صبا صباح: شيطان بغداد (خيال الكاتب أم محاكاة للواقع)

(امضي في طريقك كعادتك المملة, لا تجعل فضولك يسيطر عليك ويفقدك بعض عقلك. فاتركه لا تتصفحه ولا تقرأه فاني لا امن عليك من قصتي رغم اني احب ان ادخل عقلك واتمتع في ان اراك مرعوبا تتلفت ليل نهار وانت تقرأها فلست مسؤولا عما سيحدث لك, قصتي هنا هي واقع حدث لصاحبها حين حذرته فكان مالم يتوقعه فلا تكن فضوليا ايضا)
هكذا استهل وسام روايته (شيطان بغداد) لكن من هو الكاتب؟
وسام محمد جاسم الجبوري شاعر وكاتب من مواليد 1994 بغداد/ العراق, بكالوريوس علوم جيولوجيا. بدأ شغفه بالشعر والادب عندما كان في المرحلة الثانية في الجامعة فقرأ للكثير من شعراء المعلقات وتأثر كثيرًا بهم كعنترة بن شداد, عمرو بن كلثوم وغيرهم كما قرأ لشعراء العصر الحديث كنزار قباني, عبدالرزاق عبدالواحد, عبدالواسع السقاف, ايليا ابو ماضي وكريم العراقي.
تأثر وسام ايضًا بروايات وقصص العرب والموروثات كالبداية والنهاية لابن كثير قصص الف ليلة وليلة واساطير العرب في الجاهلية فكان نتاج هذه المثابرة صقل موهبته في كتابة الرواية والشعر العمودي حتى اجادهما ومما كتب في الغزل هذه الابيات الرائعة:
إنني ليحزنني بيت القصيد لأنه
ختم القوافي بغير اسمك معلنـــــا
يا ليته في الحرف الأخير تمهلا
هل أدرك أنه أضاع عمري ها هنا
هل يدرك انني في حبها متولعا
كأنني شيخٌ يتابع مؤذنا يتأذنـــــــــا
كم تبكي القصائد فوق حزني عاليا
حتى أنها تصرخ أن حرفي اوهنا

بالرجوع الى القصة فمن المهم ومن خلال الاعتماد على دراسة الاسلوبية وتأثيرها في الرواية وكيف استخدم الكاتب التكرار والتماثل وغيرها من الاساليب البلاغية التي تعزز من القيمة الادبية للكتاب . لذا ارتأت هذه الدراسة أن تبين أهم ادوات الكاتب التي كان لها الدور المتميز في ابراز براعة الكاتب واسلوبه الذي تميز به.

إن من أهم أدوات الاسلوبية التي وظفت في هذه القصة ومميزاتها هي:
• التكرار: تكرار الاسماء والعبارات أما الجمل فكان تكرارها نادرًا. من الاسماء التي تكررت كثيرًا هي (بغداد) وتكرارها جاء لنهاية الكتاب. ايضًا اسم بطل القصة وعددًا من الشخصيات لبيان اهمية دور كل شخصية وتأثيرها على سير الاحداث ك(سيزار, ايك, عبدالرحمن, الرجل العجوز).
اما العبارات التي تكررت كثيرا فهي (بيني وبين نفسي, بينك وبين ربك, بينك وبين نفسك, بينه وبين نفسه) وهنا تظهر براعة الكاتب فهو أراد بيان النفس وحديثها مع ذاتها فلربما يكون البوح بها غير ممكن.
لكن الكلمة الاكثر تكرارًا والتي استخدمها الكاتب ليبين حقيقة الوضع الاجتماعي وصفة المجتمع هي كلمة (القتل) على اختلاف مواطن ورودها فهي من اشد الكلمات وقعًا لدى المتلقي وقد نجح الكاتب في استغلالها افضل استغلال. مثال على ذلك: ( واصر على قتله, وقتلوا المخمور, قتلت نفسًا زكية)

• المونولوج: لم يتوانى الكاتب من استخدام هذا الاسلوب فكأنما الذي يحادث نفسه هو المتلقي وليس البطل. الرائع ان الكاتب استغل السينوغرافيا مع المونولوج ففي الصفحة (23) يظن القارئ لوهلة انه امام شاشة سينما كبيرة ويتخيل البطل وهو جالس عند الجسر وحالة البكاء والحديث مع النفس بطريقة جميلة وتظهر المشاهد بعدها تباعًا.

• الصور البلاغية: رغم ان القصة لم يُستخدَم في كتابتها الكثير من الصور البلاغية لكن الكاتب برع في استخدامها بين الحين والاخر فالكاتب الذكي هو من يوظف ادوات الاسلوبية في المكان والزمان الممكنين مثال على ذلك (ما هذا العالم الا قشرة بيض وانت الفرخ الصغير لن تعيش ان لم تحطم ما يحيط بك وتبني عالمًا اخر فان لم تكسر قشرتك لن تعيش) مثال اخر على الصورة البلاغية حين يقول (قتلت نفسًا زكية أطهر من محرابك) ردًا من البطل على القاتل. صورة بلاغية اخرى (الناس في زماننا قلوبهم مساجد لكن تصلي الشياطين فيها)

• السرد الدرامي: الكتاب ليس فيه طابع السرد الطويل لعدم الحاجة اليه لكن هناك السرد الدرامي فالكاتب يصور لك المشاهد عند بدء اي مشهد بطريقة مسرحية فذة, حيث يذكر الزمان بوصف دقيق للتاريخ ووقت وقوع الحادثة ايضًا تفاصيل المكان فيشعر المتلقي انه جالس امام خشبة المسرح وكل شيء شاخص أمامه وخير مثال على السرد الدرامي هذا المشهد:

(الكاظمية/ثانوية العزة/التاسعة صباحًا
كانت المدرسة كبيرة الحجم اشبه بقلعة وليس لها اسوار وتحيطها أخدود ماء ولها جسر صغير للعبور وتحتوي على قاعات كبيرة ذات مدرجات تستخدم لتكريم الطلبة وساحات داخلية لألعاب الرياضة كما تحوي مطعمًا صغيرًا يحوي اشجار الظل وسقفه من زجاج مرسوم فيه غيوم بيضاء وسماء زرقاء لتبث الهدوء في نفوس الطلبة.)

وصف الشخصيات لم يغفل عنه الكاتب ففي مشاهد عديدة وللتعريف بشخصية جديدة يتبع السرد الدرامي اسلوبًا ويوظفه لصالح النص (فتاة في مستوى طول سيزار, ذات شعر رمادي غامق متمايل مع الفاتح طويل, وتحمل في جيدها قلادة صليب فضية جميلة جدًا وعينان مدهامتان تظللهما سواد رماح الرموش. ترتدي فستانًا ابيض مائل للبيجي, فيه بعض زخارف زيتونية اللون)

• التماثل (التطابق): اسلوب اخر يثبت عبقرية الكاتب هو استخدامه لتماثل الصوت في نهاية الكلمات مما يعطي ايحاءً بوجود موسيقى بين الجمل في نهاياتها حيث يمكن ملاحظته في هذه الكلمات ( مالكما, ألستما, وعودكما, احييهما) ايضًا في (تركتماني, وعدتماني) وغيرها الكثير. علاوة على ذلك فهناك تطابق للأصوات في نهاية العبارات (تأكلوا اخوانكم, تزيدوا في طغيانكم)

الخاتمة

(شيطان بغداد) الخيال والواقع عن دار جسد للطباعة والنشر للكاتب (وسام محمد)تعتبر من القصص القصيرة و تتميز بالأسلوب السلس مع عنصر التشويق, يعتبر من قصص الرعب ويغلب عليه طابع الفانتازيا ليرسم صورة لواقع مجتمع يعيش فيه الكاتب, كما ان الحوار هو الغالب مع تصوير رائع للمشاهد جاعلًا المتلقي ينجذب لكل كلمة في القصة ويعيش مع ابطالها التفاصيل بحذافيرها. هناك ايضًا الوصف والتعريف بمدن العراق وبأحياء بغداد بأسلوب شيق من قبله.
كنتيجة لهذا البحث فقد تبين الاتي: وحدة الموضوع, فالهدف الاهم من استخدام الكاتب لكل ادواته البلاغية هو ان تتكون وحدة بين النصوص. كما ان التكرار والسرد الدرامي كانا من اهم الاساليب الادبية, ايضًا المونولوج و الصور البلاغية التي عكست براعة الكاتب. ولا ينسى ان الكتاب من القصص التي تكون نهايتها متروكة لخيال القارئ.
الملفت للانتباه ان الكاتب قد كتب نصًا في الكتاب يعتبر تصورًا للأحداث التي تجري في واقعنا العراقي حاليًا رغم ان القصة قد كتبت قبلها بزمن لهذا يعتبر كجورج اورويل الانكليزي الذي كتب عن احداث حدثت فعلًا بعد روايته بسنين عديدة. النص كالاتي :
(بسبب الشغب الذي اصبح في عامي 2019-2020 اي قبل سبعة اعوام في بغداد بسبب السلطة بين دولتين بعيدتين فكانت بغداد مثل ذلك الرجل الذي دافع عن قبيلته من عدوه).
اذن فالزمن الافتراضي في القصة هو العام 2027 لذا نراه يذكر العام 2020 لكن المفارقة ان الكتاب قد كتب قبل هذا التاريخ بسنتين.

*صبا الصباح/العراق

شاهد أيضاً

عدنان حسين أحمد: جوّاب المدن يسلك “طريق الآلهة… من منائر بابل إلى معابد هيروشيما”

صدر عن دار “سماوات للنشر والترجمة” في مَسقط كتاب “طريق الآلهة. . . من منائر …

“شهيق جماعي” مجموعة شعرية جديدة للشاعر عبد الحميد الصائح

صدر عن دار الدراويش حديثا للشاعر والاعلامي العراقي عبد الحميد الصائح مجموعته الجديدة ( شهيق …

“مسدس صغير” مجموعة قصصية جديدة للمبدع “حنون مجيد”

عن دار امل الجديدة بدمشق صدر للروائي حنون مجيد كتاب (مسدس صغير) يقع في 147 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *