فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية يحمل عنوان (المسرحية في الادب العراقي الحديث 1880_1967 ) وهو في الاصل اطروحه تقدم بها الى جامعة القاهرة عام 1967 و نال بها شهادة الماجستير بدرجة جيد جدا ، و عدت الاطروحة رائدة في بابها و زمانها لانها كانت اول اطروحة جامعية مستقلة تبحث هذا النوع من الجنس الادبي العراقي ففي الوقت الذي جايله زملاء له في القاهرة اواسط الستينات امثال شجاع العاني (الدكتور فيما بعد) و الراحل عبدالاله احمد (الدكتور فيما بعد) الا انهما اختارا دراسة القصة العراقية و لكن فائق مصطفى (الدكتور فيما بعد) اختار ان يحرث في هذه الارض البكر عندما وجد هذا الجنس الادبي مغمورا في الظل و مغطى بالاغبرة فهو في حاجة الى ايدٍ تخرجه الى الشمس و تزيل عنه الاغبرة و تقدمه الى المشهد الثقافي لانه فن موجود و له تاريخه و كتابه بنوعيه النثري و الشعري و حتى ثمة مسرحيات عولجت باللهجة العراقية الدارجة و هكذا خاض غمار هذا البحث معتمدا على جهوده و كذلك يشير الى جهود الدكتور الراحل (عمر الطالب) في هذا المضمار و كيف كانا يتبادلان المعلومات و المصادر و المسرحيات التي كانا يعثران عليها ، و انا شخصيا لي ذكريات مع اعداد هذه الاطروحة فكثيرا ما كُلفت و انا اتتلمذ ببغداد ان اتصل بكتاب مسرحيين اسال عن مظان مسرحياتهم و مخرجين اين و متى اخرجوا مسرحيات معينة و نقاد اين نشروا كتاباتهم و تقريظاتهم التي تخص المسرح العراقي ، و نوقشت الاطروحة بعد رحلات مضنية بين العراق و مصر و كيف ان الدكتورة (سهير القلماوي) كانت مشرفة على الرسالة الا انها غيرت عندما تسلمت منصبا ثقافيا جديدا و جاء مكانها مشرف اخر و كذلك عانى الباحث من قلة المصادر و المراجع و ان وجدت فمن بعد مظانها الا انه استطاع ان يتغلب على هذه المصاعب و يجتاز مناقشته بنجاح يسجل لمثابرته و صبره الرواقي و عصامية جهوده . يستهل الباحث كتابه بمقدمة يبين فيها الكتب و الدراسات و المقالات التي كتبت عن تاريخ المسرح في العراق و كذلك المحاضرات التي القيت حوله و بطبيعة الحال قبل عام 1967 و يوضح ايضا الصعوبات التي تعترض دراسة الادب المسرحي بقوله “اغلب المصادر و المسرحيات غير متوفرة لسبب التجاهل الذي تقابل به المسرحيات القليلة التي تحويها المكتبات وغير منظمة في فهارس ، ثم قسم البحث الى ثلاثة فصول بعد ان اردف المقدمة ب (تمهيد) كشف فيه مكانة المسرحية في الادب العربي و درسها تاريخيا معرفا اياها عند اليونان ثم ابان عن بعض الظواهر المسرحية التي عرفها فن التمثيل لدينا الى ان يصل الى ظهورها في الادب العربي الحديث مع منتصف القرن التاسع عشر .
يعقد الفصل الاول للحديث عن المظاهر التمثيلية الشعبية التي عرفها العراقيون من عهد البابليين حيث كانوا يحتفلون باعياد راس السنة البابلية و كذلك الشعائر الدينية التي كانت تقام في مدينة كربلاء المقدسة في شهر محرم في ذكرى استشهاد الامام (الحسين) عليه السلام ثم يعرج على نشأة المسرح في مدينة الموصل و الصفحات التي يقدمها الباحث طريفة في هذا المجال لانه يميط اللثام عن الكثير من الشخصيات التي عنيت بعالم التمثيل و تاليف الروايات التمثيلية ثم يدرس واقع المسرح العراقي بعد قيام الحكم الوطني و تاسيس الدولة العراقية عام 1921 .
اما الفصل الثاني فيخصصه لدراسة المسرحية النثرية من العهد العثماني الى ما بعد قيام ثورة 14 تموز عام 1958 ويخصص الفصل الثالث من كتابه لدراسة المسرحيات القائمة حواراتها على الشعر و يفصل الكلام في هذا المضمار و يدرس المسرحيات التي تندرج تحت هذا الضرب يعرضها ثم ينقدها مبينا ما فيها من الجودة او مايشوبها من الركاكة و لاينسى الباحث ان يتناول المسرحيات التي عولجت باللهجة العراقية الدارجة و يدرس اشهر كتابها و ينبري لارائهم و هم يتعاطون هذا النوع المسرحي المحكي و لا ينسى التطرق لاهم العيوب التي اكتنفت المسرحية الشعبية في افتقارها الى الحبكة و الصراع و الحركة و هو يورد في هذا الصدد مقولة ل(عبدالملك نوري) مفادها “هي عبارة عن محاورات في اللهجة الدراجة تفتقر في كثير من الاحيان الى الحبكة و الصراع و الحركة المسرحية و الى كل ما يمت الى الفن المسرحي بصلة ”
ان كتاب (المسرحية في الادب العراقي الحديث) يمثل عملا نقديا مهما يلقي اضواءه الكاشفة على ادب المسرح العراقي المكتوب خلال تسعة عقود تناول نشوءه الاول في مدينة الموصل ثم كيف بدأ يزدهر بعد تاسيس الحكم الوطني و ظهور الفرق المسرحية و الكتاب و الشعراء الذين تعاطوا كتابة هذا الجنس الادبي و الاسباب التي ادت الى تاخر نموه و ازدهاره و المشاكل العويصة التي تصادفها ، و يجد المتلقي المختص بالمسرح في هذا الكتاب ما يعينه و يساعده على فهم المسرح العراقي في هذه الفترة التي اختصت الدراسة ببحثها ، اما المتلقي العادي فهو يجد متعة في التعرف على الكثير من العناوين و الاسماء و الفرق التي عنيت بعالم المسرح و كذلك الكثير من المعلومات التي سوف يكنزها في رحلته عبر سطور هذا الكتاب الذي يعد رابع مؤَلف للدكتور فائق مصطفى يخص المسرح تاريخه و نصوصه و كتابه و همومه و نواحي تاخره و ازدهاره .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *