ثامر الحاج أمين: سيرة وجع عراقي- محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني (10)
(ملف/22)

إشارة:
ببالغ الاعتزاز والتقدير، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر فصول كتاب الناقد والموثِّق البارع “ثامر الحاج أمين”: “سيرة وجع عراقي: محطات في التجربة الحياتية والابداعية للشاعر علي الشباني” الذي يتناول جوانب من المسيرة الإبداعية الباهرة والثرة للراحل الكبير “علي الشيباني” وكفاحه الحياتي المرير الذي رسم نهايته المؤلمة. يأتي نشر فصول هذا الكتاب ضمن ملف الموقع عن الراحل علي الشيباني الذي تدعو الأحبة الكتاب والقراء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق. تحية للناقد ثامر الحاج أمين.
أسرة موقع الناقد العراقي

“دفاتر عراقية “..
البعد الدلالي في نص علي الشباني

عبد الرضا جبارة ـ 2007
من المعروف ان هذا المستوى من قراءة المتن ينصب على تحليل الكلام الشعري من حيث علاقات المحاولات فيما بينها واذا كانت الأدلة تترابط فيما بينها داخل الكلام النثري حسب قواعد معجمية ونظمية وصرفية ترسبت في دواخلنا منذ ان بدأنا نتهجى اللغة العربية حتى اصبحنا نلمس في اغلب الحالات ماهو طبيعي.. وماهو غير طبيعي في هذه العلاقات فتكون لدينا مقياس لغوي ينبع من احساسنا بما يسير عليه كلامنا منطوقا.. ومكتوبا.. فأن الكلام الشعري يركن الى دائرته المستقلة في مجموعة ـ دفاتر عراقية ــ للشاعر المبدع علي الشباني فالدلالة هنا وفي معظم قصائد المجموعة (الورقة..914اوراق البشارة ـ اغنية البشارة) تلتحق بالنظم وهي في الوقت نفسه ليست شيئا آخر غير مجموع العلاقات المسموح بها للفظ المعطى. لذلك ومن خلال قراءتي لنصوص المجموعة فان المظهر الدلالي يتجلى في تكاثر الاستعارة وكاف التشبيه.. وبعض البنى الاستهلالية تشتد في مداخلاتها النصية على هذا التساوق يقول الشاعر من قصيدة (شهد):
هذا الشاعر.. يهبط في الساحة كالنسر.. قلب الشاعر يبكي كلمات.. كنبال تثقب صمت الدنيا
ويقول في قصيدة/ صرخة
(الصمت) كثلج في القر القاحل يصمت/كالصخر غدت روحك..ياوطني
ولكن الشاعر علي الشباني في كل هذه النصوص لم ينظر الى فعله الشعري كاستعارة واسعة رغم انه استفاد منها بكونها ناتجة عن العلاقات التواردية دون الترابطية المتحكمة في وجود المظاهر الدلالية الاخرى ومايهمني في هذه الاضاءة المتواضعة ان الشباني يحاول ويلح اراديا على تحطيم العلاقة الدلالية المألوفة بين الأدلة اللغوية المستعملة في هذه النصوص ليؤسس بلاغته الخاصة فهو يحطم بوعي منه قوانين اللغة العربية ليصل الى تركيب قانون من قوانين الايحاء، وعندما نتأمل في نصوص مجموعة (دفاتر عراقية) نكتشف انها لاتتضمن صورة واحدة سليلة العلاقة عبر الطبيعة بين مدلول… ومدلول وانما هي صور متداخلة فيما بينها.. تأتلف الواحدة منها مع الاخرى لتركب صورة طويلة فكل صورة هي بنية جزئية للصورة الكبيرة وهذه ميزة يتمتع بها (علي الشباني) في اعماله سواء في مجموعة (دفاتر عراقية) او في كتاب (الصحراء) او في مجموعة (النار في المحبة) يقول الشاعر الشباني ـ من دفاتره العراقية ـ ومن قصيدة “اوراق البشارة”:
تعال/ تعال وضمخ باب الحلم الموصد بالحناء/ تعال/ تعال وجمع من كل بلاد الخوف/ حطبا للفقراء/ تعال تأخرت/ فقد نصبوا في كل ميادين الحق لنا كربلاء
ان هذا الترابط الذي نعثر عليه مزرعا في مثاليات النص الشعري عنده مؤسس من وحدات لغوية عدة، فالشاعر مثلا في هذا الاستهلال ينجح في ربط (باب الحلم.. وبلاد الخوف.. وكربلاء) وبين ترابط فعلي مناقض وهو القادم/ الواعد (اصوتا يشرق من شرق الارض/ كشمس ثم يغيب بروح الانسان) فخلق بهذا الربط تفتيتا او تحطيما للقوانين الدلالية المألوفة التي يمكن ان يتبعها استعمال كل من الدليلين حيث ربط بين الجامد وفعل الحركة، وبهذا اخترق الشاعر ماهو مألوف وركب مستوى ثانية للغة والدلالة.. وفي نصوص اخرى.. ربط فعل الحركة من جديد بدليل ثالث لاعلاقة له بالمكان فولدت هذه الاضافة الثالثة بعدا دلاليا للترابط يقول الشاعر من قصيدة بعنوان (اوراق محترقة):
اعبر سفن النار/ شراعك يشرق من شرق البحر/ وكل الانهار خيوط تلتف عليك/ وتعطش من قبلك حتى الرمل/ يهاجر في ذاكرة الشطآن/ منحتك الارض عباءتها/ في الصحو.. وغيض الانواء.
ومن المظاهر الدلالية في المجموعة ايضا، الدلالة الفلكلورية التي وظفها الشاعر في قصيدة (اغنية) حيث شكلت بنية استهلالية، استثمر فعلها الشعري لتكون مداليل تستعارية واود ان اقول هنا ان هذا الجانب قد استفاد منه الشاعر الرائد بدر شاكر السياب في اهم قصائده (المومس العمياء). اما الشاعر علي الشباني فقد استهل قصيدته (اغنية) باستهلال شعبي للشاعر الراحل عبود الكرخي الذي يقول فيها (ذبيت روحي على الجرش……………) ثم تبدا القصيدة ـ هذا فصل في التكسير ـ لكم نبنيك جديدا وطن النخل/ هيا لم نعثر في السير على النجم
وبمقدور القاريء ان يكتشف الوشيجة الفنية والدلالة الاجتماعية بين دوال الارتباط حيث تتحول بفعل المتداول الى متتالية شعرية متكاملة تلامس بتصالحية وشغف الواقع لذلك فان هذا المقترب النقدي لن يكون الا اضاءة بسيطة لدفاتر علي الشباني العراقية، وامل ان يكون لي مقترب اخر مع كتاب الصحراء والنار في المحبة.

جمالية المكان في شعر
“علي الشباني”

هادي السيد كاظم ـ 2003
تميزت فترة السبعينات من القرن الماضي بصراع سياسي مرير ودموي انعكس، الى حد ما على شعراء تلك الفترة، كل يدافع عن مبادئه ومذهبه الذي آمن به، مما اثرى الساحة الثقافية بادباء وشعراء حملوا على عاتقهم كسر القوالب الجامدة في الشعر الشعبي العراقي، وشاعرنا “الشباني” واحد من اعمدة الشعرالشعبي السبعيني الذي تجاوز مع النخبة التي واكبته فترتهم الشعرية العراقية ليسبقوا معاصريهم ببناء شعري جديد لم تألفه الساحة الشعرية العراقية من قبل. ونحاول هنا جاهدين ان نتطرق الى جمالية المكان في قصائد الشاعر، باديء ذي بدء نقول ان أي شاعر عندما يكتب قصيدة يبني مقطعه بناءا يكاد يكون عاديا او ضعيفا من ناحية الصورة الشعرية يختمه بصورة مبهرة وذات ضوء ساطع تحاول سحب القاريء الى ساحتها ولكن في اشعار شاعرنا نجد بناءه عجيبا يتجاوز حد المعقولية في رسم صور متلاحقة ومترادفة بطريقة غير مسبوقة في القدرة على البناء الرصين المتلاحق ودليلنا ان قاريء للقصائد لا يستطيع الامساك بخيوط القصيدة بسهولة فنجد صعوبة بالغة في حفظ قصائد الشاعر “علي الشباني” فالادهاش والضوئية الباهرة والمشعة في كل بيت هو عبارة عن قصيدة او قصة كاملة بالغة الخطورة والرسم والوضوح، وللمكان في اشعار الشاعر علي الشباني وقع خاص وهاجس لايستشفه الشاعر نفسه لكونه يشكل لديه هاجسا ممزوجا بالخوف والحزن والخسارة والضياع الانساني وسط التنكيل الفاضح للاخرين، فاحزانه وعذاباته وصراعاته من اجل الحفاظ على الضمير الانساني المتألق بالحب العفوي والانسانية البسيطة. قدم لنا الشاعر رسوما للمكان قلما نجدها عند شاعر اخر ففي قصيدته (الحرف جتال) من ديوانه (ايام الشمس) يقول: اكتبني ضوه ابكل حايط اظلم
فهو الضوء للروح المشعة التي لا تعرف البيع الا للوطن الغالي، ارتضت ان تغني لكي تنير الحيطان (الارواح) المظلمة التي لاتهتدي لطريق الحرية والخلاص الانساني من ربقة الظلم.. والظالمين. اما في المقطع الثاني فيقول: فيضني نهر كل روح يغسلها
ان الروح النبيلة التواقة الى غسل كل ادران الخيانات الرخيصة لا تتحمل ان تبقى ترفا تحت اضلع قصيرة ضعيفة بل هي حاضرة دائما لان تفيض على كل الارواح التي ارهقها السبخ الانساني المر, وبانتظار(كودو) يكون صبر الشاعر المكاني المعزول والممزوج بالزمنية الواقفة المملة، فهو يقول في قصيدة بكثر الهوا والماي)..
مو ماتت مدينتنا قهر
بس يمته تفك باب النهر
نهر…نهر
نخلة حزينة هناك واكف بس الك
مر يا نهر
فكانت مدينتنه هي روحه الصافية المتطامنة مع الالفة الانسانية العالية فموت المدينة هو موت الروح وجفاها حيث انها ابيه لاتموت كالارض والاشجار بدون توسل وانكسار. اما النهر فهو الخصب والحياة والولادة والثورة التي طالما انتظرها الجموع الرازحة تحت عسف الطغيان والاستبداد.وحيث ان الخلاص بعد هذا الانتظار الطويل اليائس صار مستحيلا كان القبر هو الهاجس الذي به يستطيع الانسان ان يهرب بضميره الحي دون ان تلوثه (بساطيل) العسكرية الحقيقية..يقول في (صوت الناي)
وانه بلا طفل مثل الكبر روحي
ولك يبعيد
شفتك نابت بروحي/ لا صفصاف مشبك..لاعشب مسني/ ولامخلاص منك.. نابت بروحي
واخيرا يبقى الشعر شوقا انسانياً ومهمة نبيلة، يبقى فيها الشاعر صافي الوجدان بضمير حي.. يتغنى بوطنه الغالي..عراقنا الحبيب، حيث يقول في (هموم عراقية)
يا روحي الشعر واحله عراقيه/ بجت بيها النجوم/والعصافير انطفت جنحانها بجرف المطر/ واني والشعر العراقي. والمطر.

طقوس في الشعر والصداقة

ثامر الحاج امين – 2012

كما هي “الأزهار تورق داخل الصاعقة” كذلك هي الصداقات الحقة، تنمو وتزدهر في أشد الظروف حرجاً وقسوة، وذلك حينما تجمعها المباديء الصادقة المؤمنة بالانسان وحريته، وهذا ما أكدته علاقة الشاعر الراحل “علي الشباني” بالشاعر الكبير “مظفر النواب”، تلك العلاقة الطيبة والمميزة التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، حيث جمعت بينهما في منتصف ستينيات القرن الماضي جدران سجن الحلة المركزي، وكان “الشباني” حينها حديث التجربة السياسية والشعرية مما ساعد وجوده في السجن فرصة لتطوير تجربته السياسية والثقافية، ظل الشباني يستذكر بشرف تلك الايام االتي كان فيها رهين السجن المذكور حيث حكم عليه بالاعدام ولكن لصغر سنه ولكونه طالب انذاك فقد خفض الحكم الى المؤبد، التقى فيها لأول مرة بالنواب عند وصول الاخير منقولاً من سجن نقرة السلمان فأقام له السجناء ولرفاقه أمسية رائعة في ساحة السجن وقد قرأ النواب في حينه قصيدته الرائعة ” ابن ديرتنه حمد “. استمرت علاقتهما متوهجة بالثقة والمحبة ويستذكر ” الشباني ” ثقة النواب به حينما اطلعه يوماعلى سر النفق الشهير الذي هرب منه النواب ورفاقه السجناء والتحاقهم بخنادق الثورة الملتهبة في المدن والارياف والاهوار الجنوبية. ولم تنقطع تلك العلاقة حتى بعد خروج مظفر من السجن اثر العفو عنه، التقاه الشباني في داره الواقعة على نهر دجلة بعد ان اعيد للتدريس في تلك الايام، يذكر الشباني (كنت فرحاً ومهووساً بكتابتي “خسارة” قصيدتي المعروفة، قرأتها في جلسة ضمتنا مع مظفر انا وعبدالرحمن طهمازي ويوسف الصائغ حيث أثارت القصيدة اعجاب طهمازي وحماسة الصائغ، واعتبرت مسارا جديدا ومختلفا عن الانشاءات الشعرية المتواجدة). وبعد خروج النواب من العراق استمرت علاقة الاثنين عبر مراسلات مشحونة بالعاطفة والاماني الطيبة بالخلاص من الطغيان واللقاء مجددا ً، عواطف كانت تعبر عن قلق الوطنيين الشرفاء على وطنهم الذي اهلكته الحروب وخيمت عليه ظلال الموت والخوف، كانت هذه الرسائل تعبر الحدود من خلال العراقيون القلة الذين كانت تسنح لهم فرصة الدخول والخروج حيث تجد فيها اسمى معاني الوفاء والصدق نقرأ في رسالة النواب الى الشباني والمؤرخة في 14/9/1999 (زاوية لك في القلب مازلت اوقد فيها الشموع.. لايمكنني اتصورك قد كبرت.. كبر قلبك نعم.. كبرت نظرة عينيك.. كبر حبك.. علي مشتاق لك ودمعة في قلبي) بهذه اللغة الجميلة والعواطف المهذبة كان يكتب النواب لصديقه ورسالة اخرى من النواب مؤرخة في 11/11/2000 (كم اريد ان اراك بعد كل هذه السنين، لقد طعنت في عشق الناس ولاتزال محبتك في نفس مكانتها بالقلب، نتحدث انا ورياض ونتحدث عن العزيز كاظم غيلان لست ادري كيف اكتب له، لك محبتي واحس اننا سنلتقي). وكانت اعز امنيات الشباني ان يتحقق هذا اللقاء وتتكحل عيونه برؤية النواب مجددا لما يعتمر في قلبه من حب وتقدير لصديقه ورمزه الكبير ولهذا وبعد سقوط النظام كان اول ما قام به الشباني هو السفر الى سوريا مع عدد من الاصدقاء للقاء النواب بعد الفراق الطويل. وحينما عاد من تلك الزيارة وجدته مهموما جدا وقلقا مما وجده في صحة النواب من تراجع وذبول وظل قلقا في متابعة اخباره رغم ان صوت النواب ظل يصله عبر الهاتف بين الحين والآخر. وقبل اشهر قليلة من رحيل الشباني وفي احدى الاماسي التي اعتدت فيها اللقاء به يوميا جاءه اتصال من شاعرة عراقية مغتربة وكانت قريبة من النواب تخبره فيه انها تروم ارسال حوالة بمبلغ من المال وتطلب منه اقرب صيرفه له وكان هذا الموقف بالتأكيد بايعاز من النواب، عاش الشباني في تلك الدقائق سعادة غامرة كان مبعثها هو اصالة النواب ووفائه لصديقه الذي ظل متابعا لاحواله الصحية والحياتية وتلك هي اخلاق الكبار، ويسدل الستار على هذه العلاقة الرائعة برسالة التعزية المؤثرة التي بعثها النواب لأسرة صديقه الراحل “علي الشباني” وكانت مثالا حقا لأخلاق النواب ووفائه لصديق ورمز من رموز القصيدة الشعبية عاشا وتشاركا معا اياما صعبة وقاسية لم تفك من عرى صداقتهما المسافات والازمان.

تألق البساطة في ملفوظات الشباني

حسن السرحان ــ 2009
تميزت قصائد الشاعر العراقي علي الشباني بنقاء اللفظة واشراق الكلمة وعمق المضمون هذا مانراه متجسدا في قصائد مجموعته الشعرية ” للنار طعم الارض” والصادرة من دمشق المتضمنة سبعة عشر نصا شعريا نديا في دلالاته وابعاده مبتلا بماء الفرات حيث تكررت مفردة الماء والفرات في هذه النصوص الشعرية اكثر من خمسين مرة والماء رحيق الحياة وينبوع التواصل والنماء توزعت مباهج هذه النصوص الندية على شتى الموضوعات الاجتماعية والانسانية مما جعلها عزفا صادحا في خمائل جنائن الشعر ورؤى قزحية ذات بوح شعري جميل بثه شاعرنا راسما من خلال تجربته الحياتية بفضاء ذات لغة شفافة مموسقة تنبعث من قلب شاعر عرف بعشقه لوطنه ولنسمه الى نوايا مفرداته.. صليبية السؤال/ أي القداسات اتتك في المغيب/ وباركت في ليلك الكتابة/ وانت تكتب في الليل العراقي/ تودع السنين/ حضورك المهابة/ أي اتت/ فلنت الشعر وهام فيك هكذا.. كانه السحابة (قيامة السؤال).. النار في اصابعي… عشر من المآذن الذهب/ الصمت في الماء في كل المسامات لهب/ الطين يندل مسافات السخية.. في دمي/ لو ينحني الفرات/ كنت في كل الشجر محض اشتهاء يمنح الطيور هاجس السفر ( النار في المحبة) ان جذوى الشعر تتقد بالمعنى الاكيد وتزدان ببساطة تمتزج روحا مع العقل والعاطفة حينها يغدوا الشعر رسولا للمحبة وهو ينثال عبر دروب الزمن موضوعات وروى وثيمات تعبر الجوهر الانساني: كنت تستقر في الحلم/ بكل مافي الصمت من مهابة/ قد كنت تحشد شعرك المشبوب بالشمس/ بكل مافي الضوء من افق/ بكل ما تشتاقه الامان من ضياء/ حين تشرق الكتابة فيك من الليل الغبش/ فيك من الماء مسافات العطش (الوقوف). قصائد تؤكد عبر مديات اللغة ومفرداتها المشرقة التي لاتحتاج لقواميس لحل رموزها وفك طلاسمها لذا تألقت ببساطة متناهية تألق النجمة في العتمة راسخة في المفردة البسيطة ذات الايماءات العميقة والمعمار البعيد عن الزخرفة اللفظية، قصائد ضمنها بعض المفردات الشعبية لتعميق الشجن الانساني معززا من خلالها تمسكه بالموروث الشعبي مطلق زفرات الوجع في زمن اوغل في رداءته.. ان قصائد للنار طعم الارض حاول من خلالها زراعة الامل في عتمات الالم مؤكدا ايمانه المطلق بقدرة الانسان على تذليل الصعوبات للوصول الى بر الامان وقصائد الشباني ببساطة مفرداتها لاتستسلم للقاريء بسهولة حين يحاول اكتشاف مضامينها الا انها تستطيع ان تصل الى قلبه بسهولة متناهية ويبقى الشباني صوتا شعريا يشير بثقة الى ان الشعر العربي مازال بخير.

فاعلية اللغة الشعرية في ديوان “للنار طعم الارض”
د. سلام كاظم الأوسي ـ 2000
العالم المادي اليومي ـ والعالم الذهني الممتد دون حدود يمتزجان في لحظة مصالحة مدهشة مع عالم الشعر، حينئذ تصير القصيدة بالنسبة للشاعر قراءة لرؤية جمالية هذا العالم المشحون بالتوترات والتناقضات، عالم الذات والموضوع معا فالقصيدة هي ذاتها قراءة داخلية لهذا العالم المسكون بالانكسارات والتطلعات، والشاعر لا الناقد ذاك الذي يبتدع النص النقي، الخالص، الذي لاتشوب متعة الاستغراق فيه شائبة. هكذا يطالعنا الشعر بوصفه (فن اكتشاف الجانب الجمالي والوجداني من الحياة والتعبير عنه بالكلمات المموسقة) كما يقول الشاعر صلاح عبد الصبور. ويمثل هذه اللغة الفاعلة نتابع شعرية الشاعر (علي الشباني) من خلال ديوانه (للنار طعم الارض)، ومن يبحث في الدلالة الوجودية للنار يجد انها سفر ايحائي يتضمن شفرات رمزية، فالنار صورة للشعلة اللاهبة التي نقلها (برومثيوس) من الالهة في الاسطورة اليونانية ليسلمها لبني البشر من اجل ان يصير الانسان سيد مخلوقات الكون، فاصبحت دلالة النار في ديوان علي الشباني متذوقة بالذهن الانساني، ولها طعم الارض التي اتقدت لتؤجج الضمير والحواس الانسانية معا، هكذا يدخلنا الشاعر علي الشباني الى طقس اللغة الشعرية، اذ يقول الشاعر في قصيدته (رائحة الفرات):
من جسدي/ يصعد لون الارض.. تمطر السحابة/ وانني في كل هذا الشوق/ صرت الارض والسحابة/ وبيننا رائحة الفرات.
اننا لانشهد هنا انفصاما ولاتناشزا بين لغة الشاعر ولغة العصر، فالشاعر يعبر عن موقف من الوجود الانساني المشرئب الى التوحد. فكل شيء في الارض هو كل شيء في الذات وحتى السحب الماطرة التي تشكل مياه الفرات، هي فيض دمه، لقد توحد الجزء بالكل، توحد الانسان العراقي بتربته حتى اصبح كل منهما يمثل الاخر جسدا بجسد وروحا بروح. وتجسد قصيدة (طعم الارض) هذه التنغيمية الروحية الطافحة من الاعماق اذ يقول: تراب/ طعم الرغبة في روحي/ ينبت ورد الوحشة في الليل/ يسافر كل تراب الارض../ على قدمي وامد الكف تراب.
في مخيلة الشاعر عمق ميثولوجي مرجعيته عذرية الاشياء، وامتزاجها، فالذات الانسانية تركيبة خلقت من طين ولذلك فهي تعشق الطين ويشع هذا العشق حتى يحسب الشاعر كأن مدارات الكون امست ترابا، لاسيما عندما يصير هذا التراب شفيعا لبراءة الشاعر. وحسه بالانتماء والارتباط الى هذا الكون الارضي المبدع، والى ارض الطهر والانبياء.. ارض العروبة التي طهرت بدماء الشهداء والقديسين وكأنها غيرت صورة الارض التي سفك فيها هابيل دم اخيه قابيل. لذلك عزفت موسيقى “الشباني” التصويرية على هذه الايقاعات الواثقة في اصالتها.
ثمة وجدانية ملحمية نلتقيها في شعرية علي الشباني، ونتلمسها في بعده عن الوجدانية الرومانسية المألوفة والمهددة بالاستلاب الروحي والمادي، فهي وجدانية كما قلت ملحمية نشعر فيها مجابهة وتصديا مع وجود قوة الروح النازفة:
اقم طقوسك في قلبي.. ولبتهج الليلة فيك الطين/ والليل هذا الموغل فيك خربا/ اتدلى../ كل مباهج ايامي السرية/ ثمر سم (قصيدة انبثاق) الى ان يقول: ثمة وجه يلمس قاع الروح/ وانفض سعف النخيل…/ عن الماء العالق في/ اغتسلت روحي شجرة/ ومحضت المحل يماما/ ياوجها لااعرفه فرط الحب/ تعال…/ واخدش قاع الروح اليابس…/ كي ينبثق الشوق بقلبي.. واموت.
ان صورة موت الشاعر واحدة من صور الموت الراقي، فالشاعر في اقصى طموحاته لايريد موتا باردا، مجانيا، انه يتنفس من رائحة الارض المعطاء، ولايريد الموت الا وهو يرتوي من فيض الفرات، ملتفا بسعف نخل الفرات، وان يتلبسه عشق الفراتين وارض الرافدين ثوب الشهداء.
علي الشباني شاعر متمرس عزف على موروثنا الشعبي مع الشعراء الشعبيين الرواد: عريان السيد خلف، كاظم اسماعيل الكاطع، وجودت التميمي وسواهم، ومن خلال قصائد ديوانه (للنار طعم الارض): قيامة السؤال، دخول الهوى، الرواء في السفر، وصول النار في المحبة، قمر الدغارة، وشم في الأوردة وسواها، استطاع ان يدلنا “الشباني” على خريطة روح الشاعر في مختلف مظاهرها الحسية والذهنية، الوطنية والوجدانية والكونية، وان اللغة الشعرية تمتلك خصوصيتها الفاعلة في اثراء هذه الدلالات مجتمعة.

ثامر الحاج أمين وعلي الشيباني

ما أوحت به (ايحاءات) الشباني

شاكر عبدالعظبم ـ 2004
في المدن الموشكة للسفر،/ الليلة… يأتيك الماء/ فخذ الدرب وهاجر،…/ غبشا في شفة خضراء
بين أيدينا قصيدة ومضت في ذهن شاعر فأحالها اجواء من الرحيل… والغربة والوداع اعتملت في فضاءات يغضها دربا باتجاه المجهول/ اللانهاية هي ليست مدننا ولن يأتي الماء، انه الجدب سيأتي/ رحلة فكرية لازمانية او مكانية لانها تصطدم بمفردة فعالة يستخدمها الشاعر هنا وهي تضفي طقسا اخر، فلو لم يستخدمها الشاعر هنا وهي تضفي طقسا اخر، فلو لم يستخدمها لفقدت القصيدة اهم حلقاتها/ الهجرة، التي ستشتغل عليها لاحقا فليس غريبا علينا من الشاعر ذاته ان نشعره متمكنا من لغته.. فهو صوت منفرد، وهذا الصوت ملأ اللغة وملأ قامة الشعر وهو البعيد عن استتباب الطريقة التعبيرية الشائعة.. فالشعر روح حية تنبض على الدوام يدخل الينا من كل الابواب ليمنحنا حضورا دائما وليمنح لنفسه حضورا جليلا، في المدن الموشكة السفر.. الليلة يبدأ الشاعر ومضته الثالثة من قصيدة (ايحاءات) المنشورة في مجموعته الرائدة (للنار طعم الارض) يبدأها بحرف الجر/ في/ وتحضرني قصيدة (قراءة في دفتر المطر) للشاعر النواب، والتي تبدأ بذات الحرف، ففي المقطع الاول ارى ذات الاجواء.. فالقارب هناك/ الرحيل يساوي السفر هنا وهو ليس تناصا فالقصيدتان تفترقان بسرعة لتأخذ كل منهما دربا آخر.. هو درب الهجرة/ ومضتا/ ودرب الهزيمة/ النواب/ هزيمة جيش وهزيمة نفس معا. فأي المدن الموشكة السفر الليلة.. ولماذا الليلة.. وهل من صباح بعدها، انه سؤال يدور.. ويطفوا على سطح افكاري.. ان القصيدة متلاحمة/ مترابطة حد ترابط السلاسل العظيمة/ اللغة.. الصورة الشعرية/ التفاصيل الدقيقة.. والمدن/ الاماكن والارواح/ النفوس/ الطرقات/ الافكار.. بكل ما تحويه ذات الشاعر على رحيل جميعا.. الليلة فما الماء الذي يأتي/ الماء الافق/ والماء التكوين/ والماء الضياع.. وغيرها كثير من المدلولات التي نستطيع استخراجها من خلال وجود المفردة السياقي/ الايحائي.. ولماذا الدرب.. انها ليست تساؤلات فكونها اساليب واوجه القراءة للقصيدة بقدر ما هي الدهشة التي يحققها الشاعر عبر صب اللغة صبا جديدا وتحويلها الى اشارات بث عضوي خلاب.. فالماء يأتي الليلة/ سياق القصيدة وبناؤها الشعري ودليل السفر.. وبعدها يأتي الدرب/ الجبل الذي يربط المكان/ الان/ بالمكان/ الاتي، ودليل السفر/ الماء دافع ومحفز ونقطة انطلاق الهجرة فان لم يأت الماء/ لاهجرة ولا درب/ أي لاحياة ومن حرف الجر الى فعل الامر/ فخذ/ وهو تحول لفظي من اسلوب السرد/ الى الفعل أي زمن الحكائي الثابت/ الى زمن فعلي متحرك واختراق المجهول ووالدخول فيه..
فخذ الدرب وهاجر.. غبشا
ولازلنا في الهجرة/ ففي الهجرة يكمن هول مرعب/ فضاء مميت. اعلان لصحو الذاكرة/ الماضي وهي حريق دائم لروح تتيبس/ تتجمد على افق الرحيل دون توازن.. وحتى هذا الرحيل لايكون الا.. غبشا/ القصيدة.
دون معرفة حيث انطلاق اليوم/ البداية/ مفتتح الطقس المرسوم على شفة خضراء وهي محاولة من الشاعر لتجميل المأساة وجعلها اقل وقعا في ذاته وذات المتلقي في ان واحد، فالرحيل لايكون بشفة خضراء رواية ابدا، بل بشفاه ترتعد حزنا في اروقة القصيدة ثمة زمنان.. الاول ثابت.. في المدن الموشكة السفر.. الليلة.. يأتيك الماء، وزمن متحرك – فخذ الدرب وهاجر ـ وامر لاجدال فيه. ان الزمن المتحرك يدخل الزمن الثابت في التاريخ/ الماضي انف الذكر، فالثابت ينتج عنه.. المتحرك، وهي احدى الثنائيات التي يشتغل عليها (دي سوسيور) مؤسس علم اللغة/ البنائية وهو مانجده في ومضة الشباني راهنا في المدن الموشكة السفر الليلة – دخلنا نطرق الابواب نبحث عن ماء معين السفر، لكننا لم نجد لكونها لا تعدوا اكثر من صورة بهية يرسمها الشاعر من اجل تخفيف الوطء عن النفس.. السفر هنا روحي/ لاجسدي/ فكري/ لامادي/. سفر الرؤى/ الافكار/ الاحلام/ الكلمات/ القصائد.. عبر الهواء والماء/ لا التراب/ الارض.. وكم من مسافر يربض في مكانه ابدا. وكثر ما سافرنا في المجموعة المتفردة للشاعر فخرجنا بثقل من الاسى.. والامل/ البهجة والدهشة/ التفاعل العميق وحب اللغة التي استثارتنا عبر قصائده التي تغور عميقا في اللامتناهي من الصور الشعرية.

علي الشباني شاعرية النص المكتنز

د. كاظم عباس القريشي ــ 2009
في لقاء مطول مع الشاعر علي الشباني في مدينة الديوانية طرح فيه اكثر من قضية وولج في اكثر من اشكالية واجهت ولا تزال تواجه القصيدة الشعبية عندنا خصوصا قصيدة الريادة بدءاً من النواب ومرورا بـ عريان السيد خلف ورياض النعماني وابو سرحان وجمعه الحلفي وكاظم غيلان وعزيز وشاكر السماوي وطارق ياسين وناظم السماوي والمجموعة المهمة بعدهم في فاضل السعيدي ورحيم الغالبي وفالح حسون الدراجي، ان مجموعة الريادة وماتلاها يشكلون اخطر المنجز الابداعي العراقي على الاطلاق مع مقاربة محترمة تتمظهر في نتاجات ابو الوليد وعماد المطاريحي وحمزه الحلفي بعد تعميق التجربة الشعرية عندهم.
ان الريادة السبعينية في اسهامها الثري هي صلب ثوابت القصيدة الشعبية محليا مع امتلاك مساحة واسعة من العالمية حين تتوفر امكانية النشر والترجمة الى اللغات الاخرى وهذا اعتقد ان كتابة هؤلاء اللاعبين الكبار جديرة بالعالمية لانها واضحة الاثر والتأثير في الحراك الثقافي على اللغة والشكل وعوالم القصيدة الاسرة وملخص القول في هذا الجانب ان الريادة السبعينية وماتلاها الى حد ما قدمت تجربتها بفرادة تحتاج معه الى وقفة شديدة الدقة مع امتلاك اداة البحث والتحليل واما على مستوى الابداع فاننا نحتاج زمنا طويلا وتحويلا اجتماعيا وثقافيا لكي نرى على الاقل في المستقبل المنظور ابداعا يوازي ابداعاتهم والامل هنا في الشعراء المعاصرين بعد امتلاك الدافعية والتأمل والهدوء والرصانة لكي نرى قصيدة مثل التي عند هؤلاء الرواد بمعنى كم من الحظ نملك لأن نرى قصيدتنا الوقورة تولد من جديد كما ولدت بعد معاناة وصبر واناة على يد هؤلاء الفرسان ومنهم علي الشباني الذي قدم ابداعه الاعجازي في قصيدة ذات تكامل وتراص مذهل وهو لايختلف ابداعه حين يشتغل على القصيدة ولكن القصيدة وجدت فيه واحدا من مفاتيحها الخطيرة مشرفا على عوالم تالية والقصيدة من هنا تحتمل في اشكاليتها جانبين الاول انه مع مجموعة الريادة يضيف للمنجز الابداعي العراقي حيوية التناص وذهول المفاجأة وموضوعية الطرح وهو ساهم في اخراج القصيدة عندنا من تحت ركام العطالة الفكرية والابداعية الذي عانت منه قبل جيل الريادة دون اغفال نتاج الحاج زاير والكرخي وعبدالكريم العلاف، لكن القصيدة منذ “للريل وحمد” دخلت مرحلة تكثيف الرؤيا النقدية التي تحتم الفرض في ان قصيدة الشباني مفتاح استراتيجي لمعرفة كامل التجربة الشعرية للقصيدة فعلى يديه ـ وباتقان ـ ولجت القصبدة عالمين احدهما معلن والاخر سري وتلك ميزة العمل الريادي حين يقدم مايعرف اليوم بقصيدة (الكتلة) وليس القصيدة (الجزائر) ومن يقرأ الشباني بتحقق نقدي يجد بناءه الشعري كلاً متماسكا لامجال لاقتطاع جزء من هذا البناء دون الحاق الضرر بعموم تلك (الكتلة) فهو بحق مهندس الوراثة القصيدة باستحقاق ولأجل اثبات ذلك نقول انه من الممكن اغفال/ حذف بيت او مقطع شعري او مقطع كامل من قصيدة للنواب او عريان السيد خلف كما حصل عند رياض احمد وياس خضر في قصائد مظفر النواب او عريان على يد ملحنين معروفين ولكن هذا الاقتطاع لا يجعل القصيدة هنا تغادر مساحة المنجز الابداعي ابدا. تمثل قصيدة “غركان” واحدة من قصائد الاكتناز النصي فهي تبدأ ابتداء ام غادرها العمر حين مات ابنها غرقا فكان النهر وسادة من غادروا مبكرين (حيل اشوفك تركض بدمي نهر) حيث النهر في مسارات الانسان سلة من المفاهيم…. انه بعد في الجغرافية ذو حدين وضفتين يعبره الاخرون وانه متحرك لاثبات له فيأخذ شكل التجديد كما هو الحال عند هيروقليطس (انك تسبح في النهر مرتين) والنهر ايضا حاجز في الحروب بثنائية الموت والحياة وهو في الوعي الجمعي غموض ووجع رأس… (داخن الجرفين والشط المشه يغني بمماتك) (انه سجة موت مشتعلة لمماتك).
النهر يحمل الحياة فحيث يوجد النهر هناك الحياة وبالتالي الحضارة والحزن الساكن على الضفاف شعرا ومعرفة (رامبوا مثال على ذلك) لكن النهر عند الشباني يمارس وظيفة في في حدها الادنى ثنائية الموت والحياة (هو سارق الارواح واية ارواح ياترى انها ارواح الاحبة الراسخين في الوعي والذاكرة والشعر) (من الكاتب).
انه يمارس لعبته المزدوجة الازلة يهب الحياة/ يقتلع الحياة ويسبب الوجع النازل حد النخاع وتلك مفارقة اشار اليها الشباني وهو يمارس حرفة الشعر (النهر يمشي بحياتي وبالمنام يفيض) والفعل (يفيض) يمتلك دلالات شتى فهو وعطاء مرة اخرى سلب ورمز لرحيل الحياة وتلك العطش العراقي من سومر طف وانتهاء بـ(الشباني) لاشكاليتها.
الشباني يعد واحدا من اهم الشعرية المعاصرة على عموم الشعرية بكل تلاوينها ومن هذا الافق له ان يسبح في النهر الاف المرات.
ان محصلة التحليل النهائي وان كان على عاجلة لشعر الشباني تحليل الى حملة مقاربات يختص بها دون غيره من شعراء الريادة واهم تلك المقاربات انه….
*اخذ من الريادة لكنه يشكل ريادة لوحده
*ان قصيدة خسارة هي اهم واخطر انجاز ابداعي عراقي منذ جيل الريادة وحتى الان بكل المستويات وهي بذلك ترقى الى مستوى العالمية
*ان قصيدة الشباني نص شعري بتواتر نادر الحصول لانه شاعر يفكر بعمل ولكنه في الممارسة يشتغل على نص لا يحتاج الى مونتاج نقدي.
*النص يمتلك عنده سمة خاصة به تتدرج تحت ثنائية تجمع مابين فن شعري وما بين تركيب نفسي (القصيدة خلاص روحي).
*القصيدة عنده (نص/ ابداع/ توجس) وبالتالي هي حصيلة رمز يمتاهى لان يكون بعد ذلك صناعة واقع يعيشه الشاعر من خلال جملة تراكيب في المحتوى الواحد…
الامثلة… (والحيرة كامت عطش…تصعد بروحي سما) (لو دره البلبل بواجيه غنه…. يبلع لسانه ويموت)
*ان التطو الفكري – غير اليدلوجيا – عند الشباني يحدث في احيان كثيرة بمعزل عن اللغة بمعنى ان اللغة تبقى صامتة او مختبئة خلف جدار سميك من اللاوعي وبالتالي هي تمارس عملية ضم المفردات واشتقاقها في الذاكرة بينما يتطور الفكر بعدة اشتراطات منها التجربة اليومية ومعيارية الضغط الاجتماعي ومساحة القبول والرفض وحضور منظومة الدراك وبعد ذلك ارتقاء سلم الاولوية وفي كل هذا نجد للغة اسهامها الفائق فهي تشكل لغة/ نظاما لغوياً خاصاً به دون سواه والامثلة هنا ليست انتقاء نقدياً لان النص كله عند الشباني انتقاء مذهل (اشوف الليل باطراف الاصابع… حنه مسكونة وعمر مشبوع)
او سمعت امي نواعي توعي دمي الماي دمى الطين
او (انشد الماي الفراتي….عن سواليف العطش)
*وزن النص الشعري عند الشباني واضح بارز في مساحة القصيدة (الكتلة) التي لانستطيع تجاوز مقطع واحد الى اخر دون الشعور المخيف دون انهيار الارضية التي يقف عليها النص وذلك لان الوزن هو (جسدياً) دون زيادة او نقصان وهذا ساعد على عدم اصابة النص بمفهوم الترهل الشعري الغائب اصلا عدم مساحة التجربة الريادية لقلة قليلة من شعرائها الذي امتلكوا الاتساع المنطقي الذي لا ينزع اوراق الحقيقة بقدر ما يقدم نموذجه المتعالي في منطقة الواعي/ اليقظ/ السهل/ الممتنع.
*ان النص الريادي مؤهل لان يكون موضوعاً في الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) كما هو الحال في جامعة كوام البريطانية ومراكز الدراسات التراثية في اوربا واميركا التي تمنح شهادات عليا في النتاج الشعبي لبلدانها وبلدان اخرى وهنا نجد النواب قد اخذ نصيبه من ذلك والأمل ان نرى في قادم الأيام رسائل وأطاريح عن علي الشباني ورياض النعماني وجمعة الحلفي ورحيم الغالي وعريان سيد خلف وناظم السماوي وكاظم غيلان وطارق ياسين اذا ما علمنا ان بعض شعراء الفصيحة اخذوا حظهم في الدراسات الاكاديمية وهم دون المنجز الابداعي لهؤلاء.

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *