الفنانة التشكيلية منال ديب: بالرسم صرت استشعر روحي ذات نور ابيض خالص حيث لا أخطاء و لا شكوك
حاورتها: آمنة وناس

السلام عليكم
و عليكم السلام
أتتنا من ديار بها الأوجاع شِداد، لكنها للمبدعين ولاّدة، فأبناءها من خيرة العباد، صاحبوا التعالي بقوّة الإرادة، فأنجبت الفرسان الطراد، فالكل يريد تحصيل الإفادة، من مناضل و أديب و شاعر جواد، لصاحبة الريشة الوقّادة، بألوان و خطوط تحاكي الأمجاد، لأرض ستبقى لشعبها السيادة، حملت الإحساس زاد، فكانت أناملها منقادة، للتعريف بقضية البلاد، لتكون لأعمالها الريادة. احتضنها المهجر، فاعتنقت الوطن حبيب، طلبت يد المعرفة، فكان لها العلم خليل و نسيب، صقلت الموهبة فأنتجت فنّا للعقل تهذيب و من الروح جدّا قريب، هي الفنانة التشكيلية الفلسطينية منال ديب.
مرحبا بك سيدتي
أهلا وسهلا بك، أشكرك من كل قلبي على هذا الاحتفاء، أتمنى أن نكون دائماً ممن قلوبهم خالصة للوطن وحب الوطن.
س ما مدى الترابط القائم بين الروح الفنية، الذات الفلسطينية و إحساس الإنسانية لدى “منال ديب”؟
ج علاقة الروح بالجسد، روحي فلسطينيه و جسدي الإنسان لا يقومان الواحد دون الآخر، الروح تسمو بالجسد و تأخذه بعيدا عن الواقع، الواقع الذي يحكمه ظلم الإنسان للإنسان . فلسطينيتي جعلتني اشعر مع كل إنسان مهان في هذا العالم مشردا، و لنفس الوقت أعطتني الشجاعة في التصميم على الحياة و رؤية الجمال في كل شيء.
س عندما تخدعنا التعابير و تتأسّف لنا الحقيقة و يؤكد لنا الواقع أنه قوس قزح بين البياض و السواد، هل يمكن أن تخلق ريشة الفنانة التشكيلية “منال ديب” ممرّات تخرج بها من إحساس حطّمه جليد السكون؟
ج الألوان تشعلها حواس الإنسان و لكي نتذوق الحياة نريد ذالك العزف الجماعي ما بين الرؤية و التذوق و السمع و الحس و الشم، كل هذا يخلق قوس قزح لدي، و حين أبدا الرسم استحضر قوس قزح بحواسي و بعدما أغوص في لوحتي يغادر كل شيء يغادر الغرفة حتى نفسي تخرج و يبقى الشعور يحضن لوحة.
س ما هي مراحل تطوّر الشعور بالفن لدى الإنسانة “منال ديب” و هل كان للمكان دور في ذلك؟
ج يقول درويش كن نرجسيا و احمل وطنك أينما ذهبت إن لزم الأمر. كنت و لا زلت نرجسيا منذ بدء الحياة. شعوري تجاه الوطن مثل شعوري تجاه أمي يأتي طبيعيا كما الحياة، شلالا يمدني بالانتعاش، نشوه تدفعني إلى أن ألون كل شيء حولي و انعته وطنا، و لان القلب أصبح أوسع من أي لوحة يمكن أن أجدها في هذا العالم، حملت وطني و أمي و أهلي و كل ما أحب فيه أزورهم متى شئت و في كل حين.
س ما هي ملامح إحساس احتضنت ذاكرته الجريحة وطننا متألّما؟
ج ملامح أم فقدت وليدها، و ملامح شجره فقدت عقلها لان البيت الذي كان يجاورها هدم أو اختفى.
س كم من ذكرى ستختلّ بها أنفاسنا و كم من خيبة أمل سنستفيق عليها؟
ج و هل بقى من خيبات أمل بعد؟ ربما الذكريات الحزينة اقل وطئه الآن على قلوبنا مما نراه من خيبات أمل توافقنا الآن يوما بيوم.
س يعني أنك لا تناصرين الكاتب الفرنسي “الكسندر دوما الأب” عندما قال “كل الحكمة الإنسانية ملخّصة في كلمتين: الانتظار و الأمل”؟
ج لا أحب الانتظار و لكني أعيش بالأمل.
س يقول الفيلسوف الاسكتلندي “ديفيد هيوم” ” الميل إلى الأمل و السعادة ثروة حقيقية أما الميل إلى الخوف و الأسى ففقر حقيقي”، تقول الفنانة التشكيلية “منال ديب” “أسماؤنا مبللة تنتظر النور المدفون في الأرض ليرتفع و يجففها”، هل قولها يوافق الأمل أم الخوف عند “هيوم”؟
ج أنا ممن يعشقون الأشجار وأرى في لحائها حين يتقدم بها العمر وجوه مسنين و خاصة النساء، مع كل الألم التي تحمله هذه الوجوه نجد الأمل يأتي من الجذور، من الأصل، من الأرض، ذاك النور الذي سيجفف أسماءنا و يبعث فينا الحياة من جديد.

س و لكن الأشجار تُسقط أوراقها، أفلا تعتبين عليها؟
ج تسقط أوراقها لتذوب في الأرض، تمتصها الجذور لتبعث من جديد.
س فهل نفهم من رأيك هذا أنك تنسجمين مع الفيلسوف و الشاعر الأمريكي “رالف امرسون” عندما قال “كل عذب فيه مرارة و كل شرّ فيه خير”؟
ج كل عذب فيه مرارة، فما كان العذب عذبا إلا بوجود المرارة بداية، و لا كمال مطلق في هذه الحياة، و على سبيل تجربتي الشخصية في الغربة و العيش بعيدا عن الوطن، نعم حققت نجاحات و إنجازات ربما كان من الصعب تحقيقها داخل الوطن. أما مع موضوع الشر فيه خير، هنا يعتمد على نوع الشر المقصود، فان عدت إلى مثالي الشخصي و قلت انه كان من الشر أن اترك وطني ولكن الغربة في النهاية جلبت لي النجاح و التفوق، هذا ما اسميه خيرا في شر.
س هل من هذا المنطلق ندرك أنك تجادلين الكاتب الفرنسي “جورج ديهاميل” في رأيه القائل “احذر النجاح، فكل نجاح باب مغلق، و كل نجاح أمل يكبل، و كل نجاح مستقبل يقبر”؟
ج يعتمد على مفهوم النجاح هنا، هل هناك حدود متعارف عليها للنجاح؟ و هل هناك وصفه سحريه لصعود سلمه، بالنسبة لي أن أجد نفسي تذوب ما بين لون و طيف في رسمة هو نجاح روحي، يأتي مع الإلهام كما الخشوع، و كل حالة أعيشها بالمثل هو في منظوري نجاح، نجاح لحظي يذهب بذهاب الحالة، و لكنه يثري الحياة و يجعلها أجمل، أما من حيث المتلقي لإعمالي أن يشعر بهذه الحالة التي وصفتها أمام أعمالي فذاك نجاح أخر يختلف باختلاف الشخص و خلفيته و خبرته في الحياة. هل هناك نجاح مطلق لنقف عنده و نقول ها نحن وصلنا، بالتأكيد لا، النجاح هو امتداد لسعه الفهم و تذوق الحياة و ليس باب مغلق أو مستقبل يقبر.
س أي طريق تفضّله الفنانة التشكيلية “منال ديب”، أن تترك بصمتها في مسار الفشل بأن توجّهه نحو مسلك النجاح أم أن تختار مباشرة السير في مسرب الفوز دون أن تترك لها أثر و دونما أي شعور ببلوغها الغاية؟
ج سأعتنق الفشل، و أوجهه حيث شئت، في عادة و لا ادري إن كانت هي صفة في اغلب الفنانين و هي أنني مهما أنجزت و مهما حققت يصعب على نفسي أن تراه، أقلل من شأنه في اغلب الحالات و المبتغى و الأعظم في نظري لا وجود له بعد، و الغاية شيء لا أستطيع تحديدها، روحي هي من توجهني و كما أسلفت في السؤال السابق لروحي حالات أعيشها للخشوع و الإلهام و حين تنتهي أعود مرغمة لواقع أعده فاشل إلى حين حالة تعبد أخرى.
س يعني أن المخترع الأمريكي “توماس ألفا إديسون” أجاد النطق و بلغ الحق عندما قال “لن أقول أني فشلت ألف مرة و لكني اكتشفت أن هناك ألف طريقة تؤدي للفشل”؟
ج الرحلة في سبيل الوصول إلى الهدف تكون مليئة بالمفاجئات و المغامرات التي تثري الحياة و بغض النظر إذا وصلنا أم لم نصل إلى الهدف المنشود، فان الرحلة بحد ذاتها حالة خاصة و عميقة، ليس ثمة طريق للعمق، العمق مجرد حالة روحانية ربانية تحررت مؤقتاً من سلاسل النفس و الفكر البشري، ليس ثمة طريق للعمق، العمق حالة انجذاب مؤقت.
س “منال ديب”، وجه المرأة و الروحانيات، على غرار هذه اللوحة:

لماذا و إلى أين؟
ج هنا حروفاً من الخط العربي، و ألواناً عديدة تركتها متناثرة بحرية على سطوح اللوحة، مع إصراري على تكرار وجهي أو وجه امرأة أخرى لكي ابرهن على تفاعلي الشخصي مع تلك الحروف التي تشكل لوحاتي من جهة، و من جهة أخرى أضعها بشكل مجسّم تحت اللوحة لتجسّد الارتباط الفعال و الحيوي بقوة أو قدرة أو إحساس بالذات العميقة مع الوجود. أكون مع نفسي أنا دائمة السؤال: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ من أنتِ؟ لماذا قيِّض لنا أن نلتقي في هذه الحياة، في هذا الزمان العصيب القاسي؟ لكنْ الجميل بعينه، ما نحن؟ ما كل شيء؟ لماذا تجري هذه العبارات بين قلوبنا و أذهاننا؟ بالروحانية يسود صمتٌ و إدراك كاملين، في هذا الصمت و هذا الإدراك يكمن كنز اكتشاف الذات الذي لا ينضب، و هذا ليس مثالاً يُطلَب بل هو البهاء الخفي المبطون في قلوبنا و هو من كلٍّ منا كيانُه الحق وذاتُه الأعمق، و بالتنقيب في الباطن لبلوغ نواة كياننا هذه نبسط يدنا نحو الآخر في الآن نفسه – إذ إن بساطة هذه النواة محبتها، ضحكتها، سلامها، و فرحها، هي أصل الوجود نفسه الذي يوحدِّنا جميعًا. اكتشاف الذات من خلال لوحاتي و مزج الخط العربي(أحيانا كلمات من القرآن) لتوضيح فعل الروحانيات في قلبي و روحي.
س هل هنالك مصالحة سرمدية بين الإنسانة “منال ديب” و الفنانة التشكيلية “منال ديب”؟
ج ازدواج به من المصالحة ما يحفّز على اختراع شخوص داخل الشخوص ذاتها، أجسدها لحظة انصهاري باللون لتعطيني اللوحة صورة من روحي لامرأة ما عرفتها من قبل و لكنها تعجبني بسرمديتها، بقوتها و قوة انبعاثها في الخيال، منال الإنسانة هي في اغلب حالاتها مترددة و مضطربة و لكن الفنانة فيها فهي طائر لا يستهويه إلا السماء.
س كيف تراوح الفنانة التشكيلية “منال ديب” بين فكر الفن و الحياة؟
ج الفن هو مرآة الحياة، و به تحيى ثقافات الشعوب، الفن هو انعكاس لما يجري في العالم لذا أنا ارسم ما بداخلي في مواجهه الواقع، لا ارسمه واقعيا و إنما ارسم ما تجده نفسي ملجأ من الخوف أو الضياع، حين ارسم أجدني في بحر من الكلمات أو ربما على الأصح حروفا عربية تصرخ بوجه الرائي، من جمالها تصفعه لتقول له إن العربية و المرأه العربية بالذات قوية، جميلة و متحضرة، و مع ذالك تواجه الموت في بلادها بإصرار على الحياة.
س هل نفهم من خلال رأيك هذا أنك تتقاربين أو تتباعدين مع معتقد الفنان التشكيلي الاسباني “بابلو بيكاسو” عندما قال ” نعرف جميعا أن الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة”؟
ج الفن يمكن أن يكون الحقيقة في أحيان و أحيان أخرى فهو كذب، هذا كله يعتمد على المتلقي، بالنسبة لي كمخترع للحقيقة أم الكذبة كله يعتمد عما يدور في مخيلتي، أعيش على حقيقة أن كل ما لا نستطيع تحقيقه في واقع الحياة يمكننا إيجاده في الفن كأن نجعل الجبال تلتقي على صفحه بيضاء أو أن نطير لنعانق سماء القدس في اندماج الألوان، حيناً أؤيد مقولة “بيكاسو” هنا يأن الفن ليس حقيقة و نعم هو كذبة، و لكن لا ادري إن كانت أصح قول انه كذبة تجعلنا أقوى على عيش الحقيقة. رحلة نعيشها بدهشتها و مرارتها،و في فيلم ‘لغز بيكاسو’ يقول: أنا لا ابحث، بل أجد، و يقصد به بيكاسو أن رسمه للخطوط مثلا بمثابة إبداع يؤدي إلى إبداع، ليس كسبب يؤدي إلى نتيجة، بل كحياة تؤدي إلى حياة أخرى. رحلة الفن معي و مع كلماتي المتداخلة بالصور أعطتني القدرة على اكتشاف داخلي و خارجي لمكنونات النفس.
س مستكينة بين ضلوع الخط، أُسقى من انسيابه و أُعطّر بصيحاته، فتنفجر حناجره في داخلي، راوية دهشة ذاكرتي، محلّقة بي بين الجسد و الروح، فأتوسّد الصمت المذبوح، لتحكيني الكلمات المرسومة و النقاط الصارخات، و تسألني الأنفاس المكتومة بأي حق تعبث بنا الحياة و تنثرنا رمادا و شتات؟
ج هو حوار أبدي بيني و بين لوحاتي، تشاركني همومي و تخفف من لوعتي، تحكيني الكلمات المرسومة لتذكرني بوجه أمي و رائحة الأرض بعد المطر، كلمات تنسج أشجارا كنت العب فيها، و عصافير تغرد حى على السعادة. ربما في بداية غربتي عن وطني كنت أتساءل بأي حق تعبث بنا الحياة و تنثرنا رمادا وشتات، و لكن الآن و بعد الظلم الذي أراه يعم البلاد ألوذ بوطن داخل نفسي، أهدهده و يهدهدني، إلى حين.
س بين نقطة الانطلاق و محطة الوصول، أين نجد فلسطين و واشنطن عبر مسيرة الفنانة التشكيلية “منال ديب”؟
ج فلسطين هي الروح، هي البذرة التي نمت بها الأيام و الآلام، هي عين قلبي التي استلذ بها الجمال في كل شيء حولي، و بها أيضا أموت و ابحث عن نفسي، من هناك بدأ الحب و اليه ينتهي، ذاك الحب الذي لا ينضب و لا يمل من الجريان من هناك إلى هنا يجري في باطن الأرض و يتشعب ليصلني هنا مع الأزهار على الأشجار و مع الطيور و مع الأسفار، من هناك الروح و من هنا الخطوط و الألوان، ارسم روحي علها تتحول إلى طير يعود.
س عندما يكون الطريق متعرّج و الأقدام تهذي و الفكر يعرج، عندما تصبح حناجرنا صمّاء و أصواتنا بلا أنفاس، عندما يختنق توازننا، هل الخطوط و الألوان في هذه اللحظات لها مسلك تعبر من خلاله لتمدّ يدا خضراء تبتسم؟
ج صديقتي هي الألوان في السكون، هي من تنقذني من نفسي حين أضيع، هي من يجيب على الغموض حين تظلم الدروب، بها أصرخ و بها يعلو الصوت في الصمت، بكل الألوان تحاور الزمان و تشهد الوقت على حرية وطن و شعب لن يموت.
س كيف تعكس الفنانة التشكيلية “منال ديب” استطعام الحرية عبر إحساس الفلسطينية “منال ديب”؟
ج الحرية هي أن أحب روحي، روحي التي نمت في خيوط قبة ذهبية تصرخ الله اكبر، الله اكبر فوق كيد المعتد، كنت و أنا في المدرسة و يكون ذاك يوم نعلن فيه مظاهره احتجاج، نبدأ بالهتاف من ملعب المدرسة ثم نخرج إلى الشوارع،، ثم تأتي الدوريات الإسرائيلية، نرمي الحجارة عليهم و على سياراتهم، يقفون، ينزلون، نهرب و يلاحقوننا، اذكر و أرجلي تسابق الريح كي أفلت من قبضه جندي، ذاك الإحساس هو الحرية بعينها، الحرية بان تصرخ بوجه عدو ظالم، ذكريات… لا اعرف إن هي الحرية لبست ثوب إخفاء الآن اختلط فيه الفرق بين الحر و المر.
س تسأل الشاعرة و الأديبة اللبنانية “مي زيادة” “لماذا قدّر على بني الإنسان أن يكونوا دون النبات حرية؟” فلماذا يا منال لماذا؟
ج لأننا لو أننا نعيش مثل النبات لكان لنا الثبات في دنيا، النبات لا الشكوى و لا الضغينة، و ينمو الورق الصغير الجميل على جذع شجرة كبيرة بكل سرور، و في دنيا الطبيعة لا وجود للغرور و لا يسدد مأجور السهام إلى أحد، جمال لا ينتهي، أرض و نبات، لا يرحل النبات عن الأرض و تلك هي الحرية المطلقة.
س و لكن يقول الفيلسوف الفرنسي “غاستون باشلار” ” الحياة و ربما الحقيقة إجمالا هما اقتحام تدريجي للحرية” أفلا تسانديه في هذا الرأي؟
ج و ما هي الحقيقة؟ هل هي الحياة؟ أم أنها بعضا من اخيله، ماذا كنا؟ و كيف أصبحنا؟ و إلى أين نحن ذاهبون، اعرف حقيقة واحدة أن في سريره كل امرأة تقبع امرأة مقدسة ذات قدرة كامنة هائلة على أهبة الظهور، امرأة تعرف كيف تغوص في أعماق كيانها، و تزيل كل ما يعرقل التعبير الكامل عن ذاتها، امرأة ذات جوهر حقيقي بقدرة كامنة خالصة تتدفق بغزارة و إبداع كالنهر الفياض.
س فأين نجد الفنانة التشكيلية “منال ديب” بين المرأة المقدّسة، إثبات الذات و الإبداع؟
ج أمي و فلسطين و الرسم كل منهم يصب في الآخر، المرأة المقدسة في أصلها أمي بحضورها و حكمتها و روحها و محبتها لأسرتها فهي من تستحضر القدسي في حياتها بالمحبة و الطهارة و الوعي، فقد تعلمت من أمي وضوح الرؤية و القصد و صفاء الذهن، تعلمت منها حب الوطن و التضحية في سبيله كانت تقول لي دائماً حب الوطن من حب الله، علمتني كيف افهم نفسي و الكون فنمى إحساس الطيبة في نفسي و بهويتي و أصبحت اسمع ذاك الهمس الباطني الذي يدعو إلى المحبة، أتى الإبداع تبعا لروحي التي كانت مستعدة فرحا و إلهاما عميق، بالرسم صرت استشعر روحي ذات نور ابيض خالص حيث لا أخطاء و لا شكوك.
س كم من طريق تضعه أمامنا ألوان الفنانة التشكيلية “منال ديب” كي نصل عبرها لدواخل الإنسانة “منال ديب”؟
ج الحب هو الطريق، أن نؤمن بالمحبة أكثر بكثير من إيماننا بضعفنا، ذهنا و قلبا نقيا مخلصا.
س يقول الشاعر الغواتيمالي “أمبرتو آكابال” ” الأيامُ كلُّها نكاد لا نشعرُ بها لكنْ ثمة أيامٌ تأتي و لا تُنسى هذه، نسمع خطاها قادمةً مع أنفاس الريح”، لكن عندما تتحول أنفاس الريح إلى رحيل يرمي إلى زعزعة صلابتنا، هل للمحبة أن تصمد آنذاك و تحمي شعورنا؟
ج المحبه الخالصة لله لا تتزعزع، و الله لا يخذل نفسا و قلبا نقيا مخلصا. قالت الأم تيريزا: أرى الله في كل إنسان، حين أغسل جراح المجذوم، اشعر أني اعتني بالرب نفسه، أليست هذه خبرة جميلة؟ هب لله نفسك كلها و لسوف يستعملك لإنجاز أمور عظيمه شريطة أن تؤمن بمحبته أكثر بكثير من إيمانك بضعفك.
س نادتني، و قالت لقد أتيتُ من أعماق عُطّرت بالمنال، أرض الطيبين، فإن كنت في اشتياق فأنا أحمل لك الحنين، أو لست أنت تونس لبنان و أختك العراق فلسطين، فابسطي يداك و أمسكي الآمال، فالغد فرج مبين، استيقظت و في كفي هذه اللوحة:

فهل لك من تفسير لما تحمل من تبشير؟
ج هذه من أوائل اللوحات و أكبرها فقد أسميتها (الباب) لكبر حجمها، و لأنها مؤلفة من دفتين كالباب، و محتواها المثل الذي يقول ( من دق دق) و قد أعجبني تداخل الحروف هنا و كأنها في عناق أبدي، و حين العرض الأول لها سميتها ( الأرض الحبلى) للشعر الذي كان مرافقا للعرض. و لكن المعنى الأصلي الذي عنيته في من دق دق، أي أن من بدا الحرب و الظلم سيعود الزمان ليقتص منه، فما بين الحرف و الحرف عينا لشهيد، أو أم تصرخ من بين التراب، تلك هي هواجسي، تقول إن لا بد لشمس الحق بان تقضي على عتمة الظلم و لا بد لهذه الأرض أن تلد الحياة من جديد.
س تقول الأديبة الفلسطينية “عفاف خلف” ” لن تمروا، جسدي سياج البيت، جداره العالي صلاتي، و يداي فنارتان تحتضن البلاد”، فمن نحن بالنسبة للبلاد؟
ج و قالت أيضا الصديقة الأديبة “عفاف خلف”:
طعنة للشوق
لا تكفي
لا نزفها و تنزفني
قد كان/ ظل
لي فيها
أرضا و جنة
جنة و أجنة
و أحملها
بذور النور
في روحي
و أنتظر خصبها
-جبرا-
قد قال: الصديق
“الشعب عشب”
لا تكتهل به الطريق
و أنتظرها
على قارعة درب
يفضي إليها
أدل عليها كسائح
يشتري دمه
من سوق الغريب
يا بلدي
بلادنا هي بذور النور لأرواحنا نحملها في داخلنا أينما ذهبنا، و لكن كما قالت عفاف، نحن نبحث عن درب يفضي إلى البلاد في الوقت الحاضر، أين هي البلاد و أين من يحمي التراب.
شكرا لك الفنانة التشكيلية “منال ديب” على حسن تواصلك و زخرف مقاصدك و دمت نبضا محبا للوطن، فلن نيأس أبدا يا صديقتي، و على قول “إديسون” “دائما هنالك طريقة أفضل،” و كما أنشدت المطربة التونسية “سنية مبارك” ” و بنور الأمل نعيش و يعيش الأمل فينا،” و الأهم من ذلك كله و أقوى هو وجود الله عزّ و جلّ، فكل شقاء يندثر و كل كبير مستصغر أمام ذكر الله أكبر.
شكرا لك آمنة، ممتع هذا البوح، ممتع لحد فتح معه أبواب قلبي، دخلت به إلى أماكن لم أكن أعهدها في ثنايا روحي. سعدت بكل هذا الزخم من تبادل اللذيذ من المعرفة و المفاهيم، روح تحاور روح و تخرج عن المعتاد و المألوف حتى على الجمال انطلاقا من مقولة “كانط” الشهيرة: ‘الخير من أجل الخير، و الحب من أجل الحب، و الصداقة من أجل الصداقة، الفلسفة الأخلاقية أو فلسفة التعالي عن المنفعة. وربطا بموضوع الجمال، فإن “كانط” يرفض فكرة اقتران الجمال بالمنفعة أو تحقيق اللذة الحسية، ليتم الحكم على الشيء حكما معرفيا أو ذوقيا.

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *