التشكيل المعاصر في العراق
بطباعة الصورة ومعالجتها وبأسلوب:Lambda Print. فن الديجتال
د.عايده الربيعي

قراءة للعمل الفني (الحب الخفي). للفنان العراقي المغترب حليم كريم.
وصف العمل: يمثل الشكل عالم من الصور الفوتوغرافية الملونة يتجاوز فيها الفنان التقليد في فن الرسم والتصوير الذي ظل شائعًا في العراق. يركز الفنان (حليم) على مفاهيم تعد جديدة في التجربة الفنية المعاصرة في العراق مع الالتزام بالقيم الفكرية ونقلها عبر وسائل مستحدثة. الشكل عبارة عن صور ضوئية شخصية متكررة لذات الشخصية، تبدو باهتة تبتعد نوعًا ما عن دقة التفاصيل وملامح الوجه، فقدتْ كثيرًا من ملامحها ليُضفي عليها تعبيرًا جديدًا يتفق ورؤيته الحديثة. تبتعد هذه الصورة عن كل الصور التي سبقتها لنفس الشخصية كونها ابتعدت كثيرا عن أصلها. جاءت الصورة سلبية، ومكبرة، وملونة بطباعة فوتوغرافية لوجوهٍ ملثمة. تنظر الشخصية بعيون مفتوحة مبهمة الملامح وبلا تفاصيل، إنها مجرد أشكال ناعمة وألوان ضبابية. شغل الوجه الجزء الأكبر من مساحة العمل بما يسمى “بالمساحة الايجابية”. شُكلَت الوجوه بنظام التجاور في معظم تلك المساحة. استعمل فيها الفنان “النظام التماثلي” في تكرار الصورة كطريقة مستخدمة لنقل المعلومات حيث تكون فيها المعلومات عبارة عن كم مادي متماثل ومتتالي ومستمر. تتكون الصور في مثل هذه الأعمال من ألواح فوتوغرافية سلبية ممسوحة ضوئيًا بالماسح الضوئي Scanner (هي آلة تستعمل في إدخال صور ورسومات إلى الحاسوب، حيث يحولها الفنان من طبيعتها الرسومية إلى صور رقمية). يركز الفنان على الطبقة الوسطى التي تكشف عيني الشخصية المصورة، وتُمحى المساحة الواقعة خارج البؤرة بمواد كيماوية (هكذا تظهر عينا الشخص من داخل ضبابية محيطة وكأنهما دليل على البعد الإنساني المصان الذي لا بد من حمايته).(1) أو هما بمثابة النافذتين اللتين بهما يطل على العالم ليكونا شاهدين على الأحداث. يؤكد الفنان (حليم) على توظيف صورة (البورتريت) ليطرح من خلالها أفكاره ومواقفه الاجتماعية والسياسية . وعلى المتلقي أن يحدد عند النظر إلى هذه الصور المسافة التي تفصله عنها للتركيز على ما يشاهده. يلعب هنا فن الخداع البصري optical art illusion في الصورة دورًا في غموض وجمال العمل بسبب تضليل الرؤية، وأن يرى المتلقي الصورة التي أمامه على غير حقيقتها التي هي عليها. فالخِدَع هنا مبنية على العديد من الاحتمالات من أهمها الأوهام، انه يوهم المتلقي عبر حيل بصرية، وعبر تركيب صور أو مسحها بمادة كيمياوية بطريقة مدروسة، بحيث تعطي النتائج المتوخاة منها. إن ما يعمّق هذا الشعور (الأوهام أو الخِداع) طريقة الفنان البارعة في توزيع الضوء وتمثيل الظلال، يؤدي ذلك إلى ظهور وضمور تفاصيل الوجه على امتداد مساحات العمل بتشبيح الملامح، سوى العينين فتبدوان بارزتين. فضلًا عن التضاد في اللون الموزع على مساحة الشكل. يبدو وجه الشخصية بملامح جامدة ونظرات حادة. (يمثل العمل هنا صورة للضعف الإنساني في أجلى صوره). التقط الفنان الصور بكاميرا 35 مم، ما بين التقاط الصورة ومعالجة الفيلم قام بتلوين الصورة السالبة ومسحها ضوئيًا وتكبيرها، وأضاف ستارًا حريريًا أسود اللون أمام بعض الصور ليضيف مزيدًا من الغطاء(يعد هذا جزءًا مهمًا في أعماله لأنه يزيل الخط الفاصل بين الواقع والخيال حتى لا تعرف ما الذي تراه).
الدلالة والمعنى: يمثل العمل قضية الغياب والاختباء تحت الإيهام والقناع عبر تسميات ورؤى الفنان الخاصة. ويحمل رمزية غاية في التنوع. مثل: تحديق العيون، الحرير الأسود، غياب الملامح، اللون. جميعها إشارات لها دلالاتها. ويمكن أن يلاحظ المتلقي إن هذه العيون ضاربة الشبه بعيون التماثيل السومرية. فللصورة هنا أثرها الواضح في أعمال (حليم كريم) بل أصبحت نهجه الفني. وتعدّ الصورة في الفن الجديد عنصرًا بنائيًا فنيًا بارزًا في العمل (كما مر ذكره أعلاه) بتوافر ثلاثة عناصر لا يمكن فصلها، وهي: “المادة، المحتوى، وكيفية التعبير في إنتاج الصورة الفنية كعمل بحد ذاته ينتمي الفن المعاصر”(2) على حد تعبير (جـون ديوي (John Dewey.

شكل (1) حليم كريم ،الحب الخفي، تصوير فوتوغرافي معالج، 2010، فينيسيا
7/8 X48 Inches66

يرى (هربرت ريد Herbert Edward Read) إن صورة أو شكل العمل الفني هي الهيئة التي اتخذها العمل، ولا يعنينا إذا كان ذلك العمل الفني بناءً أو تمثـالًا، أو صورة، أو قصيدة شعرية، أو سوناتا موسيقية. فإن كل شئ من هذه قد اتخذ هيئة خاصة أو متخصصة، وتلك الهيئة هي شكل العمل الفني.(3) وهذا يفند قول الفئة الرافضة لهذه الأعمال على أنها فن. يحتاج الفنان لإنتاج مثل هذه الأعمال إلى الكثير من الوقت، ومن رسم الأفكار، واختيار الوسيط وتوظيف التقنية المناسبة لإقامة موضوع فني يحمل جماليته عبر اشتغالٍ جديد من خلال الإضافة والحذف. يقول الفنان حليم عن أعماله: أصبحت هذه التقنيات السمة المميزة لأعمالي، و وسيلة للتغلب على آثار سياسة الخِداع، أتحول مع الكاميرا إلى كيان واحد يسعى إلى الكشف عن الحقيقة .يعتمد فن الخداع البصري على نوع من سحر التخيل ومعنى سحر التخيل أو الخداع البصري اصطلاحًا: هو ذلك الفعل الذي يصوّر للمتلقي دائمًا الصورة المرئية على غير حقيقتها، حيث تكون الرؤية خادعة أو مضللة، يبنى هذا على أن العين ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب أو التفسير العلمي له تجمع العين المجردة المعلومات وبعد معالجتها بواسطة الدماغ تعطي نتيجة لا تطابق المصدر أو العنصر المرئي.(*) إن الخِدع البصرية في مدرسة الخِداع البصري Optical التي تعني بصري و Illusion Art تعني فن ليكون المعنى الإجمالي فن الخداع البصري، هي عبارة عن صور ومشاهد مصنوعة مسبقًا بطريقة مدروسة لتظهر للمتلقي بطريقة معيّنة ما، وهي ليست كذلك في الحقيقة كونها ضرب من التمويه، تتعدد بتعدد التقنية، فمنها متعلقة بالألوان كما في عمل (الحب الخفي)، فالحيلة هنا فعل يخدع كليّة النظام البصري للمتلقي بدءًا من العين حتى الدماغ، أي أنّ الخدعة تنطلق أولا من العين حتى تصل الإدراك العقلي، فيخيّل للمتلقي أشياء مخالفة لما هي عليه في الواقع.(5).

شكل (2) حليم كريم،الحب الخفي، تصوير فوتوغرافي معالج، 2010، فينيسيا

يعتمد الفنان (حليم) فن الخداع البصري Optical art illusion لإبداع لوحات تشكيليه توحي بالقيم الجمالية الجديدة والمتحولة المتمثلة في الحركة والسكون والعمق وبروز اللوحة وضمور وحدات من الشكل، بالرغم من أنها على سطح مسطح مستوٍ. وهو أسلوب يمثل سمة العصر وطابعه مثله مثل فن تشويه المنظور البصري (فن الانامورفسي Anamorphoses)* حيث يعتمد على الخداع البصري من خلال رؤية صورة مرئية واضحة من مصدر مشوه.

هوامش
*قدم العمل في فينيسيا/2010.
-سلمان قاصد.. (19 يناير 2011) الفن العراقي بين الريادة والاغتراب، (جريدة الاتحاد)، العراق
– انظر: ديوى، جون.(سبتمبر – 1963). الفن خبرة – تر: زكريا إبراهيم، مراجعة زكى نجيب محمود (دار النهضة العربية – بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين) -(القاهرة – بيروت). ص184.
-ينظر: ريد، هربرت. (1996). التربية عن طريق الفنّ – تر: عبد العزيز توفيق جاويد – مراجعة مصطفى طه حبيب – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.ص 25.

-عبد الرحمن فلاته، سماهر. ( 2008). فن الخداع البصري وإمكانية استحداث تصميمات جديدة للحلي المعدنية. جامعة الملك سعود. المملكه العربيه السعوديه .ص6.
-هو إعادة صياغة التكوين التشكيلي برؤية منظوريه من خلال المفهوم الرياضي للنسب التشكيلية وتحويلها إلى تكوين غير منتظم في الخطوط والاتجاهات ويمكن رؤيتها رؤية واقعية من خلال انعكاسها على السطح المصقول وأشكاله وخاماته المختلفة أو رؤيتها من زاوية معينة على بعد معين.
*)https://ar.wikisource.org/wiki/%D8%B4%D8%B1%D8%AD_%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%AD_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86_%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B3%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A/%
D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%AB_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84

بيروت/2019

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *