مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (1) الجائحة وامتدادت سردها التأريخي..
تأليف: ريلا آسكيو
ترجمة: خضير اللامي

الناقد الأستاذ خضير اللامي

ريلا آسكيو تُعنى بكتابة سرد الروائي التأريخي ، تقيم في قلب الولايات المتحدة الأميريكية ، وتعد الوباء الزاحف والمحتمل فضلا عن الكتابة عنه، آت في قادم الزمان ..

يبدوأننا سنستيقظ مع قدوم طبول الجائحة ببطء ، هنا في قلب هذا البلد : وكيف قد تغير جوهريا .
فحين كنت فتاة ، جاءت إلينا ازمات الحوادث بسرعة فائقة جدا ، نقلتها لنا اخبار الساعة السادسة مساء ، وسهلت موضة الازياء طريقها الينا تدريجيا ، كطلاء مسكوب ، زاحفا من السواحل باتجاهنا هنا في اوكلاهوما . وكنا متأخرين دائما مسافة اشهرعن كاليفورنيا ونيويورك .
وشعرنا برائحة الجائحة الى حد ما . في البدء ، كانت ثمة مسافة أو حفيف ينذرآن فيها الصين وايطاليا . ومن بعد ذلك ، من الساحل الغربي : سيتل لا .Seattle LA ، ومن ثمة مدّ أحمر من الصفاء والفوضى . ومن بعد ذلك ، جاءتنا النذر من نيويورك . وخلت الشوارع ، وخيّم الصمت . ومن ثم شيكاغو وديترويت تلا ذلك اوريليانز . وادركنا أنها تشق طريقها الينا مباشرة . ولكن لا يبدو عليها أنها تقوم بشيء مهم حتى الان .
ولكن فعلتها بعد حين ، مع زميل لي في الجامعة ، هو صديق لصديقي ، وثمة كثير من كبار العمر اجروا فحوصات قريبا من دار رعاية ، وكانت النتيجة ايجابية . وهنا في اوكلاهوما ، يبدو أن زحف الوباء اقل ، وكثير في مكانات أخرى ، وبخاصة في المدن الكبرى ، وباتجاه المدن الصغرى يتكشف تدريجيا ، وبحركة بطيئة ، وسرعان ما تكون هذه الحركة اسرع .
ولكن ، لم تكن حركة رهيبة هنا ، قلنا لنفسنا . فموتانا اصبحت بالمئات ، ولم تكن بالآلاف ، وأننا حاليا ، نصرخ أن اخرجوا من البيوت ، واذهبوا الى العمل ، فإن الجائحة هي من الصغر بحيث لا يتعدى حجمها حجم ضفدعة لا يتعدى هو الاخر ، وعاء ماء على النار سرعان ما شعرت ان الماء يغلي ، تهيأ للقفز .
وقد تناولتُ ثيمة الجائحة في اعمالي السردية السابقة ، سواء القصيرة منها أو الطويلة : فإنّ التآكل التدريجي للكرامة والأمل بين التشرد والحرمان والكآبة ) رواية القيثارة (. فإن العنف العرقي والرعب خلال العام 1921 ، زمن مذبحة تولساTulsa Race Massaker ، في رواية “حريق في في بيولا ” Fire in Beula ، قد تعقبت الورم والمذابح الوحشية، فضلا عن اعادة التشكيل الانجليزي للرواية التي اعمل عليها الان . ودائما هنالك حاجة لتتبع التراكمات الصغيرة والتفاصيل التي تقود الى دورات المناخ .
ومن فوائد السرد التاريخي ، هو أننا نملك منظور الزمن والبعد . وإننا نعرف تماما ، أننا ننظر الى الخلف ، حيث ثمة طرق لا تُعد ولا تُحصى ، وثمة من ينظر احدهم الآخر. وإن المشاكل التدريجية . الذنوب ، والفرص ، والاضطرابات ، كما وصفها جون بارت . إن هذه الاضطرابات هي في قوس التاريخ الانساني . وإننا نعرف أن هذا الجمعي ، اذا لم يكن هو جمعيا ، فإننا نعيش . فإن ذلك الشيء الذي نعيش ، ذلك الشئ الذي نريد ان نسرده لانفسنا في خضم الجائحة حقا . في جريانه السريع . هو أن كل شيء سيكون حسنا ، تغيير و لاتغيير ، مختلف بيد أنه ليس مختلفا .
وحين بلغت سن الرشد ، فإنّ قس كنيستنا اعتقد أن اضطرابا سيصل في أي لحظة : وإن نهايات ايام التحول قريبة حين يظهر السيد المسيح مرة ثانية : وسيولد من جديد اطفال المسيح وسيمسكون به مرة ثانية لمقابلته في الهواء الطلق . وفي كل ليلة يوم احد سيصلي بهم الاخ لوك في الهواء الطلق ، وبيده انجيل الملك جيمس مفتوحا ، وبيده الاخرى ، جريدة اخبارية يود أن يخبرنا فيها ، كيف أن الأختام قد تحطمت .
وقد صدقته . وفي المدرسة ، قمنا بتمارين دحرجة للحماية في حالة تهاجمنا قنبلة نووية . كما يتدرب الاطفال الان على اطلاق الرصاص الحي . وهكذا ، أننا الان نعيش اجواء حرب عالمية ، فقد حارب اباؤنا ، الى حد أننا توقعنا قدوم الهولوكوست في أي لحظة، الدمار ، نهاية العالم . إنها قادمة على اليهود في اوربا ، اليس كذلك ؟ إنها قادمة الى مواطني هوروشيما وناغازاكي .
وقد سمعت هذه القصة من قبل ، في المدرسة ، او الكنيسة . لا اتذكر أيهما . ولكن ، إن اجمل ممثلة في اليابان ، قد تمرضت لانها اصيبت بالاشعاع النووي مما ادى الى سقوط شعررأسها باستثناء خصلتين بقيتا فيه. وحين حركوا جسدها بعد وفاتها فإن تلك الخصلتين قد تركتا خلف الوسادة .
حسنا ، ثمة شيئآن في تلك القصة المشكوك بصحتها . الشيء الأول هو قوة تفاصيلها . فإنّ تينك الشعرتين المحروقتين أتذكرهما جيدا حتى الآن : إنهما خلقتا رعبا قويا حقا في داخلي . إما الأخريتان فهما تتعلقان بقصة جرائم جماعية ، قام بها بلدي بإلقائه قنبلة نووية على مواطنين أبرياء . وإننا نقول دائما ينبغي أن يحدث هذا ، اذ ليس ثمة وسيلة أخرى لانهاء هذه الحرب . بيد أن الحقيفة هي ، أن هذه القصة تسابقت عليها الكنيسة والمدارس هنا في وسط المدينة ، وبعد اجيال من الزمان هنا ايضا وفي وسط البلد ،وبعد اجيال ايضا بعد انتهاء الحرب ، اخبرونا أن كثيرا من الناس اننا نعرف ذنبنا ، حتى وإن لم نكن نعرفه. حتى وإن لم نعترف به أصلا .
وفي احدى الليالي ، استيقظت في سريري – لا بد وأن كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري – وهكذا كنت مسكونة بقصة الممثلة اليابانية ، ولم استطع النوم . ذهبت الى ابويّ لمشاهدة اخبار الساعة العاشرة في قاعة الإستقبال ، وقد اخبرتهما بالقصة ، وكم كان خوفي شديدا من أننا سنموت جميعا في حرب نووية . كما اخبرتهما أنني افكر أنّ نهاية العالم لم تحن بعد .
إنني اتذكر أنّ والدي كان رجلا مهذبا جدا ، ومشاعره عظيمة ، وبهذا الهدوء ، حاول عمليا تهدئتي . قائلا : نحن جميعا نخشى أن العالم بأجمعة سيموت اكثر من موتنا نحن . وقال لا اعرف لماذا يحدث هذا كله في العالم اكثر مما نخافه نحن . قائلا ايضا : إنه لا يعرف لماذا يحدث هذا كله ، ولكن يبدو تماما اكثر خوفا ، ومن الصعوبة بمكان أن نغوص في أعماقه . ثم حاول طمأنتي أنْ لا اقلق ابدا ، ذلك أن نهاية العالم لم تأت بعد .
وفي الحقيقة ، لم يكن هذا صحيحا ؛ ففي العام 1960، وصل العالم الى حافة هاويته ، ولم تكن هنالك حربا نووية . وجاءت سنين العام 1970، والعام 1980، ودورة القرن ، والألفية الجديدة ، ومازال العالم لم ينته بعد، وبعد مرور اعوام من الآن كنت انظر الى الوراء ، والى تنبؤات نهاية العالم ، وبكل الوسائل الى تنبؤات جون وإلى جزيرة باطموس Isle Patmos وقبل ذلك ايضا ؛ الى الوراء ، وقبل ذلك التاريخ ايضا الى الجيل القديم ، الى دانيال ازيكيل والى الاشوريين القدماء . وقد جئت الى والدي لأعرف ماذا يقول عن تلك الليلة تلك التي كنا فيها ننظر الى نهاية العالم لأننا بامكاننا أن ننظر الى نهاية عالمنا تماما .
وفي العام 1930 ، الذي يُعد عام الجفاف والتهور ، وممارسة الزراعة التي خلقت واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في أوكلاهوما ، الذي خلق واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ الامة . وفي قلب الارض التي احتوت على شجيرة اوكلاهوما التي تغلي في الافق . وتحولت السماء الى قطعة سوداء تتصاعد نحو افقها ، وراحت تتدحرج غيوم الغبار ، وتتسابق عبر السهول : خالقة بذلك جدارا عاليا من الأوساخ ، وموجة مد وجزر تجتاح طريقها ، مدمرة بذلك الماشية ، ومدمرة المحاصيل الزراعية ، ومسببة اختناق الاطفال ، وتجريد التربة السطحية ، والعواصف الترابية المرعبة ، وجائحة مرعبة تماما . الى حد اعتقد الناس فيه أن نهاية العالم اقتربت تماما .
ولكن في كتابة رواية عن حقبة ذلك العهد ، وشعوبها وصلت الى الاقتراب من فهم أنّ هذا هو حقبة الجائحة التي تقود الى شيء قد يفاجئنا : الى عقد من التكهنات دون رادع لممارسات جشع مصرفية غير خاضعة للرقابة – وكل هذا يقودنا ايضا الى كآبة عظيمة الغبار ، والذي يقود الى هجرة جمعية كبيرة للأميركان البيض ، عقب فترة طويلة في تاريخ الامة لمئات من الالاف الطوابير يشقون طريقهم غرب كاليفورينا ، والتي تقودنا الى ايقونة جون شتاينبك في روايته عناقيد الغضب Grapes of Wrathالتي تقود الى سبعة عقود من الزمن . وتعلقا بي ، فإن كتابة الرواية ، لا تتجاوب مع عواصف رملية عظيمة ، ولكن تعلقا برواية شتاينبك التي اعتقد أنها تحمل بعض الرعب عن رجال اوكلاهوما ، التي تقود الى الحاجة للبحث عن تفاصيل قبل وخلال الجائحة العظيمة : فضلا عن اخفاقات البنك وقتل الابقار وتسميم الارانب الوحشية واجتياح الارض والاغصان التي يبست عروقها من العطش ، وهروب الارانب حين يلتقي الناس ، وحيث تندفع مثل هذه الارانب حين يتجمع الناس في ايام الاحاد حيث تندفع الاف الارانب البرية بصراخها نتيحة ضربها حتى الموت . فضلا عن التفاصيل الحسية كما لو انها تسرد قصة .

وبسبب ذلك الايمان . ومن ثم شيء قد حدث بالتأكيد وصل الى النهاية مع اصلاحات البروتستانت ، وثمة شيء جديد برز من الرماد مثل طائر الفينيق ، تغير او لم يتغير؛ مختلف اوغير مختلف .
وفي الحقيقة ، وبسبب ، ان الناس بقوا يحافظون على حقهم في قتل الناس باسم الايمان الديني ، وليس الايمان الديني بالضبط ، ولكن باسم الايمان السياسي ، والاقتصادي ، او العرقي ، او الايمان، اوالاظهار الديني او خطأ بروتوس ، انه ليس في نجومنا ، ولكن في دواخل نفوسنا .
وإنه من المريح جدا أن نفكر في الكتّاب الذين يسردون علينا قصص الجائحة ، والى هذا الحد كان في الغالب ان الشعراء يحملون شهادة فضلا عن دور الصحافيين بالطبع ، وكتّاب القصص الواقعية . ولا بد انْ يستغرق هذا وقتا طويلا ، واعتقد كي يبدأ الروائيون لإحباط تلك الكارثة البطيئة ، وكشف النقاب عن نهاية العالم هذه تدريجيا عن الالغاز العالمية هذه . ربما يستغرق هذا وقتا طويلا جدا فإن الكتب ستبقى تعمل على الرواية التاريخية .
إننا نقرأ هذه الروايات ، لاننا نريد أن نعرف مالذي يحدث ، ولماذا – ليس الاعمال الواقعية حسب، والا فإننا سنتقتنع بالروايات التاريخية غير الواقعية لعلم النفس البشري ، اننا هنا نريد ان نفهم الدافع الحي والمجاعات والمخاوف في داخل الشخصيات الروائية ، ماذ يحدث في تلك الايام المظلمة في داخل قلوب الناس الذين يعيشون هذا الواقع . وهذا يكشف عن القناع . وهذا تعلقا بي دائما ما يكون سر الإله ..
جامعة اوكلاهوما ..

ريلا سكيوي ، هي كاتبة روايات قصيرة ، ومقالات ، وروايات . روايتها الاولى كرسي الرحمة . ترشحت لجائزة Pen Faulkner Award وجائزة Diplin IMPAC . وحصلت على جائزة كتاب اوكلاهوما وجائزة 0klahoma Book Award وجائزة التراث الغربي Western Herotage في العام 1998، حريق في بيولاه ، وهي رواية عن مذبحة Tulsa Race كما حصلت على جائزة ، كما حصلت على جائزة مكافأة الكتاب الاميركي . اما قصتها ” مقتل البلانكيت ” ومن بعدها ترشحت للحصول على جائزة القصص القصص القصيرة 1993 ..

شاهد أيضاً

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

معجم كارل بوبر(الحلقة14): *إعادة صياغة إشكالية هيوم
*النسبــــــيـــة *المجتمع المنفتـح والمنغلق
ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم: عندما صادفت،منذ عقدين،كتاب الأستاذة الفرنسية روني بوفريس،الصادر حديثا آنذاك. توخيت بداية،إنجاز مقاربة تلخيصية تعريفية …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *