صباح هرمز: هل هدمت رواية “وشم الطائر” ثنائية الرواية والوثيقة؟

قد تبدو هذه الرواية لتعرضها لمأساة الأيزيديين التي هزت العالم، بأنها رواية وثائقية، أو أن مؤلفتها دنيا ميخائيل، لكون الرواية كذلك، ستلجأ الى الشروط والمواصفات المتوفرة في الوثيقة، كإفادات الشهود الذين عاصروا أحداث سبي نساء وفتيات هذه الطائفة من قبل داعش، أثر دخولها مدينة الموصل عام 2014، وقتل شبابها ورجالها الطاعنين في السن في إبادة جماعية مروعة، وإستخدامها للصور الفوتوغرافية، ونشر التقارير الموثقة في الصحف بالحقائق التي شهدتها سنجار والقرى التابعة لها. إذ رغم عدم إستخدامها للشروط والمواصفات الآنفة الذكر الآ أنها أتبعت أسلوبا آخر، يفضي الى الوثيقة أيضا. وهنا يكمن سر نجاح هذه الرواية، وتجاوزها في ماهية التفاعل مع ما هو غير تقني وخيالي، وتحويله الى فني وجمالي.
ولكن حتى لو لم تتبع هذه الطريقة التي تختلف عن الطريقة التقليدية في كشف الحقائق التي مارستها داعش ضد الأيزيديين، فإن مجرد تصديها لمأساة هذا الشعب المروعة، يعد هذا التصدي بحد ذاته وثيقة. ذلك لإطلاع المتلقي على الأحداث المأساوية التي وقعت لهذه الطائفة بكل تفاصيلها وحيثياتها، بلغ حد إنطباعها في ذهنه ووجدانه، بوصفها وثيقة، تعبر عن الأحداث والشخصيات نفسها التي أبيدت وسبيت وأختطفت في سنجار. لذا فإن الإستعانة بالوثائق التقليدية، للأسباب الآنفة الذكر، مع أنها من أولى مهمات الرواية الوثائقية، ليست إلآ عبئا على المتلقي من جهة وعلى الرواية نفسها من جهة أخرى. ذلك أن الوثيقة أقرب الى الجانب السياسي منه الى الفني، كما أن التعويل على الأسلوب الميتا سردي، فضلا عن كونه من الأساليب الحديثة، فإنه أكثر إستمتاعا وقراءة قياسا بقراءة التقارير الجافة والخاوية من الروح الحية.
لذا فقد أرتأت مؤلفتها، أن تجمع بين الوثيقة غير التقليدية، وبين الجمال، أي بين الوثيقة التي هي أحداث وشخصيات الرواية التي تمثل أحداث وشخصيات الأيزيديين الراسخة في ذهن المتلقي، والجمال الذي هو الخيال والوسائل الفنية الموظفة في الرواية. وكلاهما الخيال والوسائل الفنية، ترفضهما الوثيقة التقليدية. أي الجمع بين ما هو لا يمكن محوه من ذاكرة شعب بأكمله، وبين ما هو مبتكر. وهذه الطريقة في السرد على ما أظن فريدة من نوعها، إن لم تكن من الأساليب الحديثة في فن الرواية. إن الجمع بين الوثيقة التقليدية والجمال، ليس في الفن الروائي فحسب، من الصعب بلوغ المستوى الفني اليه، وإنما في كل الفنون، ذلك أن الجمع بين هذين العنصرين بحاجة الى حائك حاذق، وصانع ماهر يجيد حرفنة التوازن بينهما، وبدون هذا التوازن، سيفقد العنصر الثاني وهو الجمال، حضوره وتأثيره ووقعه، وبالتالي أهم المميزات الفنية للرواية التي ترتكز عليها في حياكتها وهي التقنية. فالرواية الحديثة، بدون التقنية، لا تعد سوى مادة خطابية بدون عنوان ولا هوية، لخروجها عن إطار الجنس الأدبي أو الفني التي تنتمي اليه. ولعل هذا التوازن، لكون أحداث الوثيقة، أقرب الى الحياة من الحياة نفسها التي نعيشها يوميا، وغارقة في الواقعية أكثر منها أيضا، بوصفها أحداث غير أعتيادية وغير قابلة للنسيان، بعكس الأحداث اليومية التي سرعان ما تنسى، قد تكون هذه الأسباب، عاملا بلجوء الحائك الى إستخدام الخيال الذي يرى الدكتور جودت هوشيار: (أن محاولة اللجوء إليه لتجسيد تلك الأحداث، فإن أقل ما يقال عنها أنها كثير الإستغراب إن لم يكن الإشمئزاز، لأن تحريف الوقع المأساوي وتجميله هو تغطية لقسوته ولا إنسانيته. ..)1. بينما يرى الدكتور إبراهيم عبدالله في كتابه: (التخيل التأريخي) بالمادة التأريخية المتشكلة بواسطة السرد وقد أنقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية، فهو لا يحيل على حقائق الماضي ولا يقررها ولا يروج لها إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال والتأريخ المدعم بالوثائق. لكنه تركيب ثالث مختلف بينهما.)2.
إذن نحن هنا أزاء رأيين مختلفين، أحدهما يناهض إستخدام الخيال في الرواية الوثائقية، والآخر يناصر إستخدام الرواية التأريخية. الأول من منطلق: (أن الرواية الفنية الوثائقية في الآداب الأوروبية والأمريكية، تكتفي بتسجيل الحوادث والعرض المباشر للواقع كما تقول كتب التأريخ من دون إنتقاء الأحداث والمواقف والتفاصيل الدالة ومن دون الصياغة الفنية والجمالية للرواية)3. والثاني من منطلق الى أنه ((لم يبق بالإمكان قبول التصورات الأولى لوظيفة الرواية التأريخية، (مع الفارق القائم مع الرواية الوثائقية، لأننا بصدد الحديث عن هذا الجنس، وليس الرواية التأريخية)*. كما أشار اليها الروائي جرجي زيدان.)).4
وفي الوقت ذاته، أزاء نص في الظاهر وثائقي، وفي المخفي فني، وهذا ما سأحاول تناوله في معرض تطرقي الى هذه الرواية. ترى هل أفلحت دنيا ميخائيل بهدم هذه الثنائية القائمة بين الوثيقة والرواية، لإنجاب تركيب آخر بينهما؟
في الظاهر وثائقي، ليس من خلال تصدي الرواية لمأساة الأيزيديين، وإطلاع العالم عليها فحسب، أي عبر ما يتعرض اليه أبناء هذه الطائفة، وإنما عبر الكشف عن القوانين الجائرة التي يؤمن بها داعش، ويسعى تطبيقها على الديانات الأخرى، هذه القوانين التي يندى عليها الجبين، كسبي النساء مثلا وبيعهن من شخص الى آخر، وممارسة الجنس معهن بشكل جماعي، وسرقة حاجياتهم الشخصية، وإرغام الأسرى على الدخول في الإسلام وفرض الضرائب والزكاة عليهم، وحتى قتلهم في حالة الإنصياع لأوامرها هذه.
إن الساردة التي تنوب المؤلف، في الوقت الذي تعول على قوانين داعش في توظيفه للشق الوثائقي، مدينة إياها من فمها، عمدت في الوقت ذاته الى توظيف تقنية المقارنة والإيحاء والتناقض ، ليتماهى الشق الجمالي فيه. في الوثيقة.
وللتأكيد على أن الرواية تسير على هذا النهج في ترجمتها للوثيقة على أرض الواقع عبر هذا التماهي، تبدأ أول ما تبدأ بأخذ أعضاء التنظيم من الأسيرات كل حاجياتهن، بضمنها خواتم الزوجية، ما عدا خاتم (هيلين) الشخصية المحورية للرواية، ذلك أن خاتم زواجها لم يكن خاتما، وإنما كان وشم طائر، جامعة الساردة في أربع جمل مقتضبة، لا تتعدى السطرين بين الوثيقة والفن. تتمظهر الوثيقة في أخذ الخواتم، ويختفي الفن في خاتم الطائر المرسوم على أصبعها الذي كان سببا للقائها الأول بألياس، وصار فيما بعد رمزا لحبهما. ذلك أنه: (كان شائعا بين أهالي قريتها أن ضياع خاتم الزواج هو نذير شؤم قد يؤدي الى إنفصال الزوجين، لذلك فقد أستغنيا عن إرتداء الخواتم.). ولكن هذا الإعتقاد السائد لدى أهالي قريتها، يعطي نتائج معكوسة، ذلك أنها تنفصل عن زوجها، لإختطافه من قبل داعش، ومن ثم نحره. وهو بهذا، أي الساردة، لم تبلغ الوثيقة الى المتلقي، عبر تماهي شقيها فحسب، وإنما بالتعويل على العقل الجمعي لأهالي لقرية أيضا المتمثل في إعتقادها السائد، بأن ضياع الخاتم هو نذير شؤم.
وإذا كانت هذه هي الوثيقة الأولى التي تعلن عنها الساردة في سعي منه لإدانة داعش، من خلال تعرية موبقاته، فإن الوثيقة الثانية هي بيع هيلين، تحت الرقم (27)، وإحدى النساء الداعشيات تسلمها وثيقة زواجها، وهي تقول: (هذه وثيقة زواجك. سيأتي زوجك بعد قليل.). أما الوثيقة الثالثة فتتمثل بالمتعة المؤقتة التي تجري في السوق: (بأخذ إحدى النساء الى صف مجاور، وإرجاعها الى مكانها فورا بعد الإغتصاب.). وثمة طريقة أخرى في نظام المتعة المؤقتة :(إذا قرر أحدهم شراءها فلا بد له من دفع مبلغ لإدارة التنظيم وفق عقد شراء مختوم بختم الدولة.). والوثيقة الرابعة، تأتي عبر رصد عيني هيلين للشوارع للقطتين في مدينة الموصل، وهي بالسيارة في طريقها الى دار بائعها الجديد الذي أغتصب هذه الدار، أثر هجرة مالكها الحقيقي منها، تجنبا لتطبيق قوانين داعش. وفي كلا اللقطتين، تجري المقارنة بين ماضي المدينة وحاضرها، والتناقض الناجم بين الزمنين. وإذا كانت في اللقطة الأولى، بدت الشوارع لها موحشة، في إشارة واضحة الى خشية أهالي مدينة الموصل في الخروج الى الشوارع، بعد دخول داعش اليها، فإنها كانت تتمشى في الشوارع نفسها سابقا حرة طليقة. وفي اللقطة الثانية، في الوقت الذي ترى فيه عبارات داعش مكتوبة على الجدران، كعبارة (ومعا نرعى شجرة الخلافة)، وبمقابل هذه العبارات، تقرأ على جدران أخرى، ما يعبر عن الحب، كجملة (أحبج نداوي) في إيماءة الى رفض شباب مدينة الموصل لنهج داعش. وكلا اللقطتين تشيان، بأن قوانين داعش لم تقتصر في تطبيقها على الأيزيديين فقط، وإنما على أهالي كل المدن والقرى التي أحتلتها.
والوثيقة الخامسة تتمثل في نزول مالكها، مالك هيلين الداعشي من السيارة، لأنه وجد شخصا في محل بيع ملابس نسائية، منبها إياه، لأنه كان يتحدث مع زبونة وهو بمسافة أقل من مترين منها، وعقوبة هذه المخالفة (25) جلدة. وفي السادسة إنزال مالكها للافتة الواجهة الأمامية لأحد دكاكين بيع الطرشي والزيتون، لأن الطرشي وكل ما يخمر في شرع وقانون داعش ممنوع. بالإضافة الى عشرات لقائمة طويلة من الوثائق التي لا تعد ولا تحصى على إمتداد الرواية.
تتوزع الرواية على عشرين عناوين، تبدأ بعنوان (27)، وتنتهي بعنوان (رقصة الألم). تبلغ عدد صفحات كل عنوان بحدود عشر صفحات ونيف، ليصل مجموع صفحات الكتاب الكلي الى (252) صفحة. وتدور حوادثها حول الشاب (ألياس) القادم من مدينة الموصل الى قرية (حليقي) لأصطياد الطيور، ويعمل بأجر العقد في كتابة المقالات لإحدى المجلات الموصلية، وتحت جبل هذه القرية الوهمية، يلتقي الياس بهيلين، وهي ترعى الأغنام ، فيحب بعضهما البعض ويتزوجان، مع ان ألياس له أبن من زوجته المتوفية، وأن والد هيلين كان قد وعد أحد شباب القرية بزواجه من أبنته. وبعد ان تنجب هيلين ولدا وبنتا، يدخل داعش مدينة الموصل، ليختطف ألياس من المجلة التي يعمل فيها، وأثناء ما تقوم هيلين بالبحث عنه تعتقل هي الأخرى لأنها يزيدية. وهكذا تتبعثر الأسرة كلا في مكان، الأم في الأسر، والإخوان في معسكر تدريب داعش، والبنت الصغيرة أودعتها والدتها لدى أحد جيرانها، والأب بالنسبة لزوجته وولديه مجهول المصير، ويتبين فيما بعد أن داعش قتلته نحرا.
تنزع الساردة الى تقنية المقارنة والتناقض لتعرية الوجه البشع لداعش، والوجه الناصع لشخصيات الرواية التي تمثل الأيزيديين. الأول في تعاملها مع الأسرى وعدم إحترامها لقدسية التعليم والمدارس وتربية الصبيان، من خلال ربط الماضي بالحاضر، وإجراء وجه المقارنة بينهما، بتحويل بناية المدرسة التي تشبهها (هيلين) بالمدرسة الأبتدائية التي كانت تتعلم فيها الى سوق لبيع النساء. هذه المدرسة التي كانت مديرة مدرستها، التلميذ الذي يعلك حتى في الفرصة، توبخه. وتحويل الصفوف الى أختبار الصبيان للتدريب العسكري، بدلا من تربيتهم وتعليمهم.
والثاني عبر المقارنة بين طائر القبج، بوصفه طائرا مسالما، ولكنه في الوقت نفسه مثل أهالي القرية يتحلى بروح المكابرة: (إذا اصابته طلقة صياد تراه يطير طيرانا عموديا الى أعلى إرتفاع ممكن حتى ينزف آخر قطرة من دمه قبل أن يسقط الى الأرض كحجر.). مثله مثل أهالي القرية الذين تحدوا داعش، ولم يتنازلوا لها. وتكشف هذه الجملة في تناصها مع عنوان مسرحية: (تموت الأشجار واقفة) لأليخاندرو كاسونا.
أما التناقض، فيتمظهر في سلوك داعش مع الأسيرات، في الملابس التي يفرضها عليهن أعضاء التنظيم: (ففي البداية عليهن أن يرتدن النقاب الأسود الذي لا تظهر منه سوى العيون، وبعد ذلك عليهن إرتداء ملابس خلاعية لتصويرهن وعرضهن للبيع.). والحبل الذي عثرت عليه ريحانة في القاعة وحاولت أن تشنق نفسها به، هذه الحادثة هي الأخرى ضربا من ضروب التناقض، ذلك أن الحبل الذي حاولت قسمة أن تنهي حياتها به، كان في يوم ما يستعمل للعبة القفز في المدرسة. ويمكن إدراج هذين التناقضين ضمن تقنية المقارنة أيضا. وجملة: (الأطفال لا يخافون. عندما تكبرين ستخافين من الأفلام المرعبة مثل أمك.). التي يطلقها الأب لأبنته هيلين، عندما كانت طفلة صغيرة، أثر عودتهم الى بيتهم من مشاهدة أحد الأفلام في الموصل، توحي الى أن الأعمال الأجرامية التي سيقوم بها داعش، ستكون أكثر رعبا من كل الأفلام المرعبة التي أخرجتها هوليود، وأن هيلين ستخافها مثل خوف أمها من الفلم الذي شاهدته، أي انها ستمر بهذه المحنة، محنة فلم داعش المرعب.
مثلما لجأت الساردة في الوثيقة الى إستخدام المقارنة والإيحاء والتناقض، كذلك لجأت الى التقنيات نفسها في تكوين لتشكيلات جمالية للرواية. وتأتي في مقدمة هذه التشكيلات، عبر عدسة عيني هيلين وهي تلتقط صورة إنهماك طفلة جارة هيلين التي تركتها والدتها عندها، وهي تركب مجموعة من المكعبات فوق بعضها البعض، فترتفع مثل بناية عالية ثم تميل وتسقط جانبا الموحية الى ان هيلين، تتخيل أن تفعل مثلها، أي أن تنهدم جدران الغرفة لتركض عائدة الى بيتها. كما أن صراخ الطفلة وركضها الى الطابق الثاني، حين رأت هيلين ملثمة بالنقاب، يوحي الى أن حتى الأطفال تخاف من هذه الملابس. وإن شئنا التأويل، فإن هيلين بظهورها ملثمة بالنقاب وبيدها سكين، تتحول الى (داعش). سيما والطفلة تهرب منها خائفة. ويتكرر سعي هيلين للهروب من دار مالكها في أكثر من مكان في الرواية، إيحاء الى أنها ستنفذ مشروعها هذا في النهاية، كما مثلا في ملاحظتها للحيز الفارغ الذي كان فيه التلفزيون.
أما جملة: (حين نهض ماسحا دموعه، فرحت هيلين تماما كفرحها لحظة صعود الطائر من أمامها الى الأعالي، وطيرانه بعيدا). توحي الى إنجذابها الى ألياس، أو تعلقها به في تلك اللحظة بمقدار ما تتعلق بالطائر. وجملة: (كأنه حل محل الطائر الأسير) الى أسر ألياس من قبل داعش. وجملة: (لا يدري لماذا فرح ذلك الفرح العارم عندما سمع أسمها.) ربما لأن أسمها الذي يعني العش بالكردية، أوحى له، بأنه سيعيش سعيدا معها، ذلك لأنها ستكون الأم المثالية في تربية أولادها وبناتها، والسهر على راحة زوجها. كما أن جملة : (في الشارع، مسكت هيلين كتفه وقالت حاول ألآ تتأخر اليوم).، توحي الى إختطافه من قبل داعش. ولعل توقف الأثنين عن السير في اللحظة نفسها، ونظرته بعمق اليها طالبا منها إيصالها مع الأولاد الى بيت أهلها في حليقي، تضاعف هذه الجملة من إيحاء الجمل الأولى، وتؤكد أنها أيضا مع الأولاد سيقعون في أسر داعش. والحوار الدائر بين هيلين وشيماء عن حلم هيلين بأبيها الذي كان منزعجا من أجلها لأنكسار سنها الأمامي. في الوقت الذي مع الجملة التي تليها: (يجب أن نحكي أحلامنا السيئة في الحمام كي يزول تأثيرها.) تعبرعن العقل أو الوعي الجمعي، في الوقت ذاته تنذر كلا الجملتين بالشؤم وحلول الشر.
إلآ أن الإيحاء الأكثر تعبيرا من بقية الإيحاءات الأخرى، هو الخبر المعلن عن صوت المذيع بأن: (سيشهد العالم هذا الصيف آخر خسوف للقمر في القرن العشرين وسوف تستغرق الظاهرة ثلاث ساعات فوق أوروبا والهند والشرق الأوسط علما أن العراق وسوريا هما البلدان العربيان الوحيدان اللذان سيشهدان الخسوف الكامل وستكون الظاهرة أوضح ما يمكن فوق سهل نينوى.). إن هذا الإيحاء أكثر تعبيرا، لأنه يتعرض لخرافة العقل الجمعي، وذلك من خلال المعتقدات التي ما زالت سائدة، بأن ظاهرة الخسوف تحدث بفعل إبتلاع الحوت للقمر، لذلك فإن سكان المناطق التي يظهر فيها الخسوف، تلجأ الى إحداث الأصوات العالية، سيما القرع على الطبول لإخافة الحوت من بلع القمر. وها هو السائق يدعو الى الحيطة والحذر، عندما يقول لألياس: (أوه، خسوف. لازم نتهيأ.). ولم تكتف الساردة بخبر المذياع، ودعوة السائق، بل أضافت إليهما هذه الجملة التي تزيد وضوحا من معنى خسوف القمر: (وضغط السائق بسرعة على البريك لأن خروفا عبر الشارع. أرتد ألياس الى الخلف والأمام جراء الوقفة المفاجئة ثم قال) : ((هذا ضائع أم هارب من القطيع.)).
خسوف القمر، في العقل الجمعي، نذير شؤم، وحلول الكوارث. وحدوثه في القرن العشرين، وعلى وجه التحديد فوق سهل نينوى، إشارة واضحة الى توجيه أصبع إحلال هذه الكارثة بداعش، الى أن هذا الحوت هو الذي سيبلع سكان سهل نينوى، بدليل أن خروفا ما، بتأويله الى إنسان، قد أضل طريقه. في إيماءة الى تشتيت أهالي سنجار والقرى التابعة لها في البراري والصحاري والمخيمات وفي شتى المدن العراقية، جراء دخول داعش مدينة الموصل. إن لم يتشتت في العالم كله. كما أن قول أم سناء لألياس: (أتراهن معك ستختفي هذه القلادة قريبا.)، توحي الى المعنى السابق بدخول داعش الى المدينة، وإحلال الدمار فيها. وجملة :(لم يأتني النوم)، هي الأخرى توحي الى المعنى ذاته، أو الى المعنى السالفين.
كما أن جملة: (أبتسم ألياس فقد بدا له صفيرهم متناغما مع نقنقة طيور القبج وكأن أحدهم الصوت والآخر الصدى، توحي الى وداعة أهالي قرية حليقي وطيبتهم. والصفير هو لغة الإشارات، وإذا عرفنا أن الإنسان في بداية تكوينه كان يتحاور كذلك بالإشارات، فهذا يدل الى أنه ما زال يتحلى بقسط ما كان عليه الإنسان الذي عاش في الطبيعة ببراءة وعفويته. وجملة :( أحب أن أعيش معك زمنا طويلا جدا، ولا أريد أن أموت شابا، توحي الى موته المبكر. و(متى يأتي ألياس الى البيت ؟) إيحاء الى إختطافه، أي أنه لا يأتي.
موازاة لشقي التماهي، تلوذ الساردة الى إستخدام العقل الجمعي للمعتقدات السائدة لأهالي قرية حليقي، ليس في خسوف القمر فقط، وإنما أيضا في ضياع خاتم الزواج، وحبها للطيور، سيما القبج، وعدم إيذاء الحية، بل بالعكس ملاطفتها واللعب معها، وإيمانها بقراءة الحظ، والأحلام التي تأتيها في المنام.
يتكرر (خسوف القمر) ثلاث مرات في الرواية. في المرة الاولى، في جملة: ( سيشهد العالم هذا الصيف آخر خسوف للقمر. . .). والمرة الثانية في جملة: (سنفعل ما بوسعنا لإنقاذ القمر من الحوت. والمرة الثالثة في جملة: (سيتوجهون كلهم الى جبل يسمونه سن الكلب لأنه محاط بجبال وتلال أقل إرتفاعا فيبرز بينهم كسن الكلب). في الأولى يأتي بصيغة الإيحاء لحدوثه، والثاني إستعدادا لمواجهته، والثالث تنفيذا للمواجهة.
في مكان ما من هذا المقال، نوهنا الى صيغة الإيحاء الأولى، لذلك سنعرج الى الصيغة الثانية والثالثة. وإذا كان خسوف القمر في الأولى يوحي الى دخول داعش الى مدينة الموصل والأطراف المحيطة بها، فإنه في الثانية، لإقترانه بالتهيؤ للفعل، أو العمل لإنقاذ القمر من الحوت، يرتبط بنوعية البذور والنباتات المزروعة في التربة، ومدى الإعتناء بها أو إهمالها. في إشارة الى مدى إخلاص المسؤولين لمدينتهم وحمايتها مما يؤدي الى عدم الإضرار بها. وجملة: (لا يوجد بستان سماق آخر غيره في القرية. كان تينا من قبل ولكنه من الإهمال تحول الى سماق، إشارة واضحة الى إتهام المسؤولين في الموصل بدخول داعش. والجملة التي تليها توضح هذا المعنى أكثر: (السماق ينتعش في البربة المهملة اليابسة التي فيها المشاكل. في إشارة واضحة أخرى الى المشاكل القائمة بين الحكومة الأتحادية في بغداد، والحكومة المحلية في محافظة الموصل. وفي الحوار الدائر بين ألياس وأم هيلين، يلجأ السارد الى الرمز في تفكيك أحاجي البستان الدال الى الوطن المهمل شأنه شأن البذور والنباتات المزروعة . فقد تحول من بستان للتين الى بستان للسماق (أبو المشاكل). والجملة التي تليها لتعالج مشكلة السماق الرامز الى داعش، بتأويله الى الحوت الذي يبلع القمر. هكذا بهذا الاسلوب الرمزي الذي تعول الساردة على العقل الجمعي، تسعى الى توطين وحدة الموضوع في روايتها.
أما في الصيغة الثالثة، يقترن خسوف القمر بالعودة الى ماضي العراق في الحروب التي خاضها مع إيران والكويت ودول التحالف، بنبوءة إندلاعها من قبل شخصية الحجي أبو التمن المبتكرة من قبل الحكومة: (لكي يرمي الشعب اللوم على الحوت المسكين في جلبه للحرب وكل شيء) كما تقول الساردة. في إشارة الى أن الدول الآنفة الذكر هي التي تسعى الى بلع العراق، بوصفه قمرا، وليس العكس.
وربما لأن هذا الخسوف جلب الى العراق الويلات، حيث أستشهد والد ألياس في الحرب الإيرانية – العراقية ومع أن ألياس شارك في أداء طقوس خسوف الحروب الثلاث، إلآ أنه في هذا الخسوف، وهو خسوف داعش، الأخطر من الخسوف الثلاثة الآنفة الذكر، ذلك لأنه: ( سيؤدي الى نهاية العالم، كان ذهنه شاردا عن القمر، ومشغولا ببنت قروية، لإلتقاء نظراتهما بادلها نظرتها ثم نظر الى القمر ثم اليها مرة أخرى. كانت نيران الفوانيس تحيط بهما من كل جانب مثل قلادة متلألئة في العتمة.). موحية نظراتهما وسط نيران الفوانيس فضلا عن زواجهما قريبا، إبعاد القمر عن فاه الحوت. وزاد ألق هذا المشهد، تعزيزه بسماع ألياس، أو هكذا خيل له، صفير طيور القبج.
اللافت للنظر، أن الطيور كطائر القبج والحيوانات كالحية، تلعب دورا كبيرا في فضاء هذه الرواية، سيما في حياة أهالي قرية حليقي. بلغ حد التفاعل بينهما، بدليل أن طيور القبج بصفيرها، تعبر عن فرحها ومشاركتها بإنقاذ القمر. كما أن أهالي القرية يقلدون الطائر المصاب أثناء إصابته وهو يطير، على أنغام حزينة، وهو يتلوى بحركات، شبيهة بالرقص، ويسمونها أهالي القرية: ( رقصة الألم.). والشيء نفسه ينطبق على الحية، إذ جاءت مكانتها هذه، بفعل سدها لثقب سفينة نوح التي كادت أن تغرق، وبذلك فقد أنقذت البشرية من الفناء المحتم، ويعدها أهالي القرية فأل حسن، لأنها مسالمة ولا تؤذي، بدليل أن هيلين قالت لألياس: (سأحمل الحية معي الى البيت)، وفي مكان آخر ذهب آزاد وهو شقيق هيلين حيث تتواجد الحيات ليلعب معها.
إذا كانت هيلين الشخصية المحورية لهذه الرواية، لا يبزها فيها سوى شخصية ألياس، فإن طير القبج يبز الأثنين، وهو بذلك لا يجمع بين شخصية كليهما ويمثلهما فقط، بل ويرمز الى كل أهالي قرية حليقي. ذلك لأن كليهما قدر لهما أن يقضيا حياتهما في قفص. طير القبج في قفص الصيادين. وأهالي حليقي في قفص داعش. الأول لأن جماله نقمة عليه، ويتسم بالوداعة، والثاني لأنه في منتهى التسامح والمحبة والطيبة. ربما لهذه الصفات المشتركة بينهما، فإن الحليقيين لا يصيدون الطيور ولا يأكلون لحومها، ويحرقون أقفاصها ويرقصون حول النار. لا لتحريرهم الطيور من عبودية الصيادين فقط، وإنما لتحرير أنفسهم أيضا من عبودية داعش، بالتأويل لأعتقادهم أن مثل هذا الإحتفاء، ستجعل من الطيور تجلب لهم الأخبار السارة.
غالبا ما تجري الساردة، وجه المقارنة بين الطيور والحلقيين. لبلوغ تشابه مأساتهما، كما مثلا في أول لقاء بين ألياس وهيلين تحت سفح الجبل، وألياس يحاول أن يصطاد أحد الطيور، غير أن هيلين طيرته، وهي تقول له: (ماذا لو أنها أم وتريد أن تلتحق بفراخها؟ أنت تقبل أن تفرق بينهم.).
في الظاهر، أو كما يأتي على لسان الساردة، أن ألياس تألم، نتيجة مقارنة فراخ الطير بأبنه الصغير الذي ماتت أمه. ولكننا لو شئنا تأويل هذا الظاهر، لتبين أنه يهدف الى تفريق داعش لهيلين عن أبنها وأبنتها، وبالتالي كل أمهات الأيزيديات عن أبنائهن. ولعل تصورها: ( كأنه حل محل الطائر الأسير)، إيحاء الى أن ألياس سيدخل في القفص، أو الأسر مثل الطير، ودليل الى أن داعش سيفرقه عن أبنيه وأبنته.
القصة التي تسردها هيلين لألياس عن حب العاشقين رشو وخنسي، وأجتياح مرض الطاعون لبلدتهما أثر زواجهما، لها علاقة بقصة زواج ألياس وهيلين، إذ بعد زواجهما يدخل داعش مدينة الموصل أيضا، أي أن سرد هذه القصة، شأنها شأن قراءة حظ ألياس من قبل إحدى العرافات، لم يأتيا عن فراغ، وإنما تعزيز للحدث الرئيس الذي هو دخول داعش، والدمار الذي أحدثه. كما أن هذه القصة للعاشقين، تعبر عن الشيء ذاته. وكذلك قصة توصية جنكيز خان لحفيده هولاكو، بأن يستكمل الفتوحات التي بدأها في غزو آسيا، هي الأخرى كقصة العاشقين، ترتبط بالحدث الرئيس للرواية، وجاءت تعزيزا له، وذلك من خلال ربط الماضي بالحاضر، وإعادة التأريخ نفسه.
في مسرحية (عطيل) لشكسبير يتجنب معظم المخرجين من إظهار مشهد خنق عطيل لديزدمونة، لا بل يعد إظهاره نوعا من الجنون، إن لم يكن المساس بمشاعر المتلقي. والشيء نفسه ينطبق على رواية (وحدها شجرة الرمان ) لسنان أنطوان، لبشاعة المشهد، لا يغسل الأب جثة أبنه. بينما في روايتنا هذه، لإدانة داعش وتعرية جرائمه، يتم عملية نحر ألياس بالفيديو الذي يعرضه أحد أعضاء التنظيم، أمام ولديه، وهو طبعا لا يعرف بصلة القرابة الي تجمعهما بالضحية. ولكن الأسوأ عندما يعرف أنه والدهما، بدلا من أن يعتذر لهما، يرد عليهما بكل صلافة ووقاحة: (بأنه إذا كان كافرا فيجب أن تكون أنت أول من يحاربه. أخوك هذا الذي بجانبك ليس أخاك إن لم يكن على الطريق الصحيح. الدولة هي عائلتك ولها الولاء والتضحية اولا وأخيرا.).
في هذا الحوار الدائر بين الأم وولديها حول مقتل زوجها نحرا، وفقدانها لأمل عودته، الهدف منه ليس فقط الإشمئزاز من سلوك وتصرفات داعش حد التقيؤ فقط، وإنما إبراز النزعة الوحشية المجردة من أي أحاسيس ومشاعر في كيانها.
بالرغم من أن الهجرة ليست الحل الأنجع لحل قضية الأيزيديين، متمثلة بهجرة هيلين مع ولديها، غير أن جعل نهاية الرواية مفتوحة على كل الإحتمالات، وهيلين تخاطب ماريو وهي تفكر وتخاطبه بمفردة: (سأحاول)، خفف هذ الإنفتاح بقسط لا بأس به في حل قضية الأيزيديين من الهجرة الى الإستقرار في البلد.(عملية الإنزياح).

المصادر:
1- عن الصفحة الشخصية للدكتور جودت هوشيار على موقع الفيسبوك.
2- التخيل التأريخي، تأليف الدكتور عبدالله ابراهيم، دار المؤسسة العربية للدراسات والنشر. لبنان. 2011
3- عن الصفحة الشخصية للدكتور جودت هوشيار على موقع الفيسبوك.
*كاتب المقال.
4- التخيل التأريخي، تأليف الدكتور ابراهيم عبدالله دار المؤسسة العربية للدراسات والنشرز لبنان. 2011

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *