حسين سرمك حسن : إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟ تحليل رواية “الحفيدة الأميركية” (3)

# الفاجعة مجموعة أفلام هوليودية :
————————————
وترتبط بسمة “الخفة” السلوكية والسردية، وتنتج عنها سمة أخرى يمكن أن نصفها بسمة “التفكير الهوليودي” الذي هو تفكير مادته الأساسية هي “الفيلم”/ الصورة . فالخطاب الهوليودي خطاب أداته الاساسية إن لم تكن الوحيدة هي الفيلم (وفي هوليود هو فيلم الأكشن) الذي ينبني على حدث تتوفر فيه الخطوط الصراعية الدرامية والدينامية الحركية التي لا يمكن توصيلها إلا من خلال الصورة المتحركة ذات المشهدية العريضة المحتدمة والمقتربات المختلفة . وزينة – وهذه سمة ثابتة في الرواية- لا تستطيع تصوّر أي حدث يجري من حولها إلا إذا وضعته في إطار فيلمي سينمي ، ونصبت له عنوانا . وهي تقنية لا إعتراض عليها حينما تأتي في موضعها منسجمة مع حيثيات الموقف الذي تتناوله من ناحية الكيف ، وبطريقة محسوبة الجرعات من ناحية الكم. أما أن تأتي في كل المواضع بلا أدنى اعتبار لطبيعة الموقف الإنفعالية ، وبلا حساب فهذه سلبية كبرى. فعندما تتحدث عن صدمتها وهي ترى على شاشة التلفاز تفجير برج التجارة العالمي وتقول :
(رايت أميركا تحترق أمامي وشممت رائحة الشواط . إسم الفيلم لابد أن يكون “برج الجحيم” نسخة حقيقية منه – ص 20 ) .
أو حين تصف شبكة علاقاتها باصدقائها وصديقاتها من عراقيين وعرب وأميركان في ديترويت وتقول :
(وفي ديترويت كانت لي عصابتي. ولو اراد مخرج أن يصوّر عنّا فيلما لاقترحت عليه عنوان “عصابة زينة” – ص 22) ..
أو حينما تنقل لنا مشهد “العرس” عرس الإخوة الضواري الذين يتهيأون لنهش لحم العراق الحي فتقول :
(أراقب ما حولي فأرى خليطا عجيبا من المتدينين المتأمركين، ومن السياسيين الذين ضيعتهم بوصلة موسكو .. ممثلون نزقون مغرورون وآخرون منطوون على أنفسهم يصلحون، جميعا لتمثيل فيلم عنوانه “مالي شغل بالسوق” .. ص 26) …
أو عندما تلاحظ رعب رفاقها ورفيقاتها وهم يحلقون جوا في طائرة الشحن وقد جثمت عليها طائرة تزويد الوقود فسببت إحساسا غير مريح لدى الجميع :
(فكرت بأن عنوان هذا الفيلم يمكن أن يكون “الخمس المرتعبات والرجال الأكثر رعبا”، ولم يكن بيننا من يحاول أن يلعب دور رامبو، إن ذلك فيلم آخر- ص 39) .
فإن هذه أفلام مقترحة تنطبق شكلا ومضمونا على الحادثة التي تتناولها . لكن مشكلة زينه هي الإفراط .. والتمادي في اعتصار دلالات المفاهيم والمواقف حدّ الثمالة المغثية والمرة التي لا معنى لها في الكثير من الأحيان ، وهذا يعكس سمة بنيوية في شخصيتها لعلها تمد جذورها عميقا في تربة طفولتها ومراهقتها . إنها سمة “استعراضية” ، وقد تكون هي التي جعلتها تكذب وتستمر في تلاوة صلوات وأدعية مصنوعة من تأليفها بعد أن إنتهى كتاب “الأيادي الضارعة” الذي كلفتها الراهبة الرئيسة في مدرسة الراهبات التي صارت ثانوية العقيدة بعد التأميم كرمز لأدلجة مميتة ومدمرة ، بتلاوته على الطالبات فسحرتهن ، وبدأن بتسجيل صوتها الشجي بإلقائها الخاشع والمؤثر . لم تكن تستطيع تحمل فكرة أن هناك “نهاية” لدورها .. وأن هناك ختاما لما تقوم به .. هي في الحقيقة خشية من الفناء المقدر .. ولذلك نجد زينة تسرف حد الإملال واستنفاد الأهداف ، بل الوصول إلى النقيض وهو تسفيه روح الموقف المحتدم وتحويله إلى مشهد كوميدي يتم تفريغه من أهم إيحاءاته الإنسانية الموجعة التي إتسم بها اصلا . ويتم ذلك كله وفق التفكير الهوليودي القائم على محور تحويل الحدث إلى فيلم كما قلنا. خذ هذه الأمثلة :
-(إذاً فقد كانت تكريت هي مصيري . أعود بعد خمسة عشر عاما من الغياب لأجد نفسي في عقر الديكتاتور الذي جئنا لإسقاطه . إنه فيلم “لا وحش في المدينة” – ص 59 ) .
-(.. سأجلس أمام الصوبة وأنحني عليها ، مسندة قدمي فوق قاعدتها المعدنية الملساء، محتكرة دفئها لي وحدي في فيلم بعنوان “الأنانية الجميلة”- ص 88 )
وهذا الشعور يحصل لديها وهي تقف لأول مرة أمام باب بيت جدتها بعد غياب دام خمسة عشر عاما!!.
-(لكن بدايتي في ديترويت لم تكن مشجعة. أصابني “الهوم سيك” ..لكنني في الشهر الرابع انتظمت في الدراسة وجفّت دموعي وأخذتني دورة الحياة. إنه فيلم “تموت وتتعود” – ص 93 و94).
-(سيرفع هو [= مهيمن] خوذتي ويطلق صرخة خرساء حين يرى وجهي. سيدرك أنه أسال بسكينه دم أخته . فيلم هندي لم احضره بعد – ص 139) .
-(الشمس جميلة ، لكن الخراب في وسط بغداد يثير الأسى. عرفت الفيلم من المشهد الأول “كينغ كونغ في المدينة” – ص 167 ).
هذه مشاعرها وهي تزور مدرسة الراهبات بعد خمسة عشر عاما من فراقها أيضا.
-(تناول أبي الكتاب [= الأيادي الضارعة] ذات مساء، وابتسم بغموض .. كنت أنتظر منه تعليقا على ما فيه من نصوص أخّاذة لكنه اعترض على العنوان . قال إن جمع بد هو أيدٍ ، أما الايادي فتعني الأفضال. أليس هذا فيلم “عرب وين.. طنبورة وين”؟ – ص 171).

# لعبة المؤلفة القرين :
————————
من الناحية التقنية تخترع الساردة – الرواية تحكى بضمير المتكلم المؤنث- “قرينا” نفسيا لها هو مؤلفة تزاحمها على كتابة قصّتها كما تقول. هي مؤلفة لجوج تريد سلبها حقوق قصتها ، مؤلفة من أولئك الذين سمّمت عقولهم الشعارات القومية ، وهتافات الوطنية التي صارت حشرجات في زمن شعاره “وطني جيوبي ومدينتي حذائي” حسب وصف الشاعر الراحل “محمد الماغوط” . إن هذه الروائية التي تزاحمها على الكومبيوتر ، لتكتب رواية وطنية على حسابها ما هي إلا تمظهر للضمير – الأنا العليا ، العين الرقابية التي لا تنام. والذي يتأسس بـ “التماهي – identification ” و “الإجتياف – introjections ” مع نواهي الأبوين وروادعهم ، وبالمرجعيات الإجتماعية المهيمنة دينيا وأخلاقيا . وهي – في جوهرها – لسان سيسرد حكاية الأنموذج العظيم الأكثر تاثيرا في حفظ القيم والمفاهيم الوطنية المقدسة وهي الجدّة “رحمة جرجس الساعور” :
(تريد هذه الكاتبة الغريبة أن تغتالني لكي تنال إعجاب النقاد الحمقى وسياسيي التلفزيونات ووطنيي زمن العصملي .
أن تجعل منّي الشخصية الشريرة الملعونة، ومن جدّتي بطلة طيّبة وشجاعة، شيئا مثل “أمينة رزق” في فيلم “ناصر” . سيدة عريقة وذات مبادىء، تأبى أن تتلقى العزاء بجدّها الذي قضى وهو مسخّر لحفر قناة السويس إلا بعد أن ينتصر الضباط الأحرار وتقوم ثورة يوليو .
تراني المؤلفة ربيبة للإحتلال، وترى جدتي من نفائس المقاومة .
أنا مجدلية خاطئة وشابة تُرجم بالحجارة، وجدّتي عذراء في الثمانين تحبل بلا دنس.
رسمت لي ملامح البنت الضالة ، العائدة فوق الدبابة الأمريكية مثل رامبو بصيغة المؤنث، نويلة المنطقة الخضراء، سجينة الشخصية المرذولة التي تجتهد المؤلفة لتلف حبالها حول عنقي، وتفرض علي أن أستسلم لخيالها القومي المتوارث بلا تنقيح. خيال بالأبيض والاسود ، على شيء من اصفرار الصور القديمة. خيال بائس لا يفقه تلاوين الفوتوشوب – ص 35 ) .
ومن هنا تبدأ رواية إنعام الفعلية ، فكل ما سبق تمهيد وتقدمة وتهيئة للرواية الفعلية التي ستجري بين الجدة والحفيدة الأمريكية . ولا رواية من دون حبكة وصراع، صراع يشرع أبواب التساؤلات، ولا رواية من دون تساؤل، ويجعل المصائر تتشابك وتؤثر في بعضها البعض. لا رواية من دون صراع مصائر . من هذه اللحظة تتلخص فكرة الرواية بأكملها و “تتشخصن” من خلال العلاقة المتوترة التي ستدور رحاها في بغداد الجديدة بين الجدة رحمة وحفيدتها زينة.
# الجدة :
————
هي (رحمة جرجس الساعور) ، من مواليد الموصل عام  1917 . وعام ولادتها هذا شهد الغزو البريطاني للعراق تحت غطاء تحريره من السيطرة العثمانية .. فوقع العراقيون في نفس مصيدة الحيرة التاريخية التي كتبت عليهم منذ الأزل : ففريق يرى الدفاع عن البلاد في وجه إحتلال جديد .. وفريق يرى مساندة الغزاة الجدد للخلاص من احتلال قديم .. وتحت سيطرة هذا الإحتلال أحرقت بغداد وسلبت . يقال إن بغداد احتلت وأحرقت (15) مرة بعد حرقها على يد هولاكو !! .
وهي- أي الجدة رحمة ولاحظ رمزية إسمها أيضا- تكرر كل يوم ما يمكن أن نسميه بـ “دعاء الشتات” الذي يعبّر عن وحدتها، والوحشة الخانقة التي تلفها، وهي تعيش وحيدة في بيتها الذي هجره الجميع :
(يا عذراء مريم ، يا أم يسوع الحبيب، إحفظي لي ما بقى من حيلي ولا توقعيني. أنت صديقتي وحليفتي الطيبة ورفيقتي في وحدتي، من اشكو لها فتسمعني، ومن أدعوها فتستجيب، ومن أقرع بابها فتفتح لي. إرحمي يا حنونة موتاي وباركي أولادي وأحفادي ومن بقي من أحبتي : كامل وسهام وأبنائهما في نيوزيلندا، جمّولي وسنسن وتمارة والصغير الذي لا أعرف كيف ألفظ إسمه، وبتول وزوجها في أمريكا وولديها يزن وزينة، وأبناء اخي المرحوم داوود : لقاء وسعد في سوريا، وسامر في دبي، ويوسف وصباح ورويدة في كندا، واحفظي لي أختي غزالة في الأدن وأبناءها وأحفادها في السويد ولندن ولا أدري أين ، وطاووس أم حيدر وابنيها حيدر ومهيمن وبقية أولادها، وجيراننا الذين على اليمين.. ويا مريم لا تدعي حسّون أبو البريد يتأخر عليّ ولا على أهل المحلة .. آمين – ص 62 و63 ) .

وقفة مع الشتات العراقي :
—————————-
… وعلى ذكر الشتات العراقي ، وفيما يخص المثقفين العراقيين تحديدا ، وهو شتات حقيقي وصل فيه العراقيون إلى أماكن وثغور لا يمكن أن يستوعبها أي عقل عراقي تحديدا . فإن خير من عبّر عنه هو الناقد الدكتور “عبد الواحد لؤلؤة” في كتابه ( مدائن الوهم – شعر الحداثة والشتات ) وهو يراجع واحدا وثلاثين عددا من مجلة (الإغتراب الأدبي):
(أحصيت ما يزيد على مئتين وخمسين قصيدة لشعراء لا يقل عددهم كثيرا عن عدد القصائد ن تتوزع هذه القصائد على أربعين بلدا ، منها حوالي مئتين من الشعراء يصدر عن عشرين بلدا ، وأكثر من خمسين غيرها يصدر عن عشرين بلدا آخر . من بريطانيا والدنمرك والمغرب وفرنسا وألمانيا والأردن وسوريا وتونس ، ومن معسكرات المهجرين في إيران ، ومن معسكرات الأسرى العراقيين المعتقلين في صحراء السعودية ، من أمريكا والجزائر ، وأسبانيا وهولندا وليبيا واليونان وهنكاريا وبولندا وكندا وقطر ! وإلى جانب هذه الأرقام المحزنة ، ثمة قصائد لشعراء عراقيين وجدوا أنفسهم في عشرين مُغتربا يجبُ المرء أن يعرف من بينها بلادا مثل أستراليا ،نيوزلندة ، السويد ، النمسا ، فنلندا ، بعض بلاد الخليج العربية ، ثم … موريتانيا كوستاريكا ، وجبل طارق !! ) . ويتساءل بحق موجع: (كيف وصل كل أولئك الشعراء العراقيين إلى كل هذه البلاد ؟ ما الذي يفعله شاعر في نيوزلنده أو موريتانيا أو كوستاريكا ؟ مَن مِن العرب أو البربر وصل مضيق جبل طارق ، قبل طارق بن زياد ، أو بعده ؟ )(5)
عودة :
——–
والجدّة هي امرأة ذات عقلية روحية خرافية ، فهي إذ تقضي يومها وهي تؤدي الصلوات أمام صورة العذراء وتتعبد لربها ، فإنها قد حددت قدّيسا لكل معضلة حياتية تواجهها : فهذا قديس لطرد الشياطين، وآخر لوجع الأسنان ، وثالث للمسافرين والمهاجرين .. وهكذا . ولهذا ، وما إن أكملت دعاء الشتات هذا حتى رن جرس الهاتف وجاء صوت بنتها بتول من ديترويت لتخبرها بأن ابنتها زينة “عندها شغل” في العراق وسوف تسافر إلى بغداد بعد أيام ، فتأكد لديها أن العذراء لم تخذلها ولم تتأخر في إجابة طلبها .
لقد رحل عنها زوجها العقيد الركن “يوسف الساعور” بعد زواج دام سبعة وخمسين عاما ، وها هي تعيش وحيدة في عزلة يرفرف عليها شبح القلق والموت في بغداد .. لا تنسى ان تتذكر كل من هاجر من أبنائها وأحفادها وإخوانها وأقربائها .. تشمل بالدعاء حتى الجيران والمعارف .. ولا تنسى أن تدعو العذراء أن تحفظ ساعي البريد الذي يوصل لها رسائل أحبتها من المنافي . كان الروماتزم يصلّب مفاصلها ويسبب لها آلاما فظيعة لا تستجيب إلا بالتدليك الكهربائي والكهرباء نادرة الآن .. ورغم ذلك لم تكن تنشغل بذاتها ناسية احبتها المهاجرين أبدا :
( تذكرت رحمة القيس كريستوف شفيع المسافرين وطفرت دميعة سهلة من عينها . “لماذا تطشّر أهالينا في بلاد الله الواسعة يا ربي ؟” كانت تشتاق إلى أبنائها المهاجرين ولا تغفر للزمان الذي جعلها تنتهي وحيدة في البيت الكبير ، كأنها تعيش عمرا زائدا لا طائل من ورائه. فلو كان القدر رحيما بها لسلب روحها في اللحظة ذاتها التي لفظ فيها زوجها يوسف أنفاسه – ص 64 ) .
وبرغم كل محاولات زينة في مخادعة جدّتها اختلاق أعذار عن سبب مجيئها إلى العراق في هذا الظرف العصيب والخطير (تشتغل مترجمة في شركة مقاولات والعراق يحترق فتعلق الجدة : يا مقاولات بهذي الأيام السود؟) بالكذب الأبيض الذي يبقى كذبا وعلى الطريقة الميكافيلية في أن الغاية تبرر الواسطة ، إلا أن الجدّة التي يقودها حدسها السليم الذي لا يخطيء بفعل فطرتها البيضاء تقول لها مباشرة :
-إسمعيني زين يا بنتي . لم يهدأ فكري منذ تلفون البارحة . أريد أن أجيئك إلى تكريت ، لن أصبر أكثر .
-لكن الشركة تمنع الزيارات ..
-فهمت . لا تكملي . أنت تشتغلين مع الأمريكان، مو هالشكل ؟ – ص 71 ).
وتعلق زينة بحق على مشاعر جدّتها المتحسبة بعزم بالقول :
(قاطعتني بفزع أمّ شرقية تشكّ في أن ابنتها البكر حامل وستلوّث شرف العائلة – ص 71) .
لكنها وبفعل سمة الخفة التي اشرنا إليها، لا تلبث أن تُجهض هذا الوصف الدقيق والراكز باستخدام وصف مبتذل لانفعال صوت الجدة الصوتي :
(.. وكان في صوتها “خسفة” جعلتني أتخيل أن قلبها سيتوقف لو أخبرتها بالحقيقة- ص 71) .
ما هو موقع “الخسفة” هنا ؟ وهل خلت اللغتين الفصحى والعامية من أي مفردة وصفية اخرى تقوم بالتعبير الدقيق عن حشرجة صوت الجدة وانكساره ؟
المهم أن زينة تكذب على جدتها من جديد ، فبعد أن قالت لها بأنها تعمل مع شركة للمقاولات في تكريت ؛ شركة تقوم بنصب محطات جديدة بدل التي قصفت في الحرب .. [ولم تتوقف لحظة وتسأل نفسها لماذا قصف الأوغاد محطات الكهرباء التي تديم حياة شعبها “القديم” والتي لم تعاد حتى اليوم بتخطيط قذر ومدروس من المستشارين الأمريكيين الذين يوافقون على أي عقد لاستيراد الكهرباء أو لتصليح المحطات القديمة التي انتهى عمرها الافتراضي فاستهلكت 17 مليار دولار في التصليح ، ويرفضون أي عقد لبناء محطات جديدة !!
فهل يمر “التحرير” من خلال تدمير الأهداف المدنية ؟                                                نعم .. هذه من مسلمات القادة السياسيين في وطن زينة الولايات المتحدة …. وطن هو الدولة الإرهابية الأولى في العالم بقرار من الأمم المتحدة .. لكن كيف ؟ دعونا نتوقف عند هذه الواقعة التاريخية.
وقفة :
——-
“نعوم تشومسكي” هو الذي يقول إن الدولة الأولى في العالم التي أصدرت الأمم المتحدة بحقها قرارا يصفها بالدولة الإرهابية هي الولايات المتحدة ، وذلك بعد عدوانها التدميري على نيكاراغوا . يقول تشومسكي :                                                                                       ( وبما أن الولايات المتحدة في هذه الحالة ، كانت تهاجم بلدا [= نيكاراغوا] ، وليس شعب ذلك البلد فحسب [ كما كان في السلفادور ، وغواتيمالا ، وهندوراس ] ، كان ذلك البلد قادرا على إتباع وسائل الاستعانة المتاحة للدول . فكان رد فعلها بالطريقة التي من المفروض أن تتبعها أية دولة ملتزمة بالقانون في الرد على الإرهاب الدولي الجماعي : أي اللجوء إلى المؤسسات الدولية . فأول ما فعلته نيكارغوا ، هو الذهاب إلى المحكمة الدولية التي أدانت الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي ( بسبب استخدامها اللاشرعي للقوة ) ، ولانتهاكها المعاهدات . فأمرت الولايات المتحدة أن تنهي الجرائم وتدفع تعويضات كبيرة) ( 6 ) .                            فماذا كان ردّ فعل وطن زبنة الولايات المتحدة، أم الديمقراطية في العالم والمدافعة عن حقوق الإنسان ؟ هل انصاعت لقرار المحكمة الدولية كما يُفترض بأي دولة متحضرة ؟                                                                                    الجواب هو : كلا .                                                                                      والأنكى من ذلك هو أنها اندفعت بطريقة حيوانية هوجاء إلى تصعيد الحرب ، ولكن على من ؟ على الأهداف المدنية .. الموت .. الموت .. القتل .. القتل .. الدم .. الدم .. الدم .. هذا هو شعار الولايات المتحدة الدائم وعبر تاريخها ، فانظر ماذا قامت به هذه الدولة الشيطانية كما فعلت لاحقا مع العراق عام 1991، وحسب تشومسكي أيضا:                                                                                      (وكان ردّ فعل الولايات المتحدة تصعيد الحرب (بتأييد من الحزبين !!) فأعطت لأول مرة أوامر رسمية بمهاجمة ما يُسمى بـ “الأهداف اللينة”- مثل المستوصفات الصحية ، والتعاونيات الزراعية ، وما إلى ذلك . وتابعت الهجوم إلى أن صوّت الشعب في النهاية لمرشح الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا للبلاد ، فتوقف الرعب في العام 1990)( 7 )  .

عودة :
——-
.. أقول كذبت زينة مرة اخرى على جدتها فقد استمرأت الكذب منذ خطوتها الأولى حين كذبت على نفسها بأنها إنما تساهم في “تحرير” وطنها “القديم” ، ُم سنراها تكذب على إخوتها بالرضاعة، بل على ضباطها .. وحتى على القاريء . والآن تقوم بكذبة جديدة على جدتها فتزعم أنها جاءت إلى بغداد كمندوبة من الأمم المتحدة لمراقبة المهمات التي يقوم بها الجيش الأميركي في أوساط المدنيين العراقيين [في ظل الإحتلال أغتيل أفضل ممثل للأمم المتحدة دافع عن مصالح العراقيين ضد بريمر عليه لعنة الله بمجرد خلافه مع الأخير وبعملية لا تُصدق .. ثم قامت بكتابة تقرير الطب الجنائي مجندة في الجيش الأمريكي وليس طبيبة !!! ].. وهو دور ضروري في منع تجاوزات الأميركان على العراقيين من قبل الأمم المتحدة (الأمم المتحدة التي أنذرها بوش وبلير بمنحها 24 ساعة فقط عندما اجتمعا في جزيرة اسبانية نائية ، لتحزم أمرها قبل الهجوم على العراق !!) . هنا ترد عليها الجدة مشككة :
-يعني ممّن تاخذين راتبك يا بنتي؟ من بوش لو من كوفي عنان ؟ – ص 71 ) .
وقفة :
———
كلام الجدة هذا أحالني إلى قناعة راسخة لدى الكثيرين من الباحثين وفي مقدمتهم الراحل الدكتور (علي الوردي) وهي أن الإنسان العراقي هو (حيوان سياسي) !! . وقبل أن يستفز القاريء الكريم هذا الوصف أقول إنه للمعلم الأول “أرسطو” وقد استخدمه الوردي من دون الإشارة إلى مصدره . تصف زينة وعي جدّتها السياسي قبل صفحات من هذا الموقف بالقول :
(تعجبني جدّتي رحمة وهي تدلي بآرائها في السياسة وكأنها من خبراء الستراتيجيا أو من معلّقي السي. إن. إن. تقول “المد الشيوعي”، تقول “لعبة أمريكية”، “مؤامرة صهيونية”، “فرهود العراق” ، “حركة رشيد عالي “، تقول “إنقلاب مصدّق” ، “دهاء نوري باشا” الذي كان يعتقد أن “دار السيّد مأمونة”، “خطة كيسنجر”، “كاريزما عبد الناصر” .. حتى الكاريزما تعرفها رحمة ! – ص 52 ) .
يقول (د.علي الوردي):
(لعلّي لا أغالي! إذا قلت إنّ الشعب العراقي في مرحلته الراهنة هو من أكثر شعوب العالم, إن لم يكن أكثرها, ولعاً بالسياسة وانهماكاً فيها: فكل فرد فيه تقريباً هو رجل سياسة من الطراز الأول. فأنت لا تكاد تتحدث الى بقّال أو عطار حتى تجده يزن لك البضاعة وهو يحاورك في السياسة أو يسألك عنها. وقد يحمل الحمّال لك البضاعة فيحاول في الطريق أن يجرك الى الحديث في السياسة وهو يزعم أنّه لو تسلّم مقاليد الأمور لأصلح نظام الحكم بضربة واحدة…))( 8)
و(يوصف الشعب العراقي الآن بأنه (يقرأ الممحي) وقد يكون هذا الوصف صحيحاً أو غير صحيح.. ولكننا نعرف على أيّ حال أنه شعب (قارئ) فهو يلتهم الصحف والمجلات والكتب بنسبة أكبر مما تفعله الشعوب العربية الأخرى. وقد أدرك ذلك الناشرون في القاهرة وبيروت وحسبوا حسابه فهم يخصّصون للعراق مما ينشرون حصّة الأسد وأستطيع أن اقول إن الفرد العامي في العراق قد يفهم من الحقائق السياسية وأحداث العالم ما لا يفهمه الناس في كثير من البلاد (الراقية) فهو يتساءل عنها وقد يناقش فيها كأنها ذات مساس مباشر بحياته الخاصة…)(   9)
وتعزيزاً لرأي الوردي الأخير في فهم العراقيين للقراءة أقول إن العراق كان يستورد(12000) كتاباً من مصر و(500) كتاب من سورية سنوياً خلال عقد الأربعينات والخمسينات ..(10). و هو رقم هائل إذا وضعنا الظروف الموضوعية لتلك المراحل في حسابنا. وهذا يعني أنّ الشعب الذي سخر الوردي منه طويلا ومن (إزدواجيته) وبداوته المخيفة هو شعب قارئ وبشكل يفوق ما يقرأه أبناء الشعوب العربية الأخرى أخذين بنظر الأعتبار أنّ إمكانات المواطن العراقي المادية أنذاك محدودة وبسيطة بحيث أن من يقتطع من رزقة لشراء كتاب أو صحيفة يعبّر عن واقع معرفي أصيل. وقد ذكر (روفائيل بطي) في كتابه (الصحافة في العراق ) أنّ طبقة واسعة من القرّاء قد نشأت في العراق, وليس أدلّ على سعة هذه الطبقة المستعملة من ذلك العدد الكبير من الصحف والمجلات التي صدرت في العراق بعد الأنقلاب العثماني الدستوري عام 1908 , فقد بلغ عدد الصحف تسعاً وستين صحيفة. على حين بلغ عدد المجلات عشرين مجلة بين أسبوعية وشهرية…) (11).
إنّ من ملامح الوعي السياسي للمواطن العراقي, وهو وعي سياسي حاد وانتقادي, هو أنه يستقرئ الوقائع ويتوقعها قبل حصولها بزمن طويل بصورة تقرب من “الإلهام” في بعض الأحيان إذا جاز التعبير, وتتعزز هذه القناعة لدينا حين نجد تلك التوقعات والأستشرافات السياسيّة المبكّرة تاتي من أشخاص بسطاء لا تسعفهم شهادة جامعية أو تخصّص علمي . يقول الشاعر الشعبي (ملّا عبود الكرخي)(    -1946 م) في قصيدة له كتبها في عام 1925م ويتحدث فيها عن نقص نفط الولايات المتحدة المتوقع:

منابع أمريكا أخذت بالنقصان    و تدريجاً يجف أعتقدوا يا إخوان
و نبقى بعدها يا صاح بالميدان    منابعنا العراقية وألوف آبار

و أقدم هنا حادثة نقلها المؤرخ العراقي السيّد (عبد الرزاق الحسني) في كتابه (الثورة العراقية الكبرى) ففي ” 12/آب/ 1920 إجتمع رؤساء العشائر في مضيف (عبد الكاظم الحاج سكر) في المشخاب للتداول في شؤون الوطنيين الذين نفتهم السلطة البريطانية الى جزيرة ((هنجام)) فوقف السيّد ((محمد باقر الحلّي)) فجأة في وسط المضيف وتلا هذه الأبيات من دون سابقة ولا استئذان:
بني يعرب لا تأمنوا للعدى مكراً     خذوا حذركم منهم فقد اخذوا الحذرا
يريدون منكم بالوعود مكيدة         و يبغون إن حانت لكم فرصة غدرا
فلا يخدعنكم لينهم وتذكرّوا        أخاليلهم في الهند والكذب في مصرا
تريدون بالأقلام إنجاح امركم        و هل تنفع الأقلام من حطم السمرا؟
ومن مات دون الحق والحق واضح               إذا لم ينل فخراً فقد ربح العذرا
ثم قال: (يا معشر خزاعة : إنّ لمحمّد عليكم ديناً يوم قال حينما ضرب الخزاعي من قبل أحلاف قريش: (لا نصرني ربّي إن لم أنصر خزاعة) ومحمّد اليوم في حاجة لنصرتكم فهل توفونه اليوم دينه ؟ )..
و قد دهش الحاضرون لهذه المفاجأة فقام الشيخ (سليمان العبطان) وجرّد سيفه وهزه في وجه الخطيب قائلاً:
((عند وجهك, أنا أخو فاطمة)) ثم قام الجميع فهوّسوا:
((بس لا يتعلگ بأمريكا)) فكانت صرخة دوّت دوي المدافع إن لم تكن أشد تأثيراً..))(12)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *