يحيى السماوي في محراب الحب والأسطورة والجمال
(قبل دخولي فردوسها)
مفيد خنسة – سوريا (ملف/131)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضية وطنه؛ العراق الجريح، لأكثر من خمسين عاماً محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى إثراء هذا الملف بالمقالات والكتب والصور. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
أسرة موقع الناقد العراقي

هل للألفاظ تاريخ ؟ وهل للفظ محدد اسماً كان أم فعلاً أم حرفا أن يوقظ في الذاكرة تاريخا بما تعنيه هذه الكلمة من معنى ؟ ماذا لو ذكرنا جلجامش ، ماذا يعني هذا الاسم ؟ ألا يحمل سفرا كبيرا في الأسطورة والتاريخ ، هل يمكن أن ينفصل هذا الاسم عن سؤال الخلود أمام حقيقة الموت عندما فقد صديقه أنكيدو ، هل تنسى رحلته الشاقة ومحنته المريرة ، وأنكيدو نفسه هل ننسى كيف استطاعت ” شامات ” إن تحيي فيه الجانب الإنساني ليتخلص من مرحلة التوحش في الغابة ؟ إنها الأسئلة التي تمهد إلى أسئلة مفاتيحها الكلام ، كأن الكلام يحمل تاريخا حتى يغدو وكأنه نواة مركزية إن استحضرتها استحضرت معها هذا التاريخ ، وإينانا نفسها تفعل الفعل نفسه ، والشاعر السماوي في قصيدته ( قبل دخولي محرابها ) يستحضر الأسطورة ، فيستحضر التاريخ ويستحضر الشاعر الذي يريد أن يصنع واقعا حقيقيا يستطيع من خلاله أن يدافع عن القيم التي يؤمن بها :
الفرع الأول :
يقول الشاعر :
( سألتني
قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي
إينانا
وترضاني نديما ..
سادن المحراب ..
محراثا لتنور رغيف
الانتشاءْ

ما الذي أغواك بي ؟
قلت
الذي أغوى ” بشامات ” فتى الغابة أنكيدو ..
وأغوى الملك الجبار كلكامش
بالبحث عن العشب الذي ينجيه من ذئب الفناءْ

وأضافت
كم من العمر لك الآن ؟
فقلت
العمر قيد البدء مولاتي
فإني لم أزل نطفة عشق
فاحبلي بي
وانجبيني
ربما أصبح في العشق وليَّ الأولياءْ ) .
يبين هذا الفرع الصورة الافتراضية للشاعر العاشق قبل أن يفوز بنعمة الفردوس الأرضي التي منحته إياها ربة الجمال والحب إينانا ، وعقدته ( سألتني ) ، وعلى الرغم من أن المشهد الشعري هنا كله افتراضي لكنه مصاغ بأسلوب يتمازج فيه الواقعي بالخيالي والحسي بالمجرد حتى يكاد الشاعر أن يقنعنا بواقع التجربة من منظور إبداعي فني ، وشعابه الرئيسة هي : ( ما الذي أغواك بي ؟ ) و ( كم من العمر لك الآن ؟) أما شعابه الثانوية فهي : ( تدخلني فردوسها الأرضي ) و ( ترضاني نديما .. ) و ( قلت الذي أغوى ) و ( فقلت : العمر قيد البدء ) و ( لم أزل نطفة عشق ) و ( ربما أصبح بالعشق ولي الأولياء ) .
نلاحظ أن الأسلوب يجمع بين الخبري والإنشائي بما يتوافق مع الموقف بالسؤال والجواب لأنه أمام امتحان مصيري ، والأجوبة يفترض أن تكون على مقام رفيع يخوله للفوز بما يحلم ، فقوله : ( قبل أن تدخلني فردوسها الأرضي إينانا ) يقرر أنه كما لآلهة الحب فردوس علوي كذلك لها فردوس أرضي ، ويقرر أيضا بالزمن الذي أمضاه قبل دخول هذا الفردوس الأرضي باستخدام ظرف الزمان ( قبل ) وسنرى ماذا يعني بهذا الزمن القبْلي ، و قوله : ( وترضاني نديما .. سادن المحراب .. محراثا لتنور رغيف الانتشاء ) يقرر أيضا أنها رضيته صاحبا وخليلا ، ورضيت به خادم المحراب وفقيهه ، ورضيته أداة لإثارة الرغبة حتى النشوة ، ولا بد من ملاحظة مستوى التصوير هنا ، فأن يكون نديما فهذا مألوف ، وأن يكون سادنا فذلك مألوف أيضا ، ولكن أن يكون محراثا ! فهذا هو غير المألوف ، وهذا ما يجعلنا نتوقف لتدبر الموقف وفهمه وإعطائه المعنى الذي ينسجم مع السياق ، ولعل استخدام المحراث تحديدا يكون المفتاح المناسب ، فكما أن المحراث هو آلة الحراثة من أجل الرغيف لاستمرار حياة الجسد ، فقد كان العاشق هو آلة إثارة المشاعر والأحاسيس في مكامن النفس كي تسعد الروح وتنتشي بالحب السامي المقدس ، وقوله : ( قلت / الذي أغوى بـ ” شامات ” فتى الغابة أنكيدو ) ، يستحضر ملحمة كلكامش الأسطورية ، وبشكل خاص شخصية أنكيدو ، الذي صورته الأسطورة أنه كان وحشا بصورة إنسان ، تألف له الوحوش في الغابة حيث كان يعيش معها وكان يرد نبع الماء في المساء بعد أن تشرب الوحوش منها ، وكان السبيل إلى تخلصه من توحشه هو المرأة الأنثى ، وكانت ” شامات ” التي استدرجته وأغوته واستطاعت عن طريق الجنس أن توقظ فيه حقيقته الإنسانية ، واستطاعت أن تعيده إلى طبيعته وحياته البشرية ، وهذا ما جعل أنكيدو يتعلق بها ويصبح اسير حبه لها ، وقد جاءت هذا الصورة في الإجابة على سؤالها ، ليبين أن سبب غوايته بها هو أن توقه لتخلص النفس من حطام الدنيا والسمو بها لتحقيق الصورة الإنسانية الكاملة في فردوس الأرض كما هي الصورة التي ستكون عليها في الفردوس الأعلى . وقوله : ( وأغوى الملك الجبار كلكامش ) ينقلنا إلى المستوى الأعلى وإلى المعنى الأرفع ، وقوله : ( بالبحث عن العشب الذي ينجيه من ذئب الفناء ) ، يستحضر سر ملحمة كلكامش وكنه محنته التي دفعت به إلى تلك الرحلة البشرية الإلهية الشاقة للحصول على عشبة الحياة من أجل البقاء والخلود لأنه خاف من الموت ، بعد أن فقد صديقه أنكيدو وتركه مسجى ستة أيام وسبعَ ليال حتى تجمع الدود على وجهه ، من دون أن يصدق أو يقبل فكرة غيابه إلى الأبد ، إنه السؤال القديم الذي يواجه حقيقة وجودية وهي الموت ، إذن حب البقاء وحب الخلود هو الذي أغوى الملك الجبار كلكامش ، وكذلك فإن الشاعر قد أغواه خلود الحب وبقاؤه واستمراره ، ولكن لماذا استخدم الشاعر مفردة ( الذئب ) ؟ ، ألا تجعلنا هذه المفردة نستحضر حدثا تاريخيا ذكره القرآن الكريم ؟ وهو ( الذئب ) الذي ذكره إخوة سيدنا يوسف عليه السلام لأبيهم حين دبروا له مكيدتهم ، وهذا الحدث نفسه ألا يستحضر القصة كلها ؟ ولكن ما وجه الربط هنا ؟ بين هذا الذئب وذئب الفناء هنا ؟ إن وجه الربط هو الفناء نفسه ! فالموت هو سبب فناء أنكيدو ، والذئب سبب ادعاء فناء سيدنا يوسف ، وهنا سأستطرد قليلا ، في سورة يوسف تكرر ذكر ( أكله الذئب ) ، فهل عرف عن ذئب أنه يأكل فريسته ؟ لا ، فالذئب ينهش نهشا ، فإن قيل هنا التعبير مجاز ، وقد قبلنا بالمعنى المجازي ، نعود فنسأل هل الذئب يأكل الفريسة كلها أم يأكل اللحم فقط ؟ هل يأكل العظام أيضا ؟ لنستنتج أن هذا الذئب الذي ذكر هو ذئب افتراضي لا يشبه أي ذئب حقيقي بدليل أنه قد أكل ( يوسف ) حسب ادعاء الأخوة ، فكان استخدام الشاعر ( للذئب ) موفقا في إغناء المعنى وتوسيع الدلالة .
وقوله : ( وأضافت / كم من العمر لك الآن ؟ ) يشير إلى أن الاستجواب المتعارف عليه لشخص غير معروف ، يبدأ بالسؤال عن الاسم أولا ثم مكان وتاريخ الولادة ثم … الخ ، ولكن الاستجواب هنا بدأ مباشرة بالسؤال عن سبب الفعل ، ثم السؤال عن العمر ، لنتبين أن الأساس في الأمر هنا هو إينانا سبب الغواية وأصلها ، ولا بد من السؤال ، أي عمر تعني ؟ والشاعر لم يترك لنا فرصة للإجابة عن هذا التساؤل، فقوله : ( العمر قيد البدء مولاتي ) يشير إلى أن الزمن الذي مر قبل أن يدخل إلى الفردوس غير محسوب من العمر ، إنه قيد التشكل مذ دخل في الاختبار والاستجواب ،
وقوله : ( فإني لم أزل نطفة عشق / فاحبلي بي / وانجبيني / ربما أصبح في العشق وليّ الأولياء ) أي ما زال حبه قيد التكوين ، فلتكن إينانا هي الحاضنة لهذا الحب لكي يتكون في بيئة ملائمة ثم ينبعث في قلب الشاعر ليبدأ عمرا جديدا معه ويصبح به وليا لمن سيكون من بعده على طريق الحب المقدس .
في المعنى والبيان :
المعنى في هذا الفرع افتراضي كما رأينا ، لكن العلاقات في بنية النص على درجة عالية من التماسك والانسجام ، إنه الخيال الذي يستحضر عالما أسطوريا ويتعامل معه بما يحوي من مكونات كواقع في حياه الشاعر بشجاعة العاشق وتواضع المريد ، ويمكن التفصيل في البيان بالتوقف عند قوله : ( محراثا لتنور رغيف الانتشاء ) ، فالمعروف أن الإضافة في التعبير تفيد التخصيص ، أما إضافة الإضافة تزيد التخصيص تخصيصا أدق ، كقولنا مثلا باب البيت ، وقولنا قفل باب البيت ، وقولنا مفتاح قفل باب البيت ، نلاحظ هنا أن المعنى يضيق في الدلالة من الأعم إلى الأكثر خصوصية ، أما عند الشاعر السماوي فإن الاسناد يزيد المعنى شمولا كما يزيد الدلالة اتساعا ، فقوله : ( محراث التنور ) استعارة ، و ( تنور الرغيف ) استعارة ، و( رغيف الانتشاء ) استعارة ، والتركيب ( محراثا لتنور رغيف الانتشاء ) صورة ثلاثية الأبعاد لأنها احتوت على ثلاث استعارات معا ، وفي مثل هذه الصوره يتجلى البيان الشعري بأبهى صوره ، ولن أفصّل في شرحها خشية إتلافها ، وقوله : ( ذئب الفناء ) استعارة .
الفرع الثاني :
يقول السماوي :
( أقسمت بالعشق إينانا
ستلقي بي من الجنة إن خنت المرايا
وتمردت على الوردة والنحلة والعصفور
والكوخ الذي يستر عري الفقراءْ

وأنا أقسمت
أن أجعل لي من خدرها
غار حراءْ

وأقيني شر أحداقي
فلا يغوي كؤوسي عسل الطيش
وصهباء النساءْ

وأشد الكاف بالنون كما
الأجفان بالمقلة
والحاء بباءْ

فكتبنا عهدنا باللثم ..
مأخوذين
لا نعرف شدوا
من بكاءْ )
يبين هذا الفرع صورة العهد بين العاشق المريد وبين آلهة الحب إينانا ، وعقدته القسم ، وشعابه الرئيسة : ( أقسمت بالعشق ) و ( ستلقي بي من الجنة ) و ( أنا أقسمت ) و ( أن أجعل لي من خدرها ) و ( أقيني شر أحداقي ) و ( أشد الكاف بالنون ) ، أما شعابه الثانوية فهي : ( إن خنت المرايا ) و ( تمردت على الوردة ) و ( يغوي كؤوسي عسل الطيش ) و ( فكتبنا عهدنا باللثم .. ) و ( لا نعرف شدوا من بكاء ) ، والأسلوب خبري والمعاني بمجملها مجازية ، وإن كانت الصورة هنا واضحة ويظن أنها لا تحتاج شرحا كثيرا غير أن تفاصيلها ذاخرة بالمضامين والإشارات والمعاني .
السياق والدلالة :
ضمان الوفاء بالعهد القسم ، وعلى اعتبار أن العهد بين الولي ومولاته فلا حاجة للشهود ، وهكذا كانت صورة العهد هنا ، فقوله : ( أقسمت بالعشق إينانا ) وأنه لقسم كبير في عالم الأسطورة التي تمثل فيه آلهة الحب والجنس ، وقوله : ( ستلقي بي من الجنة إن خنت المرايا ) فمن المعروف أن الخيانة تستوجب الطرد ، ولكن لماذا تحديده على لسانها خيانة المرايا ؟ وماذا يعني ذلك ؟ فإذا عرفنا أن الصفة المميزة للمرايا أن تعكس صور الأشياء التي تواجهها ، وهذه الصفة الأولى بها إينانا نفسها ، والمعنى : إنها أقسمت ستلقي به من الجنة إذا خالف باطنه ظاهره أو إذا خالف فعله قوله ، وقوله : ( وتمردت على الوردة والنحلة والعصفور والكوخ الذي يستر عري الفقراء ) ، فالوردة ترمز للجمال ، والنحلة ترمز للجد والسعي ، والعصفور يرمز للعذوبة والرقة ، والكوخ يرمز للبساطة والفقر ، وإينانا تريد كما يرى الشاعر ممن يدخل إلى فردوسها الأرضي أن يكون كالوردة التي تنشر عطرها حيث يكون ، وكالنحلة في السعي لجني العسل الذي فيه شفاء للمرضى ، وكالعصفور الذي يسعد صوته سامعيه وكالكوخ الذي يغطي عيب الفقراء المساكين ، وإن تمرد على إظهار هذه الصور سيكون مصيره الطرد من تلك الفردوس .
وقوله : ( وأنا أقسمت ) فغياب القسم هنا يعني أنه قد أقسم بما أقسمت ، أي بالعشق ، وعدم تكرار القسم هنا تعظيم لمن أقسم بما أقسم ، ودليل استجابة وطاعة ، وقوله ( أن أجعل لي من خدرها / غار حراء ) ليس المعنى هنا كوخها على حد تعبير شعراء الجاهلية ، إنما المعنى هنا يشير إلى أنه قد أقسم بما أقسمت به ليفعلن كل ما من شأنه أن ألا يكون سببا في إبعاده من الفردوس ، وفوق ذلك بأنه أقسم أن يظهر كل صورة من صور العشق الكوني التي تخفي كنهها وبذلك يكون قد أدى طقوسا للعبادة في محرابها ، وقوله : ( وأقيني شر أحداقي ) هنا الإشارة إلى البصر ، وشر البصر النظر إلى المحرمات ، اما ( أقيني شر أحداقي ) يعني سوف يقي نفسه الطاهره من شر ما يمكن أن تقع به الحواس من الغواية وأهمها البصر ، لأنه كالمرآة يعكس كل ما يقع أمام حدقة العين فيرى، وقوله : ( فلا يغوي كؤوسي عسل الطيش وصهباء النساء ) أي لن تضله كؤوس الملذات وخمور النساء وسيبقى طاهرا من كل رجس دنيوي عابر ، وقوله : ( وأشد الكاف بالنون / كما الأجفان بالمقلة / والحاء بباء ) لكي يتشكل الفعل ( كن ) بهذا التشابك والارتباط بين الحرفين الكاف والنون ، كارتباط وتلاصق الجفن بشحمة العين .فتظهر صورة الحب الذي يتشكل من اشتباك الحرفين الحاء والباء ، وقوله : ( فكتبنا عهدنا باللثم .. ) لا يعني اللثم هنا القبل وحسب إنما يعني بالحقيقة انشداد العهد في التوافق التام بين المتعاهدين حتى بلغا من الفرحة والسعادة شأوا يفوق كل شعور دنيوي إن كان فرحا شديدا أو كان حزنا عميقا ، إنها سعادة الروحين حين تهيمان في سماء الحب المقدس .
الصور البيانية :
قوله ( أقسمت بالعشق ) استعارة ، وقوله : ( خنت المرايا ) استعارة ، وقوله : ( وتمردت على الوردة ) ، وقوله : ( يستر عري الفقراء ) استعارة ، وقوله ( شر أحداقي ) استعارة ، وقوله : ( يغوي كؤوسي ) استعارة ، وقوله : ( عسل الطيش ) استعارة ، وقوله : ( يغوي كؤوسي عسل الطيش ) صورة بيانية ثنائية البعد ، وقوله ( اشد الكاف بالنون ) استعارة ، وقوله : ( وأشد الكاف بالنون كما الأجفان بالمقلة ) تمثيل ، وقوله : ( فكتبنا عهدنا باللثم ) استعارة .
الفرع الثالث :
يقول الشاعر :
( فرشت لي
الورد والعشب بساطا
وتوضأت
بإبريق زفير دافئ العطر
وصلينا
صلاة الغرباءْ

في رحاب الخدر
حتى اختلط الإمساء بالإصباح
والساعد بالساعد
والمقلة بالمقلة
والمحراث بالتنور
والماء بماءْ )
يظهر هذا الفرع صورة الحب ، وعقدته ( الفراش ) ، وشعابه الرئيسة وهي ( توضأت ) و ( صلينا ) ، وشعابه الثانوية : ( اختلط الإمساء بالإصباح ) و ( الساعد بالساعد ) و ( المقلة بالمقلة ) و ( المحراث بالتنور ) و ( الماء بالماء ) .
سر المعاني :
المفردات هنا وإن دلت على المعاني الموضوعة لها في عالمنا السفلي ، فإنها تدل على الأمثلة لها في العالم العلوي ، فالعشب غير العشب ، والورد غير الورد والسر في المعنى يكمن في ما وراء الحسي ، إنه أقرب إلى البناء الأسطوري ، فكأنه قد أمضى في رحلته الشاقة قبل أن تدخله إينانا فردوسها الأرضي كما فعل جلجامش في تلك الرحلة الشاقة بحثا عن الخلود ، وبعد العهد والقسم كان الحب ، فقوله : ( فرشت لي الورد والعشب بساطا ) ولأنها آلهة الحب والعشب ، فرشت له ذلك العشب والورد الذي ينبت وينمو في فردوسها الأرضي ، وليس للورد الطبيعي سوى المشابهة والمماثلة في الجمال والوظيفة ، وقوله : ( توضأت بإبريق زفير دافئ العطر ) إنه وضوء من أجل الحب المقدس ، فكان بإبري مختوم بذلك العطر الذي تتنفس به الورود والعشب ، وقوله : ( وصلينا / صلاة الغرباء ) أي صلاة عالم آخر مختلف عن هذا العالم ، وقوله : ( في رحاب الخدر ) اي في العالم المستور عن عالمنا ، وقوله : ( حتى اختلط الإمساء بالإصباح ) حيث لا صباح ولا مساء ، وقوله : ( الساعد بالساعد ) حتى أصبحا ساعدا واحدا ، وقوله : ( والمقلة بالمقلة : أي أصبح مجال الرؤية وأحدا أيضا ، وقوله : ( والمحراث بالتنور) أية أصبحت آلة الحب واحدة ، وقوله : ( والماء بماء ) وهو الماء الدافق بماء الخصوبة الأنثوية .
أما الصور البيانية في هذا الفرع فأوجزها ، فقوله : ( فرشت لي / الورد والعشب بساطا ) استعارة ، وقوله : ( وتوضأت بإبريق زفير دافئ العطر ) صورة ثنائية البعد لأنها تضم استعارتين .
الفرع الخامس :
يقول الشاعر : ( ربنا وعدك وعد
تعرف الباطن والظاهر
تعطي من تشاءْ

فاعط مشحوفي من القوة
ما توصله سابع نهر
وجناحين إذا مدا فأرض وسماءْ

وانقذ الغابة من نيران خمبابا
فيغفو مطمئنا سادن الأزهار في روضة إينانا
يرش الورد في الصبح
ويمتص رحيقا في المساءْ ) .
يبين هذا الفرع صورة الدعاء والتضرع لتحقيق الأمل الكبير ، وعقدته ( ربنا وعدك وعد ) ، وشعابه الرئيسة : ( فاعط مشحوفي من القوة ما توصله سابع نهر ) و ( وأنقذ الغابة من نيران خمبابا ) ، وشعابه الثانوية هي : ( تعرف الباطن والظاهر ) و ( تعطي من تشاء ) و ( وجناحين إذا مدا فأرض وسماء ) و ( فيغفو مطمئنا ) و( يرش الورد في الصبح ) و ( ويمتص رحيقا في السماء ) ، والأسلوب كما هو واضح يجمع بين الإنشائي والخبري ، أما المعنى فيعتمد على الأسطورة .
المعنى والأسطورة :
أن يفتتح الشاعر بالدعاء بعد أن اختلطت ذاته أو نفسه بمولاته إينانا ، ذلك يعني تلك الحالة من التماهي بينهما ، فقوله : ( ربنا وعدك وعد ) أي وعد الحق الذي لا شك فيه ، وقوله : ( تعرف الباطن والظاهر ) أي يعرف ما أظهراه من عهد ووعد وقسم ، ويعرف ما أخفياه في السرائر والضمائر ، وقوله : ( تعطي من تشاء ) فأنت مالك الملك ، وقوله : ( فاعط مشحوفي من القوة / ما توصله سابع نهر ) أي امنح زورقي القوة حتى يستطيع أن يصل إلى النهر السابع حيث فم الأنهار ، وكأنه في الرحلة التي قررها جلجامش من أجل البقاء والخلود ، وزورق الشاعر أشبه بالزورق الذي صنعه كلكامش بنصيحة من الآلهة لعبور البحار البعيدة ، وقوله : ( وجناحين إذا مدا فأرض وسماء ) فيصبح ذا قوة أسطورية ، وقوله : ( وانقذ الغابة من نيران خمبابا ) مارد غابة الأرز في الأسطورة الذي يمثل الشر على الأرض ، خمبابا الذي يملك بنية غريبة مخيفة ، زيه عباب الطوفان ، والنار تنبعث من فمه ونفسه الموت ، وقوله : ( فيغفو مطمئنا سادن الأزهار في روضة إينانا ) بعد أن يتحرر من سطوة المارد ، وقوله : ( يرش الورد في الصبح / ويمتص رحيقا في المساء ) أي ينبت الورد في الصباح وفي المساء يمتص رحيقه ، والمعنى الإسطوري واضح لا يحتاج إلى شرح آخر .

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *