الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك

على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها
على الطريق السريع للحياة، لا مجال لارتكاب الأخطاء
أنت تقود المركبة أو تجلس فيها، وإما تقاتل أو تموت
وبالصدفة تتجنب حتفك، على طريق الحياة السريع.
بيللي جو شافير (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الساعة 8.20 من مساء يوم السبت 17 تشرين الأول / أكتوبر 1998، يكون مضى على ماري في غلاسكو أسبوع إضافي آخر. كان بيدي قلم رصاص، والورقة على الطاولة. انعكس الضوء على النافذة الأمامية بألوان وتكوينات تشبه رأس إلهة الحرب والإقدام. لدغت بطني بعوضة، وتكفلت عشيرتها بالهجوم على كتفي. يبدو أن الناس في أوستن يتجاهلون حشراتهم. هناك صراصير مدهشة، أولاد زنا أشبه بعمالقة صغار الحجم ولها كل أشكال مجسات وأجنحة شبيهة بالكماشات الحديدية. في بداية ما بعد الظهيرة ألقيت القبض على أحدها، وألقيت به في طبق بلاستيكي، وحملته إلى الخارج وحررته. وكان المطر غزيرا لذلك تبلل جوربي، وانزلقت على البلاط، وتقريبا كسرت ظهري اللعين. لأنقذ حياة صرصار!!؟؟. أعتقد أنه أشرف على الهلاك. بعض الصراصير كانت تموت ولذلك إذا أمسكتها لا تلقى منها أي ممانعة وتستسلم. ولكن إذا كانت حية تعدو بسرعة لحد مذهل وكأن لها مئات الأقدام. ثم تختبئ منك!. أبناء زنا صغار وحمقى. ولكن هذا مربك. أنت لا تستطيع قتلها يا رجل. ها أنا أقولها بصراحة. يا لها من عفاريت صغار.
مزقت السماء عاصفة رعد مفاجئة هزت أساسات البيت. كنت قد أغلقت مصاريع النوافذ ولكن لم أقفلها. وكان العالم مظلما. وأضاءت سهام البرق السماء. بالأمس صادف عيد ميلاد والدي. لكنه مات منذ 11 عاما خلت. اليوم الطقس ماطر. بلغ الهطول قرابة 15 – 20 بوصة. هدر المزيد البرق من مسافة بعيدة. وتبعتها موجة تالية. بالعادة يحتفظ الناس هنا بمصاريع النوافذ مغلقة ومقفلة لمنع الشمس من التسلل… في نهاية اليوم حينما بلغت الساعة 8.33 مساء انتفضت السماء بزمجرة إضافية من الرعد. وكان بمقدوري أن أعد الثواني بين موجات البرق، وأن أشعر بالمسافات التي تفصلنا عنها.
***

للفن جانب بالغ الأهمية. كان بمقدورالأفراد، منذ فجر التاريخ، إنتاج شيء يلفت الانتباه. وهذه الحقيقة واضحة بذاتها. وأن تقر بها لا يمنعك من الاستعداد للعواقب العجيبة المترتبة على ذلك. ومعظمها ينجم من مهنة التدريس. وبالأخص إذا كان المدرسون فنانين أيضا، وليسوا نقادا فقط. فالفنون الأدبية، التي يضمن تدريسها نظام كليات الأدب الإنكليزي، تشكل لنا وضعا شاذا. فهي مادة الدراسة ومع ذلك لا يوجد بين المدرسين كاتب واحد تقريبا. وحتى إذا كانوا يحملون مؤهلات بالنقد الأدبي، فهم بالعادة من غير المبدعين. والإبداع هنا ليس مسألة تسترعي الانتباه. ويمكن القول إن المبدعين مستبعدون من مهنة التدريس. وإلا لماذا هم غائبون من نظام التعليم العالي. إنه شأن واضح وضوح الشمس. ولماذا لا يتلقون جعالة مالية من الدولة ليقدموا خبراتهم للأجيال الشابة؟؟.
ولكن ليس هذا هو موضوعنا. وأنا أود الكلام عن من واتاه الحظ ليكسب وضعا اقتصاديا آمنا ومريحا رغم أنه في مهنة التعليم، ليس بصفة ناقد أدبي، ولكن بصفة مبدع. وهؤلاء جماعة صغيرة وضيقة من الناس. ومعظمهم يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية. هناك لا تجد فقط حصص ودروس “الكتابة الإبداعية” ولكن الطلبة الذين يتابعون تحصيلهم ليكونوا في المستقبل “كتابا مبدعين”. وفي الحقيقة هم دائما يتعلمون على أيدي كتاب من هذا النوع، وفي بعض الحالات على أيدي مبدعين.
كان دستويفسكي يكتب في اليوم 10.000 كلمة.
وهذا لا يكفي ليكون كاتبا خالدا. أنا عجوز بما فيه الكفاية وسأغامر بالإعلان عن وجهة نظري. كنت أعتقد في أيام شبابي أن دستويفسكي كاتب خارق. ولكن بظني لا يوجد من بلغ منتصف عمره أو أكثر وينظر له كبطل من الأبطال. في الحياة أمور معينة لا تستطيع التملص منها. والحياة قابلة للتعديل. هل كان هنري ميللر طوال حياته ينظر لديستويفسكي على أنه كاتب لا يشق له غبار؟. بالمناسبة: من النواميس الثابتة عندي أنني لست من عشاق ميلر. ولكن أعرف اثنين من أنصاره، وهما بلا أي إيديولوجيا سياسية باستثناء موقف عام يغلب عليه التمرد والرفض، ويغلفه سلوك فوضوي (هيبي)، مع خيوط من النسبية وفلسفة الزن والبوذية، بالإضافة لحساسية فنية تميل للكسل والشك. وأستطيع التأكيد أنهما يهتمان بالسياسة. اهتمام فقط، استجابة سياسية تدل على الانتماء لتيار الحياة.
***

نعود لموضوعنا. كنت أتصفح رف الكتب في مكتبة طلبة السنوات الأولى في الجامعة. ليس تصفحا عشوائيا، بل للتفتيش عن جماعات ألسنية. شلة سارو ويوا(i)، إيرل لوفليس (ii)، أموس تويوتولا(iii)، سام سيلفون (iv)، آي كيوي أما (v) وآخرين. وكانت الغاية فتح باب النقاش مع طلاب المرحلتين: الجامعية وما تلاها. فقد كنت على وشك أن أفقد صبري مع حلقة من طلبة معهد ميشنير الذكور والذين ألتقي بهم لثلاث ساعات في كل أسبوع. وبمحاولة لرأب الصدع فكرت أن أقدم لهم بعضا من المبدعين المعاصرين الذين يكتبون الأدب باللغة الإنجليزية. إنما لم يكن يبدو أن أحدا منهم يعرف شيئا واحدا مهما بلغت تفاهته. كان من الواضح أنهم بأدمغة غسلها النظام. كلهم يعتقدون أن همنغواي هو الرجل، الفحل.. الخارق!. لا أحد سواه!. المبدع السوبرمان! لأجل عينيه علينا أن نمحو أدب القرن العشرين. فهو ينتهي ويبدأ مع أرنست الأكثر تطورا من ناحية المهارات الأسلوبية! إلخ. إلخ..
هذا ما اعتاد طلبة الدراسات العليا أن يؤمنوا به. حتى أنهم لا يجدون غضاضة في أن هذا الكاتب، المسحورين بعبقريته ومعاصرته، قد مات قبل أربعين عاما من الآن. شيء غريب. فأنا أتكلم عن عام 1998 وعن شباب بعمر يتراوح بين 23 و35 عاما ودرسوا الأدب والفن لعدة سنوات. كانوا جميعا يؤمنون مع رالف أليسون أن ”همنغواي مثال نحذو حذوه”.
هذا عن الذكور. فما رأي الصبايا؟. لا علم عندي. كلما اقتربت من الموضوع يلزمن الصمت. أفواه مطبقة. وفي إحدى المرات قمت بمناورة مفتعلة، وقلت إن أرنست ورث أفضل ما لديه عن غروترود شتاين. ومع ذلك لم تحرك إحداهن ساكنا. وقلت لنفسي: حتى ذوات الخدور متأثرات بمبادئ الرجل الأبيض الأنغلو بروتستانتي. كان النظام السائد في جامعة أوستن، بتكساس الأمريكية، لا يقودنا إلا إلى أوكسبريدج. وهذا أول انطباع تلقيته. إليوت عندهم هو الله. والتقاليد تحكم. نفس قوانين وأخلاق أوكسبريدج. كان الجميع، في هذه الجامعة الهامة، يتبعون سلم الأخلاق التي سنتها النخبة البريطانية الحاكمة. وقد رأيت في ذلك شيئا مرعبا ومدعاة للخوف والعار. العار؟. تعريفه عندي المشاعر التي تنتاب أي فئة مهمشة. وكان الأمريكي الجنوبي مدعاة للسخرية بسبب لهجته. ولا يجب أن يمر احتقار إنسان مرور الكرام. فهو مشكلة. وهو موضوع مرعب مثير لحفيظة البشر. ووراءه ما أسميه الإنكار. ومفتاح ما يجري في الولايات المتحدة هو هذه المشكلة: الإنكار الذي تشنه الثقافة الأوروبية المتأمركة. لدى أبناء الطبقة المتوسطة البيضاء في هذه البلاد مشكلة تتلخص بالبحث عن جذور وأسلاف. وإن كنت اسكوتلانديا أنت دائما تبحث عن علاقة مباشرة ومفترضة مع جماعة. هذا إن لم يكن مباشرة مع نسل أبوي. وهذه برأيي حماقة تافهة تدل على مركزية عقلية وسخيفة جدا وربما مستغربة وضعيفة!. وحقيقة هؤلاء الأسلاف هي مادة هذا الإنكار. ثم لاحظت أنه هناك مشكلة أبدية، وهي أن طلبة الكتابة الإبداعية لا يعرفون شيئا عن أعمال تيلي أولسين (vi).أعدت قراءة قصة مدهشة وجميلة له. هي “أخبرني بأحجية”. واستعملتها كمثال مرجعي عدة مرات، وشعرت أنه حان الوقت لإعادة النظر بها. إنها فعلا تحفة فنية. وتلمس مسائل أمريكية بحتة، منها الهجرة وما يتعلق بها، وإنكار المرء لمساره، والرفض النهائي لفكرة أن تجربة الأجيال السابقة تنطوي على معنى.
ولكن طالبة متقدمة بالعمر من مجموعة السنوات الأولى، وهي امرأة أفرو أمريكية، أخبرتني أنها اختارت في حصة الفن أن ترسم لوحة كان موضوعها عن أسلافها الأفارقة كما تتخيلهم. وكان أستاذها الأمريكي يتحدر من أصول أوروبية بيضاء، ويهتم بطلابه، ويتأمل أعمالهم واحدا بعد الآخر. ويقدم لهم الملاحظات النقدية والفنية، إلخ. وحينما حان دورها وقف أمامها بصمت ثم سألها: لماذا ترسمين أشخاصا ماتوا منذ فترة بعيدة؟. يا لها من ملاحظة تلقيها على طلابك. لقد صالح بها مشاعره العنصرية. وقد ذكرني كلامه بملاحظات مماثلة تلقيتها حول أعمالي، لماذا تكتب القصص عن جماعة واحدة من الناس كل الوقت، عليك أن توسع نطاق موضوعاتك. [نعم، وأكتب عن البيض أبناء الطبقة الراقية في موطني]. ولكن ربما ليس في ذلك ما يصدم. لقد واجهت مثل هذه الأفكار، واستنتجتها من رد فعل بعض الطلبة عن أشياء تكلمت عنها أمامهم، أو من المستمعين في أمسيات أدبية شاركت بها في السنوات القليلة السابقة. كانت غيتوات الثقافة الأدبية تتطور ويشتد عزمها أكثر من أي وقت سلف. ويبدو أن هناك بين من يعتبر نفسه ”أمريكيا” [أقصد أورو أمريكي] عدم رضا حيال تجربة الأدب الأفرو أمريكي. والرأي السائد أنه لا ينتمي للمشهد الأمريكي العام.
في الرد على سؤال: من هم أعظم كتاب أمريكا من وجهة نظري كنت أذكر ريشارد رايت وجيمس بلدوين ورالف أليسون. وأحيانا أضيف رسائل جورج جاكسون، ومقالات جون جوردان، وسيرة حياة مالكوم إكس. وهؤلاء كما قلت في مكان آخر كتاب مهمون بنظر العديد من شباب الطبقة العاملة البيضاء في المملكة المتحدة، والذين ينتمون لجيل ما بعد الحرب.
لكن انتبهت أن أحدا، هنا، لم يسمع بهذه الأسماء. ومن سمع بهم أدهشه “السياق” وافترضوا أنني أتخذ موقفا “سياسيا”. كلا، كلا، هؤلاء كتاب كنت معجبا بأعمالهم فقط.
كنت في سان فرانسيسكو قبل عامين، وقابلت هناك رجلين من نيويورك، صديقين مقربين منذ أيام الطفولة. كانت خلفية أحدهما إيطالية، والثاني أمريكي أسود مع قليل من الجينات الأخرى التي اندمجت بدمه، ومن ضمنها جد اسكوتلاندي من القرن السابق. ودخلنا في موضوع العنصرية، وما شابهه، ولفت انتباهي أن صاحب الأصول الإيطالية قال عن نفسه وعن جماعته أنهم أمريكيون. وبطريقة خرجت من الوعي الباطن دون تفكير. ولكنه نطقها بطريقة تنم عن التكبر والترفع على صديقه الأفرو أمريكي. وكان جازما بكلامه، أنه جاء من أصل أمريكي وأن صديقه من أصل أفرو أمريكي. لكن لو فكرنا بالموضوع.. كانت عائلته في الولايات المتحدة منذ منعطف القرن العشرين، بينما أسلاف شريكه كانوا في أمريكا على الأقل قبل مائتي أو ثلاثمائة عام، لو حسبها بالاعتماد على ذاكرته. وكان صاحب الأصول الإيطالية يعتقد أنني أحمل الأمور فوق طاقتها عندما انتقدت طريقة كلامه عن الأصل “الأمريكي” وبسياق قد يكون له معنى مخفي. وأصابته الحمى واختلف معي، ولكنه تدبر أموره ولم يتشاحن مع رفيق طفولته. العديد من البيض لديهم حساسية جارفة حيال الموضوع. وقيل لي إنه يوجد القليل جدا من المشاعر العنصرية خارج تكساس الشرقية، وتقريبا لا أثر لها في أوستن كلها. وتعرضت للاتهام بالانتقاء والإجحاف حينما تطرقت لبعض هذه النقاط. فقد ذكرت كيف أنني لمست تفرقة عنصرية في بعض مخازن الموسيقا، ومنها المخزن المفضل عندي وهو شيبو في لامار. وليس في شيبو فقط. فموسيقيون كبار مثل ألبيرت كولينز، وجيوك بوي بانير، وجوني كوبلاند، ولا يتننغز هوبكينز (vii) تجدهم في رفوف البلوز ولا تجد لهم أي أثر في رفوف المحليين أو فناني تكساس. و. س. كلارك هو الاستثناء من القاعدة لأنه كان يعيش في المدينة. كان مشاهير الموسيقيين البيض يهيمنون على رفين، أحدهما تحت عنوان “محليات” والآخر باسم “بلوز”. وأولئك من لم تتجاوز شهرته حدود تكساس كانوا يودعون على رف “محليات”. ولكن ما أن تبدأ بالفحص والتفتيش حتى تنتبه، يا الله، وهذا على سبيل المثال، أن الملهى الليلي في أوستن المشهور بموسيقا البلوز، وهو نادي كونتينينتال، لا يستقبل غير إنسانة أفرو أمريكية واحدة بين الحضور، وذلك بعد نصف دستة من الزيارات، (وكانت الحاضرة هي رفيقة سهرتي أيضا). وبالتأكيد، هي تعزف مع الفرقة. لكن بين جمهور الحاضرين؟. لا. ومن الحماقة الكلام حول أماكن مثل بروكين سبوك (المحاور المسكورة). كنت أحب زيارة هذا المكان. فهو مريح وعظيم. ولكن لا يمكنني أن أتخيل وجود أفرو أمريكي وأنا أرقص فيه. وهذا يضاف لانطباعاتي الأولية….

هامش المؤلف:
1- من أغنية: الطريق السريع للحياة. لبيللي جو شايفير. منشورات سوت تو أو فايف ميوزيك./ ريستليس ويند ميوزيك. ب م آ.

هوامش المترجم:

i كاتب نيجيري.
ii روائي وقاص من ترينيداد.
iii روائي نيجيري.يعتمد على خيال اليوروبا.
iv روائي بريطاني من ترينيداد. يوظف اللغة الكريولية.
v روائي من غانا.
vi كاتبة سياسية أمريكية اهتم باضطرابات الثلاثينات (1930),
viiعازف غيتار بلوز أمريكي. مغني بلوز أمريكي. عازف غيتار من تكساس. مغني بلوز من الريف الأمريكي على التوالي.

جيمس كيلمان James Kelman روائي وقاص اسكوتلاندي. حاز على البوكير. يعيش في غلاسكو. والترجمة بإذن منه وهي فصل من كتاب غير منشور ولا يزال قيد الإعداد.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *