كريم الثوري : محاكمة وطن / هذا ليس وجهك / لرسمية محيبس

فكرت في إحصاء أصابعي قبل أن آوي اليك
نسيت في محطات البريد أسماء أصدقائي
وبيوت أهلي المتناثرة في جنوبك الساخن
اجريت مع نجومك حواراً لا ينتهي
حاولت أن ارسم صورتك على الماء
غرست يدي فالتقت بطينك
أتقنت لعبة الغوص في مياهك الضحلة

هذا ليس وجهك :
أشار اختصاصيو علم الهيأة إلى تأثر الناس منذ القدم بعلم الفراسة  ، إحساساً منهم  بدور الفراسة في استكشاف بواطن ما تُخبئ  الوجوه ، وردوها إلى حد بعيد إلى حقيقة الأشخاص وما تُخفي نفوسهم من شكوكٍ أو نوايا  ، تجاوبا مع  شعور داخلي غريب يُعشعش في أعماقهم  ، ما رسخ قاعدة غيبية تمثل دور اللقطة الأولى وانعكاساتها سلباً أو ايجاباً  في مقابلات الناس وجها لوجه ، مقياسا على كثير من البشر ، ولعل ذلك مرده ابتداءاً إلى الفطرة . وعوامل أخرى مُكتسبة بالمران والدربة ، حتى ذهب البعض إلى فراسة العينين والمبسم والجبين ، فتبينت لهم القصص والحكايات والكتابات ، ومن خلال استنطاقها ، تلصقهم بحقيقة ما ترسب في نفوسهم .
أبتدأت الشاعرة رسمية محيبس باكورة مراحل لعبتها الشعرية في اقتحام وتفكيك بنية الوجه المشكوك ولاؤه ، ( هذا ليس وجهك ) ، فمنذ اطلالة البيت الأول وقبل أن تحط رحالها ، نراها تقول :  ( فكرت في إحصاء أصابعي قبل أن آوي اليك ) .
التفكير هنا لم يكن سوى عملية فيثاغورسية تناولتها على طريقة الإحصاء ، جديّة الطرح ، انتقالها من حالة المشافهة إلى محاججة اتهامية على سبيل الخيانة ،  بمعنى آخر هي تلبست بلبوسه وترجلت في رحلتها الكونية كجزء منفلت يعود إلى أصله ، لتكتشف حجم المفارقات الهائلة ، والخسائر التي تكبدتها ، هي عودة رقمية كما اشرنا ، لذلك لا تبدو عملية الإحصاء أو عد الأصابع سوى مدخل ذكي ذهبت إليه الشاعرة رسمية لتقذف في وجوهنا أول مراحل ظنونها ، لكنه والمفارقة القاتلة في تركيبة ( آوي اليك ) ، فكيف إذا كان التشكيك على أشده لدرجة أن المحل المشار إليه  ( الوطن ) والذي يمثل السكن الدائم ، ومع ذلك  تأكيدها التهكمي  قبل الإيواء إليه  من باب التخوين ، دالة على خاصية مخاض العودة بعد غياب إلى المحل الأم لتكتشف حجم المفارقات  ؟ .
لنذهب معها في رحلتها الاستكشافية ، على طريقتها ، نعد أصابعنا ونكتشف حجم التشويه والنقصان الذي داهمها / داهمنا جميعا /  ، في عملية جدولة رياضية ، ونقارب مع أنفسنا ذات النتيجة التي وصلت اليها .
الأفعال التالية بعد المقطع الأول : ( نسيت / اجريت / حاولت / غرست /اتقنت / …./ لا تبدو أكثر من عَدٍ تنازلي في خطوات مبعثرة في شيخوخة الطفل المتكلس بذاكرة الفاجعة  القابع فيها ،  ليعد أصابعه في سيرورة الذاكرة المبتلاة ، فيكتشف كم التغير الهائل في تشويه صور المعالم الثابتة انطلاقا من نفسه تجاه العالم الخراجي ، وما بين الثابت والمتحول الذي يمثل صدمة الصرخة المدوية ينطلق السؤال الأشكالي ، فالوطن بالقياسات التأويلية هو حركة الناس على محك مصاديقهم ،السؤال : من يحاسب من ، نحن ( بدلالة رسمية محيبس )  نحاسب الوطن بما قدم لنا ، أم الوطن الذي يحاكمنا باعتبارنا انفلتنا عن مداره، كما ينفلج الخبيث من الطيب ،  ماذا قدمنا له ، الترامي هنا يتخذ طبيعة السيرة الذاتية للولوج عميقا حتى مركز الاستقطاب وملامسة الجذور والعودة ثانية للمقارنة والمقاربة ؟؟؟
لنتابع تفاصيل رحلتها ونسير بمحاذات خطواتها :

صنعت غيوما
وتركت لها أن تجوب حدودك  بحرية
نشرت على جدرانك كلماتي الشوهاء
لم افكر بمن يقرأها
قد تتآكل أو يطمرها الغبار
والريح التي تتجول  بشراسة في حقولك الجرداء
ما حاجتي إلى نقاد يتقنون فن الكلام
وأنت وجهي الآخر
شهدت معك انتفاضات أرضنا التي
كادت تموت شوقا الى الماء
على ذات النفس الإيقاعي المنثور يستمر توهج المقاطع الصورية في وحدة تجاذب بين المركز كمغناطيس جاذب وبين الأفلاك المنفلتة ، وهي تروم اللحاق لقطع الشك باليقين ، متخطية ما لحقها من تلكؤ أو دنس حال دون وحدة المصير أو تتويج النصاب كما كان مؤملا له. في هذا المقطع يمكن تسجيل ملاحظتين انفردت بها المقاطع ذات التوجس الانفعالي وهو في اوج عافيته :
الملاحظة الأولى : الشاعرة رسمية محيبس في رحلتها التداولية بينها وبين المركز ، الوجه الذي أعلنت عبر عنوان القصيدة ( هذا ليس وجهك ) وبقية التفاصيل ، تحاول أن تؤكد / أن لا صحة لشكوكها أو ظنونها إزاء ما حصل ويحصل من أنتهاكات أو نكوص في مسيرة التخبط ، لتخلي ساحتها وعلى الآخرين أن يحذو حذوها /  ، وبهذا هي تعيد الكرة إلى ملعب الأسباب الحقيقية ، فمن جملة ما يتضمنه الخطاب وقد نجحت به لدرجة كبيرة ، حينما أوهمت القارئ واستدرجته منذ البيت الأول حينما أشارت (فكرت في إحصاء أصابعي قبل أن آوي اليك ) ، فالخطاب قد أوهمنا وكأنه يدور بين محورين ، محور القطب والذي مثله الوجه عِبر تفاصيل تمثل سيرتها الذاتية / منفتح على سيرة كل منا إزاء الوجه / ،
والمحورالثاني ، هو الروح المُتهمة ، فالأتهام في مورده موجه من خلال ( قُراء البصر لا المشافهة والسماع ) بمعنى آخر ، اشركتنا جميعا ، من خلال حج البراءة  بأنها عملت ما كانت قادرة عليه ،  فهل عملنا نحن القُراء ما كان  بمقدورنا عمله  ؟ ،  وما حجم المسؤولية التي تقع على عاتقنا  في التباطئ والتكاسل في التصدي لسلطات الأزلام ، أم تركناهم يعبثون في تشويه معالم الوجه ؟ .
لذلك نراها تقول في المقاطع الأولى :

نشرت على جدرانك كلماتي الشوهاء
لم افكر بمن يقرأها
قد تتآكل أو يطمرها الغبار

وهذا بحد ذاته اسهاما منها في تقويض حجة الادعاء الموجه إليها ، سواء كان خارجيا أو داخليا ، عبر حوارات مازالت تعتمل في وجدان كل واحد منا ، وما مفردة الجدران ( جدرانك )  إلا دلالة تتلقفها الأذهان فهي إشارة إلى روح الثورة والتمرد ، فالكتابة على الجدران تحيلنا جميعا إلى ذاكرة الكَر والفَر ، بين السلطات عبر المخبرين ورجال الأمن ، وبين من تخطى ذلك من الثوريين العتاة ، لكنها  مع ذلك تُبرئ ساحتها فما قامت به مازال مركونا على جدران الذكريات ، لتحيل تبعات من تخلى عن اللحاق إلى القُراء ، والقُراء هنا  في محل من يتعض وهو مهيأ لذلك ، فالقارئ الجيد معني بالأمر أبعد من المستمع الساكن في صومعته بمنأى . لاحظنا كذلك جميل أستخدامها لتركيبة ( كلماتي الشوهاء ) لتحيلنا إلى ذاكرة المظاهرات حينما يخط الثوار كلمات التحريض ضد السلطات ، ما يجعلهم يُثورون بطباشير المظاهرات ( كيفما أتفق ) على الجدران ، دون قياسات محددة .

الملاحظة الثانية :

ما حاجتي الى نقاد يتقنون فن الكلام
وأنتَ وجهي الآخر
شهدت معك انتفاضات أرضنا التي
كادت تموت شوقا إلى الماء

يشكل النقد واحدا من الأمور الخلافية حتى بين المشتغلين عليه ، أما في الذاكرة الشعبية فهو فيما يعنيه القدح والطعن ، حتى أن السواد الأعظم من الناس يتطيرون شرراً من القداحين المتمنطقين ، وتُلقى على تبعاتهم مختلف التصنيفات والنكات ،  فهم شُركاء أهل التفلسف  ، تأخذهم مديات وتعيدهم أخرى  ، كما أن الذاكرة الجماهيرية تميل إلى السهل في التعاطي بدون رموز والغاز ، هذا المنحى وظفته الشاعرة تأسيسا على ذاكرتها وشخصيتها ، حتى أن قصيدتها كانت منسابة بعفوية السليقة التي جُبلت عليها
كذلك ما نفهم من رسالتها أيضا قولها بأن النقد قد خرج من دائرة البحث الحقيقي إلى دائرة المحابات
أما في البيتين اللاحقين فقد عرفتنا على ملامح من توهج بكلماتها بهذا الخصوص ، فاستهلت ب ( شهدت معك ) والشهادة هي عين الملاصقة الحسية عبر الحواس ،  قال تعالى ( فشهد شاهد من أهلها ) والمعنى المراد بذلك الشاهد منها  بمثابة الأهل ،  أي أنه لصيق وحيها ودلالتنا في ذلك ( شهدت معك )،  أي كنا معا وقد اصطفانا إله الحياة والنمو والخصب والبقاء ، إلى اعلان انتفاضات أرضنا ، وختمت البيت بالفعل/  كادت تموت / ، فكانا معا ( هي والرأس المُخاطَب ) ، الآصرة الذي ربط الشوق بالماء .
فياله من تصوير رائع ..
خلاصة هذه الأبيات ، كافحت الشاعرة من خلالها ، أن تفتح لنا بوابة أنتفاضة روحها المعقودة بشراع الحبيب ، كيف كانا متلازمين روحيا  ، بحيث أينما تولي قبلتها ، ثمة وجه الحبيب ( أنت وجهي الآخر ) ، تذكرنا بالآية القرانية المباركة ،  / فأينما تولوا  فثمة وجه الله  / ، فالحب الحقيقي لا يقبل القسمة إلاّ على نفسه .

كنت طفلة ساذجة لا تتقن غير لعبة الحلم
أيقظتك لتبكي معي على تراثنا المنهوب
كنت
تحمل حقائب سفري لتجبرني على الرحيل
انا التي بكت  لصوتك المخنوق
وصورتك المشوّهة
هذا ليس وجهك
أنت ما زلت نموذجا ومدرسة
تنتج الابطال والشهداء
ما زلت تحتفظ بمسودات شرائعك
التي كادت تندثر
ما زالت  فيك متاحف لم تنهب
وآثار وآبار لم تصادر بعد
ما زلت تستمع شتائم بنيك الهائمين في بلاد الله
المتذمرين من صرخات إستغاثتك
ما زلت ايها الجبار تنهض من الحرائق
مغادرا رمادك الجميل المتوزع على القارات
خاسرا ولكنك مزدحما بالبنين وبالبنات

جاء في حديث لصحابي جليل : ( لا يأوي الضّالَّةُ إلا ضّال ) ، وتقول الآية القرانية ( سآوي إلى جبل يعصمني من النار )  ، فيما تقول الشاعرة رسمية محيبس في مطلع قصيدتها ( هذا ليس وجهك ) ،  علامة على دهاليز وجه مازال يشكل الابتذال والتخبط غياب ملامحه الحقيقية  ، /  فكرت في احصاء أصابعي قبل أن آوي اليك /  الأمثال الثلاثة أعلاه تبين لنا حالات هروب ولجوء مع فارق المناسبة والحُكم .
ما ذكرته رسمية محيبس وارد ذكره في التناولات الأدبية  بمختلف الأشكال والألوان ،  للبطل المنتهك سياسيا ومازال يطارده الحلم ، لا يريد أن يقر بهزيمته / غياب ملامح الوجه  يُحاكي الحضور ، يطالبه ، بعشبة الخلود ، تطاردها هذه الفكرة وتقلق راحتها  / ، فتكلفة ذلك باهض الثمن ، يطال كل تجربتها السياسية والأجتماعية ، أحلامها وتطلعاتها  ، يفصل طفولتها عن شبابها ، حاضرها عن غائبها ، مبادئها التي آمنت بها يوما ، ذكريات الصبا التي امدتها بكل هذه الحساسية المفرطة ، معنى ذلك من الصعوبة بمكان تقبل التشكيل الجديد بطريقة  قبول الأمر الواقع / الرأس كما هو يترنح على جسد الشموخ ،  فيما نحن مكتوفي الأيدي / ، محال ممهور بالشمع الأحمر ، فغدونا وإيابنا حيث مسقط الرأس  ، الأصل .
حتى أنها في المقطع الأخير استخدمت ( مازلت ) ست مرات ، إصراراً منها على هذه العودة :

أنت ما زلت نموذجا ومدرسة  / تنتج الابطال والشهداء  / ما زلت تحتفظ بمسودات شرائعك
التي كادت تندثر  / ما زالت  فيك متاحف لم تنهب   / وآثار وآبار لم تصادر بعد/  ما زلت تستمع شتائم بنيك الهائمين في بلاد الله  ….
هذا التوكيد هو ليس لجمجة الرأس بقدر ما هو للذات الغائبة المعطلة ،  ومازالت تعتمل في جوانيات الشاعرة
تجدد العزيمة لنفسها لتستمر ويستمر الإيمان على كوامن مازال يعوّل عليها لعودة محتملة تعيد تشكيل الهيبة للرأس كما في الذاكرة ألأولى ، عزائها الوحيد ،  عزائنا الوحيد أن الوجه مازال :

/ خاسرا ولكنك مزدحما بالبنين وبالبنات /
رسالتها إلى الأجيال القادمة ( البنين والبنات ) أن يكونوا على العهد ، فالوجه وإن كان منزوع الهيبة لكنه يحمل ملامح عودته من جديد ، تلك حكمة وجودنا في الحياة ، إن لم نكن نحن قد اتممنا المسيرة ف / بالبنين والبنات / ، ليس لنا قبلة أخرى لنسد رأسنا ونستشعر كل تاريخنا ، بلمسحة سحرية واحدة ، كما لو أننا في الوطن الحقيقي الآن بتمام عافيته ، وكل ما مر مجرد أضغاث أحلام طلع النهار عليها …
تميمة الميعاد… تطاردها ، تطاردنا ، ولا مجال لتغير فطرة الشعوب  ، وقد جُبلت بطينتهم…

وإذ كان لنا من كلمة أخيرة ، نتساءل : ما مدى علاقة كتابات رسمية محيبس في هذه القصيدة تحديدا، تحت واقع غياب زوجها الشاعر كزار حنتوش في ذمة الآخرة ، وما مدى ما ترك من بصمات على تجربتها الحياتية والشعرية ، بمعنى آخر ، هل تُشكِّل ذاكرة العودة  ومخاطبة الوجه / هذا ليس وجهك / أي أثر لتلازم مسارين دام لسنوات طويلة بينها وبين كزار قبل أن يفترقا ، فترسب في لاوعي الشاعرة حتى تماهى الوطن في رفيق دربها وزوجها فما عادت تميز أيهما / الحاضر، الغائب /؟؟؟
سؤال نطرحه لوجود صلة ، فالمسيرة التي ابتدأتها لسنوات طويلة على المستويات كافة ، كانت مناصف بينها وبين الشاعر كزار حنتوش….
شكرا رسمية محيبس …

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *