روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان هذه الرواية واحدة من رواياته العظيمة وهي سمفونية ليل الصيف وقد ظهر على غلافها ما يفيد بأنها أوركسترا ملحمية حيث “تظهر الأصوات والموضوعات وتختفي ناسجة ً نسيجاً مزداناً بالرسوم والصور كما في السجف ” (ص 11 ) .أما عن الروائي نفسه فيقول انه نشأ في بيئة ريفية فقد كان “ابن مزارع صغير وعامل زراعي ، أمضى سنيه المبكرة تحت سقف متواضع للغاية ” في كوخ ريفي وكان طبيعياً أن ينعكس ذلك على نتاجه الابداعي الذي توزع بين الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية واصدر تسعة عشر كتاباً كانت بينها روايته ” اناس في ليل الصيف ” التي كانت قد صدرت عام 1934 ، وكان قد نال جائزة نوبل للاداب عام 1938 .
كانت هذه الرواية التي ترجمها كاظم سعد الدين قد صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامةعام 1998 وجاءت في 191 صفحة توزعت على ثمانية وأربعين فصلاً قصيراً، ولعل في مقدمة ما يلاحظ فيها انها تتوفر على ثلاثين شخصية وردت أسماؤها في قائمة تتقدمها وهذا التعدد في الشخصيات ربما يملي على قارىء الرواية أن يرجع ألى هذه القائمة بين حين وآخر وهو يواصل القراءة. وربما بسبب هذا التعدد لا يلاحظ وجود شخصية مركزية تتمحور حولها الأحداث على نحو واضح ، غير أن شخصية ” أرفد ” تحظى ببعض الاهتمام ، وأرفد هذ فنان موسيقي ( عازف كمان ) كان على علاقة صداقة مع ” هيلكا” وهي ابنة أخت صاحب الضيعة التي يدور فيها جزء من الأحداث وصاحب الضيعة هذا لا يحمل اسماً .وحيث كان أرفد في الضيعة وصل صديقه هانو وارتبط بسلمى ابنة صاحب الضيعة .
لم يكن زمن أحداث الرواية طويلاً :ربما ليوم واحد ولبلتين من ليالي الصيف استمدت الرواية عنوانها منها ومن تاسها ،ووقعت خلالها بضعة أحدات بالإضافة الى ارتباط أرفد بهيلكا في علاقة حب تماثلها حالة ارتباط هانو بسلمى لكنه بدا في الحالتين كأنه أرتباط آني ومؤقت ، لقد وقع حادث فتل وحدث ولادة في ليلة واحدة في ايماءة ألى تواصل أو ديمومة الحياة . فقد قتل سالونين صاحبه يوكا ميتالا عندما كانا يتمازحان : ” كان ميتالا يختلف في مظهره عن سالونين إذ كان فظاً ، كبير العظام ، أقرب إلى البساطة ، ميالاً إلى التباهي “( ص 71 ) وكان سالونين وهو دون العشرين من العمرمهووساً يالتهديف وهذه هي تسليته الوحيدة على ما يبدو إذ يمسك مديته من رأسها المدبب ويقذفها نحو جدار المقصورة وكان شديد الفخر اذا ما أصاب النقطة التي قال انه يهدف إليها . كان ميتالا يواصل استفزازه لسالونين وهو يواصل تصرفاته الصبيانية : ” وثب سالونين إلى الماء وخاض حتى الشاطىء وهجم مياشرةً على خصمه الذي كان واقفاً يلوح بالوتد . ولما كان ميتالا ثملاً وأخرق ، غير بارع ، فإنه لم يفعل شيئاً قيل أن يغوص نصل السكين الطويل التي كان سالونين يرميها كثيراً إلى جدار المقصورة ، حتى بلغ المقبض غائراً في جانب صدره الأيسر كاسراً أحد أضلاعه ممزقاً عضلة القلب ” (ص 84 ) .وحيث انتهى الطبيب ، الذي كان قد تم استدعاؤه ، من التأكد من موت ميتالا ذهب إلى بيت هيليا سيريا ماكي التي كانت في حالة وضع ، وكان قد استدعي إلى هناك أيضاً ، فوجدها قد وضعت بنتاً دون الحاجة إليه ، بمعنى أن حادثي القتل والولادة ربما تزامنا في وقت واحد بما يعنبه ذلك من دلالة .
إن هذه الرواية القصيرة زمنياً حافلة بشخصيات ثانوية وأحداث هامشية لم تضف شيئاً إلى مسارها السردي : شخصيات مثل الوقاد مانو والفنان التشكيلي ومارتا زوجة سيد الضيعة بل وحتى سيد الضيعة نفسه. وعلى مستوى بناء الرواية الفني ولأن الروائي كان ابن مزارع صغير نشأ في الريف ، كان للريف وأجوائه ، مكاناً وطبيعة ، حضورٌ واضح في روايته ويتجلى ذلك بشكل خاص في مشاهد الوصف التي تتكرر في الرواية ومنها : ” بدا كأن جمال هذا الليل البهيج يرافق هؤلاء المسافرين ويصحبهم من منظر طبيعي إلى آخر ومن مشهد إلى مشهد غيره . وقد رأوه الآن إلى جانبهم حيث تنتشر احدى القرى وتختفي حيناً وراء منعطف في الطريق على مرج من الصنوبر ” ( ص 91 ) ، و” كانت أمامهما ضواحي المدينة المضببة على سلسلة تلالها المرتفعة بلطف، وكونت الشوارع الملنوية ومئات البيوت في حمرة الشفق كتلة ملتحمة اندمجت في سلسلة البحيرات الممتدة في الجانبين ” ( ص 94 ) .
ومن الواضح أن الروائي لا يعمد إلى توظيف سياق تقليدي في السرد له بداية ونهاية إنما يلجأ إلى استخدام الانتقالات السريعة في الزمان والمكان والأحداث حتى ليبدو كأنه يمارس عملية التقطيع فيما يشبه المونتاج فيشعر القارىء أنه ازاء سيناريو فيلم سينمائي أو عمل درامي تلفزيوني ، وان أرقام الفصول الثمانية والأربعين انما هي أرقام المشاهد في هذا السيناريو .

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *