مع الصوت الذي افترع طبلة اذنه  . قال وكأنه يحاول أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئن عمه:
– عمرك طويل يا عمي!
– إذا ً ؟!
– كل ما في الامر انني ازداد اعجاباً بك يوماً بعد يوم.
شعر بذراع ثقيلة تهبط على ظهره وبيده لحيمة تربت على كتفه، ورنّ صوت بدا كأنه استعاد هدوءاً كان قد هرب منه:
– لا عجب في ذلك.. انت ابن اخي وستكون صهري عما قريب.
وصمت للحظات كما لو ان هاجساً مفاجئاً تلبّسه ما لبث ان افلت من اسره، وسأل وهو يمد بصره عبر زجاجة السيارة الامامية وكأنه يتبصر في نقطة ما في المدى الرحب الذي ينفتح امام السيارة:
– كيف حالك مع هالة؟
– على ما يرام حتى الان.
وجده يلتفت اليه ويحدجه بنظره تساؤل أحس كأن شررها يتساقط على وجهه ويلسعه:
– هل تعني انها تصرفت بما يثير شكوكك؟
– كلا يا عمي
رأه يمسك طرف شاربه بسبابته وابهامه وسمع صوته يزمجز:
– اقسم بشرفي انني سأذبحها  من الوريد الى الوريد لو انها فعلت ذلك.
شعر بجسده يرتعش من الداخل وقد تلقى ما يسمع بأذن ذاهلة، شاعراً كأن يداً تعتصر قلبه: يذبحها من الوريد الى الوريد؟ تراءت له هالة، الملاك الذي يعشق، بعنق محزوز ينبجس منه الدم، فانقبضت روحه وصار شعر جسده يتوتر. تسابقت الكلمات وهي تتدافع  لتنفلت من بين شفتيه:
– حاشا لله، انها انقى  من النقاء نفسه يا عمي.
– لماذا تقول (حتى الآن) اذاً ؟
– انني لا أدري ما يخبئ لنا الزمن يا عمي!
وصمت لحظة متردداً وما لبث أن خرج من قشرة تردده:
– ثم انها  ستصبح طبيبة بعد سنتين وبضعة اشهر وتنسى ما عداه.
عاجلة رد عمه:
– هراء! هذا ضربٌ من الوهم، ليس ثمة ما يمنع  ان تجمع بين ان تكون طبيبة وزوجة واماً. هذا هو شأن المرأة في كل زمان ومكان.
صمت هنيهة وقال وكأنه تذكر أمراً كان غافلاً عنه:
– يخيـّل اليّ انك تستصغر من شأن نفسك يا ابن أخي. لماذا تنسى انك سوف تكون من رجال الاقتصاد؟!
وتسيّدت لحظات صمت قلق ما لبث ان اخترمها صوته الذي استأنف الحديث وكأن رنّة عتاب تشوبه:
-لقد كان في امكاني أن أحصل لك على مقعد في أي تخصص واية كلية تشاء، ولكنك آثرت ان تدرس الاقتصاد، أصررت على ان تفعل ذلك فلم أقف في طريقك.
– هذا صحيح يا عمي!
رنت ضحكة صغيرة قطعتها كلمات لا يدري إن كان عمه جاداً وهو يقولها:
– لعلك كنت مولعاً بآدم سمث وكنز وكارل ماركس، ومغرماً بالنظريات الاقتصادية ومفاهيم الرأسمال والتضخم وعلاقات الانتاج وفائض القيمة وما الى ذلك.
أصغى الى صوته وهو في حالة انبهار بما يسمع . انّ عمه يكشف عن جانب خفي من شخصيته فيفصح عن إلمام واضح بالاقتصاد أيضاً. تردد قبل أن يقول وهو يحاول ان يخفي طيف ابتسامة طفت على أديم وجهه:
– يقولون ان العالم يرتكز على دعامتين أساسيتين يا عمي.
– اولاهما؟
– الاقتصاد.
– هذا صحيح. وثانيتهما؟
لايكاد لسانه يطاوعه لان يدع الكلمة تفلت من تحت لسانه، لكن عمه ألحف في السؤال فوجدها تفلت من بين شفتيه على حذر واستحياء:
– الجنس!
واستدرك قائلا كمن شعر بذنب:
– لعلهم يقولونها على سبيل المزاح يا عمي.
علت قهقهة عمه واهتز جسده فشعر كأن المقعد الأمامي يهتز كله وكأن السيارة كلها أخذت تهتز.. واستقبل نظرة غامضة حار في تفسيرها فران وجوم على وجهه وجاء صوت عمه هادئاً، مواسياً:
– وهذا صحيح أيضاً يا ابن أخي.
ورآه يدير وجهه وينظر خلال النافذة الجانبية. ربما ليلاحق بصره كل ساكن أو متحرك على جانب الطريق، أو ربما ليسرح وينهمك في حالة استغراق في رحلة داخل أعماق النفس، والطريق صار يتلوى في مسار متعرج، محفوفاً بسورين من الخضرة الداكنة: أشجار معرّشة يحنو كل غصن على مجاوره، وأحراش متداخلة تتشابك في حالة التحام قسري لاتجد فكاكاً منه وشمس ضحى هذا النهار الربيعي تجود بنثيث دفئها على كل مكان . سمعه على حين غرة يطلب اليه ان يتوقف ففعل. التفت يميناً فرأى ذبائح مسلوخة معلقة بكلاليب تتدلى من عارضة خشبية. هذا رجل يبيع اللحم على قارعة الطريق اذاً. اشاح بوجهه محاولاً الهرب بنظره من مشهد الذبائح الذي يستفزه مثلما يستفزه منظر الدم. نظر الى الشمس التي يعشقها ووجد فيها مهرباً وتراءى له وجه هالة محاطاً بهالة ضوء باهر لكأنه استعارها من الشمس. ما لبث أن بدا له وجهها في خياله وكأنه يتداخل مع قرص الشمس ويتماهى معه. ورنّ في اذنيه صوت عمه: (اذبحها من الوريد الى الوريد) واستحال ذلك الصوت الى عواء وحشي يفترع طبلتي أذنيه. كيف يبيح لنفسه ان يتوعدها بالذبح وكأنها ليست فلذة من كبده؟ بلل شفتيه بطرف لسانه فتذوّق طعم الشهد الذي كان رضابها قد خلّفه عليهما، واوشك ان يغادر بكل أحاسيسه ونبضات قلبه الى هناك: الى تلك الغرفة المعلـّقة مملكةً هانئة يلتقي فيها بمليكة روحه في خلوات ذهبية هي أحلى ما في عمره حتى الآن غير انه انتبه على جلبة اصطفاق الباب وعلى يد تسقط على فخذه وصوت يستفز سمعه:
– أين سرحت؟
غادر ارتباكه على عجل ورد بلسان ليّن:
– ليس بعيداً يا عمي.
– هيا اذاً.
ضغط على الدواسة فأز المحرك وانفلتت العجلات مخلّفة بصماتها وصدى احتكاكها على وجه الطريق. التفت عمه اليه وقال:
– اشتهيت شواء فاشتريت بعض اللحم.
هزّ رأسه هزّة محايدة ربما لم يفهم منها عمه شيئاً. سمعه يزفر ورآه يرجع رأسه الى الوراء ويغمض عينيه وكأنما دهمته إغفاءة مفاجئة. لكنها لم تكن إغفاءة حقاً فقد كان يقظاً، ممتلكاً كامل حواسه وقد اخذت ذاكرته تتراجع سنوات الى الوراء وها ان الدوي يملأ اذنيه ورائحة الدخان تملأ انفه مختلطة برائحة الغبار. كل شيء من حوله ومن فوقه ضاج، هادر، مشحون بالرعب، وسرفات الدبابات تسحق كل ما هو ساكن او متحرك أمامها، تستحيل الثواني الى دقائق، الدقائق الى ساعات، الساعات الى ايام، الايام الى دهور، والالة الجهنمية تلتهم صفاء الارواح وهدأة الأمكنة وتكسر شوكة الزمن. وها هو يفلت من مفرمتها ولكنه يخرج انساناً آخر: جسد سليم وروح مشروخة ونفس ملوثة بالضغينة تسعى الى ان تنفس عما ينحبس في ممراتها من عتمة وصار يستميت من أجل ان يخفي مخالب الوحش الذي سكن داخله، لكن هذه المخالب تتمرد عليه وتخرج متحدية لتتوحد مع أصابع يديه. فتح عينيه على دربكة السيارة وهي تجتاز حفرة في الطريق. غمغم بما لا يفهم وحدج ابن أخيه بنظرة عتاب او لعلها نظرة تأنيب وما لبث صوته ان صفع سمعه:
– أتدري بم يذكرني اللحم؟
– بم يا عمي؟
– بنديف اللحم البشري وهو يعلق بسرفات الدبابات.
أحس، وهو يسمع ذلك، بدوار وعتم بصره قليلا. لم يصدق ما يسمع وتمنى لو ان عمه توقف عن الكلام الآن. لكن عمه ظل يتمادى وجاء صوته هادئاً كما لو انه يروي حكاية تبعث على التسلية:
– تعلو الدبابة جثة قتيل او جسد جريح، او جسداً سليماً حتى ، فتهرسه وتسمع طقطقة عظام الجمجمة، يتناثر الدماغ مختلطاً بهشيم العظام وبالتراب ومزق بذلات القتال، يتقافز نديف اللحم ويعلق بسرفة الدبابة التي أنت فيها.
كانت الكلمات تخترق سمعه مثل إبر دقيقة، وتخز روحه. شعر بالغثيان يصعد الى حنجرته، وغامت عيناه وكاد ينكفئ على وجهه. ارتعش المقود بين يديه وترنحت السيارة، فمد عمه يده الى المقود واداره يميناً وهو يصرخ:
– ماذا دهاك؟
انحرفت السيارة الى كتف الطريق.
– اضغط على الكابح!
فعل، ربما من دون وعي منه، فتوقفت السيارة. نزل عمه على عجل ودار حول السيارة في حركة لا يدري إن كانت تشي بغضبه او ارتباكه.
نظر هو الى وجهه في المرآة ورآه مسكوناً بشحوب الأموات فأرجع رأسه الى الوراء. فتح عمه باب السيارة وسحبه الى الخارج وكان يشعر برغبة في التقيؤ في تلك اللحظة. وضع اصبعين في فمه وأوشك أن يفرغ ما في معدته حين ركض عمه وجاء بوعاء ماء من صندوق السيارة الخلفي وبدأ بسكب الماء على رأسه فأنعشه رشيش الماء قليلا. اعتدل فرأى عمه ينظر اليه وكأنه يزدريه. رأى عينيه تلتهمانه، تمضغانه ثم تبصقانه وهو يصعد الى السيارة ويجلس وراء المقود ويصيح به بلهجة آمرة. صارمة:
– اصعد الى جانبي!
استدار بخطى متعثرة، متكئاً بيده على مقدمة السيارة. صعد وجلس متهالكاً. سمع صوت المحرك يئز بانفعال فتنطلق السيارة، وجسده في حالة استرخاء كامل، شاعراً كان كل اعضاء جسمه تتفكك. لمح عمه ينظر اليه مثلما ينظر الى كلب مبلول وطفرت شتيمة من عينيه قبل أن تطفر من بين شفتيه:
– لم اكن اعرف بأنك جبان الى هذا الحد!
ابتلع الشتيمة طائعاً وعلى مضض. لا حول ولا قوة له معه. اللحظة وجد نفسه ضعيفاً حقاً، يتهاوى امام جبروت عمه وكأن كل سنوات عمره ذهبت عبثاً وان وعيه تلاشى تماماً وتحولت كينونته الى نفاية في مكب قمامة وان عمه هو مكب القمامة هذا. نظر اليه عمه ورآه في حالة تفكك روحي فحاول أن يواسيه أو يخفف عنه، وتكرّم عليه بابتسامة صغيرة وجاء صوته مسكوناً بنبرة حنون كأنه يمن بها عليه:
– على اية حال سأطلب من هالة ان تعمل على انتزاع علّة الخوف من اعماقك.
وضحك.. ضحك حتى اشرقت عيناه بالدموع، وتداخل رعد ضحكته مع مطر كلماته المنهمر:
– الآن اصبحت على يقين بأنها اكثر شجاعة منك. لطالما حدثتني كيف تمسك بالمشرط وتبقر به بطون الجثث في درس التشريح.
عاودته الرغبة في التقيؤ من جديد. لايذكر ان هالة حدثته هو بمثل هذا الحديث في يوم من الايام. لعل عمه قوّلها او لعلها تعرف انه ينفر من لون الدم ومن اية اشارة الى الجثث فكانت تتحاشى مثل هذا الحديث أمامه.
السيارة تنهب الطريق وكأن جنوناً ركبها، حتى لاحت نقطة النهاية، و(ها قد وصلنا) تخترق سمعه. وتوقفت السيارة مثيرة زوبعة من غبار وراءها، وما زال محركها في حالة اشتغال، وتعالى زئير منبهها وتواصل حيث كان اصبع عمه يضغط على المنبه بحركة نزقة. لحظات وانفتحت البوابة الواسعة عن آخرها، وبان جسد حارس المزرعة: وجه ممطوط ويدان معروقتان وقدمان يتداخل لونهما مع لون التراب.
اندفعت السيارة منطلقة الى الأمام مثيرة زوبعة غبار اخرى وهي تجتاز الطريق الترابي المتوغل نحو الداخل. سمع عمه يضحك. التفت، وقد انجلى الغبار، فرأى حارس المزرعة يهرول مثل شبح محاولاً اللحاق بالسيارة التي توقفت أخيراً امام فسحة أرض مغطاة بالعشب ومسورة بشجيرات ورد واطئة.
لم تحن الظهيرة بعد، وعمه منشغل بالتطواف بين الاشجار متبوعاً بحارس المزرعة الذي يبدو مثل ظل باهت. استلقى على العشب ومد بصره صوب الشمس. يسحره منظر الشمس متى ما وقع بصره عليها. هذا الكوكب الملتهب الذي يستحوذ على الفضاء الرحب ويدور كوكب الارض في فلكه تابعاً مطيعاً يخضع لسطوته، ما الذي كنا سنفعل من دونه؟ ليس غريباً ان يكون من عشاق الشمس إذاً. انه يعشقها ولكن لايعبدها ففي مستوى وعيه ما يجعله بمنأى عن ان يفعل ذلك، يعشقها ويجمعه هذا العشق بهالة، بل انها هي التي قادته الى هذا العشق، ولكنه لايجرؤ على البوح بذلك. يخشى ان يهمس بهذا العشق حتى لنفسه في هذه الايام.
صوت خطوات تقترب انهضته من استرخائه فوق العشب. رأى عمه وقد تفصدت حبات عرق بدت عالقة بوجهه وقد جادت الاشجار على شعره ببعض هداياها من الغبار العالق بالاوراق. أتاه صوت عمه مختلطاً برنين ضحكته:
– يبدو انك تحب الشمس!
ساوره شعور بالقلق: أيكون عمه على علم بما يخفي؟ رد وهو يحاول أن يبدو متماسكا:
– استمتع بدفئها يا عمي!
– ظننتك تعشقها يا ابن أخي!
– ليس الى هذا الحد ياعمي.
دنا من عمه ودنا عمه منه حتى صارا متقابلين تفصل بين جسديهما خطوة قصيرة. حقاً انه لـَرجل غامض عمه هذا. فها هو يبدو امامه بوجه آخر، وينظر اليه بحنان أبوي وهو يقول:
– كيف حالك الآن؟
– أحسن بكثير يا عمي!
وفجأة ارتدّ عمه الى وجهه السابق وقد زارته ابتسامة ماكرة، وسمعه يقول:
– اذهب الى السيارة اذاً وارجع بكيس اللحم. حان وقت الشواء.
تردد قليلاً قبل ان يتحرك لكنه ما لبث ان قهر تردده مضطراًً. سار وانتزع كيس اللحم من حيث يستلقي في قاع السيارة وخيل اليه وهو يسير به انه يحمل كائناً غير مرغوب فيه. رأى طيف ابتسامة غامضة يطفو على اديم وجه عمه وهو يقترب منه. تحرك عمه صوب السيارة مخلفاً إياه يتعثر وسط حيرته في تفسير مغزى ابتسامة الغامضة. رآه يفتح صندوق السيارة الخلفي ثم ما يلبث ان يعود: سكين في يد وكيس ملح في الاخرى. اجفلته رؤية السكين وارتبكت اصابعه وهي تحاول التشبث بكيس اللحم المتدلي منها. مد عمه يده وناوله السكين:
– اذهب وقطّع اللحم على جذع شجرة التوت المقطوع ذاك.
وأشار ببصره الى جذع شجرة توت يستلقي مثل جثة مهجورة. سار الى حيث اشار عمه. وقف حانيا جسده مثلما تحني شجرة هامتها للريح. أقعى أمام جذع شجرة التوت وبدأ بتقطيع اللحم بيد مرتعشة، واذ التفت رأى عمه يراقبه ببصر متفحص. حين انتهى ونهض جاءه صوت عمه:
– اذهب الى الساقية واغسل اللحم.
هل ان عمه يُخضعه الى امتحان قسري للطاعة او انه يريد ان يخفف من غلواء تحسسه من منظر الدم واللحم النيء؟ سار حتى وصل الساقية التي يتدفق فيها ماء رقراق. أسره منظر الماء والمويجات الصغيرة التي تنبثق وتتلاشى، وانعكاس الشمس وهي تومض فوق الماء، وخيل اليه انه يرى وجه هالة منعكساً على سطح الماء فغمره شعور بالراحة.
نهض عائداً الى حيث يقف عمه فرآه ممسكاً بأسياخ لايدري إن كان يحتفظ بها في صندوق السيارة أم انه استعارها من حارس المزرعة. طلب اليه ان يشبك قطع اللحم في الاسياخ ففعل، وحين انتهى من ذلك مد يده بها الى عمه الذي تناولها منه وبدأ يرش الملح عليها وهو يهمهم:
– لايصبح الشواء لذيذاً من دون ملح!
النار تتوهج وحارس المزرعة يلقمها بعيدان الحطب اليابس فيزداد أجيجها ويسمع صوت اشتعالها ويتطاير الشرر منها فيبعد حارس المزرعة وجهه عنها ليتقي شررها فيقهقه عمه من دون سبب مقنع.
لاينكر انه اقبل على الشواء بشهية شرهة تلك الساعة. لعل شعوره بالجوع فتح شهيته على سعتها او لعل رائحة الشواء هي التي استفزتها. كان عمه ينظر اليه كأنه يتأمل وجهه وحركة فكيه وهو يأكل. وهاهما لوحدهما الآن وقد انصرف حارس المزرعة عنهما، او صرفه عمه بالأحرى بعد ان سمح له ان يحمل معه فتات الشواء.
انتبه الى ان عمه يطيل النظر اليه وكأنه يتفحصه بعمق. حار في رأسه سؤال قلق: ترى لماذا يفعل عمه ذلك؟ وفجأة انطلقت الكلمات من فم عمه مثل زخ رصاص يندفع من فوهة بندقية آلية:
– اسمع يا ولدي.. انت ابن اخي وستكون صهري. ربما افكر في ان يكون زواجك من هالة في العطلة القادمة.
بدأ صدره، وهو يسمع ذلك، يعلو ويهبط وقد ازداد خفق قلبه. هل حقاً ان حلمه سوف يتحقق؟ لم تدع له عينا عمه ولسانه فرصة أن ينطق بكلمة واحدة:
– ولأنك ابن اخي وصهر المستقبل القريب فانني سأوكل بك مهمة.
مهمة؟
أية مهمة هذه التي يريد عمه ان يوكلها به؟
– أية مهمة يا عمي؟
خفض عمه صوته حتى اقترب به من الهمس وكأنه يخشى ان يلتقط الهواء ما يقول:
– ستكون كاتم اسراري!
شعر اللحظة كان عمه سكب ماءَ مثلوجاً على رأسه. ها ان جانباً آخر من غموضه يتكشف له.. كاتم اسراره؟ ماذا يعني بقوله هذا؟
– ماذا تعني بذلك يا عمي؟
أتاه الرد مشحونا بنبرة غضب:
– الا تعرف ماذا أعني؟ الا تعرف ماذا أعني بكاتم الاسرار وانت في المرحلة النهائية من دراستك الجامعية؟
وصمت هنيهة كأنه يقيس ردة فعل ما قاله على وجه ابن اخيه وما لبث ان قال:
– سأأتمنك على اسراري، فهل انت على استعداد لان تفعل ذلك؟
الآن فقط بدأ يدرك سر الهدف الكامن وراء هذه الزيارة. لبث صامتاً وحين طال صمته أعاد عمه تساؤله بشيء من الضيق هذه المرة. وجد نفسه مضطراً لأن يرد بشكل من الأشكال لأن عمه لم يكن على استعداد لان يصرف مزيدا من الوقت في انتظار جوابه:
– انني على استعداد لان افعل ما تأمرني به يا عمي!
وهمس لنفسه (لقد سبق لي ان كتمت الكثير من أسرار بيتك).
منح الرد عمه شعوراً بالارتياح تجلى في قسمات وجهه بوضوح وأيضاً في صوته الذي رنّ مفعمً بالامتنان:
– بارك الله فيك يا ابن أخي. أعرف انك لاتخيب ظني فيك فأنت ابن أبيك.
وأطرق قليلاً كأنه يحاول ان يستّل فكرة من تحت قحف رأسه وما لبثت نظرة غامضة ان تسربت خلال ابتسامة عينيه.
– سأخضعك الى امتحان يا ابن اخي.. امتحان قد يكون عسيراً بعض الشيء، فماذا تقول؟
هل سينتهي هذا النهار على خير؟ عمه يحاصره في زاوية ميتة. يشعر الآن كأنه يضيّق عليه الخناق. امتحان؟ أي امتحان ينوي اخضاعه له؟ ما الذي يدور في هذا الرأس المنتصب فوق كتفين عريضين؟ ابتسم عمه فتراءت له صورة هالة في وجهه. لقد أورثها بعض ملامحه ولكنه لم يورثها شيئاً من غموضه. انها مثل كتاب مفتوح أمامه يقرؤه من دون تكلف. من أجل عيني هالة سيفعل كل شيء.. نعم كل شيء. تهدج صوته:
– لقد اجتزت كثيراً من الامتحانات يا عمي وأرجو ان لاتخذلني قدرتي في اجتياز امتحانك.
ووجد ان من حقه ان يسأل عن هذا الامتحان وبلغت به الجرأة ان يفعل ذلك:
– ولكن ما هي طبيعة هذا الامتحان يا عمي؟
رأى عمه ينهض فنهض وسار صوب السيارة مقتفياً خطاه محاولاً اللحاق به. التقط كلماته وهو يلهوج بها على عجل:
– سأخبرك ونحن في طريق العودة الى البيت.
وحين أوشك ان يفتح باب السيارة نعب طائر بوم على حين غرة، فتوقف وقد اكفهر وجهه.
طار ببصره الى حيث أتاه النعيب فرأى الطائر يحطّ على سعفة نخلة قريبة. انتزع مسدسه من قرابه وصوب فوهته باتجاه الطائر. طلقة واحدة وتهاوى طائر البوم الى الأرض مثل كتلة طين وقد خرس صوته الى الأبد.
حين صار الى جانب عمه الذي أدار مفتاح التشغيل، سمعه يهمهم وكأنه يكلم نفسه:
ـ اتشاءم من نعيب البوم. انه يذكرني بصفـّارات الانذار!
* * *

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.