د. وليد العرفي: تقنيَّاتُ الأسلوبِ في ديوانِ ( شيءٌ عنْها ) للشَّاعر: عبد الكريم النَّاعم

أُشيرُ في هذه الإضاءة إلى أنَّ الشَّاعر : عبد الكريم النَّاعم في هذه المجموعة الجديدة له، قدْ نوّع في قصائده ما بين القصيدة الومضة والتفعيلة ، ولعلّ أول ما يستوقف القارىء هو العنوان المُلتبِس كما أشار الشاعر نفسه إلى ذلك ، إذْ إنَّ أوَّلَ ما يخطرُ على ذهن المُتلقّي السُّؤال عنْ تلك الـ : ” عنها ” الَّتي كانتْ سبباً في ولادة هذا الدّيوان ، وقد تربَّعتْ على عرش عنوانِهِ ، وتمدَّدتْ بحجمِ غلافِهِ ، وهو ما يُجيب الشاعر عنه بالقول :
“هي كلُّ اللواتي في لحظةٍ من لحظات المشاعر كانت نجمةَ ذلك الأفق ” .
إذن تتبدّى الأنثى الجامعة في : ” شيءٌ عنْها ” في كلِّ مفاصل الديوان ، وهو ما يتكشَّف للقارىء لدى مطالعته المجموعة التي تبدو مجموعةً من الذكريات والمواقف التي عاشها الشاعر ، ولمَّا تزل حاضرةً في الذاكرة ؛ فما بين عابرة تُذكّر براحلةٍ، وحاضرةٍ تحيا الَّلحظة تنهضُ القصيدة يقول :
” فيكِ منْ عنودَ رقَّةُ التُّويجِ
وانبهارِ لحظةِ المُكاشفَةْ
وفيكِ منْ عنودَ قامةُ الظّلالِ الوارفَةْ ”
وهو ما يُقارب فيه الشاعر موقفاً ما ، وحالةً يجري فيها حوار يقول في قصيدة : ” في السياق”
كيفَ صرْتَ ؟
أتَّقي السُّؤالَ بالسُّعالِ
أفتحُ نافذةً يُعاودُ الصَّدى سؤالَهُ
يا كيفَ أنتَ ؟
أُغلقُ المكانَ
أما يزالُ للرَّبابِ صوتهُ الشَّجيَّ
أمْ تركتَهُ كما تركْتَ غيرَهُ ؟ ”
ومن قصائد الومضة في الديوان التي تبدو قصائد مشغولة بتقنية عالية حلَّقت بجناحي الشعريّة والفنية معاً كما في ومضة ” ما عداك ” يقول فيها :
يَتُها المرْأةُ البُوصلَةْ
ما عداكِ
ــ على فيضِهِ ــ وهْمُ مرحلَةْ
قامت هذه الومضة على تقنيات أسلوبية متنوعة ؛ فقد نوع فيها الكلام بين الأسلوبين الخبري والإنشائي ، ولجأ إلى الاعتراض بين الجملتين معتمداً على تكثيف واختزال منحا الومضة طاقة من الحيوية والشعرية ، وهما من أهم خصائص الومضة الشعرية ، مثلما كانت اللغة دقيقة في الوصف والتعبير ، إضافة إلى جماليَّة التوقيع الموسيقى الذي اختار له إيقاعاً خفيفاً
ومن تقنيات الأسلوب في هذا الديوان لجوء الشاعر إلى الحوار ، والحوار في النص الأدبي يُسهم في الكشف عن المشاعر الدفينة في الشخصية، مثلما يبدي سمات الضعف والقوة فيها، يقول في قصيدة : ” يقظة في المدار”
أواه منْ تلفُّتِ الحصى إلى ابترادِ مائهِ
أوَّاهٍ منْ بستانِهِ الغافي على أسمائِهِ
ألسْتَ تسمعُ الرَّنين؟
رُدَّ
مدَّ كفَّهُ كما لوْ أنَّها أسئلةٌ تقومُ منْ غيابةِ الأنين
ألو
نعَمْ
مَنْ ؟
أنتِ !
واستفاقتِ السُّهوبُ والمهارُ وفزَّ منْ سباتِهِ المدار”
إنها لحظة عابرة خاطفة من مشهد ومي يمكن أن يحدث مع كل منا غير أن الشاعر يقتنص اللحظة الزمنية ليحولها إلى مشهد شعري وموقف خالد لا عابر لما يحمله من ذكريات متجذرة وماض لم يمح من ذاكرة الشاعر.
اللجوء إلى التناص بالإشارة إلى حدث تاريخي مرتبط بشخصية معروفة، وهو ما نجده من خلال استدعائه شخصية الشاعر ديك الجن الحمصي المعروف بقصته التاريخية في قتل حبيبته ” ورد ” لوشاية حاقدة عليها يقول شاعرنا الناعم في قصيدته: ” حكم الجثث ” سأواريكِ
كما يفعلُ ديكُ الجنِّ
في أيّ زمانٍ دونَ قتل ”
إن استدعاء الشاعر لشخصية ديك الجن هنا لا ترمي إلى استدعاء الحالة لتمثلها على أنها حالة مماثلة من التاريخ، إنَّما بهدف الإشارة إلى تعدد ديوك الجن الذين يمكن أن يكونوا في كل زمان ومكان، ولو لم يمارسوا القتل نفسه ، ومن هذا الاستدعاء يبدو لنا الشاعر الناعم لا يستعيد الماضي بوصفه حالة ثابتة، بل يسعى إلى أن يزحزح تلك القصة عن مسارها التاريخي الواقعي؛ لتكون حالته هو، وتُجسّد حقيقة الواقعة التي يصفها يقول :
” … أقرأُ الفاتحةَ الشَّوقَ
وأمضي خارجَ السَّمْتِ
لئلا تتبعيني … ”
إنَّ الشاعرَ في هذه القصيدة يُعبّر عن حالة مواراة لحبيبة عزيزة يُقدّر له أن يقوم بفعل مواراتها ، وقد حانت ساعة الفراق القدريّ بينهما :
” سأواريكِ
اجْلسي لنْ يحزنَ السَّرو
ولا أزعُمُ أنَّ العطرَ في الوردِ عبَثْ
سأواريكِ
وما لي حيلةٌ
إنَّهُ حُكْمُ الجُثَثْ
تسريد الشعر: وهو ما يبدو تقنية من تقنيات النص الشعري المعاصر الذي أفاد من النون النثرية الأخرى إذ لم تعد القصيدة مجرد وزن وتقفية ، إذ النص الشعري منفتح على كل الفنون الأخرى ، وهو ما يتجلَّى في قصيدة الشاعر: عبد الكريم الناعم ما بعد الأبجدية التي يعتمد في بنيتها اللغوية على عنصر السرد عبر الحوار وفعل الحكي قال يبدأها بـ:
” قالَتْ لهُ وكانَ في الحضورِ مُسرفا
أحسَسْتُ في كتابِكَ الأخيرِ
أنَّ ما كتبْتَهُ يزيدُ عنْ حروفِ الأبجديَّةْ
استعادَ مُصحفاً
منْ أوَّلِ الطُّفولةِ البيضاءِ
واستدارَ نحوَها :
منْ أيّ حقلٍ تقطفينَ الوردَ جوريَّاً قبيلَ يفردُ العبيرُ بوحَهُ أحرفهُ ؟
فاشْتَعلَتْ ضاحكةً وشعَّ بدرٌ بينَ برزخينِ
واختفى ”
يُلاحظ القارىء أنَّ هذا النَّصَّ اعتمد لغة السَّرد في التعبير ، وقد نوَّع الشاعر في أدواته بين الحوار القائم على السؤال ، وفعل القصّ بالفعل : ” كان ” للتَّعبير عن ماضٍ يعيش الشاعر لحظتَهُ المُستعادة في لحظةٍ تتجسّد فيها حالةً عاطفيَّةً ، وموقفاً انفعاليّاً .
بقي أن نُشير إلى أن ديوان الشاعر: عبد الكريم الناعم يقع في مئتين وأربعين صفحة ، وهو من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، وهو من حيث ترتيبه يأتي بعد 33 ثلاثة وثلاثين منجزاً أدبياً أغلبها في الشعر إلى جانب مؤلفات أخرى في النقد ، والرؤى الفكرية المختلفة . د. وليد العرفي

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *