د.سوسن البياتي: السرد العجائبي وأثره في بناء الفن القصصـي (الحلقة الاولى)

**إشارة** :
منذ قصصه الأولى .. فمجموعاته : حوار آخر .. وعربة بطيئة .. وواجهات براقة .. طبع القاص  المبدع فرج ياسين بصمته على جسد السردية العراقية والعربية .. تسلط الدكتورة (سوسن البياتي ) الضوء على جانب مهم من الفن السردي لفرج ياسين في دراستها المتميزة هذه

الثقافة العربية الحديثة ثقافة خاصة تعبر عن هويتها بمختلف أشكال الخطاب الأدبي ، وثمة خصوصية إبداعية ورؤيوية خاصة مرتبطة بهذا الخطاب ، تتجلى ((في مجال السرد العربي الحديث والقصة القصيرة تحديداً ، في محاولة صياغة نظم جديدة للسرد القصصي لا تقف عند حدود المنجز الفني لقالب القصة القصيرة في الآداب الغربية والأوروبية ، حيث التنميط ضمن إطار عقلانية لبرالية انسانوية ، بل تنفتح على ماهو جوهري في عقل الأمة وضميرها وتاريخها وموروثها وفولكلورها ، وعلى ما تختزنه من قوى روحية عميقة ، ومن اعتماد على البداهة والحس الشعبي وعلى طرائق الصوغ الشفوي التي تمتلك جذوراً عميقة في الوجدان الشعبي والموروث الوطني والقومي ))(1).

يعدًّ فرج ياسين من الأدباء القلائل الذين اهتموا بالفكر الميثولوجي / الأسطوري على الصعيدين الفني والأكاديمي ، من خلال التعبير عن المعتقدات والأفكار الأسطورية وتوظيفهما في فنه القصصي ، أو من خلال دراسته الأكاديمية التي أبرز فيها اهتمامه بهذا الفكر وكيفية تحليله لنص سردي يعتمد الأسطورة مضموناً وشكلاً ،أو من خلال أسطرته الشخصيات والواقع المعيش.

مجموعته القصصية ” رماد الأقاويل “(2) تعد من أحدث المجاميع القصصية التي أصدرها القاص ، تحتوي على ست وعشرين قصة مختلفة الأطوال، متعددة الأفكار وذات قصدية سردية عالية التقنيات .

تحيل قصص المجموعة على عوالم متعددة ومتشعبة الأجواء تتراوح بين عوالم أسطورية من شأنها أن تمد الأديب faraj_yasenبمادة قصصية زاخرة بالغرائب والعجائب لما تتسم به من خرق للمألوف وأفكار قلّما يفهمها الإنسان ولاسيّما تلك التي تتعلق بالكون والوجود وخلق الإنسان وصراع الآلهة فيما بينها وغيرها من المضامين الفكرية التي تحملها الأسطورة في ثناياها ، وعوالم شعبية لها أفكارها ومعتقداتها المتسمة بالغرابة طوراً وبالسذاجة طوراً آخر فضلاً عن وعالم الطفولة بمرحه والفته وبراءته الخصبة أبطاله الأطفال وهم ينسجون قصصهم في عالم خيالي مبتكر ، وهذه العوالم مجتمعة هي أكثر أهميةً وتجسيداً في قصص فرج ياسين في أغلب مجاميعه القصصية بدون استثناء .وهي عوالم أنتجتها عقلية أديب يفهم ما يريد ، ويعرف ما يقول منذ الوهلة الأولى وهو يخطط لمشروعه السردي القصصي من الحرف الأول.

لسنا هنا بصدد تطبيقٍ سردي لضخ آليات هذه العوالم واكتشافها في هذه الوريقات السريعة ، بل ينصّب مشروعنا على إثارة فكرة العجائبي التي تسم سرد مجموعة ” رماد الأقاويل ” وتكشف عن نفسها منذ اللحظات الأولى للقراءة الاستكشافية ، وقبل أن نقوم – نحن الآخر – بمهمة استكشافية / سردية أخرى القصد منها تفكيك النص العجائبي وتحليله ، سنحاول أن نعرج قليلاً على مفهوم السرد العجائبي وكيفيه توظيفه في النص السردي / القصصي تحديداً ولاسيّما وأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموروث ؛ فالسرد العربي ينطلق من تراثٍ خاص له علاقة بالماضي المستعاد فنياً في النص القصصي وهذا التراث يرسي تقاليد خاصة بوصفه فناً سردياً محدداً ببنى وأنساق معينة ،وهو في كل ذلك يتوسل بتقانات خاصة تنقله من العام إلى الخاص ، ومن الشفاهي إلى  الكتابي؛ مستغلاً معطيات الفكر العربي  الإسلامي، من هنا تنطلق العلاقة الثنائية التي نحاول الكشف عنها ، ونعني بها جدلية العلاقة بين التراث بوصفه حضارة الأمة وركنها الثقافي المميز، والسرد العجائبي بوصفه نسقاً من أنساق السرد العربي وشكلاً من أشكال تلاعبه السردي – في حضوره وغيابه-  داخل النص القصصي .

يشير مصطلح العجيب المأخوذ من الفعل الثلاثي (عجب) إلى (( إنكار كل ما يرد عليك لقلة اعتياده ))(3) ، ويشترط فيه القلة والخروج عن المألوف أو المعتاد عليه ، وقد أشار القزويني إلى أنه: (( ميزة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفته سبب الشيء أو عن معرفته كيفية تأثيره فيه .))(4).

أما اصطلاحاً فهو: (( شكل من أشكال القص ، تعترض فيه الشخصيات بقوانين جديدة تعارض قوانين الواقع التجريبي ، وتقر الشخصيات في هذا (النوع العجائبي ) ببقاء قوانين الواقع كما هي .))(5) ، فهذا النوع من السرد يكون بعيداً عن الواقع بطريقة تسمح نوعاً ما للاقتراب من حدود اللامعقول(6) .

وقد أشار تودوروف إلى أنه: (( التردد الذي يحس به كائن لا يعرف غير قوانين الطبيعة فيما يواجه حدثاً غير طبيعي حسب الظاهر ))(7) ؛ بمعنى أن ثمة قوانين جديدة غير مألوفة يجب قبولها في تفسير الظواهر الطبيعية ، يستند السرد فيه ((إلى تداخل الواقع والخيال، وتجاوز السببية وتوظيف الامتساخ والتحويل والتشويه ولعبة المرئي واللامرئي، دون أن ننسى حيرة القارئ بين عالمين متناقضين: عالم الحقيقة الحسية وعالم التصور والوهم والتخييل.  فهذه الحيرة هي التي توقع المتقبل بين حالتي التوقع المنطقي والاستغراب غير الطبيعي أمام حادث خارق للعادة لا يخضع لأعراف العقل والطبيعة وقوانينهما))(8).

وإذا جرَّنا الاستطراد إلى عالم الرواية بوصفها نوعاً سردياً فإن الاعتراف بالعجائبي لا يأتي اعتباطاً أو من فراغ بل ثمة قدر من الإيمان والاعتقاد به (( فالإيمان بالجانب غير المرئي من الحياة يشكل أحد الأطر التي تتحرك فيها الرواية في بحثها عن (معنى ) وعن (أهمية ) لهذا الوجود .))(9).

ووجود العجائبي في النص السردي (( يترك أثراً خاصاً في القارىء خوفاً أوهولاً، أو مجرد حبّ استطلاع ، الشيء الذي لا تقدر الأجناس الأخرى على توليده ، والعجائبي يخدم السرد ويحتفظ بالتوتر : إذ إن حضور العناصر العجائبية يتيح تنظيماً للحبكة مكثفاً بصورة خاصة .))(10) ، فوجوده في القصة القصيرة (( يمنحها قوة حالمة ودلالات قادرة على استيلاد الواقع والحقيقة بأكثر من شكل دون الوقوف على الشكل التقليدي ، وهو الوقوف المرعب أمام حقيقة عارية شوهاء . كما أن السرد العجائبي يملك مرونة تعز في السرد التقليدي تمكنه من حمل الكثير من المغازي وصهر الأسطوري والحكائي والخرافي في بنية جديدة تعرض الحقيقة كما يراها الكاتب أو كما يشعرها أو كما تلقاها لا كما وقعت .))(11).

ينهض البناء السردي في قصة ” حافات السنين المدببة ” على تعدد الأصوات : الراوي- الابن / الأم / الجدة روفه ، ويحتل صوت الراوي / الابن الحيز الأكبر في مسار السرد ، فيما يمثل صوت الأم انكسارا خطيا في تراتبية الزمن بعودة السرد إلى الماضي من خلال فعل الاستذكار ، يقول الراوي في إشارة معلنة لدخول الأم عتبة السرد من خلال إسناد فعل الكلام إليها:

(( قالت أمي : لقد أوصدت جفنيها على صورة محمود أفندي ، وهو ملقى كجيفة فوق اللوح الذي نقل عليه من (الخرجه) فأصبح نعشه . ولم تقو على النظر إلى نصف هذه المدينة. منذ ذلك الحين أدخلت كل الرجال على وجه الأرض في منطقة عماها الأزلي . وظل المحسنون والأتقياء من الجيران يبعثون ببناتهم الصغيرات إلى بيتها لكنها – ربما – سمحت قبل قرابة عشرين عاما بأن يناديها رجل من خلف الجدران ، أو أن يمد كفه بما يحمله إليها من نقود أو مؤونة ،لقد أعطت وعداً لشبح محمود أفندي الراقد في هباء ذاكرتها بكل زينته ، بأنها سوف تستدعيه حال انتهائها من انتزاع أشلاء المركب الغارق من براثن الفيضان.))(12).

فيما يتجسد صوت الجدة ضعيفاً يظهر بين ثنايا سرد الراوي / الابن والأم .

وينهض الفعل العجائبي في هذه القصة على قدرة الجدة على اختراق قوانين الطبيعة وصوغ قانون خاص بها يتمثل في استدعاء شبح محمود أفندي متى ما انتهت من انتزاع أشلاء المركب الغارق منذ ثلاثة عقود على أثر فيضان ، وهو أمر يكاد يكون عجيباً ضمن قوانين الطبيعة التي لاتسمح للبشر العاديين من استدعاء الأموات أو أشباحهم متى ماشاؤوا كما أن استمرار بقاء أشلاء المركب مدة ثلاثة عقود في النهر أمرٌ يكاد يكون عجيباً ؟!

إن ثمة موروث شعبي في قصص المجموعة يعتمد الإرسال الشفوي في صياغة المحكي ويعتمد تناوب الأدوار السردية بمعنى آخر تناوب في دور الرواة ، فقصة “رماد الأقاويل ” كما يوحي عنوانها تنهض على مستويات حكائية متعددة الأصوات وهي مستويات برع القاص في إخراجها والتفنن في وضع الأدوار على لسان الشخوص مع الأخذ بنظر الاعتبار التفاوت الزمني في دخول هذه الشخصيات التي تصوغ محكيها عبر تقنية القول مع اختلاف صيغه وتنوعه، جاء في القصة:

(( سأقول انه كان رجلاً نعرفه ))(13)،((عدد من الأقران الذين يسكنون حول عش اللقلق، بحيث تغدو القلعة في مرمى أبصارهم ، لم يذكروا شيئاً ..))(14)،(( أحدنا زعم ..))(15) و((آخرون ادعوا ..))(16) ، (( جدتنا شمسه هي التي أصبحت في التسعين من العمر روت الخبر بعشرات الصيغ ..))(17) ،((في تداخل مشبوب أدلى جندي عاد بعد ثماني سنوات من الأسر …))(18) و((في تداخل آخر زعموا إن ضابطاً برتبة نقيب ، أكد أن والده المتوفى منذ أواسط الستينيات هو الذي كان يعاشر السيدة الأجنبية …))(19) .

إن عوالم قصص هذه المجموعة تحيلنا على فنتازية عجيبة فثمة سحر خاص يوحي بأجواء الحدث وفضاءاته تعيدنا إلى سنوات خلت حيث البساطة والاندهاش والسذاجة في الطرح الحكائي ، هذا الارتباط بين المحكي وموروثه غدا أكثر انصهاراً وتماسكاً على أثر اشتداد ((نزعة الانفتاح عليه والإفادة منه وتوظيفه فوجد فيه الفنان مختلف العقد والأساليب كما وجد فيه ضالته للسخرية من الواقع .))(20).

فاستناد القاص إلى العوالم الشعبية ذو دلالة ((تعبيرية وليست عملية سردية ، أي ينبغي أن تمتلك قيمة إيحائية لواقعٍ مباشر بحيث أن تتجاوز الذات نحو الشمول ويتخذ فيها الرمز بالدلالة ، والذات بالموضوع .. وظيفتها أن يقاد البطل من إسار الذات إلى واقع العقل الإنساني.))(21) .

(( .. لكن البعض أشاعوا بأن وجود القبر الأخضر سوف يشكل تحدياً حقيقياً للسلطات البلدية إذا ما جرؤ أحد على الاقتراب منه ثم احتكمنا إلى تداعيات عتيقة ، كلها تدور في فلك القول ، بأن ذلك القبر ليس سوى قبره وأن أول انشوطة خضراء علقت فوق شاهدته ، شوهدت بعد عجاجه العجوز وبسببها وهي حادثة وقعت اثر موته ، الذي هو بلا تاريخ ، فقد روى إن امرأة عجوزاً فقدت في عاصفة هبت على بلدتنا في زمن قديم أمضت الليل في العراء، إذ تعذر العثور عليها لكنهم وجدوها فجراً على هيئة مهولة . كانت تحمل في ساقها أثر عظة حيوان مفترس ، فقد زعموا وقتها أن ذئباً هو الذي عظها . وأن اليد التي خرجت من القبر هي التي أنقذتها من الموت . لكن المرأة توفيت رعباً بعد يوم واحد ، وصار قبرها هو ما سمي بعد ذلك بالقبر الأخضر .))(22).

والقاص لا يكتفي بسرد الأقوال التي تحيل على كل ماهو عجيب بل – ومن باب حرص القاص على صوغ محكيه بكلِّ صدقٍ على ألسنة الرواة المعروفين عنهم الكذب والمبالغة في السرد – فإنه يستمر في تتمة هذا الحدث العجائبي بحدثٍ آخر أكثر دقة من خلال التحديد الزمني الذي يشير إليه بإشارة مقتضبة إلى موديل السيارة التي تقودها المرأة الغريبة التي زارت القرية وأيقظت الفعل الحكائي من سباته بعد أن خمدت الحكاية وبقى أثرها على الألسنة:

((…حتى حدث ما أيقض(كذا) الحكاية واحجّها(كذا) من جديد . إذ حلت في بلدتنا – قبل ثلاث سنين – امرأة في الستين من العمر ، ترتدي جلباباً زهرياً ، وتصر وجهها بلفاع اسود، تقود سيارة من نوع تيوتا موديل 1991 بدت وكأنها قطعت رحلة قاسية ، لأن عرق الرحلة جعل مكياجها يتجمد في خطوط تجاعيدها الشائخة .

ما إن وصلت حتى سألت عن عش اللقلق وبئر دورية وحمار الشيقا وتل السكن والشريعة والقلعة ومصاطب شيشين الصخرية ، وعن الجدة شمسه : فقيل لها أنها انتقلت إلى دار البقاء منذ ثلاث عشرة سنة ، وعندما سألت ( كذا ) عن هويتها وعن سبب قدومها ، أفادت بأنها امرأة عاشقة استيقظت تواً من حلم خرافي وأنها جاءت لكي تطلق النار على ذكرى رجل سمعت أن هناك من بات يقدس قبره الوهمي ، لأنه أفسد حياتها .))(23).

وفي قصة ” الميتافيزيقي” تستقل الشخصية بأفكارها وتندمج مع المشاهد التلفزيونية التي يحرص على متابعتها ، فتنقلنا عين الكاميرا إلى عدة مشاهد يلتحم بها التحاماً عبر اقتحام شاشة التلفاز ، فيصبح جزءاً من هذا المشهد الذي يؤثر فيه أو ذاك، وهذا الاقتحام غير المألوف هو ما يثير فعلاً عجيباً في المشهد السردي ، يقول القاص :

(( … فهو يحب هذا المشهد ، ولكنه لم يعد قادراً على تمييز ما إذا كان موقفه ينطوي على تعاطف فني أو موضوعي . وفي حين كان الصبي يقترب من الواجهة ، بدت الكاميرا وكأنها تبحث عنه ، تبادل الوجهان حضوراً متناوباً باللقطة الكبيرة ، الشيخ والصبي ، الصبي والشيخ ، الشيخ والصبي ، الصبي والشيخ . وأخيراً حان موعد الابتسامة . ارتدى ثيابه وقفز في المشهد ، وقف خلف الصفوف ، كان يبحث عن الجنرال الإيطالي الذي أدى التحية للحظة الابتسامة ، متأثراً بهمهمة الرجال وزغاريد النسوة .

كان الجنرال الإيطالي يتأخر عن الجمهور الذي لحق بعربة الشهيد ، وظل يمشي وحيداً منكسراً ، يفكر بكتاب الفصل من الخدمة أو بالموت إعداماً في ميدان المعركة . فمشى خلفه ببطء جنائزي متيحاً له فرصة أخيرة لابتلاع دموع عبرته . قبل أن يربت على كتفيه ويقول له:

أشكرك يا سيدي ! هل تذكر حادثة الخيمة التي نصبت للمفاوضة في عمق الصحراء الليبية ؟ قال الجنرال الحزين : نعم . قال له : إنني أشكرك من أجل وصفك الشهيد بالأسد الشيخ .))(24).

ويتكرر مشهد دخول الشخصية الى شاشة التلفاز في عدة مشاهد ، ويطلق الراوي على كل مشهد تسمية معينة من البوابة التي يدخلها فهناك :بوابة الضجيج / بوابة الوردة / بوابة الشاي / بوابة الخلوة /بوابة الخريف ، وهذه البوابات تمثل تعبيراً سردياً عن اللقطات التي يشاهدها من على شاشة التلفاز أولاً ، وتأتي تعبيراً صارخاً عن الحالة النفسية التي تسكنه تلك اللحظة .

ويتجلى العجائبي في أوضح صوره في قصة ” غداً في الصدى ” حيث  السعلاة والبقرة التي قررت أن تتحداها عند منتصف كل ليلة وهي حكاية من الحكايات الشعبية التي لها مغزاها ودورها في تشكيل بنية سردية حكائية تعتمد الحيوانات رموزاً لها في تأسيس بنائها السردي ، ويتوضح العجيب فيها من خلال تكرار الحدث عدة مرات ذلك أن أهم ما يميز السرد العجائبي هو تكرار الحدث غير المألوف أو الخارق لقوانين الطبيعة، كما يتبين في النص الآتي :

(( لأن البقرة قررت تحدي السعلاة قائلة لها: إذا أتيت مرة ثانية ، وجرؤت على دخول البيت ، فإنني سأغمزك بعيني ، وأنطحك بقرني ، وارفسك برجلي، وكانت السعلاة تقول لها : سوف أقوض هذا الكوخ المصنوع من القصب ، وافترسكم جميعاً .))(25).

وارتباط الحدث الراهن / لحظة السرد القصصي الذي يبرز فيه الأب والابن أبطالاً للحكاية مع الحدث الماضي بشخوصه غير البشرية/ السعلاة والبقرة ، إنما يأتي ترميزاً للعلاقة المستمرة والقائمة بين الزمنين ، فالسرد الآني ينصهر ويذوب في السرد الماضي ، وهذا الأخير بدوره يشكل الدعامة الأساسية التي يستند عليها السرد الراهن / الحاضر ، ومما يدلل على قولنا هذا عودة الحدث إلى نقطة البداية الرمزية في حوار الأب والابن وتصميم هذا الأخير على أن يمثل دور المتحدي والمنتمي إلى ماضيه / الأرض والنخلة الشاخصة بجذورها في أعماق هذه الأرض ، يقول القاص :

(( – إذا قطعوا النخلة التي في بيتنا القديم ، فهل ستأخذني إلى ذلك السياج ، وتشير إلى مكانها أيضاً ؟

– سأفعل ذلك ، أما كنت تريد أن أفعل ذلك ؟

– بلى

كان الرجل يحاول موازنة جسد الصبي الممتد فوق ساعديه ، ويحثه على استخدام قدميه

في دفع جسده إلى أمام .

إذا قطعوا النخلة فهل سيبقى منها شيء في الأرض ؟

تبقى بعض جذورها ، أما إذا اجتثت الجذور فإن ثمة أوعية متناهية في الدقة ، مع

بعض تفرعات الجذور العميقة ، لابدَّ أن تبقى في الأرض .

تخلى عن ساعدي والده ، ووقف قبالته ، وقد فرق الماء شعر جبهته ، وطبعت قُبل

الماء البيض فوق عارضيه وخديه أقراصاً مذهبة الحواش ، جرّاء علوق ضياء الشمس بأطراف المويجات المنعكسة فوق وجهه .

– أتقوى هذه الجذور على الكلام يا أبي، مثل قطرة الدم ؟

– آه ، ربما ، نعم !

-إذا أصبحت رجلاً فإنني سأظل أذهب إلى مكان النخلة في بيتنا القديم ، وأحاول الاستماع إلى حديث الجذور .))(26).

أما قصة ” الأميرة والحائك ” فإن أ ول ما ينبغي الإشارة إليه هو التركيب العجائبي الذي يوحي به عنوانها ، فالعنوان – على حد تعبير النقاد هو عنصر بنائي يعمل خارج النص يكشف عن مفاتيح آليات اشتغال الحكي داخل النص ، بمعنى آخر انه مفتاح تأويلي يؤول النص ويفسر أسراره لذا – ومن باب حرص القاص على إقامة علاقة بين الاثنين / العنوان والنص فإنه يعمل على اختيار العنوان بما يلائم مسار الحدث القصصي ، فهو بمثابة نوع من أنواع الرموز، وما على القارىء المتفهم ، الواعي ، سوى فك هذا الرمز ومعرفة الأسرار التي يود القاص طرحها خلال نصه القصصي (( فإذا كان اختيار القاص للعنوان يعد نوعاً من تركيب الشفرة . فإن قراءة المتلقي اشتغال على فك الشفرة إذن ليس العنوان عبارة لغوية منطقية أو إشارة مكتفية بذاتها بل هو دائماً مفتاح تأويلي أساسي لفك مغاليق القصة ونفائسها وتنبسط تحت قدميه في طواعية الملأى بالأسرار .))(27).

يحيل عنوان قصة ” الأميرة والحائك ” على فضاءٍ سردي يستند إلى موروث شعبي أساسه حكايات ألف ليلة وليلة ، ولكن مجريات الحدث القصصي تزيح هذه الإحالة إلى فضاء أسطوري يعمل على أسطرة الواقع والشخوص وفي الوقت ذاته يفعّل منطق العجائبية لتتوضح الأدوار الرئيسة في خلق نمط عجائبي يأتي بكلِّ ماهو خارق وغير مألوف ، يقول القاص :

((...ظهرت بين قادة الجيوش هواية غريبة ، أقلقت الملكة راب ، فقد نما إلى أسماعها ، أن فارساً من أبناء ملوك المستعمرات البعيدة ، ادعى بأنه يحاول التوصل إلى معرفة سر ذلك السلاح ، الذي وهبه اله الصواعق للملكة راب ولزوجها القائد الأعلى ،وقيل إنه حاول صنع صورة متخيلة له ثم منحوتة صغيرة من الخشب . وإن عدداً من فرسان المملكة جعل يحاول مجاراة ذلك الفارس ، مما أثار تقولاً ولغطاً بيت الغوغاء ، لكن الملكة بعثت في طلب هؤلاء جميعاً ، ولما مثلوا بين يديها ، قالت لهم : سأمنحكم حظوة لا تمنح إلا للعظماء وأنصاف الآلهة ، ثم أدخلتهم إلى جناح مخدعها ، حيث يقيم زوجها القائد الأعلى ، ولكن أحداً منهم لم ير الدنيا بعد ذلك أبداً .))(28) .

ويستغرق النص في طرح تحديدات جديدة :

((وبينما كان الحائك ساس يسلي نفسه بحياكة مئزر للأميرة ، يصنعه من خيوط مغزولة من عصارة جذع شجرة ، وهو يفكر بموعد دخول الأميرة . إذ سيقوم بقياسه على جسدها آخر مرة ، عند طرحها لملابسها الملكية ، شهد عبور لحظة الشمس من الزاوية التي كان يقتعدها ، بيد أنه ذُعر لمرأى انهيار مفاجىء بحجم راحة اليد ، جعل يبتلع التراب ، آخذاً بالاتساع رويداً رويداً ، فيما ثارت غمامة صغيرة تلاشت في عمود رفيع تراقصت ذراته وذابت في الأشعة العابرة . خيل إليه برهة ، انه سمع صوتاً ، ليس كتلك الأصوات التي دأب على سماعها ، طرح الثوب جانبا وخطى قدماً ، ثم جثى أمام الثقب ، شاهد فضاءً كابياً مترباً، بحث عن أي صدى محتمل لذلك الصوت ، غير أنه تأكد أن ذلك لم يكن غير صوت قلبه ، وقد أجهش منبهراً .))(29).

ويعدُّ التراث الصوفي من أكثر المنابع السردية غنىً وكثافةً بما يحمله من رمزية خارقة للمألوف وأفعال عجائبية، يضع اللبنات الأساسية للسرد العجائبي بما يمتلكه من ألفاظ ودوال تعبيرية لها دلالات خاصة في سياق النص الراهن ،المستثمر في الفعل الحكائي ، هذه الألفاظ تحمل طابعاً مميزاً إذا ماتمَّ استغلالها خير استغلال وتوظيفها في المعنى المراد ، ولعل حالة الوجد والتوحد – وهي من أبرز السمات السردية في التراث الصوفي – تشكل فعلاً عجائبياً تعبر عن حالة المتصوف ورؤاه ، فضلاً عن ألفاظ أخرى كالفناء والحلول وهي ألفاظ تستوعب قدراته وتوقه للانصهار في العالم الذي يتم التوحد به ، ففي قصة ” الخروج ” يتم التعبير سردياًَ عن هذا الموروث من خلال اختلاق القاص لشخصية ” السيفاني ” المتصوفة :

(( … وعندما التفت لكي ترى الرجل وجهاً لوجه . عقدت الدهشة لسانك . انك تعرف هاتين العينين الباسمتين ، وتلك اللحية الخفيفة التي وخطها الشيب . أهو الرجل الذي كنت تبحث عنه ؟ يخيل إليك أنه من كنت تستحضر صورته كلّما وقفت أمام مرقد السيفاني ، خاشعاً وداعياً ومستنطقاً بركته ومستدراً كرامة من تلك الكرامات التي يجود بها بعد موته ، أهو السيفاني وقد انتبذ هذا المسجد الفقير هرباً من كل ما أحيط به من بهارج وزينات ، حالت بينه وبين معاينة الناس ، وحالت بين الناس وبين مشاهدته ؟ أهو السيفاني وقد سئم الأسوار والأسيجة الكثيفة . بعقدها الذهبية ، ونشرات الأنوار الباهرة ، المعلقة في كل مكان تسد أمام أنظار الخلق مسالك الرؤيا ، ولاترفدهم بغير ضجيج البريق الخلب وسورته ؟ …))(30).

 

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

تعليق واحد

  1. جواد الحطاب

    الاستاذة الدكتورة البياتي

    لقد انتقيت الجوهرة من بين لآليء الادب العراقي .. فالقاص الكبير فرج ياسين قامة شاهقة في السرد .. وذائقة عالية المجسات في النقد .. وقد قصّر النقد العراقي بحقه كثيرا .. وما دخولك عالمه الا خطوة جريئة ومغامرة عذبة .. لما تملك غابته من تعدد الالوان والحيوات ..

    بوركت واعانك الله على اكمال استقرائك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *