حوار الأجيال التربية بين ثقافتين
أولادكم ليسوا لكم، أولادكم ملك الحياة
سليمان كبول

لهيب هائل من الحنين يقض مضجع الإنتماء، يعبر حدود الغربة لجهة وطن يسكن فينا أبدًا،
نحن المسافرين إلى أحلامنا النيئة في قطارات الشوق والشوك،
كرنفلات من اللهفة تزهق روح الغياب والخيبة، الشاهقة العتبات، المتدفقة فينا كنهر يانع منتشٍ.
(هذا الجيل مدلل لا يصلح لشيئ) هذه جملة ليست لرجل كبير السن يعيش في زماننا، إنما وجدت هذه العبارة مكتوبة باللغة الهيروغليفية على جدار أحد المعابد الفرعونية، ليدلل هذا أن صراع الأجيال ليست حديثة العهد.
يقول أفلاطون: (الصراع بين الأجيال المتعاقبة هي قوة محركة للتغير الاجتماعي)، فيما كان يفسر ارسطو أن الثورات بالصراع بين الأبناء والآباء ليس فقط صراعًا طبقيًا،
وحتى في ثقافتنا العربية يقول الإمام علي( لا تُكرِهوا أولادكم على عاداتكم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم) .
أقول :
هل نمزق أثوابنا المحاكة بخيوط الثقافة العربية؟ ( يقولون: يلي بيشلح ثوبه بيبرد) هل نتبرأ من لغتنا وديننا وعاداتنا؟ هل صارت اوربا قبرًا لمورثنا وثقافتنا؟
من ينسى تلك الرجالات ( من فقهاء وعلماء وفلاسفة ومثقفين) الذين أرسوا وحافظوا على هذه الثقافة وسقوها بالدم والعرق والحبر كي تنمو وتكبر في مجتمنا عبر مئات السنين.

الاستقلالية الشخصية: وهي فكرة جدّ محورية، استقلال الشخص عن أسرته في المجتمع الغربي ذات الحرية الواسعة ضمن دولة القانون، فكرة أصبحت من عصب و ثقافة المجتمع الأوربي المنفتح على الحرية والديمقراطية.
أما نفس الفكرة في مجتمع الجالية العربية في أوربا بشكل عام لا أتصور أن تكون ذات أجنحة خفاقة، تستطيع أن تعبر بسهولة إلى أحلام وطموح الشباب العربي، دون كسر قيود العقلية العربية المتمرسة بالسطوة الدينية والإجتماعية والسياسية ،
هذه السطوة كانت متلألئة كالضوء في ورشة العمل التي دعى إليها البيت العربي النمساوي في مدينة فيينا
حيث ضمت الورشة جيلين من المجتمع العربي؛
جيل الآباء وجيل الأبناء،
وتم طرح نفس السؤال لكلا الجيلين المتحور حول الاستقلالية، وكيف تعامل الآباء مع أبنائهم بفكرة الاستقلالية الشخصية.
لقد توصل الحضور إلى مفهوم أنه نحن العرب( ومن خلال ما أدلى به الجيلان) أكثر انفتاحًا وحرية من الغرب أنفسهم، بحيث كان هناك توافق حد التماهي بين آراء الآباء والأبناء، وهذا ما يؤكد السطوة الأبوية المهندسة في عقل أولادنا والمندسة بشكل فطري. طبعًا في مجتمعنا الشرقي هذه السطوة والتي هي على شكل وصاية، ليست عيبًا بل هي فخر لنا، حيث نعتبرها دلالًا وحماية، وخاصة للبنات، انطلاقًا من مقولة (هم البنات للممات).
وحسب رأي لكي تكون الورشة أكثر فاعلية كان يجب أن يسأل كل شخص من الجيلين بمعزل عن الآخر لكي نقاطع الإجابات و نرى الهوى أو التوافق بين الجيلين عندها نضع النقاط على الحروف جيدًا.
كما كنت أقترح أن يكون هناك أيضًا بعض من أفراد المجتمع النمساوي الذي هو غايتنا في الاندماج معه. مثملا أيضا في جيلين متباينين ، كي نستفيد من رأيهم في تقبلهم للجالية العربية وتقبل طريقة الاندماج، كي نصل لحلول متوافقة أكثر وتغني التجربة أكثر.

وفيما أرى أن المحاضرالأستاذ عباده الجبان والذي أدار الورشة بشكل اساسي، وبغير قصد أولى اهتمامًا واسعًا بالسؤال الثاني والذي هو : ما أهم الإنجازات العملية التي قمت بها؟ طبعًا هذا السؤال كان يعني قبل سن الاستقلالية الشخصية أو بعدها، أي قبل سن 18. وخاصة أنه كانت إحدى الفتيات الضيوف تحت سن 18.
وقد كان أحد الضيوف وهو الأستاذ فراس سعد الدين مع والدته السيدة مها سعد الدين (مقدمة الأمسية ورئيسة لجنة سيدات البيت العربي النمساوي) الذي أغنى ورشة العمل بتجربته الغنية والغنية جدًا، وكان مثالًا للشباب الرائع والذي استقل عن أهله في سن 18 من العمر، حيث استطاع أن يشق طريقة في زحمة الخيارات الهائلة والطموح الذي لا ينضب ويحقق طموحه الذي لا ينتهي.
أما الشابة شام منذر ابنة 18 ربيعًا، والدها المهندس أكرم منذر، وكان أهم إنجاز لها هو دراستها في مدرسة تدرس باللغة الإنكليزية في الإمارات أي قبل اللجوء إلى اوربا، وكذلك الشابة اليافعة مريم طاحون ابنة 15 ربيعًا و المولودة في النمسا، والدها الأستاذ إسلام طاحون حيث تفوقت في مدرستها على النمساويين وغنت على مسرح الأوبرا في فيينا بصوتها الأوبرالي الصادح، و كذلك السيدة هناء فوزي البني، التي كان لها دور في تشيع حفيدتها لونا الموصلي ابنة 25 عامًا في الكتابة الأدبية، وقد نشرت عدة كتب باللغات الألمانية والإسبانية، ولكن للأسف لم تسطع الحضور فحضرت والدتها بدلًا عنها.
وأرى أن الحدود التي وصل إليها ضيوف الورشة، لا تتعدى أبدًا مستوى ثقافتنا وطموحنا في سوريا ومصر وخاصةً فيما يخص الهويات والتعليم لدى الفتيات، أي ما حقق من طموح في بلاد الغربة، كان متاحًا في بلادنا العربية من الناحية الإجتماعية والعلمية، حتى للفتيات ، على الرغم أن الضيوف وحسب رأي إحدى الحضور كانوا من النخبة.
لذا ليست مشكلتنا هي ممارسة هوايتنا وإنما هناك هامش أوسع في أوربا من الحريات والتي هي خط أحمر بالنسبة لنا كجالية عربية،
الأستاذ عباده الجبان لم يقترب من الخطوط الحمراء أبدًا، والتي صارت أمرًا واقعًا في بلاد الغرب، لذا اكتفى بالحديث عن الاستقلالية بشكل كبير مع الأستاذ فراس ولم يطرق نفس السؤال من بابه الواسع مع الفتيات والذين هنّ عصب الموروث الثقافي العربي، وأنا لا ألوم الجبان ابدًا فيما آل اليه، وإنما أطرح وجهة نظري الجريئة قليلا كي نستطيع أن نجد الحلول المناسبة، كونه هناك معضلات هي أمر واقع، يجب التعامل معها بعقلانية. لأنها فرضت علينا ولا محال الهرب منها.
صراع الأضداد هو السبيل لتطور المجتمعات، حسب الفكر الفلسفي في المادية الجدلية، لذا نرى أن جيل الشباب خاصة، يدق باب الحرية، وخاصة الحرية الإجتماعية ويدفع ثمنها غاليا في بلاد الشرق، متمردًا على عقولنا المتكلسة.
فما بالك؛ حين
الحرية ذاتها و بكل عظمتها تدق باب الشباب والشابات على نحو سواء ، في مجتمع اللجوء في أوربا. فالمحرمات التي كانت تمارس في الظلمة، وتسفك الدماء لأجلها، صارت مباحة وتمارس في أجيج الضوء في بلاد الغرب وتحت حماية القانون.
هل نستطيع أن نقول أن الحرية هي المتهم الأكبر في تشتت الأسرة العربيةوخاصة اللاجئين في بلاد الغرب؟
وأخص منهم النساء ، نعم المرأة التي هي أكثر عفوية في شغفها للحرية.
كل هذا ؛ لكن
وللحق اقول :
كانت أمسيةً رائعةَ الحضور والضيوف، وغنية بالمعلومات الثقافية التربوية العلمية.
فكان المحاضر عباده الجبان وشاهيناز بغدادي الرائعان و المثقفان جدا ، قد أغنيا هذة الورشة بشكل مفيد وبطريقة شيقة، لأنهم إتبعوا إسلوبًا عمليا و علميا في إيصال المعلومات والأفكار العلمية القيمة إلى الحضور. حيث دعوا إلى إتقان اللغة الألمانية والتي هي مفتاح لكثير من الأبواب العملية والشخصية والثقافية، و إلى الإنفتاح على الغرب دون فقدان هويتنا الوطنية، تطوير وسائل التربية بما يتناسب مع المجتمع الغربي الجديد، انطلاقا من مقولة : إذا إعتدت أن تعالج نفس المشكلة بنفس الطريقة، لن تصل إلى حل إلا اذا أدخلت مهاراتٍ جديدةً ، وذلك من خلال متابعة الندوات الثقافية، والقراءة الهادفة والعلمية، كي نكتسب مرونة جديدة تنشلنا من الغوص في وحل العزلة.
يبقى السؤال
هل هناك حل وسط يستطيع أن يستوعبه الجيلان ؟
وخاصة المرأة التي هي أكثر شبقا للحرية.
كي لا نقع في فخ الشتات مرتين
شتات الوطن وشتات الأسرة.
سؤال جريء
لأجوبة خجولة..

Sliman Kabol
Wien 27.10.2020

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *