وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي أذكر منها الحياة في جنوب إيطاليا و في صقلّية بشكل أكثر دقّة،إبّان النّصف الأوّل من القرن 20، يتكلّم عن العلاقة المتينة الّتي تنشأ بين الطفل سلفاتور و بين الكهل آلفريدو، و كيف أنّ نصائح هذا الأخير الّذي يكون أمِّيّاً ستجعل من الطفل سلفاتور شخصاً ناجحاً في المستقبل، وهذا يذكّرني بجملةٍ كنتُ قد قرأتُها في كتاب حياتي للأستاذ أحمد أمين (تعلَّمتُ منَ المدرسةِ دروسها، و تعلّمت من الحياةِ دروساً أبلَغَ من دروس المدرسة)، يتكلّم أيضاًً عن قصّة الحبّ الأولى في حياة الشاب سلفاتور، و عدم تحرّره منها رغم حياته العاطفيّة والجنسيّة الصّاخبة، الّتي يُشَارُ إليها تلميحاً لا تصريحاً في الفيلم، و رغم بلوغه درجات عليا إجتماعيّاً و مهنيّاً، كما يتكلّم الفيلم عن سينما باراديزو و التي يأخذ الفيلم عنوانه منها، كيف صنعت أهل القرية داخليّاً، حتّى أنّهم كانوا يحفظون مقاطعَ كاملةً من الأفلام التي كانت تعرضها cinéma paradiso، و هنا أعود لأشير، إلى آلفريدو الّذي كان يحفظ قاموساً من الجُمَل الوارِدة في الأفلام، التي كان هو القائم على عرضها في سينما بارايديزو، و كيف جعلَت منه حكيماً مُتبَصِّراً، و ناصحاً أميناً. الفيلم مليء بمشاعر الحنين إلى بساطة الماضي، الحنين إلى العمق الّذي توشك سطحيّة و تفاهة اليوم أن تخنقَه، الحنين إلى الحبيبة الأولى، الّتي تومئ إلى معنى الحنين من خلال إجابتها سلفاتور (لا، لا يُوجَدُ هناك مستَقبَل، و إنّما هناك الماضي فقط)، كما يمكنني القول أنّ من بين الرّسائل التي نَجَحَ الفيلم في إيصالها لي على الأقلّ، هي أنّ الأوفياء و العَمِيقِين يُعانون كثيراً، و هذا ما تعبّر عنه والدة سلفاتور بقولها(الوفاء ليس شيئاً جيّداً، إذا كنتَ وفيّاً فستجد نفسك وحيداً). و مِنَ الجُمَل الّتي لا أنساها أيضاً قول آلفريدو لسالفاتور (الحياة ليست ما شاهدته في السينما، الحياة أكثر صعوبة)، و هذا يُتيحُ لي أن أقول، إنّ الغرض من الفنّ ليس نقل الواقع أو شرحه و تشريحه، و إنّما أن يجعل الحياة مُحْتَمَلَة إلى حَدٍّ ما.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شكيب كاظم : هل كان للعرب نثر فني في أيام الجاهلية؟.

قرأت منذ سنوات (٢٠١٦) كتاب ( النثر الفني في القرن الرابع) لمؤلفه الباحث المصري الدكتور …

| أحمد الشطري : (آلهة من دخان) بين عمق المدلول ونسقية البناء السردي.

توحي لنا رواية (آلهة من دخان) للروائي أحمد الجنديل الصادرة عن دار مداد الكربلائية للوهلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *