حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 ، والتي احتوت على 96 صفحة ، ترك الشاعر فيها رموزاً انفعالية للقارئ لحظة الحدث . ذاك التراكم القهري والذي بحد ذاتهِ استولد كماً هائلاً من صور غرائبية ، فالمجموعة ؛ وكأنها كُتبت في الهواء الطلق وتحت قُبة السماء كإدانة واضحة لهذا العصر ، وما تزال ، هي تشكل محورية دالة على الاستلاب ، صرخة لمْ تكنْ مكبوتة ، بل أعلنها وفق رؤاهُ بفعل ارتدادي كردة فعل للماثل والجاثم بكل ثقلهِ ، لهذا جاءت الانفعالات الحادَة التي كشفت المنغصات بروية رغم المجابه الشَرسة في المأوى القَسَري ، هذا التحسس لمسناهُ ونحنُ نقرأ العنونة ” أنتظر شُحوُب الوقتِ ” فمفردة ” شحوب ” الفاصلة بين زمنين \ وقتين \ حالتين – لكنها تنحو نحو ” الوقت ” كتوظيف ، والتي نعرفها أي ” شُحوب ” لغةَ : تغيَر لونهُ وذبُلت نضارتهُ وهُزل ” القاموس ” ، التي طرأت على ملامحهِ ببصمة حُزن نفسي حاد ، الحياة التي عاشها لحظة الحدث قد طبعت فيهِ أثراً لن يُمحى إلا بردة فعل عنيفة توازي ثقلهُ.
عنونة قصائده وتوظيف متنها تُمثل في مفارقتها مشاكسة باذخة ، صرامة ، سُخرية ، شراسة ، ضراوة ، حِدًية ، الغاية في تسلسل وصفها واستنطاق همساتها وضجرها ، هو انتقائها بقصدًية كي تكون مجافاتها عقلانية وتشظيها لأكثر من دالة ، إن الاستدلال العيني الذي قادني للخوض بها من أن توظيفهُ جاء بندب الواقع الذي عاشهُ حدثاً مأساويا وتفاعلنا معهُ على البُعد ، وتعاطفاً مع الحدث برمتهِ . إن عملية النزوح القسَري وظفها عبر وسائلهِ حياتياً بفعل ارتداد قهري لما آلت إليه الأوضاع ساعتها . كانت مفرداتهُ على واقعيتها لاذعة ، ساخرة ، تهكمية وبلغة تتقارب مع المفارقة ومثل قولهِ ، ضحك كالبكاء ، رقصة العُصفور الذبيح ، فكانت مجموعتهِ ” الوعاء الحاوي ” المأساوي بحجم المصيبة العصيبة التي لم يسمح لها الوقت بشق نفس إضافي للجري والنجاة إلا وكان ضمن العدم الآن .
إن هذهَ المفردات والعناوين الضاجة بفعل القهر والاستلاب الروحي ، والتي كُسيت تجسيداً حيَاً ، فاعلاَ في مشهدية اللحظة ، كساها معنوياً كـ جسد شحوب الوقت ، والذي أضفى لها حيوية ” كائن حي” فـ الشحوب لا تظهر إلا بفعل قهري ، زمني حتمي ، اعتلال بدني ، أو انفعالات مفاجئة ، عصبية أو بفرحٍ وحزنٍ معاً .
ربما هذهِ الشحوب ستظهر بنهاية زمن – الخلاص – انتهاء الوقت الزمني لحالة ما ربما تؤخذ بحسبان العُمر وحسب قول ماركيز: ” الوقت ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن ، ربما يكون في هذا اليوم هو المرة الأخيرة التي نرى فيها أولئك الذين نحبهم .. فلا ننتظر أكثر ، نعرف اليوم لأن الغد قدْ لا يأتي ، ولأبد أن نندم عن اليوم الذي لمْ نجد فيهِ الوقت من أجل ابتسامة ، أو كي نرسل لهم أمنية أخيرة ” وقد وظفهُ باستهلال مجموعتهِ بقصيدة ” بيت ” ص9 كدالة أولية \ مكانية يقول :
في الشهر الخامس
يعود الصبية من مخيمات النازحين
أحدهم يحتفظ بعُصفور ميت
يود أن يتَعلم الطيران
بدأ المستهل في الشهر الخامس – يدل على الزمن – الوقت والذي بني عليهِ أساسهُ، ينقل لنا حقيقة ناصعة بلا رتوش ، تلك العفوية رصدها بإتقان لحالة الصبية الذين يحتفظوا بما مسكت أياديهم من بقايا ذكرى مؤلمة ، وبما حملوا من إقامتهم وجلبوها كشاهد حي على تلك البيئة الغريبة والتي ربما غيرت الطباع نوعما …..
وفي قصيدة ” تحرَش ” ص 10: أحد سكان المدينة الأصليين \ يمر كلماتهُ عبر فتحات تهوية حنجرتهِ ويقول : وزنك يزاد يوماً بعد يوم وأنت نازح \ حسناً ؛ أمي تطبخ وجبتين يومياً \ الوجبة الثالثة بضعة أسئلة تسدَ رمق معدتنا \ ….. لأن الخيمة مفتوحة من الجهات الأربع نستنشق الأوكسجين \كثيراً فنشبع ..
حقيقةً باح بما سمع وجرى أمامهم ، وإلا كيف تكون المحاورة إذن !… هذا النص عندي من أرقى النصوص التي وظفها والتي تجمع مكابدات صريحة أستلها من الواقع اليومي الضاج بكذا حوارات مكشوفة نتيجة الضجر المُمِل . يتمحور النص على المكان المأهول المزدحم بالنكبات ومنغصات الحياة فيهِ ، فالخيمة الركن الأساسي في بنية الشاعر كإقامة وتوظيف يتطلب نقل ما جرى على المكشوف رغم مأساتها فقد نقل الصورة بترسيخ تكتنفها السخرية والتهكم بصفتهِ إعلامي حتى جاءت بعضاً من قصائدهِ بصفة خبر وهذا محسوبُ لهُ للمناورة في السَرد وذلك
لمتطلبات الصراحة والواقع . وقصيدة ص 16″ استمارة استبيان ” : نعم موظفو الـ
يغازلون الجميلات وهم يمارسون عاداتهم السًرية UN
لهذا كلما مررتُ بشوارع الإناث
أشمُ رائحتهن !..
الاستبيان المموه تم توضيحهُ في ضربة شعرية باذخة في التصريح والبوح ، كبسة بديعة في خاتمتها وهي على المكشوف بفقرة تكشف استبيان هفوات المنظمات الإنسانية وكشف الزيف بتعاملها وما يحصل في الخفاء .
ونص آخر ص 29 ” قيامة الجسد ” :
جسدي يُتعب الهواء بكثرة شهقاتهِ
سأقطع رئتي وأتبرع بها للحرب
لتتنفس السَلام
كم هو إيثاري بنزعته الإنسانية كونهُ يستنشق عذوبة الهواء ، والآخر يختنقُ بنسمة محرقة من الدخان لذا يمنحهُ هواء رئتهِ ويستعيض عنهُ بالمتراكم ، رغم أن ” الشاعر” بحاجة إليها في كل الأوقات ، لكنهُ يمنح السَلام الأفضلية بالمحاورة .
وفي قصيدة العتبة القِرائية – ثريا النَص ص37 والتي تتمحور عليها القِراءات كُلًها :
أنهيتُ حينما ينتظرني غيابك
أفتح سطراً كبييييييييراً
جودك يقتلهُ الانهيار
يسافر عنك دمع الخطايا
الوقتُ حذر بمروره من أن صدفة الغياب تلاحقهُ حتى في تدوين يومياتهِ التي أضحت رؤيتنا لها يومياً من معيشتها بتلك الصورة المُعادة ، لذا نراهُ قد دون مفردة ” كبيراً بصيغة توظيفه لها بـ كبييييييييراً حيثُ الضجر بامتداد اللًوعة والأسي ، فقد أخذتْ حجماً ممتداً على طول زفرة الشهيق بـ 9 ياءات متتالية دفعة واحدة ، مما يعني هذا من كُثرة النوائب التي أصابتهُ ، كم هي مصيبتهُ كبيرة التي بثها وامتدت على مجرى تنفسهِ ؟…
وفي قصيدة ” مدن تختار الحُب ” ص 51 :
ولازلتِ تنامين كثيراً
كلَ الذين استيقظوا بحثوا عنكِ
وجدوكِ تحت رمشي الأخضر
ورغم شراستهِ وجدية مشاكستهِ يلاحظ أنهُ هنا توقف قليلاً لأخذ نفس الراحة بميلانه إلى الرومانسية المحببة بنكهة نزار قباني والذي يقول :” أنا عنكِ ما أخبرتهم \ لكنهم لمحوكِ تغتسلين في أحداقي ” الغائبة في بيئة مؤقتة اتخذت من السكن جبراً ، والتي رضخ لمعيشتها مكرهاً لكن دون جدوى من المهرب القدري .
وقصيدة ” اشتغالات أخرى للهواء ” ص 69 :
لا وقت لهُ
إنهُ دائماً مستعجل كالغيوم
قدْ لا يمرُ بسرعة
لكنهُ أسرع من أن يناديهم
اتكأ قلبي على الشين
ليحرك الشهادة إلى حياة
ولكون الوقت شاحب – يحتضر – يمضي إلى الانتهاء ” يموت ” في المعنى الدارج ، لأجل موعد ، رحيل ، فكأنما التبدل جارياً في تغيير المسار ، هذا ما أراد توظيفه ، بدليل لا ربما المانعة قدْ دخلت على الوقت فأنحرف عن زمنهِ للـ السرعة ، الاستعجال ، الغيوم ، أكثرها مصاحبة للزمن بتقارب مساراتها ، حركاتها .. الحركة ، القلب تدخلان في هذا المجال الحركي .
وفي نصٍ آخر ص75″ تركني الوقت أمشي بعد أن أوقفتهُ ” :
لم ينضج الوقتُ بعد
لذا تركني مع فوضى الشمس
كي أتلعثم بموج الموت
الوقتُ مثل الكائن الحي يمرُ بمراحل عدةٍ قبل أن ينتهي ويتلاشي لآخر ، ربما هو برهة ، ثانية ، لحظة وغيرها من قصار زمني محدود ، وما يقابلها من أزمات ، حيثُ أنهُ يمرُ بتلك المراحل قبل أن يتلاشى أو ينتهي ، كأن يكون نفسي يمتزج مع الذات الحائرة ، الغائرة في طيات الزمن .
والنص الآخر ص 87 ” عودة أخيرة ” :
حينما دخلتُ بيتنا المُهدّم
علَمتني أمَي
بأنَ الباب الخارجي سيحمينا
وإن الحديقة التي زرعناها بعباد الشمس لتبين لنا وجه
الشمس ستدفئنا
إنً اختياره مفردة ” عودة ، وأردفها بـ أخيرة ” في عنونة القصيدة هي مرتبطة زمانياً بـ الوقت ، لأنها مرتبطة بوضع الاستقرار والأمان ، وإلا لم تكن عودة أخيرة بما وظُفت أصلاً ، فيها من الرسوخ التَام بالاستقرار بعد استتباب الأمن ، لذا كان الوقت المشحوب ملائم للرجوع بعد انقضاء مدة الهاجس ، لكن مهما كان البيت المُهدّم فإنهُ مأوىً لهُ باب خارجي ومحيط وعباد الشمس المفردة التي زينت القصيدة وشرعنة وقتها ، لأن دورتها حتمية بالتغيير ،هذه التي أوردها باتت كُلَها مقومات للمعيشة برخاء .
وفي قصيدة ” هواء قيد الانتظار ” ص 91:
ماذا لو يصرخ القلب
ألا تئنُ السَاعة وقتها ؟…
تعاطي بديع بـ التناظر بين القلب والسَاعة ، القلب يصرخ، والسَاعة تئن ، آلية حركية مستمرة تمثل رمز كينونة الحياة ، هما يمثلان دائرة زمنية يومية ، والذي بينهما ” قيد الانتظار هو ” العودة ” التي لابد منها عاجلاً أم آجلاً ، تصحيح مسار حياتي .
أجمالا ؛ يمتلكُ الشاعر الشَاب ” جميل الجميل ” حِساً رهيفاً في تحسس مفردته كثيراً قبل زجها في نصهِ ، رأيناهُ من خلال مطاوعتها لهُ بـ الليونة والمرونة والتروي ، يلاحظ من خلال توظيفه بأنهُ يُصقلها قبل أن يضعها في مشغلهِ النصي ، ولكي يخفف من وطأة المشاكسة والشراسة في توظيفه ، قد زوقها ببعض من المفردات اللينة فجاءت استرضاء لذائقة المتلقي بإعجاب موائم حسه وذائقتهِ . ومن هنا تدور عليها محورية الاستمرارية لديمومة نصهِ بدينامكية يسايرها على آليتها ووفق الصيغ التعبيرية الحديثة بمصدات التشفير والعلن معاً ، يزاوج بينهما لتكون من واقع ملموس حقاً ، فـ لغتهِ المركزة تحاكي نثرياتهِ وجدانياً للحظة الحدس ، فيهِ من دراية التوظيف زمانياً يبشر بخير في فضاء قصيدة النثر الحديثة .
فـ عنوان المجموعة كـ مستقبل ينتظرُ الانفكاك منهُ ، لكن أرى بعض النصوص لا تلائم هذا العنوان ” متناً ” كنتُ أتمنى عليهِ لو لم يزجُ بعض الأسطر استرجاعيا والتي نوه عنها ، كونهُ اتخذ ثيمة ” النزوج ” وما تلاها حصراً ، فأني أرى لهُ لو بقي عليها لكان ارصن كثيراً ، ليس من باب المقارنة والمقاربة زمانياً ، بل ربما تربك المتلقي من عصرنة النص الذي هو فيهَ حصراً ” أنتظرُ ” كما يُقال : مستقبلاً ، بدلاً من أن يقول : لاحقاً ، هذا استشهاد ومذكرة حالة طارئة قد قيدتني أن أذكرها ، المستقبل ، قدْ أنتظرهُ لاحقاً … هكذا وددّتُ من أنوه فقط .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *