حميد الربيعي : في البدء كان الوجع

مقالة الدكتور حسين سرمك عن رواية “تعالى وجع مالك “، المنشورة في موقع الناقد العراقي ، تؤشر الى العديد من قضايا الساحة الثقافية العراقية والعربية . ان ناقدا بمكانته يتفاعل مع منتوج ابداعي بهذه الطريقة ليوحي ان الساحة الثقافية مازالت قارئة ولم تنقطع عنها الحيوية والتجاذب بين الناقد و المنتج الادبي،فمازال النقد يواكب ويؤطر ويؤشر الى الابداع .هذه الظاهرة الصحية في تنشيط التبادلية تجعل انتاجنا بايدي امينة ،ترعاه وتقدمه ، ناقدة ومتذوقة .
الفرحة ،التي استهل بها حسين سرمك مقالته، تنبأ عن مفاجاة اجتاحته اثناء القراءة للرواية ،حتما تقودنا الى الاهمية التي يوليها الناقد عندما يجد ابداعا حقيقيا وسط الركام الكمي . بمعنى مقدار تشوقنا الى الابداع واللهفة بالعثور عليه ، تبين قلة انتاج مثل هكذا ابداع ، مع ان الساحة تعج بالعشرات من الاصدارات الجديدة . يقال ان 100 رواية عراقية صدرت منذ عام 2003.
الناقد حسين سرمك امسك بهذه المعلومة ولم تضع عليه حينما قال :  ” يشهد السرد العراقي قفزة هائلة من ناحية الكم ومن المؤكد ان قفزة نوعية سوف تترتب عليها ” مما يدلل على جدلية المنطق الذي يتبناه في رؤياه النقدية ، والواقع يثبت ملاحظة الناقد ،فان حتمية التطور تجعل البحث عن النوعية شاقة . من هذه الزاوية فهمت صرخة د. سرمك ” ان ارمي الرواية الى الهواء وقفز واصفق واصيح الله الله ”
طريقة التعبير الجميلة هذه تدلل على اختناق الساحة الثقافية بالغث من المنتوج الادبي ، مما يعني ان السرد العراقي لم تتبلور ملامحه وثمة من هب ودب يدخل لهذه الساحة. هذا نعيه بقوة ، يقال ان 27 رواية صدرت فقط عام 2010 ، ان وجود هكذا كم  يجعلنا اكثر ألحاحا بطلب عقد ورش عمل لبلورة مفاهيم ومقومات مدرسة للسرد ، وهي مهمة تقع على عاتق المنتديات الادبية وبالذات اتحاد الادباء و وزارة الثقافة للحراك بقوة وسرعة . نحن نرى امامنا وطوال الوقت هلامية وعدم تميز في الاطر الثقافية للمنتديات وكأن الامر يحدث في بلد اخر ، فلم نسمع عن مثل هذه الانشطة عدا بعض المحاولات النزيرة في الجامعات .
يأسف د. حسين سرمك ان ثمة رواية مثل ” تعالى وجع مالك ” ولم يسمع بها . حقيقة هذا الاسف متأت من معضلة الساحة الثقافية العراقية ، وهي معضلة مزمنة ،ولعل مرض بدر شاكر السياب لواحد من الامثلة التي رافقت الحياة الثقافية . ان صناعة النجم غائبة بالمطلق فلم يتعود العراقيون ، وحتى وسائل اعلامهم الداخلة بقوة خلال  الفترة الاخيرة ، لهذه المهمة . وكأن قتل المبدع من المرادفات السرمدية . فلم نسمع مثلا ان وزارة الثقافة قد اشترت المنتج الابداعي او سوقته في مهرجاناتها الخارجية .
المصيبة ان من اشتهر من روائي العراق هم المقيمون بخارجه،  مما يحعل الكثير يتقول بشؤم ” ان العراق مقبرة الادباء ” . في العديد من الانشطة الثقافية العربية كنا نسأل مثقفو العرب عما يعرفوا من اقرانهم العراقيين وللاسف الحقيقة صادمة بهذا الخصوص .
في المقالة يصف حسين سرمك الرواية ” وهي تتضمن مشهد يندر مثيله في الادب العالمي او انه يقف مقتدرا ومكافئا مع ارقى النصوص العالمية ” هذا يؤشر الى الطامة الكبرى التي تكتنف الحياة العراقية بكل مصارعها ، الحكومية والثقافية والاجتماعية ، ذلك ان انتاجا ابداعيا بهذه المقدرة مطمور في العراق ،. صدقوني لا احد في مؤسسة الدولة بدءا من الرؤساء وصولا الى وزير الثقافة يعون ، بل لا يعرفون، بأن ثمة منجز ايداعي بهذا الحجم ، ولاغرابة فحنى وسائل الاعلام موجهة نحو الهشاشة مما في الشأن العام ،وعليه نؤسس ان قبر الجواهري مازال في الخارج و مظفر النواب مريضا في الغربة والامثلة كثيرة ،
في احصائية شخصية وجدت ان مثقفي الخارج يتجاوزون 500 ،  الدول المتمدنة تسعى جاهدة للحصول على المنتج المبدع وتسخر اجهزتها كيما يسوق عالميا ، هذا يذكرني من ان احد رؤساء الدول منذ أشهر ذهب لزيارة كان هدفها تسويق المنتج الدرامي الوطني .
نحن هنا نغتال الابداع بلعبة شيطانية اسمها دولة لاأمبالة تجاه المبدع والثقافة ، احد مسؤولي الدولة الحديثة يسأل  صاحبه ان كان في العراق ادباء ؟ ، لهذا لا استغرب من دهشة حسين سرمك عندما صرخ ” يا حميد الربيعي ، من انت ؟ ومن اين اتيت ؟ ”
لابد من عرض بعض الحقائق للاجابة على هكذا  تسائل مشروع ، توخيا للحذر والتاريخ نقول ببساطة ان جيل السبعينات  في العراق فرض قيمه الروحية والثقافية والاجتماعية على مجمل الحياة العامة ، فهو الجيل الذهبي في الفنون والمسرح والادب ،ومازال هذا الجيل يفرض بصمته على الناس بالسلوك والممارسة اليومية ، فقد ورث هذا الحيل تجربة الرواد وانطلق بسبب الاوضاع السياسية انذاك نحو التغير او على الاقل الرغبة في التغير ، لكن هذه الحركة أجهظت ايضا لنفس الاسباب ، بيد ان معارفها وقيمها وأصالتها وابداعها تواصل ، ان كان في المنافي او بين انياب الاهمال ، فلا غرابة من التعميم الاعلامي على الاسماء المبدعة ، مضافا ما قيل عن ضعف صناعة النجم .
الصفات التي يوردها حسين سرمك عن النص : ” الحسي الراقي ،المتعالي،اللاهث، العاصف،الكاسح ،متوترا ، مصعوقا، مسحورا، بصمة أسلوبية مميزة  ”  قد تجلت بهذه الجيل بما امتلكه من حنكة ودراية ومعرفة ثقافية شاملة  ،وبواقعية محايدة تحاول الدولة طمس هذا الجيل وخنقه
يحذر حسين سرمك قراء الرواية : ” هذا النص يقرأ كاملا وبهدوء وتنبيه ذوي القلوب الضعيفة من النقاد واطفال نقاد ومثقفين نباتين ” وهي اشارة طيبة كيما يردع عن النص المس الشيطاني الذي يعشعشب في الحياة ، وما اكثره هذه الايام ، خاصة تلك التي اختلطت بهذه، وحابل الفساد بنابل حقوق المواطنة . ايضا هي دعوى لان يبرز المبدع عن المدعيين والاقلام الاجيرة لمنابر الاحزاب والقتل  .هي صرخة لحفظ جوهرة وسط الخراب الذي يلف حياتنا.
بشيء من المودة احاول ان اشر الى قدرة د. حسين سرمك في استنباط المغزى في الرواية والتي تدلل على مقدرة ذاتية ، حينما عقد مقارنة بين جمالية خلق الجبال وقدرة العلوم على الاكتشاف وبين تعبيرية السرد ، وقد انحاز بامتياز الى السرد ، فهو الكاشف لمواطن الجمال . هذه المقارنة تقارب الرواية الى حد الابداع ، فالناقد الذي يقرا الرواية يتلمس وشائجها وقدرتها التخيلية ومقاربتها مع الواقع . المقاربة بين الجمال والابداع .
لابد من وقفة جادة مع جملة وردت في المقالة ، لم تقال على عانها اطلاقا ، فلم نتعود من الناقد غير الموضوعية والاقتدار في طرح افكاره ، يقول : ” حافظ عليها ، ارجوك ”
على صفحة هذا الزمان امد يدي واسفح قلبي ، انا كاتب النص الروائي ، ساكون الامين على الوصية، طالما همي وشغفي السرد الروائي. عدا ان اعري نفسي علانية لابد من تؤكيد حقائق الزمن الخرافية الحالية : اتفهم جيدا ان العراق هو الابداع وايضا ان الابداع هو العراق والنص هو الذي يسرد الوشائجية المغموسة في الوجع  محاولا اعادة انتاج صور الواقع جماليا . الذي يسوقنا نحو خلق الحياة وانتاجها ثقافيا يهفو نحو بلد جميل تحتضنه الازهار والانهر وتكلله اساطيره النابضة بالعشق.. رحماك سيدي الناقد فانا المشرد الجائع .. الذي تلفضه مؤسسة الدولة ولاتعطيه الحق بالعيش والماوىء..والذي هو منذ ثلاث اعوام يقرضه الفساد الاداري .. وهو الذي طرق الابواب متشبثا بالعودة والارض .
الوطن مغيب بكاتم الصوت ودوي الانفجارات و المحاصصة ، الرحمة من تاريخ يطحن ارواحنا ويتعالى الوجع كل يوم .
اعطني ماوىء وعمل وساكمل مشوار الابداع.. اعطني ما اشبع جوعي وسيظل الالق بالسرد الروائي .. عندما اتنفس بلدي ومنتدياته الثقافية سأصون الوصية .. غيرها انهم يدفعونني قسرا الى غربة أخرى .

شاهد أيضاً

فندق ” Ambassador ” ومطعم راوندوز ” حكاياتٍ لا تُنسى
عدنان أبو أندلس

للرفقة التي كُنا نحنُ عليها في تلك الرحلة ، لها طعمها الخاص الذي لا يغيب …

من بينهم احمد شوقي، البحتري، ابو نؤاس
شعراء في قصيـد الجواهري العامر(2/3) *
رواء الجصاني

عددت وتنوعت شؤون التوثيق، والتقصي، والدراسات حول المنجز الشعري لمحمد مهدي الجواهري (1899-1997) في مجالات …

كورنة القيم.
عبدالله علي شبلي- المغرب

من وجهة نظر ابستيمية خالصة تبتغي تحصيل المعرفة كونها ارتقاء بالجنس البشري ونيلا ونبلا. بعيدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *