مقالات عن وباء الكورونا ابداعا:
(3) الماء ضد السكّر تأليف: كارلوس بنتادو
ترجمة: خضير اللامي

المترجم الأستاذ خضير اللامي

ثمة كاتب يفكر في أنْ يكتب عن الحجْر الصحي ، و – النحل – في الساحل الجنوبي ، من ميامي، في وقت كان يتأمل فيه قدوم الوباء العالمي ..
اليوم ..
وضعتُ ملعقة العسل على النافذة . ورحتُ أحدّق فيها حقا ! رحتُ أحدّق فيها لفترة طويلة ، وكانت قطرة العسل هذه تستقر بهدوء في جوف ملعقة ذهبية اللون .
لا أستطيع القول ، كم مكثتُ ؛ أو كم استغرق مني الوقت هنا ، بيد أنني متأكد تماما ، أنني بقيت نصف ساعة تقريبا .
وغطت صورة العسل وميض الإناء المعدني ، الذي يبدو أنه شبيه اكثر ، من احدى تلك الصور التي تشبه ما نعالجها في جهاز 3D..
كنت جاثيا على ركبتيْ في مواجهة النافذة ، وكان ضوء الصباح رقيقا ومهيبا ، وكان نسيم البحرعذبا . كنتُ أراقب فيه الضوء الأبيض ، على ضفاف ساحل ميامي في فصل الربيع ، و كان النسيم الذي يأتي من الساحل منعشا . أنا متأكد أنه يعتقد أنني ناسك أمارس طقوسا ، وفاقد الأمل ، أو مجنونا . أو محاولا تأسيس مواجهة من النوع الثالث .
بيد أنه لا أحد قد يجئ أو يذهب ؛ لأنني في حجر صحي انفرادي ، نعم ، لا أحد يجيء ؛ حتى لو كان شبح والد هاملت ، الذي كان اكثر وحدة مني تماما الآن .
وادراكي لهذا يخرجني من اعمق اعماق افكاري . أو من عمق وميض داخل جسدي ، وفي هذه اللحظة سقطت مزهرية ، من لا مكان ، بيد أنها لم تسبب خسارة . وهذا ما كنت افكر فيه .
تمددت قليلا : وأدركت الآن لماذا وضعت ملعقة العسل على النافذة ؟!
قبل عشرة ايام
)لم يكن هذا شيئا بيزنطيا (.
إلتهمتُ خبز لوف صلب ، أعتقد أنه خُبِز خصيصا للمحجورين إنفراديا في أوقات الحرب ، ويبدو أنه قد خُزن لأيّام ، لذا ، حاولت أن أنعّمه كي يكون صالحا للأكل ، وبعد أنْ وضعت بعض العسل على سطحه ، ثم تناولته ، بيد أنني قد نسيت تناوله في السكين التي على حافة النافذة .
أما الوقت الذي لا نهاية له ، والشيء المتقّلب ، لا وجود له في الحجر. أو ربما موجود . او مشوّه ، أو ربما يميل كثيرا جدا الى تشويه ذاته ، بحيث امسى الآن زمنا بلا حدود : لا استطيع تصوره اكثر من تراكم ساعات حسب . ولا استطيع تجاوزها دون احتمال مواجهة قصف ، مع هذا ، رحتُ أعدّ نفسي أنني ملك في فضاء لا نهائي .
وثمة لحظة ، ببساطة لا اعرف كيف تأخر المساء ؛ أو كيف أنّ هذا ليل ، هو ليل فعلا ؛ ولا شك في ذلك . التقطت الآيفون لأكتشف . نظرت الى الليل خارج نافذتي ، لأرى الضوء السائد عبر الجيران ، والشرفات القريبة ، والعربات الباركة في الكراجات ، وحين اقول الجيران لأكوّن فكرة عماّ هو الوقت الآن .
الحقيقة ، هي بناء معرفي ، سِلك ناعم الملمس ، متشوّه، قابل للتغيير، أوغير قابل في الآن ذاته : ولا يتوقع المرء حدوثه ، ويتقاطع مع قمع قَسم النهاية الموعودة ، وسينهار البناء الهرمي نحو الأسفل . وشكرا لهواتفنا وتلفازاتنا التي مكنتنا أن نؤشر بسهولة الى تلك الكوارث التي حدثت في الماضي مثل : احتراق كاتدرائية نوتردام ، وكارثة انفجار شرنوبي ، او كارثة الهزة الارضية في هاييتي . ويبدو أنّ هذا الوباء19 Covid ، كما لوأنه صبي مدلل ، او فيلم من الخيال العلمي ، ذو قدرة فائقة كليّة الوجود – ويستطيع المرء أن يتذكر اصله حسب ، أنه يتركنا الآن في الغالب ، دون ادوات أين هي الآن ، لكن في الحقيقة ، أنها سهلة : وفي كل مكان ، ستفتح الباب ، وستجد الشيطان خارجه هناك ينتظرك ، ينغلق الباب ، لتجد الشيطان ايضا هناك ، بانتظارك يشرب الخمر في كأسك ، يقرأ الرواية التي تركتها . وستضطر الى غلقه ، وسترى ملابسك معلّقة ، وهو يحلق ذقنه أمام مرآتك ، ويمارس الحب مع صديقتك ، او مع صديقك ، ويلعب الشطرنج دون ان يدعوك الى الأصغاء الى المعزوفات المنفردة ، يدخن سيجار، يشاهد فيلما ، او نشرة اخبار في التلفاز ، او يقبّل شفتيك . ليس هذا حسب ؛ إنما يحتفي بعيد ميلاده في السابع عشر من شهر نوفمبر . وهو الآن بروتس الجديد ، يتحول من خفاش الى أي كائن انساني .
وفجأة ، أجدني أحببتُ هذه العودة الى العصور الوسطى ؛ عودة اخرى الى الماضي . حتى شعرت بتحريم الروتين . وانا من الصنف الذي يحرّم الروتين ، كما أنني من الصنف الذي يشعر كثيرا في التواصل مع الجيران ، واعني المدينة ، أعني البلاد ، أعني عالم الحجر الصحي الطوعي ، وبعد ذلك انتقل الى حجر طوعي آخر في منزل أمي التي تعيش وحيدة ؛ ولكن لا استطيع الذهاب اليها بدون أن اكون متاكدا ؛ ذلك أنني لست كولونياليا شريرا .
إنني أخطط الآن ، على البقاء معها بقدر ما أستطيع . وليس كما كنتُ في السابق لأنذر إشارات جسدي . وهذا ينبغي أن يكون بلد جميع الرجال المسنين . وينبغي ان يكون هذا ايضا بلد الجميع يا صديقي W.B .Yeats، وينبغي أن نكمل حلقة الحياة . وينبغي ايضا الإعتناء بآبائنا واجدادنا ، كما رعونا واهتموا بنا حين كنا اطفالا .
ومنزلي هو الفضاء الوحيد الذي أعيش . ومن هنا ، فإنني انظر الى كل شيء في الداخل ، وفي الخارج مع أنني متلصص تنقصه التجربة ، رغم إنّ عملي لا تنقصه هذه التجربة ، ورؤيتي حادة وتناسب الظلال الجديدة للضوء .
ومنزلنا هو الفضاء الوحيد الذي أعيش . ومن هنا أنظر الى كل شيء ، من الداخل والخارج . فإنني متلصص قليل الخبرة ، وعملي قيد التقدم للتكيّف وتعديل شحذ رؤيتي ، تناسبا مع ظلال الليل لفتح طريق جديد للاشياء التي تحيط بي . و أبحث عن حل أو طريقة جديدة للاشياء التي تحيط بي .
أريد أن افهم أيّ وقت تتم إزالته عنا حالا . اذ إنّ المحجر يحثني على المعرفة ، او تلك الخلافة للساعات التي أتشبث بها تماما ، كما سجين يتشبه بتلك الحركة من الزمن بين وجبات الطعام . وومضات الطبيعة للضوء الكاذب . وسيكون الليل والنهار ملغّمين ، وقابلين للخروج ، فإنْ لم نكن في ذلك” الروتين “فإن الاحداث ستخلق بناء الزمن ؛ بناء زمن الدكتاتورية هو افضل الافتراءات ، فإنني كتبت في مكان ما . لن نسمح لأي احد أنْ يقوم بأي شيء خاضع للزمن . ذلك أن الزمن هو دكتاتورا ، مفتري كبير، الزمن هو معصوم ومصنوع بمرور وقته . تماما كما سجين ، انا اعيش في الاشياء تلك التي تؤكد أنني مخلوق انساني في هذا العالم ، في ذلك السرد الذي ربما يسرده انسان غبي – يسرد اشياء غير مهمة .

قبل تسعة ايام
إنتابتني موجة تذمر لفترة طويلة ، حول امكانية تامة لانجاز كتابة الفصل الأخير لكتاب الفطور تحت هبوط الثلج ، وهي رواية كنت أصارع فيها لمدة ثلاث سنين تقريبا . ولأكثر من شهر ، لم أسأل ابدا لمدة ثلاثين يوما لتفاني تيتانيك الى الصفحات البيض . لا اجازة ، لا سفر ، لا مسرح ، لا قراءة لكتّاب آخرين ، لا كتب ، لا قهوة ،لا سينما برفقة الاصدقاء ، لا تسكع على ساحل البحر ، لا ساعات سعيدة ، لا مجد ،لا حب ، لا بارات ، لا حفلات ، لا عربدة . فقط وحدة كما لو أنني مجرد قرد . ولشهر كامل ، حنين فقط لتناول فطوري تحت الثلوج .

قبل ثمانية ايام
إنني أتذّكر الحبكة جيدا : فالشخصيات ما زالت حية . إيما إمرأة رشيقة ، أم نموذج ، تقود عجلة زرقاء اللون ، في شارع جيفرسون ، وكانت العجلات تبعث الحرارة كما فرن دون مكيّفات هواء. ومع تصاعد درجة الحرارة التي تجاوزت المائة درجة فهرنهايت ، ثمة عربة وطفلة عمرها ستة اشهر مربوطة في المقعد الخلفي ؛ وترتدي بلوزة قديمة ذهبية اللون :.فقارئي المستقبلي لن يعرف ، ومن غير الممكن أن يعرف .( أنّ إيما قد فرّت من زوجها بينما كانت تعاني اكتئاب ما بعد الولادة، أوقفت العربة ، اغلقت نافذة العربة ، هبطت ، وسارت باتجاه ماكنة سحب النقود في البنك الاميركي ATM ، أنني أرى مشيتها الجميلة كما لو أنها خارجة لشراء الزهور كما كلاريسا دالاوي Clarissa Dalloway. ومن ثم تسلمت نقودها .
قبل سبعة ايام
) شفاه البقر. (
لم اكتب أي شيء يوم أمس . وبقيت القصة غير مكتملة ، مثل تلك المشاهد الطبيعية التي تسافر معنا قبل دخولنا نفق مظلم وطويل . تنقّلت حول غرفتي سداسية الشكل ، وذات سطح كبير ، مطلية باللون البرتقالي حتى سقفها ، وثمة موقد نار في وسطها ، وهي كما قصة واقعية سحرية إن اعتبرنا ذلك أنني أعيش على ساحل ميامي الذي يفيض تحت الضوء والحرارة .
إنّ الاشياء التي تحيط بي ما زالت محجرا خارقا للطبيعة . وهو أي المحجر – وا حسرتاه ! يبدو أشد غضبا – يساعدني على أن انظر واسمع أفضل : وثمة تمثال صغير للأمير يتقلد سيفا سيلتيا ) نسبة الى اقوام سيلتيين المورد الحديث .. ( كما في تعليق المصباح البغدادي بذات السلسلة ، وقد اعتدت أن اشعل الضوء واطفئه . وربما أتخذْت جميعا الان معنى آخر ، أو ربما أنها تخفي شيئا ما . بعضها اتخذ إسما معاصرا . بعض الهدايا المسيحية مثلا . إنني في الغالب متأكد أنها تحمل إسما آخر سيميولوجيا لم يُكتشف بعد . وقرب هذه الأشياء ، مثل الحدائق ، ثمة كتب قد قرأتها الآن ، ومازالت منحنية للقراءة . بعضها كتبها اصدقاء لي : ناتاليا ، وشيريل ستريد ، الكسندر شي ، جورج شتاينر ، مارلون جيمس ، هيلاري فوغان دوليل ، فاليريا لويسيلي ، و ديفيد ايبيرشوف .
، وليس من الصعوبة بمكان ان اتخلى عن روايتي ” أينما تمتص النحلة ، اراني انا الاخر امتص … وفي جرس البقرة المعلق يذكرني في رواية إلآه الاشياء الصغيرة .
وعلى كل حال ، إنني اتذكر الحرارة ودرجتها المرتفعة والفتاة ذات الست اشهر . فإنني اتذوق حالا نسيم الهواء الذي يفزعني تخيل النحلة التي تحلّق فوق جبهتي ..

قبل ستة ايام
وضعتُ في ذات الملعقة فوق الشباك المزيد من العسل . حين حاولت أنْ أزيل ملعقة العسل يوم أمس ، شاهدت نحلة فوقها . وربما تكون ذات النحلة . فكرت . إذ ثمة نحلة آنشتاين – ورغم ذلك ، وقد يتفق الجميع أنه مشكوك فيه – الذي يقرر أنّ السلالة الانسانية ستختفي بعد اربع سنين بعد وفاة آخر نحلة .
وذات مرة ، شاهدت نحلة تتمدد في طيرانها ، في العسل ، وحدقت في نحلتي ؛ كان جمالها في الغالب يتحدى ، أنها تطير كما راقصة باليه . أعرف أنها تتعقب أثر العسل الذي تركته في الملعقة . إنها تستخدم هذه المهارة كي تصرّ على شيء واحد يمنحها معنى لحياتها ، هو فضيلة لدى عالم النحل ، بيد أنه سديم في عالمنا الأرضي .
وقد قرأت ذات يوم أنّ النحل يمكن أنْ يتذكرأنّ وظيفة عقولهم تشبه وظيفة عقولنا في الغالب . ويسمح للنحل أن يميز الوجوه . واقتربت من النافذة )كنت بالطبع ، أحافظ على مسافتي الإجتماعية (، مندهشا كيف استطيع أن أرى دون ملابس أنيقة ، وبالتاكيد دون أن أحلّق مهما يكون .
هنا ، تحركت أجنحتها بسرعة في خطوط جسمها ، غموض كلّي في الديناميكية الهوائية ، وليس ثمة نحلة بإمكانها الطيران بأبعاد جسمها .
واعرف تعامل العسل أنه يملك فترة حياة لا تتجاوز الأربعين يوما ربما تكون اكثر او اقل وما هي فترة المحجر . لم تكن هذه سخرية ، وعليهم أن يواجهوا ذات الخطر الذي نواجه وذات الغزو الذي استفزته الانسانية ؟
وبدون نحل ليس ثمة تلقيح ، وبدون تلقيح ليس ثمة سماد ، وبدون نبات ليس ثمة حياة .
وفي هذه الأيام الأربعة غادرنا بعد آخر موت نحلة ، وعلينا أن نصارع من اجل البقاء بإستخدام تلك اللسعة التي نصحنا بها السارد دستيوفسكي في روايته “الإخوة كرامازوف .” في تناول الأعشاب ، والحشرات ، والنمل ، والنحلة الذهبية ، هؤلاء الذين جميعهم يعرفون طريقهم من خلال الغريزة ، في الحياة بثبات مدهش .
) الغريزة (
كان ديفيد هاكنبيرغ Hackenberg ، أول من دق جرس الإنذار : فقد اختفت الآلآف من النحل بطريقة غامضة . بيد أنّ ما حدث لهاكنبيرغ هو ذاته الذي حدث للدكتور لي وينليانغ ، Li Weliang حين بدأ بالانذار عن أولى الإصابات بفايروز الكورونا ؛ بيد أن ّكلامه ذهب في مهب الريح ، والجميع يعرف أن النحل ملوّث بمبيدات الافات ، او بفايروزvirus Nosema ceranae، وظهور هذا الفايروز اول مرة في آسيا . ومن أهم اعراضه هي نظام نرفزة مدمرة ، ونتيجة لذلك هو الموت المحتم ..
حين قرأت اطروحة كتاب سفيتلانا اليكسيفتش : اصوات من شيرنوبي ، فإنني وقعت في حيرة ؛ أن تلك الحشرة من بين الاف الحشرات تعني ؛ ان نهاية العالم قريبة جدا . اما الناجون من الاشعاعات يتذكرون ، وقبل ان يعلن المذياع ، او التلفاز ، راح النحل يحجم عن التخلي عن خلاياهم ، وهذا لم يكن عملا فرديا في المخاطرة من اجل الحصول على الغذاء . وهكذا ،اخذ يرفض طعام التغذية من الزهرة المشعة .

قبل خمسة أيام
أنا جدّ مسرور أنني اكتب في عملي الموسوم : ” فطور تحت الثلج “، بيد أنني افتقدت ذلك الحماس مرة اخرى ؛ وارغب في أنْ أمارس الكتابة ، بذات الإسلوب الذي تناولت فيه مارغريت دوريس Ravishing of Lol Stein. ، وربما إنه من الجنون أن نكتب عن الوفر بينما ربيعه في ميامي . ربما أنني استمتع بهذه العزلة القسرية تماما . تلك التي حين تكون الكتابة عن عزلة الآخرين ، فإنني افضّل الإصغاء الى انذارات الجرس عن وحدتي ، ومتحدثا الى اجراسي الداخلية ، وحيدا ، أصم ، كما لو أنني أتلاشى كما الأزيز .
ما زلت أدور حول غرفتي ، غرفتي الخاصة بي ، غرفتي ذات المشهد الذي أحب .
وذات مرة سألني القائم على معرض كتاب ميامي أن نقوم بقراءة لمدة خمسة عشر دقيقة ، فاخترت من كتبي التي الّفتها ، والتي تحتوي على قصائد هي الافضل لقراءة افتراضية ، في زمن مثل هذا الذي نعيش ، ولكن هذا لا يبدو سهلا ، ومن نافذتي اشاهد نافذة جيراني . وفي السنة المنصرمة ، كانت سعيدة جدا أن اعيش معها . بداية حصل صراخ وقتال مستمر ، وبعد ذلك ضرب ؛ ثم تلته كدمات مستمرة على رقبتها .
ورأيتها ذات مرة تنزّه كلبها في الخارج في شارع المشي ، وشاهدت كدمات في ذراعها ، ويبدو أنّ كلانا جبان متواطئ بصمت .
إنها لا تعرف ذلك ، لكنها ربما تملك حياتها ؛ أنها ارجنتينية تسكن في البناية التي أسكن وادارت الرقم 911 وحين شاهدنا ذلك الصبي عصر رقبتها ذات ليلة .

دودي ، وحفظت اسمها تحت رقم 911 نداء . إنني اقسم قالت لي بعد ايام .
وقد مر عام منذ منذ ذلك النداء .
وعدت الى روايتي . قمت بحركة مفاجئة انتقلت للامام الى آخر فصل . في هذا الوقت ، أخذت استراحة سريعة من الحبكة كي اتجول مع اولئك الذين يقيمون في هذا المحجر دون عوائلهم ؛ او اي مساعدات حكومية ، ودون عمل ، لا يملكون وثائق شخصية ؛ اولئك الذين يقيمون بنفس المنزل وبظلم ، كيف يعيشون حياتهم ؟

قبل أربعة أيام
) عطف الغرباء (
ربما قد نسينا أنّ كل شيء في ذلك الذي يحدث الآن ، اكثر أو اقل ، قد حدث فعلا في لندن العام 1906 ، او في فلورنسا العام 1348 ، او في أي مدينة اخرى ؛ أو أي سنة في الماضي .
والمستقبل الذي حدث والذي تضمن بعض الاسماء هم : برابوري ، دم ، لي غوين ، براين ، دبليو . الديس ، ستانسلاو ليم . والكتّاب الذين كتبوا قصصا قصيرة والتي يجب ان تُؤشر ، بوصفهم كتّابا واقعيين )الذين ينبغي التعامل معهم بوصفهم روائيين اخلاقيين ايضا. (وأي روائي يكتب الآن كما رواية مدام بوفاري او غاتسبي العظيم – ومع هؤلاء يخلقون اشخاصا ودون ذاكرة ؛ فإننا بالطبع ؛ نفقد الزمن . وحين يحدث هذا ؛ فإننا نغادر حاضرا غير مؤكد تماما ، ودون مرايات . وكوابيس لا نهايات لها ، والتي تدفعنا للصراخ ، واللجوء الى الهواتف للإستنجاد ، ونلعب لعبة الحياة كحاضر يمسحنا تماما ، دقيقة بعد دقيقة وباستمرار ، فنحن ما نتذكر .
ودون فعل لمقارنات قدرية ، تجعلنا أن لا ننسى معاناة شكسبير لآفة شبيهة ، كي نتدبر أن نكتب مسرحياته الثلاث العظيمة خلال حجر الملك لير، وماكبث ، وانتوني وكليوباترة .
إنني اعرف انني لست شكسبيرا ؛ ولا احد يمكن أن يكون شكسبيرا ، ولا حتي شكسبير ذاته يكون شكسبيرا آخر ..
تبدأ قراءتي في الساعة الخامسة في الملف الشخصي في معرض الكتاب في ميامي .
فزمن المستقبل لم يصلنا ، كما فكرت ذات مرة حين بدأ الفايروس . كان زمن الماضي – انتحال المستقبل – الذي وصلنا بدلا من ذلك .
في ذلك المستقبل ، الذي حدث تضمن بعض هذه الأسماء : آسيموف ، و برادبوري ، دك ، لي غوين ، برين دبليو . الدس ، ستانسلاو ليم ، والاشخاص الذين كتبوا قصصا ؛ والذين ينبغي الآن ان يؤشروا بوصفها كتبا واقعية . )بعضها ينبغي التعامل معها الان بوصفها كتب اخلاقية .( واي كاتب يكتب الان مدام بوفاري اوغاتسبي العظيم – ومع كل هؤلاء ينبغي ان نقبلهم ونعانقهم بوصفهم روائيين دون فوارق اجتماعية – لانهم لصيقو الكتابة الابداعية ويعبّرون عن المستقبل الآتي وحدة البصر .
واول قصيدة قرأتها على صفحة الفيس بوك تحت تاثير شخصية بلانش دي بويسيس . وكان البيت الاخير هي وكتبتها تحت تاثير شخصية بلانشيه دي بوسيه Blanchche\. وذكرنا البيت الاخير كيف نعيش دائما بالاعتماد على رقة الغرباء .
وحين تنتهي القراءة اقوم لاضع كثيرا من العسل في الملعقة أنني غريب مع الحشرات كما هي غريبة عني .

قبل ثلاثة ايام
تجوّلت في غرفتي ، كما لو أنها مدينة ، حاولت السير ببطء قدر ما استطيع ، مستمتعا بالزمن والفضاءات في الخارج ، تبهرني طرقها المذهلة التي لا تُصدق ، احمل ايفونا واتحدث به مع اصدقائي في مدريد ونيويورك ، وانا ادخل المطبخ فأرى رفوف كتبهم ، ورفوف الملابس المعلقة . نافذة المطبخ تتفجر ضوءا في الليل ، وهناك النباتات الطبيعية ، ونباتات بلاستيكية تضفي جمالية أخاذة . عدت الى سرير النوم لأشاهد فيلم فيديو سجلته في كلنكو تير Clinqueالصيف الماضي . ومن الشرفة العالية ثمة إمرأة إيطالية تُعنى بتعليق الملابس . هنا ، أرى كل شيء حتى مشهد المارة فيه .
نهضت من فراش النوم ، واتجهت الى النافذة القريبة ، صورة الشاعر والكاتب جون فريمان على جهاز Instagram ، وصورة تحمل فضاء مدينة نيويورك . الشارع لا احد يعبر فيه . ولا كلب ايضا كما اعتدنا ان نرى ، باستثناء العزلة ووحدة ثقيلة لا تطاق . واعتقد أن المحجر قد حوّلنا الى رجال كهوف مع الWI-FI ، وايفونات ، ومغامرين خارج العصر تماما كما مغامري ساكني كهوف القرون الاولى . احذر مخالب النمور ، وعضة الافاعي ، وضوء الإله ، او الفايروز . ومن النافذة ذهبت الى الحمّام ، اذ ثمة صورة فوتوغرلفية عارية لسبينسر تونيك ، معلقة في الجدار بين مئات من الناس في فندق ساغمور وكنا جميعا عراة ، نشعر بالضيق ، والبوفيه هي للفايروز حسب . والماء الذي يجري على جسدي يذكرني بليلة مطيرة حين كنت في استانبول :حيث المنزل كان يلمع تحت وابل من المطر ؛ وخارجه فإن رشفات المطر تبرق تماما . والمطر الذي يهبط بالحاح فوقي تماما هو في الغالب كما هو في استانبول . كلاهما غسلا جسدي من عدوى الشيطان . اما الفايروزات غير المرئية فهي زنجار الحب .
وغزاني النوم وانا في فراشي بيد أنني بقيت اتجول حول الشوارع المتخيلة . واتقن رسم خرائط احلامي . وغرفتي هي مدينة مصغرة ..

يوم أمس
في العام 2006 ، تحدث هاغنبيرغ HACKENBERG عن خلايا النحل دون وجود أيّ نحل ، قال هي ، كما مدينة اشباح ، وأردف ، أن خلية النحل تقترب من السكان ب 90،000 الف نحلة . أما سكان مدينة ميامي فعددهم ما يقارب 91،871 نسمة . وفي كتاب القلق The Book of Disquiet، هو تهمة ضد الانسان اللاواعي وابعد من حشرة النحل ، والذي لم يتعلم حتى الان تنظيم نفسه بوصفه جزءا من المجتمع .
واليوم ، تحوّل ساحل مدينة ميامي الى أشباح ، ومسرح مهجور ، ومبيدات حشرية لاضعاف النحل ايضا ، كما النحل كان كثيرا . وعلي ان اسارع بالذهاب لاقتراب من مدينة بوبلكس او هول فود ، وسأتناول ذات المخاطرة التي اتبعوها ، ويترك النحل للعث لا حول ولا قوة له ، ويضطر النحل للخروج ليجمع الغذاء مثل حبوب اللقاح .

اليوم
ما زال شهر نيسان أقسى الأشهر .
نحن قصيد تكتب نفسها .
ليس ثمة إحساس ، أو مشاعر لدى وباء الجائحة ، بل كما ثرثرة تمر من خلال القاعات الملكية .
قال رئيس الولايات المتحدة الأميركية : إنّ هذا الفايروس هو عبارة عن خدعة جديدة تجاهل كل التحذيرات تماما كما تماهلت الصين الدكتور لي LI حين حذرها وليانغ اول مرة .
إننا نعيش خدعة ، أننا نواجه اقراص العسل ، أننا نتنزه في مدن خاوية . وضعت ملعقة العسل على قاعدة النافذة ، ولكن بعد أن عدت البحث قليلا عن غذاء النحل ؛ ادركت أنها في الواقع اكثر صحة من شراب الكلوكوز الذي هو كما نقول ماء ضد السكّر..
الساحل الجنوبي ، ميامي ….

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *