عدنان أبو أندلس: صرختي الأولى  في الضباب

 على عهدة الذين سمعوا صرخة ولادتي ، وبالأخص أمي التي قالت  : كانت ولادتك حين كُنَا في مضارب ” العُزبة  ” وعند غروب ذلك اليوم  الضبابي في أواخر شهر شباط  من أيام ” العجوز ” ولم تعُد تتذكر السنة ، لكن أكملها والدي بقولهِ : نعم في شباط من  العام 1956. أتذكر عند رجوعي من مدينة ”  الدوز ” يعني ” طوز خورماتو ” ، لغرض التسوق منها ، وحين وصلت المضارب جاءني الأطفال يتراكضون  كالأشباح في ذلك الضباب  الشفيف يخبروني عما حدث ويطالبوني بالبشارة . نعم جئتُ ” أنا ” للدنيا ، وفي النية كانت تسميتي بـ ” حِليم ” بكسر الحاء ، هكذا كان لفظهم للاسم ، لكن في اليوم التالي إستبدلوهُ بـ ” عدنان ” نزولاً لرغبة ” جدَتي ”  حيث لم تستسغ الاسم ، ربما رأتهُ غريباً عن التداول في هذه الديار المغلقة  والمعتادة على جاهزية المألوف ، ولكون أخي الأكبر هو ” سلمان ” وأوضحت بضحكتها وهي فرحة  ” أشوفها راهمة  : عدنان أخو سلمان ” ، كانت مُبتهجة بشكل عجيب ، وعندما قطعت القابلة ” صُرتي ” ، تلقفتها في الحال ، وقد لفتها في خرقة ودفنتها  في زريبة الغنم  كـ ” فأل ”  لكي أصبح راعياً لأغنامنا  الهزيلة الهائمة التي تلتهم القحط الشائك بالأراضي الوعرة وبطون الوديان ، لكن على ما  يبدو قدْ خاب حدسها  ” كرهتُ الغنم ، وأحببتُ الضباب ” !… نعم ؛ جئتُ إلى الدنيا في بقعة تقع تحت  أقدام ومتعرجات تلال  ” حمرين ” وقرب  مقبرة ” عبد الدور ”  في المنخفض الأرضي الذي تتكور فيهِ الأعاصير والأشواك  والرمال والضباب القابع في زواياهُ ، كان بئر ” كدو ” يطفح بمائهِ ، والغدران تتماوج  بمائها الخابط ، والذئاب  تعوي وهي قابعة في كهوف صخرية قريبة ، وفي هدأة الليل تبدأ  بتمشيط أطراف المضارب ، وتدور حولها تتربص إغماضه عينٍ ، أو غفلة كلب . 

في تلك الأرض التي كانت مُحرَمة نتيجة نزاعات العشائر المستمرة على ملكية الرعي فيه ، والتي كانت قدْ شهدت سابقاً  صراعات حادَة بينهم . حيثُ  كان الأهل يمتهنون الحرفة ذاتها مع زراعة ما تجود به الأرض ديماً ، ومن أجل الحصول على المرعى الخصب ،  كُنا في حالة ترحال دائم من منطقة لأخرى بحثاً عن ما تقتات عليهِ أغنامنا  في البراري ، لذا ترانا ننصب  خيمتنا السوداء المنسوجة من شعر الماعز المسماة  ” بيت  الشَعَر ”  بشكل مؤقت  لأيامٍ  ، ونرحل حال انتهاء ما حولنا من العُشب والكلأ وشحة ماء الغدير، لهذا كان الظعن في حالة تأهب دائماً بالرحيل إلى المراعي الخصبة في تلك البقعة الشاسعة جداً حتى تلاشي البصر  والتي يطلق عليها ” الغُرفة ” ، والتي تمتد حدودها من تلال حمرين شمالاً حتى تخوم الخالص جنوباً ، ومن منطقة العيث ” نهر العظيم ” غرباً إلى نهر الشوهاني ” شرقاً . هذه البقعة المجدبة  حياتياً على مر الفصول بسبب شحة الأمطار لوقوعها في خط ” الانحباس المطري ”   التي تتكاثف عليها الغيوم ثم تغادرها بلحظة ، وكما يراها الناظر من فوق تلال ” حمرين ” وخلال فترة الصيف كأنها أمواجاً لامعة هائلة  يتلألأ عليها  السراب الذي يلمع  للناظر من بعيد ويتراقص سخونةً وعتمة ضبابية متواصلة ، وفي حالة سديمية وكأنها مخبوءة وقدْ لبدّت في تجاعيد هذه الأرض كما يراها المشاهد لأول مرَة ، تلك الأرض شبه الرملية ومعيشتها القاسية البدوية  بطباعها الخشنة ، تكاد تكون الكثافة السكانية معدومة إلى حدً مخيف ، وفي زواياها عتمة من الضباب الرصاصي المغبر ، كنتُ أُحدّقُ في تلك الُّلجة لكن دون أن أبصرُ ما يُخالج شعوري الطفولي  سوى  زوايا ضبابية بيضاء في هُباب لا متناهي، حينها كانت ذاكرتي بلا التقاط صوري للملامح المحيطة بي من الناس والديار والفضاء ، بل أتفحص نهايات متشتتة لا مرئية حيثُ لا تخزنها ذاكرة  طفلٌ دون وعي  ،  كونها محشوةً في فراغ ورؤية حُلمية باهتة ومركبة الشكل ،  فيها فقر ، وتخلف ، وجفاف لا يُطاق ، وحطام أمنياتً قُبرت إلى الأبد .

في خضم تلك الأحداث كان التوجس والغدر على أشده  ورائحة البارود والطلقة الطائشة . كانت صرختي الأولى في زوايا  ذلك الضباب والهُباب البعيد الذي يمخر وجه الأرض ، هذا الارتباك اليومي  الذي يسودها أتيتُ إلى الدنيا وشهقت نسائم الأرض الساخنة والمجْدبة والأفق الملثم بالغبار . لم أتذكر منها  إلا عواصف الرمال  وسديم الضباب ، وكأنهُ الحُلم ، فذاكرتي قدْ خزنت  يوم الرحيل  بدقائقة لأنهُ تخطى الحالة الرتيبة التي أشاهدها يومياً  ، فكان الرجوع إلى ديارنا الأصلية هو  أوائل خريف 1961،  الحدث الذي تبقى  بذاكرتي  فقط من تلك الديار ، وبعدما أجدّبت الأرض ، وأمحلتْ ثانيةً ومن جرائها نفقت أكثر شياهنا  ، لم أتذكر قبلها من مشاهد ؛ إلا بعد أن اجتزنا  سلسلة ” حمرين ” في تلك السِّيارة الطويلة  ” الّلوري ” التي أوقفها والدي وسطعت مصابيحها بعيني  لحظة الغروب وشممتُ رائحة ” البنزين ” الغريبة ، سمعتُ صوت سائقها يقول : ” أربيل ” وحين أخبرهُ الوالد جهتنا المقصودة ، وافق بذلك ،  وعلى الفور وضعنا عفشنا وأمتعتنا  وتكدسنا فوق حمولتها الثقيلة من علب الدهن وصناديق خشبية صغيرة ، وسارت بنا في ليلٍ طويل والرياح تصفرُ برؤوسنا من كل الجهات ، لم نعرف ما تحتويه  هذهِ الأثقال ، بل نسمع حركتها تهتز من تحتنا في مطبات الشارع وانحداراته  . لم أرَ سوى الظلام المخيم على طوال الطريق إلا أن  وصلنا لواء كركوك التي شعت بوجهي إضاءة باهرة من أفقها اللامع  ، مررنا بها وكانت محطتنا الأخيرة  قرية ” دارامان الكبير ”  توقفت السيارة ورمينا ظعننا قرب المقهى المزدحم برجالات القرية في ساعة متأخرة من الليل ، وحين سألوا عن هذا النزيل ؟. قال لهم  أبي : ” ابن كوخه عباس ” رحبوا بهِ وقدموا لنا  العشاء  مع صينية الشَاي ” ، وحسبما قالوا في ما بعد ، أنهُ كان من  مختار القرية ” كوخه أمين ” الذي لهُ معرفة وصداقة وطيدة مع جدي ، لذا أرسل أحد رجالاتهِ يدعونا للمبيت عندهُ الليلة ، غير أن والدي أوضح لهُ بأن الأطفال قدْ ناموا ، ولم يبق من الليل إلا قليلاً ، وفعلاً نهض أبي فجراً ، ومضى إلى قريتنا كي يجلب لنا ممن يساعدنا في الرحيل  ، ومن الغبش الضحوك  قدّمت إلينا جماعة من الأقرباء  بصحبة أبي يجرون  قافلة من الحمير ، حمّلوا الظَّعن ، وغدّت بنا إلى مبتغانا ، واستقرينا في ديارنا الأصلية  التي ولد ونشأ بها أجدادنا من قبل ومازالت شواخص قبورهم قائمة لحد الآن ، وتواصلت نشأتي بها فيما بعد ، لكني بقيتُ منكمشٌ على نفسي وأنا القادم من أرضٍ منبسطة ومفتوحة على مد البصر ، يكتفها السَّراب والضباب  والغبار، ولمْ أتخطَ عتبة الدار لأيام ، اعتقدت من أن نظراتي سوف  تصطدم  وتتلاشى عند سفح  تلك الروابي  المقابلة لنا بعد أن أبحرت في لُججٍ من السّديم الشفيف العاكس من وراء التلال ، لكن بدأت الرؤية المركزة لعوالم الحياة تظهر شيئاً فشيئا ، فروحي المتّصدعة لحياةٍ أُخرى تلحُ عليّ بالقبول اللحظوي ، لذا تراني تنعمتُ لترف هذه الديار الجديدة حيث الجداول التي تنبع من التلال القريبة ، والخضرة الوارفة في بطون الأودية زادت لي البهجة بالتغيير السريع حتى اتخذتها مرتعاً للهو اليومي،  فهذه الذكريات السّردية التي أرويها تشعلُ بنفسي أتوناً من الحرمان السابق ، كم كنتُ أكبح نفسي لملذات الروح الطفولية بتنهدات رتيبة مع كل شهقة تمني ، وحين أطلبُ حاجةً من أبي تراهُ يُردّد العبارة ذاتها في كل مرةٍ ” هينة هينة الصُباح رُباح ” أعيشُ وأتأمل، وأغفو عليها ، فكانت البداية في أواخر عام 1962؛  هي المثابة التاريخية لبدء انطلاق النظرات بعد زوال الضباب التدريجي ، ولم يبق منهُ إلا في الزوايا المخفية في تلافيف الفكر والتي تقبع في الخيالات الشاردة  ، ومنها بدأت معرفتي الحقة وباستيقاظ  ذاكرتي الغافية غصباً على النسيان .

 

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *