بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية تسمعها أو تتابعها،الآن وهنا.مما يختزل المسافات،إن احتفينا بها انطلاقا من وعي ثاقب،وجهة دروس تسبر أغوار العلاقات المجتمعية والحيوات المختلفة،وتهيئ من كل الجوانب مفاتيح لفهم معطيات واقعية عدة.فالمقهى عالم صغير،يكشف حقائق وجود كبير.
تنتعش ميزانيتي وتخطو إلى حد ما؛قياسا لشهور عجاف طويلة. أحس بأني حقا كائن صاحب هوية اجتماعية ملموسة،نجح أخيرا في الانتساب إلى فصيلة بشرية قادرة على التصالح بيسر مع حاجاتها البيولوجية والمجتمعية.مع ذلك،بقدر انسيابي المنقاد مع مستجدات الوضع المغاير،بمقتضياته المختلفة،يظل هاجس المدرسة شاغلا بلا شغل ثان،وأتذكر في خضم الواقع الجديد مامضى بحنان لذيذ،كما تهتز دواخلي برعشة غير عادية تطوي بسرعة لانهائية جل كياني،وأنا أستشرف القادم.
ما إن يحل الأسبوع الأخير من شهر غشت،حتى أسرع إلى إطلاق سراح محفظتي من مخبئها وأبعثها ثانية،فأضعها أمامي وقد أزلت عن جلدها بعض الغبار العالق الذي غيَّر ملامحها وأضفى على عمرها زورا عهدا لايليق بها. أيضا،أعيد ترتيب ملابسي داخل الخزانة،بحيث أضع عند الواجهة تلك المتعلقة بفصل الشتاء،مادام أنه لم يعد يفصلنا عن الخريف،غير أسابيع قليلة جدا،وشتاء مراكش مثل صيفه في غاية الجدة والجدارة.ثم يأخذ الوضع عندي بعدا خاصا،مادمت قد اعتدت طيلة سنوات الدراسة،كي أقطن بعيدا عن المؤسسة بمسافة طويلة لايستهان بها،مما أجبرني دائما على الاستيقاظ باكرا والذهاب في أغلب الأوقات مشيا،إذا حدث و أخلفت موعد الحافلة العمومية.
تشرع خريطة ذهني في إنعاش سيمياء المدرسة،واستحضار طبيعة تفاصيل اللقاءات المحتملة.أشعر بقشعريرة كهربائية.أخيرا،سأعود ثانية إلى الفضاء الذي يلائمني أكثر من غيره،ويمنحني سعادة على غير هدى جل سابقاتها؛بعد غياب.هكذا،قاومت كي لايحتل التغافل أو النسيان حيزا لايحق له،مادام الشوق إلى المدرسة يحلق فوقي هامتي باستمرار؛رغم إغراءات فترة الاستراحة،وماأتاحته من متع عابرة.
بالتزامن،تبدأ استعدادات سوق الكتب في حي باب دكالة.يرتفع كل يوم عدد الزوار، المنحدرين من مختلف أحياء المدينة،غاية أن يصبح فضاؤه حشدا بشريا؛لاسيما مع بداية العد العكسي لليوم الموعود. لقد تلطف مناخ المدينة،وتراجع عن غلوائه،بعد قيظ صيف غير رحيم سوى فيما ندر.
هكذا،استمر الدخول المدرسي،عالقا بين تلابيب ذاكرتي،خلف أدبار متواليات راسخة،مثل بداية رطوبة المناخ مع انقشاع البواكير الأولى للخريف،وعرض محلات أسواقنا الشعبية لفواكه أحبها بنهم كالليمون والعنب والرمان والبلح الجاف،ثم الخروج في نزهة مسائية خاطفة لبعض دروب المدينة،بعد قيلولة أشبه بالسكتة الدماغية؛ثم تناول قهوة العصر،إما بتحضيرها في المنزل حسب الطريقة التقليدية أو في سطح مقهى يرصد بانوراميا شاعرية ساحة جامع الفنا؛بحيث أعود آخر المساء وقد تحسن مزاجي بسخاء،وتكون تلك النزهات مدعاة للاحتفال بالألبسة الجديدة التي اشتريتها استعدادا للمدرسة؛وفرصة قبل الموعد المحدد سلفا،قصد الاعتياد عليها وفي نفس الوقت إفقادها لما تيسر من بريق جدتها،بالإسراع إلى تصبينها بعد أول ارتداء،لأني رفضت دائما إثارة الانتباه وجذب الأنظار حينما أرتدي الجديد،وهو مايحدث أساسا مع رفاق المدرسة،بحيث سرعان مايستهويهم جديد الملابس أو الأحذية،فتنطلق التعليقات.
أكره هذا الموقف،مثلما أني حذفت من مساحة ودائرة اهتمامي بالآخر،هذا الجانب الشخصي جدا ولاتستدرجه قط مرجعياتي.
إذن،للدخول المدرسي طقوسه الخاصة به،ملابس جديدة،أساسا حذاء من النوع الكلاسيكي يلمع،يشعر صاحبه بالجدية المطلوبة حيال طقوس المؤسسة،ثم ورقة بيضاء لتدوين اللوازم المطلوبة،أطويها حتى تأخذ شكل مربع ثم أطويها عند سدادة قلم،فتأخذ شكل صليب معقوف.
لاأحد منا يجرؤ خلال اليومين الأولين،إلى حد ما،على إظهار حقيبة كتب،ومايدخل في جنس ذلك؛لأن الأمر قد يبدو سذاجة أو امتثالا ينم عن خنوع نسائي دون قيد أو شرط للمنظومة المدرسية،في حين لايليق بالذكور الفحول الانصياع بذات اليسر وعليهم بالأحرى إظهار نوع من التصلب الكَلَبي نحو امتثال من هذا النوع،فأن تتأبط محفظة،يمثل دليلا على انضباط جبان،في حين ينبغي حسب اعتقاد زمرة التلاميذ التي تكفلت بتعميم قيم الرجولة التعامل مع منظومة المدرسة بكيفية بوهيمية تنطوي على لامبالاة،لاسيما ماتعلق منه بالجوانب الشكلية.
هكذا اندرجت المحفظة ضمن المؤشرات الفاصلة،بخصوص التقييم المؤسساتي الرسمي،بين الذين يعملون والذين لايرغبون.لكنها في خضم المنظومة القيمية الرائجة المترسخة لدى التلاميذ حين مغادرة المدرسة،وحينما يبدأ خوض صراع رمزي ومادي مباشر بخصوص اصطفاء التلاميذ النافذين المالكين لسلطة تأثير خاصة،وقد انحدروا غالبا من زمرة الكارهين للدراسة وتبعاتها؛مناصرين أكثر لدواعي الصعلكة.هنا يبدأ بالنسبة للضعفاء والتابعين أو المتأرجحين؛بين هذا أو ذاك،التموقع بدواعي المحفظة حسب السياق وربطها بطبيعة الظرف المهيمن.
إذن،عموما لاتنطلق فعليا دورات المحفظة إلا بعد انتهاء عمليات تدوين لائحة الكتب والدفاتر وكذا اللوازم التقنية.
من أسعد اللحظات،فيما أذكر،تلك المتعلقة باستكشاف جماعة المدرِّسين،هكذا تتأرجح كميات ممكنات التشوف انطلاقا من كونه عنصرا حديث العهد قد التحق بمدرستنا،فتتجمع لحظتها مختلف مثيرات أشواق الفضول؛أو على العكس ينتمي منذ زمان إلى أهل الدار،بمعنى نمتلك معلومات عنه؛مطروحة في الطريق،كافية لنحدد منذئذ انطباعات الغبطة أو التوجس حسب معطيات طبيعة شخصيته داخل الفصل،بين اللين،القسوة، اللامبالاة.انطلاقا،من تلك اللحظة يتحدد الانطباع العام لدى التلاميذ،ثم تتجلى سريعا في ومضة خاطفة آفاق السنة الدراسية.بحيث زاد وتسامى ربما؛منذ اليوم الأول،التعلق بالمدرسة أو حدث على العكس النفور،جراء تداول الأسماء المرشحة وما تستحضره تلقائيا من سير وممارسات تستحضر منذ الوهلة الأولى انطباعات مصيرية وحاسمة.
اختلفت أساليب استقبالنا المدرِّسين لنا.هناك من يقذفنا مباشرة منذ أول لقاء،بسلسلة أسئلة استعادية لمقرر الموسم الدراسي الماضي،قصد اختبار مستوانا المعرفي وتقييم مكتسباتنا القبلية.في حين يتحول البعض الثاني،إلى ملكوت ذاته ويسهب في سرديات سخية عن مزاجه ونفسيته وطبيعته ومايحب ويكره،وقد أرفق ذلك بالتهديد والوعيد والترغيب والتنفير،واضعا منذ الساعة الأولى ترسانة قوانين حمورابي الجدير احترامها من طرف كل تلميذ وإلا سيتعرض لعقاب غير مسبوق ولا متوقع مستقبلا.
أيضا،يتجه التطلع بذات الزخم؛نحو اكتشاف الوجوه الجديدة من التلاميذ،وبكيفية خاصة،القادمين من مؤسسات أخرى،بل ومدن غير مراكش لأسباب عائلية مختلفة،وربما أضفى قدوم الغرباء،على الفصل أجواء مغايرة لما سبق،مما يكسر ضمنيا بعض رتابة السائد،فيأخذ التحصيل إيقاعا متقدما عن السابق،لاسيما إذا كان مستوى القادمين متميزا،بحيث يحرض القدماء على التفاعل والامتثال لقانون المنافسة،وأحيانا يستثمر الأستاذ بذكاء تربوي مدهش، مجيء الغرباء،كمحرض نوعي لإثارة هممنا وتحفيزها حتى تندفع وتنطلق طاقتنا أكثر فأكثر نحو المثابرة والتحصيل.

http://saidboukhlet.com

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *