وليد الأسطل: فيلم The words

لَوْ كُنتُ قد شاهَدتُ محتوى فيلم the words قَبلَ أن أعرِفَ عنوانه، ثُمّ طُلِبَ منّي أن أجعَلَ له عنواناً، لَمَا وَجدتُ أفضَل من (لِأَنّهُ ماذا ينتَفِعُ الإنسان لَوْ رَبِحَ العَالَم و خَسِرَ نفسه).
إنّ فيلمthe words يَنتَصِرُ لفكرة أنّ الإنسان هو أهمّ الموجودات، و أنّ الإبداع الفَنِّي أو الكتابة الرّوائيّة حتّى أكون أكثرَ تحديداً، هي وليدة المعاناة ، وليدة التّجربة الشّعوريّة العميقة، يقول (هيغل)(لَم يتمّ أبداً تحقيق شيءٍ عظيم في هذا العالم دون عاطفة). لا شكّ أنّ هناك كثيرين لا يوافقون على هذا الكلام، من بينهم أستاذي و معلّمي (محمود أمين العالم)، الّذي يرى في كتابه النّقديّ العُمدَة الّذي يحمل عنوان (أربعون عاماً من النّقد التّطبيقي)(إنّنا لا نصبح شعراء و كتّاباً بالتّحديق في البحر و السّماء، و إنّما بقراءة نصوص أدبيّة كثيرة). كما أنّني سمعت كلاماً للدكتور و الرّوائي (يوسف زيدان) يحوي كثيراً من الإستهجان في حقّ مَن يُقبِلون على الكتابة الرّوائيّة و هم لا يزالون في سنّ الشباب، طبعاً هذا الكلام يمكن الردّ عليه بحجج واقعيّة دامغة(سعود السّنعوسي حاز البوكر بروايته البديعة ساق البامبو وهو ابن 32 عاماً، و طارق بكّاري البالغ من العمر 28 عاما بلغت روايته نوميديا القائمة القصيرة للبوكر لهذه السّنة و……….). أمّا أنا فأمسك العصا من الوسط (لا مستحيل إذا كانت الموهبة كبيرة، و لا مستحيل مع الهمّة العالية).

يتكلّم الفيلم عن الكاتب الشاب (rory johnson)الذي يظهر محدود الموهبة في البداية، والّذي يقوم بدوره(BRADLEY COOPER)، هذا الكاتب العاشق لمدينته نيويورك و لحبيبته (DORA) التي ستصبح زوجته فيما بعد، و لكنّ هوى الكتابة يفوق حُبَّه لمدينته و حبيبتهِ مجتمعتين، فهو واقع تحت تأثير ندائها و كأنّها النّدّاهة، إنّه يريد أن يكتب رواية ناجحة. لأجلِ تحقيقِ هدفه قرّر أن يتوقّف عن العمل سنتَين، فكان يقضي سحابةَ نهاره متجوّلاً حتّى إذا جَنَّ عليه و على نيويورك و أهلها اللّيل و هَجَعَ السّامر، قام يكتب، و لكن دون أن يحقّق أيّ نتيجة تُذكَر، فلم تقبل أيّ دار نشر طبع عمله، و على الرّغم من ذلك أبى أن يُلقيَ سلاحه و أن يستسلم راضِخاً لحقيقة أنّه لم يُخلق للكتابة، رَغم ضغط والده المُحِبّ والمشفِق عليه الّذي يُنفِقُ عليه، والّذي لم يَجِد بُدّاً أن يقول له يوماً، في إشارةٍ إلى محدوديّة موهبته(أن تكون رَجُلاً يعني أيضاً، أن تعرف حَجم قدراتك، مهما كان الألم الّذي سيتولّد عن ذلك).
يتزوّج من حبيبته (dora)، و يسافران إلى باريس لقضاء شهر العسل، فتشتري له محفظةً جلديّةً من دكّانٍ باريسيٍّ يبيع أشياءَ قديمَة، و عندما يعودان إلى نيويورك، و في إحدى الصّباحات يهمّ بوضع أوراقه في هذه المحفظة، فيقع على مخطوطة لرواية، فيصعقه جمالها كما تصعقه حقيقة أنّه لا زال ينقصه الكثير ليكون روائيّاً. في غياب كاتب المخطوطة، يقرّر صاحبنا انتحالها و نسبتها إليه، و هذه هي جريمته الكبرى، لقد أخطأ مَن قال( في الحبّ و الحرب كلّ شيءٍ مباح)، لأنّ ما يجعلنا نحن البشر بشراً هو بُعدُنَا الأخلاقيّ، و آيةُ ذلك أنّنا نضحّي في أكثر من موقف ببعدنا الماديّ لصالح كيانات إعتباريّة، كالحريّة، الكرامة، المساواة، الواجب…..إلخ، لأنّه لا معنى لوجودنا في ظلّ غياب هذه القيم السّامقة، و لعلّ أكثر الأفلام المؤيّدة والمنافِحَة عن وجهة نظري، فيلم WE WERE SOLDIERS بطولة (MEL GIBSON) فَلَمْ يمنع العقيد الأمريكي فقده لكلّ أفراد فرقته، مِن أن يحرص على إرسال دفتر مذكّرات الضابط الفييتنامي إلى زوجته، و أيضاً في فيلم BRIDGE OF SPIES بطولةTOM HANKS، نجد أنّ المحامي قد دافع عن الجاسوس الّذي كان يعمل لصالح الإتّحاد السّوفييتّي بكلّ حِرَفِيَّة و الحرب الباردة في أوجّها. و هذا ما يجعلنا نشعر بالعار عندما ننظر إلى واقع ساحتنا الأدبيّة العَرَبِيَّة، فكلّ أديب ينفي الموهبة عمّن سواه، و الأمثلة الّتي يمكن أن أُدَلّلُ بها على كلامي كثيرة(إعتراض الطّاهر وطّار العنيف الّذي كاد يصل إلى دَرَجة القتل على فوز الشاعر عمر أزراج بإحدى الجوائز الأدبية، و أيضاً ما صنعه مع الشاعرة الشابّة الموهوبة حنين عمر، عندما قال لها شعرك ضعيف، خيرٌ لكِ أن تَبحَثِي عن رجلٍ و تتزوّجيه و تكوّني أُسرَة)، و للكاتب الكبير الرّاحل الطّاهر وطّار أشباه و لأشباهِهِ أشباه، مِمَّن يصرُخُ لسانُ حالِهِم قائلاً(إِحنَا العالَم و الباقِي هِسْهِسْ).

نعود إلى فيلمTHE WORDS، يحقّق الكاتب الشّاب نجاحاً باهراً و شُهرَةً واسعةً، إثرَ نشرِه الرّواية، و لكن و هو يعيش أعلى درجات النّشوة الّتي تمنحها الشهرة، يظهر في حياته صاحب المخطوطة، و هو شَيخٌ مَنكُود، قد أَمعَنَت الحياة في التّنكيل به، ولم يكتب سوى هذه الرّواية إثرَ فقده لاِبنته و هي لا تزال رضيعة، فكانت هذه الرّواية نتاج ما تفصّد عن ذلك من معاناةٍ نفسيّةٍ كبيرة عاشها هو و زوجته، الّتي أوشكت أن تنفصلَ عنه جرّاء هذه الواقعة الأليمة،عندما كان يعيش في باريس بعد الحرب العالميّة الثانية التي شارك فيها بصفتِهِ جُندِيّاً أمريكيّاً، فنسيت زوجته الفرنسية الرّواية الّتي كتبها في إحدى القطارات، فكان هذا الحادث بمثابة القَشَّة التي قصمت ظهرَ البعير، ذلك أنّه أدّى إلى انفصالهما، و يُعَلِّق الشيخ التّعس على ذلك مخاطباً الكاتب الشّاب(لقد كان خَطئِي أنّني آثَرتُ كلماتٍ حمقاء، على المرأة الّتي ألهمتني كتابة هذه الكلمات). و هنا شاهدٌ على أنّ الفنون و الآداب وُجِدَت لِخِدمَة الإنسان و ليسَ العَكس.

يُمعِنُ الشّيخ في تقريع الكاتب الشّاب، و يُمعِنُ هذا الأخير في استرضاء الشيخ محاوِلاً التكفيرَ عن ذَنبِه بكلّ الطّرق الممكنة، حتّى أنّه أبلغَ الشّيخ أنّه سيعيد إليه اعتباره بأن يُخبِرَ النّاس عن الكاتب الحقيقي للرّواية،و لكنّ الشيخ مُصِرٌّ على عدم قبول التّوبة(لَقد أخَذتَ كلماتِي، فخُذ معها الألَمَ أيضاً). و هذا ملمَحٌ نجدهُ عند كثير من التّعساء، فهم يجدون في الإنتقامِ لذّةً لا تُضاهيها أيّةُ لذَّة أخرى، فليس يُرضِيهم أن يكونوا سعداء بقدر ما يُرضيهم الإنتقام من العالَم و منَ النّاس حتّى و لو لم يكونوا هم سبب شقائهم. ألا قاتل الله سوء الطالع حين يصيب المتميزين. سوء الطالع الذي يشير إليه الكاتب الشيخ حين يسأله الكاتب الشاب قائلا:(لقد كان جون فونتي كاتب كبيرا، غريب كيف أنه لم ينل ما يستحق من التقدير؟!) يجيبه الكاتب الشيخ:(لا غرابة في ذلك، إنها الحياة).

يموت الشّيخ وحيداً، و يُودَعُ قبرَه، فيأتي الشّاب ويلقي بالمخطوطة التي كتبها الشيخ فوق التابوت، لتُدفَنَ معه، لكنّ تأنيب الضّمير لم يَمُت بمَوتِ الشّيخ، فوجه الشاب بعد بِضعِ سنِين سيكسوه قناع يفضَحُ اضطِرَابَهُ النّفسيّ، بالرَّغم من أنّ تجربته مع الشّيخ قد جعلت منه روائيّاً فذّاً، فقد حاك منها روايةً رائعةً، أسماهاTHE WORDS، و عندما يَقِفُ ليقرأ فصولاً منها أمام الجمهور، يحاول القضاء على عقدة النّقص الموجودة بداخله، بأن يقول(the words بقَلَمِي أنا)، لِيَضحَكَ الجمهور لِقَولِه الغريب غير مُدرِكٍ قَصدَه.
بعدَ إنهاءِ حَفلِ توقيعِه روايته الجديدة، يصطحب معه إلى بيته صحفيّةً شابّة، فتهمُّ به و يهمُّ بها، لولا أنّه تذكّر زوجته التي انفصل عنها و الّتي كان يحبّها كثيراً، فيمتنع عن مُواقَعَة الصّحَفِيّة، و تلوح في عينَيْه سيماءُ الجُنُون. لِأَنّهُ ماذا ينتَفِعُ الإنسان لَوْ رَبِحَ العَالَم و خَسِرَ نفسه.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *